Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ ما يفعل بالهدي إذا خاف عليه العطب إعلاء السنن ٣٠٣٧- عن أبي قتادة مرفوعا: ((إن كان هديا تطوعا عطب فلا تأكل منه))، . أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه. "كنز العمال" (٢٢:٣). فی دمه ثم اضرب به صفحته، ثم خل بینه وبین الناس يأكلون، فإن أكلت منه فعلیك مكان ما أكلت، وإن شئت صنعت به ما أحببت وعليك مكانه. قال محمد: وبه نأخذ اهـ (٥٥). قلت: ودلالة الآثار المذكورة على مذهب أبى حنيفة ظاهرة، غير أن المتبادر من الآثار عدم جواز الأكل من الهدى المتطوع به مطلقا إذا عطب وأبو حنيفة جوز الأكل منه وإطعامه الأغنياء إذا أراد إبداله بهدى آخر مكانه، ولكن قوله فى حديث أبى قتادة عند البيهقى: ((وإن كان هديا واجبا فليأكل إن شاء، فإنه لا بد من قضاءه)) يدل على أن علة المنع فى ما عطب من هدى التطوع عدم وجوب إبداله بهدى آخر، فإن أوجب المرأ على نفسه إبداله فحكم الواجب والمتطوع به حينئذ سواء فى جواز الأكل منهما إذا عطب، وعليه مكانه، فافهم. وهذا معنى قول عائشة: أكله أحب إلى من تركه للسباع. أى إذا لم يجد الفقراء فى هدى التطوع ولا يرجو مجيئهم فى ذلك المكان عنقريب فليأكل منه هو ورفقته ولا يتركه للسباع، وليهد آخر مكانه، ولا يظن بفقيه أن يشك فى استحسان ذلك والحال هذه. والله تعالى أعلم. قال النووى: إذا عطب الهدى وجب ذبحه وتخليته للمساكين، ويحرم الأكل منها عليه وعلى رفقته الذين معه فى الركب، سواء كان الرفيق مخالطا له أو فى جملة الناس من غير مخالطة، والسبب فى نهيهم قطع الذريعة، لئلا يتوصل بعض الناس إلى نحره أو تعييبه قيل أو أنه. (قلت: هذا مما لا دلالة له فى الأثر ولا تساعده الأصول، بل الظاهر أن النبى معَّ له منع صاحب هدیه ورفقته من أكله لكونهم أغنياء). قال: واختلف العلماء فى الأكل من الهدى إذا عطب فنحره، فقال الشافعی: إن كان هدی تطوع كان له أن يفعل فيه ما شاء من بيع وذبح وأكل وإطعام وغير ذلك، وله تركه، ولا شىء عليه فی کل ذلك؛ لأنه ملکه. وإن كان هدیا منذورا لزمه ذبحه، فإن تر که حتى هلك لزمه ضمانه، كما لو فرط فى حفظ الوديعة حتى تلفت، فإذا ذبحه غمس نعله فى دمه، وضرب بها صفحة سنامه، ليعلم من مربه أنه هدى فيأكله ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقا؛ لأن الهدى مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم، ويجوز للفقراء من غير أهل هذه الرفقة. (قلت: هذا خلاف ما دلت عليه الآثار، فأثر أبى قتادة المذكور فى المتن صريح فى عدم جواز الأكل من هدى ج - ١٠ ما يفعل بالهدي إذا خاف عليه العطب ٤٨٢ ٣٠٣٨- عن أبى قتادة أيضا مرفوعا: ((من ساق الهدى تطوعا فعطب فلا يأكل منه، فإنه إن أكل منه كان عليه بدله، ولكن لينحرها ثم ليغمس نعلها فى دمها ثم ليضرب جبينها، وإن كان هديا واجبا فليأكل إن شاء فإنه لا بد من قضاءه)). أخرجه البيهقى "كنز العمال" (٢٢:٣). التطوع، وجوازه من الهدى الواجب، فافهم) (٤٢٦:١). قال الموفق فى "المغنى": ومن ساق هديا واجبا فعطب دون محله صنع به ما شاء وعليه مكانه، لأنه مضمون عليه، فإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، کما لو كان لرجل علیه دین فاشترى به منه مكيلا فتلف قبل قبضه انفسخ البيع وعاد الدين إلى ذمته، ولأن ذمته لم تبرأ من الواجب بتعيينه، وإنما تعلق الوجوب بمحل آخر، فصارَ كالدين يضمنه ضامن أو يرهن به رهنا، فإنه يتعلق الحق بالضامن والرهن مع بقائه فى ذمة المدين، فمتى تعذر استيفاءه من الضامن أو تلف الرهن بقى الحق فى الذمة بحاله، وهذا كله لا نعلم فيه مخالفا. وإن ذبحه فسرق أو عطب فلا شىء عليه. قال أحمد: إذا نحر فلم يطعمه حتى سرق لا شىء عليه، فإنه إذا نحر فقد فرغ. (فإن القربة فى الهدى تعلقت بإراقة الدم وقد حصلت) وبهذا قال الثورى وابن القاسم من أصحاب مالك وأصحاب الرأى. وقال الشافعى: عليه الإعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه فأشبه ما لو لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه كما لو فرقه، ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلا التفرقة، وليست واجبة بدليل أنه لو خلى بينه وبين الفقراء أجزأه، ولذلك لما نحر النبى معَّ له البدنات قال: ((من شاء اقتطع)) أخرجه أبو داود والنسائى كما فى "عون المعبود" (٨٣:٢). وإذا عطب هذا المعين أو تعيب عيبا يمنع الإجزاء لم يجزه ذبحه عما فى الذمة؛ لأن عليه هديا سليماً ولم يوجد، وعليه مكانه، ويرجع هذا الهدى إلى ملكه فيصنع به ما شاء من أكل أو بيع وهبة وصدقة وغيره، هذا ظاهر كلام الخرق. وحكاه ابن المنذر عن أحمد، والشافعى، وإسحاق، وأبى ثور، وأصحاب الرأى، ونحوه عن عطاء، وقال مالك: ويأكل ويطعم من أحب من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئا. ولنا ما روى سعيد: ثنا سفيان عن عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أهديت هديا تطوعا فعطب فانحر، ثم اغمس النعل فى دمه ثم اضرب بها صفحته، فإن أكلت أو أمرت به غرمت، وإذا أهديت هديا واجبا فعطب فانحره ثم كله إن شئت، ٤٨٣ إعلاء السنن باب من نذر الحج ماشیا لزمه المشی فإن عجز عنه ر کب وأراق دما ٣٠٣٩ - عن عكرمة عن ابن عباس: أن عقبة بن عامر سأل النبى عَّ ◌ُّه فقال: إن أخته نذرت أن تمشى إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النبى عَّه: ((إن الله غنى عن نذر أختك، فلتركب ولتهد بدنة)). رواه أحمد. وفى لفظ: إن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشى إلى البيت وأنها لا تطيق ذلك، فأمرها النبى معَّ لّل أن تركب وتهدى وأهده إن شئت، وبعه إن شئت، وتقو به فی ھدی آخر. وإن ضل المعين فذبح غيره ثم وجده، أو عين غير الضال بدلا عما فى الذمة ثم وجد الضال، ذبحهما معا، روى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وفعلته عائشة، وبه قال مالك، والشافعى، وإسحاق. ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدى فأبدله أن له أن يصنع به ما شاء، أو يرجع إلى ملكه أحدهما، لأنه قد ذبح ما فى الذمة فلم يلزمه شىء آخر، كما لو عطب المعين. وهذا قول أصحاب الرأى. ووجه الأول ما روى عن عائشة رضى الله عنها: أنها أهدت هديين فأضللتهما، فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدى. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله عَ ليه، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما وإيجاب الآخر. اهـ ملخصا (٥٥٨:٣). قلت: إن صح أثر عائشة هذا فهو محمول على الندب، ولا دلالة على الوجوب، وإن سلمنا فهو محمول على ما إذا كان المهدى فقيرا لا يملك النصاب، فإنه إذا أهدى تعلق الوجوب بالمحل، فإذا ضل واشترى آخر مكانه تعلق الوجوب بهذا المحل أيضا، فإذا وجد الأول وجب عليه ذبحه لتعلق الوجوب بعينه، بخلاف الغنی فإن الوجوب فى ذمته دون المحل، فإذا ضل واشترى آخر مكانه تعلق الوجوب بهذا المحل أيضا، فإذا وجد الأول وجب عليه ذبحه لتعلق الوجوب بعينه، بخلاف الغنى فإن الوجوب فى ذمته دون المحل، فإذا ضل وأهدی مدیا آخر مكانه لم يبق الأول واجبا؛ فإن الوجوب فى الذمة وهو لا يتعلق بالمحل كما دل عليه أثر ابن عباس رضى الله عنهما عند سعيد بن منصور بسند صحيح. والله تعالى أعلم. باب من نذر الحج ماشیا لزمه المشی فإن عجز عنه رکب وأراق دما قوله: "عن عكرمة" إلخ. قال فى "الهداية": ومن جعل على نفسه أن يحج ماشيا، فإنه لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة. وفى الأصل خيره بين الركوب والمشى، وهذا إشارة إلى ٠ ٤٨٤ ج-٠ من نذر الحج ماشيا هديا. رواه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ فى "التلخيص": إسناده صحيح. نيل (٤٨٣:٨). الوجوب اهـ. قال المحقق: وهذا لأنه التزم القربة بصفة الكمال فتلزمه بتلك الصفة، كالتزام التتابع فى الصوم اهـ (٨٧:٣). وقال الجصاص فى "أحكام القرآن": روی موسی بن عبيدة عن محمد بن کعب عن ابن عباس قال: ما آسى على شىء إلا أنى وددت أنى كنت حججت ما شيا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يأتوك رجالا﴾. وروى ابن نجيح عن مجاهد: أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشیین. وروى القاسم بن الحكم العربى عن عبيد الله الرصا فى عن عبد الله بن عتبة بن عمير قال: قال ابن عباس: ما قدمت على شىء فأتنى فى شيبتى إلا أنى لم أحج ماشيا. (قلت: أخرجه ابن جرير فى تفسيره بطريق أبى معاوية عن حجاج بن أرطاة عن ابن عباس قال: ما آسى على شىء فأتنى إلا أن لا أكون حججت ماشيا. سمعت الله يقول: ((يأتوك رجالا))، وفيه انقطاع، والظاهر أن الحجاج يرويه عن ابن جريج عن ابن عباس. يدل عليه الإسناد الذى ذكره قبله (١٠٧:٧) وقد ذكره الجصاص بسندين آخرين غير هذا، وتعدد الطرق يورث الضعيف قوة كما لا يخفى). ولقد حج الحسن بن على خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، . . وأن النجائب لتقاد معه. (أخرجه الحاكم فى "المستدرك"، وسكت عنه هو والذهبى (١٦٩:٣). وروى عبد الرزاق عن عمرو بن زر عن مجاهد قال: كانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله تعالى: ((رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق)). وروى ابن جريج قال: أخبرنى العلاء قال: سمعت محمد بن على يقول: كان الحسن بن على يمشى وتقاد دوابه. قال أبو بكر: قوله تعالى: ﴿يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾ يقتضى إباحة الحج ماشيا وراكبا. ولا دلالة فيه على الأفضل منهما. وما رويناه عن السلف فى اختيارهم الحج ماشيا وتأويل الآية عليه يدل على أن الحج ماشيا، وقد روى عن النبى مرّه ما يفصح عن ذلك وهو أن أم عقبة ابن عامر نذرت أن تمشى إلى بيت الله تعالى، فأمرها النبى آ أن تر کب وتهدی. وهذا يدل على أن المشى قربة قد لزمت بالنذر، ولو لا ذلك لما أوجب النبى عّ لّل عليها هديا عند تركها المشى اهـ (٢٣٢:٣). ٤٨٥ من نذر الحج ماشيا إعلاء السنن ٣٠٤٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إن أختى حلفت أن تمشى إلى البيت وأنه يشق عليها المشى، فقال: ((مرها فلتركب إذا لم تستطع أن تمشى فما أغنى الله أن يشق على أختك)). أخرجه الحاكم وسكت عنه الحافظ فى "الفتح" (٥١١:١١). ومن طريق كريب عن ابن عباس نحوه بلفظ: ((لتحج راكبة ثم لتكفر يمينها)). رواه أحمد، وأبو داود ورجاله رجال الصحيح "نيل" (٤٨٣:٨). قلت: ويعكر عليه ما أخرجه البيهقى بسند صحيح(١) عن أبى هريرة رضى الله عنه: بينما رسول الله عَّ يسير فى جوف الليل إذ بصر بجمال نفرت منه الإبل، فإذا امرأة عريانة ناقضة شعرها، فقالت: نذرت أن أحج عريانة ناقضة شعرى فقال: ((مرها فلتلبس ثيابها وستهرق دما))، كذا فى "النيل" (١٨٥:٨). وهو حجة من قال: لا نذر فى معصية، وكفارته كفارة يمين. كما سيأتى فى أبواب النذر. فليس فى إيجابه مَِّ الهدى على أخت عقبة بن عامر دليل على كون المشى إلى بيت الله قربة، وإلا لزم أن يكون حج المرأة عريانة ناقضة شعرها قربة أيضا؛ لأنه مد ظله أوجب عليها الهدى، فالأولى الاعتماد فيه على ما روى عن السلف، وما سيأتى عن رسول الله عَّ مما يدل على كونه أفضل من الركوب، فافهم. وقد اختلفت الروايات فى المذهب، فذكر محمد فى "الأصل": يخير بين الركوب والمشى؛ لأن الحج راكبا أفضل، ويكره ماشيا. وفى "الجامع الصغير" أشار إلى وجوب المشى حيث قال: لا يركب حتى يطوف طواف الزيارة. وفيه إشارة إلى الوجوب، لأنه إخبار عن المجتهد، وإخباره يعتبر بإخبار الشارع؛ لأنه نائبه فى بيان الأحكام. وقال مشايخنا للتوفيق بين الروايتين: إنما يركب إذا بعدت المسافة وشق المشى، وإذا قربت والرجل ممن يعتاد المشى ولا يشق عليه بنبغى أن لا يركب. وبهذا يحصل التوفيق بين روايتى الأصل والجامع الصغير، كذا فى "البناية" للعينى (١٦٣٥:١). قال المحقق فى الفتح: لا يقال: لا نظير للمشى فى الواجبات، ومن شرط صحة النذر أن يكون من جنس المنذور واجب، لأنا نقول: بل له نظير، وهو مشى المكى الذى لا يجد الراحلة وهو قادر على المشى، فإنه يجب عليه أن يحج ماشيا، ونفس الطواف أيضا اهـ (٨٧:٣). وقال الحافظ فى "الفتح": وفى الحديث أى فى حديث عقبة بن عامر صحة النذر بإتيان (١) قلت: هكذا هو فى "النيل" بسند صحيح، وفى "فتح البارى": بسند ضعيف (١١-٥١١) وهو الظاهر، وحينئذ فلا إشكال. والله تعالى أعلم. ٤٨٦٠ ج - ١٠ من نذر الحج ماشيا ٣٠٤١- أخبرنا شعبة بن الحجاج عن الحكم بن عتبة عن إبراهيم النخعى عن على ابن أبى طالب كرم الله وجهه أنه قال: من نذر أن يحج ماشيا ثم عجز فلير كب وليحج ولينحر بدنة. وجاء عنه فى حديث آخر: ويهدى هديا. أخرجه الإمام محمد فى "موطأه" (٣٢٣). وسنده صحيح، وإبراهيم عن على مرسل، ومراسيله صحاح كما قد مر غير مرة. البيت الحرام، وعن أبى حنيفة: إذا لم ينو حجا ولا عمرة لا ينعقد (هذا إذا نذره بلفظ الإتيان أو الذهاب ونحوه، وإذا قال: على المشى إلى بيت الله تعالى، ينعقد وعليه حج أو عمرة. كما فى "فتح القدير " ٨٨:٣). ثم إن نذره راكبا لزمه دم لترفهه بتوفر مؤنة الركوب، وإن نذره ماشيا لزمه من حيث أحرم إلى أن تنتهى العمرة أو الحج، وهو قول صاحبى أبى حنيفة. فإن ركب بعذر أجزأه، ولزمه دم فى أحد القولين عن الشافعى، واختلف هل يلزمه بدنة أو شاة، وإن ركب بلا عذر لزمه الدم. وعن المالكية فى العاجز يرجع من قابل، فيمشى ما ركب إلا إن عجز مطلقا فيلزمه الهدى، وليس فى طرق حديث عقبة ما يقتضى الرجوع، فهو حجة للشافعى ومن تبعه. وعن عبد الله بن الزبير: لا يلزمه شيئا مطلقا. قال القرطبى: زيادة الأمر بالهدى رواتها ثقات ولا ترد، وليس سكوت من سكت عنها بحجة على من حفظها وذكرها. قال: والتمسك بالحديث فى عدم إيجاب الرجوع ظاهر ولكن عمدة مالك عمل أهل المدينة أهـ (٥١٦:١١). وفى "نيل الأوطار" بعد ذكر المذاهب بتفاصيلها: وعن الهادوية: أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشى، فإذا عجز جاز الركوب ولزمه دم. قالوا: لأن الرواية وإن جاءت مطلقة فقد قيدت برواية العجز. ولا يخفى ما فى أكثر هذه التفاصيل من المخالفة لصریح الدلیل ویرد قول من قال: بأنه لا كفارة مع العجز وتلزم مع عدمه. ما وقع فی حدیث عكرمة عن ابن عباس وفى الرواية التى بعده، فإنهما مصرحان بوجوب الهدى مع ذكر ما يدل على العجز من الضعف وعدم الطاقة اهـ (٤٨٥:٨). قوله: "أخبرنا شعبة بن الحجاج" إلخ. قال محمد فى باب من جعل على نفسه المشى ثم عجز: أخبرنا مالك عن عروة بن أذينة (كان شاعرا غزلا خيرا ثقة وليس له فى المؤطأ غير هذا الحديث، ذكره ابن عبد البر وغيره. "تعليق") أنه قال: خرجت مع جدة لى عليها المشى إلى بيت الله تعالى، حتى إذا كنا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولى لها إلى عبد الله ابن عمر ليسأله ٤٨٧ من نذر الحج ماشيا إعلاء السنن ٣٠٤٢- عن عطاء بن أبى رباح عن عبد الله بن عباس قال: كانت الأنبياء يدخلون الحرم مشاة حفاة، ويطوفون بالبيت ويقضون المناسك حفاة مشاة. رواه ابن ماجه (٢١٧) وفيه مبارك بن حسان مختلف فيه، وثقه ابن معين ولينه آخرون، وذکر الحافظ الحديث فى "التلخيص" (٢١١:١) وسكت عنه. وله شواهد ذكرها الحافظ فى "التلخيص" أيضا. ٣٠٤٣- عن ابن عباس رضى الله عنهما عن النبي ◌ِّ ◌ُّه قال: ((إن آدم أتى البيت ألف أتية لم يركب قط فيهن من الهند على رجليه)). رواه ابن خزيمة فى صحيحه. وخرجت مع المولى فسأله، فقال عبد الله بن عمر: مرها فلتركب ثم لتمش من حيث عجزت. قال محمد: قد قال هذا قوم، وأحب إلينا من هذا القول ما روى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، فذكر أثر المتن وقال: وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا. أخبرنا مالك أخبرنا يحيى بن سعيد قال: كان على مشى فأصابتنى خاصرة فركبت حتى أتيت مكة، فسألت عطاء بن أبى رباح وغيره، فقالوا: عليك هدى. فلما قدمت المدينة سألت فأمرنى أن أمشى من حيث عجزت مرة أخرى، فمشیت قال محمد: وبقول عطاء نأخذ، یر کب وعلیه هدی لركوبه وليس عليه أن يعود اهـ (٣٢٣). قلت: وفى ذلك كله تأييد لما فى "الجامع الصغير" من وجوب المشى على من نذر المشى إلى بيت الله تعالى، وهو الراجح الصحيح عندنا، لما قد عرفت من اتفاق علماء الحرمين على وجوب المشى وإن اختلفوا فى جزاء الركوب، فقال أهل مكة: عليه الهدى، وقال أهل المدينة: عليه أن يرجع بالمشى إذا استطاعه، وهو مقتضى القياس. قال المحقق فى "الفتح": واعلم أن مقتضى الأصل (فى باب النذور) أن لا يخرج عن عهدة النذر إذا ركب، كما لو نذر الصوم متتابعا فقطع التتابع، ولكن ثبت فى ذلك فى الحج نصا فوجب العمل به. ثم ذكر ما ذكرنا من الأحاديث فى المتن ثم قال: إلا أنه عمل بإطلاق الهدى من غير تعيين بدنة لقوة روايتها اهـ (٨٨:٣). فما ذكره فى "المبسوط" من التخيير بين المشى والركوب مرجوح لا يعمل به. والله تعالى أعلم. قوله: "عن عطاء وعن ابن عباس" إلخ، دلالتهما على كون المشى إلى بيت الله محمودا فى الشرع ظاهرة، فإن شرائع من قبلنا حجة علينا إذا ذكرها الشارع من غير إنكار. فإن قيل: ٤٨٨ ج - ١٠ وقال: فى القلب من القاسم بن عبد الرحمن. قال الحافظ القاسم: هذا واه. "الترغيب والترهيب" (١٩١). قلت: بل هو حسن الحديث، وثقه ابن معين وغيره كما مر غير مرة، وصحح له الترمذى، وقال يعقوب بن شيبة: متهم من يضعفه. ترغيب (٥٣٠). باب حرم المدينة وأنه ليس كحرم مكة فى الأحکام ٣٠٤٤- عن سلمة بن الأكوع رضى الله عنه قال: كنت أرمى الوحش وأُصيدها وأهدى لحمها إلى رسول الله عّ لّه، فقال رسول الله عَ ليه: ((أما لو كنت تصيدها بالعقيق قد أنكرها الشارع عملا لما قد تواتر عن النبى عّ لّ أنه لم يحج إلا راكبا. قلنا: إنما اختار النبى عد ◌ّة. الركوب للرد على ما كان عليه أهل الجاهلية، فإنهم كانوا يحجون ولا يركبون. رواه عبد الرزاق عن عمرو بن زر عن مجاهد كما تقدم، وربما كان يختار ما غيره أولى عنده لبيان الجواز خشية أن يشق على أمته، كما مر غير مرة، فافهم. باب حرم المدينة وأنه ليس كحرم مكة فى الأحكام قوله عن سلمة بن الأكوع إلخ. قال العينى فى "العمدة": احتج بهذا الحديث أى بحديث أنس رضى الله عنه مرفوعا: ((المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها)) الحديث، محمد بن أبى ذئب، والزهرى، والشافعى، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وقالوا: المدينة لها حرم، فلا يجوز قطع شجرها ولا أخذ صيدها، ولكنه لا يجب الجزاء فيه عندهم، خلافا لابن أبى ذئب فإنه قال: يجب الجزاء، وكذلك لا يحل سلب من يفعل ذلك عندهم إلا عند الشافعی فی القديم، ویروی فیه أثرا عن سعد، وقال فى الجديد بخلافه. وقال ابن نافع: سئل مالك عن قطع سدر المدينة وما جاء فيه من النهى، فقال: إنما نهى عن قطع سدر المدينة لئلا توحش، وليبقى فيها شجرها، ويستأنس بذلك، ويستظل به من هاجر إليها. وقال ابن حزم: من احتطب فى حرم المدينة فحلال سلبه كل ما معه فى حاله تلك، وتجريده إلا ما يستر به عورته فقط، لما روى مسلم بسنده عن عامر ابن سعد. ((أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع شجرا يخبطه فسلبه))، الحديث. وقال الثورى، وأبو حنيفة، وعبد الله بن المبارك، وأبو يوسف، ومحمد: ليس للمدينة حرم كما كان لمكة. (لعدم وجوب الإحرام على داخلها، ولأنه لو كان محرما لبينه النبى معَّ لّه بيانا عاما، وأوجب فيه الجزاء كصيد الحرم). وأجابوا عن الحديث المذكور (وعن كل ما ورد فى تحريم ٤٨٩ حرم المدينة إعلاء السنن لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت، فإنى أحب العقيق)). رواه الطبرانى فى "الكبير" بإسناد حسن. الترغيب (٢١١:١). وقال الهيثمى: إسناده حسن. وفاء الوفاء (١٨٨:٢). المدينة) بأنه مَّه إنما قال ذلك لا لأنه (١) لما ذكروه من تحريم صيد المدينة وشجرها، بل إنما أراد بذلك بقاء زينة المدينة ليستطيبوها ويألفوها، كما ذكرنا عن قريب عن ابن نافع سئل مالك إلخ. وذلك كمنعه عّ لّ من هدم آطام المدينة وقال: ((إنها زينة المدينة)) على ما رواه الطحاوى بسنده عن نافع عن ابن عمر قال: نهى رسول الله عَّةٍ آطام المدينة أن تهدم. وفى رواية: ((لا تهدموا الآطام، فإنها زينة المدينة)). وهذا إسناد صحيح، ورواه البزار فى مسنده. وروى الطحاوى أيضا من حديث أبى سلمة ابن عبد الرحمن عن سلمة بن الأكوع أنه كان يصيد، فذكر حديث المتن، ثم قال: ففى هذا الحديث ما يدل على إباحة صيد المدينة. ألا ترى أن رسول الله عَ ليه قد دل سلمة وهو بها على موضع الصيد، وذلك لا يحل بمكة، فثبت أن حكم صيد المدينة خلاف حكم صيد مكة اهـ ملخصا (١٣٦:٥ و١٣٧). قلت: وأيضا فقد دله على أن يصطاد بالعقيق، وهو داخل فى حرم المدينة عند القائلين بتحريمها، ألا ترى أن سعدا سلب العبد الذى كان يقطع الشجر بالعقيق؟ كما تقدم فى رواية عند مسلم عن عامر بن سعد عن أبيه. وقال السمهودى فى "وفاء الوفاء" (٢-١٨٩): والصواب أن مهبط الثنية المعروفة بالمدرج أول شاطئ واد العقيق على ميلين من المدينة أيام عمارتها، كما اقتضاه اختبارى لمساحة ما بين المسجد النبوى ومسجد ذى الحليفة، وبه صرح الأسدى من المتقدمين فقال: إن العقيق على ميلين من المدينة، الميل الأول خلف أبيات المدينة، والثانى حين ينحدر من العقبة فى آخره يعنى المدرج. وكان من عبر بالثلاثة اعتبر المسافة من المسجد النبوى إلى أول بطن الوادى بعد القصر المعروف بحصن أبى هشام، ومن عبر بالستة اعتبرها إلى طرفه الأبعد، وهو الذى به ذو الحليفة، فأدخل بطن الوادى فى المسافة، أو هو مفرع على القول بأن الميل ألفا ذراع، والراجح الموافق لاختبارنا أنه ثلاثة آلاف وخمسماة ذراع اهـ. قلت: وقد ثبت في الصحيح عن أبى هريرة: أن رسول الله عّ لّه جعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى، أى فى كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، فالعقيق داخل فى هذا الحمى حتما، ومع (١) فى العبارة تطويل، والمعنى أن النبى معَّه لم يقل: المدينة حرم من كذا إلى كذا لما ذكروه من تحريم صيدها وشجرها، بل لما أراد بقاء زينة المدينة إلخ. ج - ١٠ حرم المدينة ٤٩٠ ٣٠٤٥- عن أنس قال: قال رسول الله عَ ليه: ((أحد جبل يحبنا ونحبه، فإذا جئتموه فكلوا من شجره ولو من عضاهه)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" من رواية كثير ابن زيد. "الترغيب" (٢١١). قلت: وكثير هذا أخرج حديثه ابن خزيمة فى صحيحه، وقال ابن عدى: لم أر بحديث كثير بأسا. وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق، وفيه لین. وقال ابن المدينى: صالح وليس بقوى، وضعفه النسائى، كذا فى "الترغيب" أيضا (٥٣٠) فالحديث حسن على الأصل الذى ذكرناه غير مرة. ذلك فقد أباح رسول الله عَّ له صيده، وقال لسلمة بن الأكوع: ((أما لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت)). فدل على أن حرم المدينة وصيده ليس كحرم مكة وصيده. والله تعالى أعلم. وقال الإمام أبو يوسف فى "الخراج" له: حدثنا أبو إسحاق الشيبانى عن بشر بن عمرو السكونى عن أبى مسعود الأنصارى أو سهل بن حنيف: أنه سمع النبى عّ لّ يقول فى المدينة: ((إنها حرم آمن، إنها حرم آمن، إنها حرم آمن). قال: وحدثنا مالك بن أنس أنه بلغه عن النبى معَ له: أنه حرم عضاه المدينة وما حولها اثنى عشر ميلا أى جنبها، وحرم الصيد فيها أربعة أميال حولها أى جنبها. قال أبو يوسف: وقد قال بعض العلماء: إن تفسير هذا إنما هو لاستبقاء العضاه، لأنها رعى المواشى من الإبل والبقر والغنم، وإنما كان قوت القوم اللبن وكانت حاجتهم إلى القوت أفضل من حاجتهم إلى الحطب اهـ (١٢٤). أى فكان ذلك كما حمى النقيع لخيل المسلمين. والله تعالى أعلم. قوله: عن أنس إلخ قلت: فيه دلالة على جواز الأكل من شجر أحد، وهو داخل فى الحرم عند القائلين بتحريم المدينة؛ لاحتجاجهم لذلك بحديث على مرفوعا: ((المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور)). أخرجه الشيخان وأبو داود وغيرهم كما فى عون المعبود (١٦٦:١). وقالوا: إن ثورا هذا جبل صغير حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه، ذكره الحافظ فى "الفتح" (٤: ٧٠). وقد أباح النبى معَِّ الأكل من أشجار أحد كما ترى، فدل على أن حرم المدينة ليس حكمها كحرم مكة، زادهما الله شرفا وكرامة، فإن حرم مكة لا يعضد شوكه ولا يقطع شجره، وحرم المدينة يجوز أن يعضد شوكه ويؤكل من شجره، فافهم. اس۔ ٤٩١ حرم المدينة إعلاء السنن ٣٠٤٦- وعنه: كان النبى عّ لّ أحسن الناس خلقا، وكان لى أخ يقال له: عمير وهو فطيم، كان إذا جاء قال: ((يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)) لنغر كان يلعب به. الحديث للشيخين وأبى داود والترمذى "جمع الفوائد" (١٨٠:٢) قال الترمذى (شمائل ص١٧): وفيه أنه لا بأس أن يعطى الصبى الطير ليعلب به، وإنما قال له النبى معَّ له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟)) لأنه كان له نغير فيلعب به، فمات فحزن الغلام عليه، فمازحه النبى عَّ ◌َّ اهـ. قوله: وعنه إلخ، وفيه دلالة على جواز حبس الصيد بحرم المدينة. قال الطحاوى: ولو كان حكم صيدها بحكم صيد مكة إذا لما أطلق له رسول الله عّ لّه حبس التغير ولا اللعب به، كما لا يطلق ذلك بمكة، كذا فى "العمدة" للعينى (١٣٦:٥). وقال الحافظ فى "الفتح". وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل. قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله لحديث أبى عمير، وهذا قول الجمهور، ولكن لا يرد ذلك على الحنفية، لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم الحرم اهـ (٧١:٤). قال النووى: وهذا الجواب لا يلزم على أصولهم، لأن مذهب الحنفية أن صيد الحل إذا أدخله الحلال إلى الحرم ثبت له حكم الحرم. ولكن أصلهم هذا ضعيف فيرد عليهم بدليله اهـ (١: ٤٤٠). قلت: لا والله، هو أصل قوى، وهو مذهب ابن عمر كما قدمناه فى أبواب الصيد، وبه قال ابن عباس وعائشة وعطاء وطاوس، ذكره الموفق فى "المغنى" (٢٩٩:٣). قال الحافظ: ويحتمل أن تكون قصة أبى عمير كانت قبل التحريم. قلنا: لا تقوم الحجة بالاحتمال الذى لا ينشأ عن دليل، كذا فى "العمدة" للعينى (١٣٦:٥). وقال القارى فى شرح الشمائل: ثم رأيت فى شرح ابن حجر أبحاثا لطيفة ونقولا شريفة أحببت أن أذكرها. قيل: يؤخذ منه أن صيد المدينة مباح بخلاف مكة، وهو غلط، وأى دلالة على ذلك؟ فإن ذلك الطير من أين فى الحديث أنه اصطيد فى الحرم؟ وليس احتمال اصطياده فيه أولى من احتمال اصطياده خارجه. قلت: هذا خارج عن قواعد آداب البحث، فإن القائل إنما استدل بظاهر وجود الصيد فى المدينة أنه مما اصطيد فيها لأنه الأصل، وأما احتمال أنه صيد خارجها فيصلح فى الجملة أن يكون جوابا، فأى غلط فى القول مع أن مذهب القائل هو أن الصيد إذا أخذ خارج الحرم وأدخل فيه صار من صيد الحرم حتى لو ذبح فيه لكان ميتة. هذا والقول نسب إلى محبى السنة فى "شرح السنة" حيث قال: ج - ١٠ حرم المدينة ٤٩٢ ٣٠٤٧- عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى عّ لّه قال: ((المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف)). رواه مسلم (٤٢٠:١). وزاد فى بعض طرقه: وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى. فيه فوائد: منها أن صيد المدينة مباح بخلاف صيد مكة، فهو إما محمول على كمال إنصافه عدِّيه، أو على أنه هو المذهب الصحيح عنده، فإن البغوى ليس له قول مردود، كذا سمعت بعض مشايخى من الشافعية !هـ (٢٦:٢). قوله: "عن أبى هريرة إلى قوله: عن جابر إلى قوله: عن جابر بن عبد الله" إلخ. قلت: فى هذه الأحاديث إطلاق الحمى على حرم المدينة، والحمى لغة الموضع الذى فيه كلاً يحمى ممن يرعاه. وشرعا موضع من الموات يمنع من التعرض له ليتوفر فيه الكلاً فترعاه مواش مخصوصة، كذا فى "وفاء الوفاء" (٢٢١:٢). وقد ثبت أن النبى معٍَّ حمى النقيع وقال: ((لا حمى إلا لله ولرسوله))، أخرجه أبو داود عن الصعب بن جثامة بسند حسن. وروى أحمد بسند فيه عبد الله العمرى وهو حسن الحديث عن ابن عمر: أن النبى معَّ حمى النقيع للخيل، فقلت له: لخيله؟ قال: لخيل المسلمين. كذا فى "وفاء الوفاء" أيضا (٢٢٢:٢). وعليه يحمل تحريم المدينة وما حولها بريدا بريدا أنه مما حماه رسول الله عَّ لمصالح المسلمين، وليس كتحريم مكة فى الأحكام. يدل عليه أما أولا فما فى أحاديث المتن من إطلاق الحمى عليه، وأما ثانيا فلما روى البلاذرى فى "الفتوح": حدثنى مصعب بن عبد الله الزبيرى عن أبيه عن ابن الدراوردى عن محمد بن إبراهيم التيمى عن أبيه عن سعد بن أبى وقاص: أنه وجد غلاما يقطع الحمى فضربه وسلبه فأسه. فدخلت مولاته أو امرأة من أهله على عمر رضى الله عنه، فشكت إليه سعدا، فقال عمر: رد الفأس والثياب أخاك أبا إسحاق، فأبى وقال: لا أعطى غنيمة غنمنيها رسول الله عرّ ضله، سمعته يقول: ((من وجدتموه يقطع الحمى فاضربوه واسلبوه)) (١٥). وسنده جيد، ومصعب بن عبد الله الزبيرى صدوق عالم بالنسب، كما فى "التقريب" (٢٠٨). وأبوه ذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى "تعجيل المنفعة" (٢٣٥). وفيه ما يدل على أن هذا الحکم لم یکن کجزاء صید الحرم وقطع شجره، بل کان من باب التعزير سياسة، ولذا قال عمر لسعد: رد الفاس والثياب. وفيه دلالة صريحة على ما قلنا: إن حرم ٤٩٣ حرم المدينة إعلاء السنن ٣٠٤٨- عن عدى بن زيد قال: حمى رسول الله عّ لّه كل ناحية من المدينة بريدا بريدا، لا يخبط شجره ولا يعضد إلا ما يساق به الجمل. رواه أبو داود (١٦٦:٢ مع "العون") وسكت عنه، وذكره الحافظ فى "الفتح" (٧٢:٤) وسكت عنه، فهو صحيح أو حسن. المدينة إنما هو بمعنى الحمى ليس إلا. وأما ثالثا فما روى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله: أن النبى معَِّ لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضا غير أرضنا، فرخص لنا. فقال: ((القائمتان، والوسادة، والعارضة، والمسند (مرود البكرة) فأما غير ذلك فلا يعضد ولا يخبط منها شىء)). ذكره الموفق فى "المغنى" (٣٧٠:٢). فتراهم قد رخص لهم رسول الله عّ لّه فى أشياء لم یرخص فی مثلها بحرم مکة، فدل على أن تحريم المدینة لیس کتحريم مكة، بل هو دونه فی معنی الحمى. ونظير ذلك فى حمل التحريم على معنى الإحماء ما ورد عند أحمد وأبى داود والبخارى فى "تاريخه" عن عروة بن الزبير: عن الزبير أن النبى عّ لّه قال: ((إن صيدوج وعضاهه حرم محرم الله تعالى)). قال الخطابى ولست أعلم لتحريمه معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، كذا فى "النيل" (٢٥٦:٤). قلت: ويؤيد ما قاله الخطابى ما أخرجه أبو عبيد فى "الأموال": حدثنا عثمان بن صالح عن عبد الله بن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير قال: هذا كتاب رسول الله عّ لّه لثقيف، فذكر كتابا طويلا وفيه: ((إن واديهم حرام محرم لله كله عضاهه وصيده وظلم فيه وسرق فيه أو إساءة، وثقيف أحق الناس بوج، ولا يعبر طائفهم، ولا يدخله أحد من المسلمين يغلبهم عليه، وما شاءوا أحدثوا فى طائفهم من بنيان أو سواه بواديبهم، إلى أن قال: وما كان لهم من مال بلية (ولية موضع بالطائف) فإن له من الأمن ما لهم بوج)). الحديث (١٩١). وهذا مرسل حسن صريح فى أن تحريم وج لم يكن كتحريم مكة، بل معناه أنه معَِّ جعله خاصا لثقيف لا يغلب عليه أحد من المسلمين سواهم، وهم أحق الناس به، لهم أن يحدثوا فى واديهم ما شاؤوا ليس ذلك لغيرهم. وهذا هو معنى تحريم المدينة، بدليل ما فى كتاب رسول الله عرّ له بين المؤمنين وأهل يثرب وموادعة يهودها. أخرجه أبو عبيد أيضا فى "الأموال": حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد حدثنى عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغنى أن رسول الله عد اله ج - ١٠ حرم المدينة ٤٩٤ ٣٠٤٩- عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله عّ لّه قال: ((لا يخبط ولا يعضد حمى رسول الله ولكن يهش هشا رفيقا)). أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى. "عون المعبود" (١٦٩:٢). كتب بهذا الكتاب، فذكر كتابا طويلا وفيه: ((وإن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحيفة، وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث يخاف فساده فإن أمره إلى الله وإلى محمد النبى، وأن بينهم النظر على من دهم يثرب)) إلخ. وهذا مرسل صحيح، وفيه تصريح بأن معنى كون المدينة حرما إنما هو أن أهلها آمنون بعضهم من بعض لا يظلمون، يدل عليه قوله: ((إن المدينة جوفها حرم لأهل هذه الصحیفة) إلخ، أی أنهم قد اتفقوا على أن لا يؤذی فیها بعضهم بعضا فى نفسه وماله وعرضه، فكذلك نقول. لا نعلم لتحريم المدينة بعد جواز الاصطياد فيها والأكل من شجرها وهش ورقها، وأخذ ما تدعو الحاجة إليه للمساند والوسائد والرحل منها، ومن حشيشها ما تدعو الحاجة إليه للعلف، إلا أن يكون ذلك على معنى كونه بلدا آمنا لا يظلم أهلها ولا يظلم، وهم آمنون على أنفسهم وأموالهم، أو على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين. منها ما ذكره ابن نافع عن مالك، ومنها أن كثرة الأشجار والعضاه والغابات حولها تصونها عن دخول العدو فيها بغتة، وعن الإغارة على أهلها هجمة، كما أن بقاء الآطام حولها تحميها عن اقتحام العدو بالعساكر فيها. هذا هو محمل تحريم المدينة، وحرمة قطع أشجارها واختلاء خلاها وتنفير صيدها، يؤيده ما ذكرناه من عدم وجوب الجزاء بالاصطياد فيها وقطع أشجارها اتفاقا. وأما حديث سعد فى سلب من يفعل ذلك فمن قبيل الإفراد فيما تعم به البلوى. قال البزار: لا يعلم روى هذا الحديث عن النبى عَّه إلا سعد ولا عنه إلا عامر. " كذا فى النيل" (٢٥٤:٤). يدل على ذلك ما مر عن البلاذرى، ففيه أن عمر رضى الله عنه لم يكن يعرف الحديث، وأمر سعدا برد ما سلبه ولا يرد عليه ما رواه أبو داود عن سليمان بن أبى عبد الله عن سعد بن أبى وقاص، ولا ما رواه عن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن مولى السعد عنه، فإن سليمان هذا ليس بالمشهور، ومولى سعد مجهول، وبمثل ذلك لا يحتج فيما تعم به البلوى، فإن الحديث لا يرتقى به إلى الشهرة ولا يخرج عن الإفراد، فافهم. وقال القاضى عياض: ولم يقل به أى بحديث سعد واحد بعد الصحابة إلا الشافعى فى قوله ٤٩٥ حرم المدينة إعلاء السنن ٣٠٥٠- عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان لآل رسول عّ. وحش فإذ خرج لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله عَّ له قد دخل ربض فلم يترمرم كراهة أن يؤذيه)). رواه الطحاوى وسنده صحيح، وأخرجه أحمد أيضا فى مسنده. "عمدة القارئ" (١٣٦:٥). القديم، وخالفه أئمة الأمصار اهـ. كذا فى "شرح مسلم" للنووى (٤٤١:١). وقال ابن بطال: حديث سعد بن أبى وقاص فى السلب لم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة اهـ. كذا فى "العمدة" للعينى (١٣٧:٥). وبعد التسليم فليس هو بأمر تعبدى، بل من الأمور السياسية التى هى مفوضة إلى رأى الإمام، ودليل ذلك أنه مُ ◌ّ قضى بنحوه لثقيف فیمن عضد عضاه وج وقتل صيده، ونصه فى الکتاب الذی کتبه لهم: «فمن و جد یفعل من ذلك شیئا فإنه یجلد و تنزع ثيابه))، کذا فی " کتاب الأموال" (١٩٣). ولم يقل بوجوب الضمان وسلب ثوب من فعل ذلك بوج أحد من العلماء على ما علمنا، والله أعلم. وإن قال به أحد من الشافعية فى وجه عندهم فلم يقل به أحد فى عضاه لية وصيدها، وفى كتاب رسول الله عَّة: ((إن ما كان لهم من مال بلية فإن له من الأمن ما له بوج)) اهـ فاستويا. وأما تحريمها بمعنى كونها بلدا آمنا لا يقاتل أهلها ولا يشهر فيها بسلاح، ولا يكاد أهلها بسوء ولا يحدث فيها حدث، ولا يؤوى محدث، فمجمع عليه لا نعلم فيه خلافا، والله تعالى أعلم. قوله: "عن عائشة" إلخ. قال الطحاوى: فهذا بالمدينة فى موضع قد دخل فيما حرم منها، وقد كانوا يؤوون فيه الوحوش ويتخذونها ويغلقون دونها الأبواب، فدل على أن حكم المدينة فى ذلك بخلاف حكم مكة. كذا فى "العمدة" للعينى (١٣٧:٥). ولكن هذا آخر الكلام ومسك الختام، فى باب الحج ومتعلقاته وما يتعلق به من الأحكام، والحمد لله العزيز العلام، الملك المنعام، وأفضل الصلاة وأزكى السلام، على سيد ولد آدم سيدنا محمد النبى الأمى على الدوام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، الذين سبقونا بالإيمان وبذلوا جهدهم فى إقامة دعائم الإسلام. وكان ذلك فى ظل حكيم الأمة ومجددها، فقيه الملة ومفسرها ومحدثها، أشرف العلماء الكاملين، رأس الأولياء العارفين، حجة الله فى زمانه على العالمين، رحمة الله فى أوانه على الطالبين، الثقة الحجة الثبت الحافظ الشيخ مولانا محمد أشرف على التهانوى أدام ٤٩٦ ج - ١٠ أبواب الزيارة النبوية باب زيارة قبر النبی مګ قبل الحج أو بعده(١) ٣٠٥١- عن موسی بن هلال العبدی عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله عدّ له: ((من زار قبرى وجبت له شفاعتى)). أخرجه الدار قطنى. الله ظلال بركاته ورفع درجاته وتقبل حسناته. وقع الفراغ من تأليفه بعد صلاة العصر يوم الاثنين الرابع عشر من ربيع الأول سنة ١٣٥٤ هـ أربع وخمسين بعد ثلاث مائة وألف من هجرة سيد المرسلین، صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين إلى يوم الدين. ويتلوه أبواب الزيارة زيارة قبر النبى عّ لّه وما يتعلق بها من الآداب، وإن كان قد تقدم ذكرها فى أبواب الجنائز من الجزء الثامن لهذا الكتاب، ولكن أعدناه ههنا اتباعا لأجلة السلف وأماثل الأصحاب، فإنهم يذكرون ذلك غالبا فى آخر كتاب الحج كما قد عرفه من عرفه من أولی الألباب. ومن عجائب الاتفاقات تسويد باب الزيارة وتكميله قبل إتمام أبواب الحج بسنة وأشهر فى المدينة المنورة، ببيت سيدى مولانا الخليل تجاه الروض المعطر والمسجد النبوى المنور، وكتابة آخر الأوراق منه عند النبى معَّ ◌ُلِّ فى مواجهته وأنا واقف بين يديه خائفا وجلا بمراقبته، مرتعش اليدين باستحضار جلاله وعظمته. والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على هذا النبى الكريم وصاحبيه وجميع أصحابه وأهل بيته متتابعا متواترا. باب زيارة قبر النبي الكريم ◌ُ ◌ّ قبل الحج أو بعده قوله: "عن موسى بن هلال" إلخ. قلت: قال الحافظ فى "التلخيص": طرق هذا الحديث كلها ضعيفة، لكن صححه من حديث ابن عمر أبو على بن السكن فى إيراده إياه فى أثناء سنن الصحاح له، وعبد الحق فى "الأحكام" فى سكوته عنه، والشيخ تقى الدين السبكى باعتبار (١) ومن تمام النعمة وعظيم المنة على هذا العبد الغريق فى الآثام، كتابة هذا المقام فى حرم المدينة تجاه المسجد النبوى على صاحبه ألف ألف صلاة وسلام، وأرجو أن يكون ختامه فى الروضة الكريمة تجاه قبره الشريف ومضجعه العالى المنيف. اللهم فلك الحمد ولك الشكر دائما أبدا كما تحب وترضى. وأسألك اللهم أن توفقنى لخدمة القرآن الكريم، وخدمة حديث نبيك الرعوف الرحيم فى بقية عمرى متواترا، وأن تغفر لى وترحمنى وأهلى وأولادى وأحبابى وأصحابى، وترزقنى وإياهم حسن الختام على سنة رسولك وملة نبيك عليه الصلاة والسلام وتحشرنا معه يوم القيامة وتجمعنا به فى دار السلام. آمين. ٤٩٧ زيارة قبر النبي الكريم عدية إعلاء السنن واتفقت رواياته فى عدة نسخ معتمدة من سننه، وكذلك فى غير السنن عن المحاملى عن عبيد الله مصغرا، رواه البيهقى عن غير المحاملى من طريق محمد بن زنجويه القشيرى: حدثنا عبيد بن محمد بن القاسم ابن أبى مريم الوراق ثنا موسى بن هلال العبدى عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما الحديث. فثبت عن عبيد بن محمد وهو ثقة روايته على التصغير، والرواة إلى موسى بن هلال ثقات، وموسى قال ابن عدى: أرجو أنه لا بأس به. وقد روى عنه ستة منهم الإمام مجموع الطرق اهـ (١ :٢٢١). ولی فی ما قاله نظر، بل الظاهر أن تصحیحهم له باعتبار سنده وحده، ولیس مبنی قول المحافظ إلا على أنه من رواية عبد الله بن عمر العمرى المكبر الضعيف لا المصغر الثقة، وهو فى محل المنع، لما قد عرفت من اتفاق الروايات عن الدار قطنى عن المحامل، وعن غير الدار قطنى عن المحامل وغيره على عبيد الله مصغرا، ورواه جماعة عن موسى بن هلال، منهم جعفر بن محمد البزورى: حدثنا محمد بن هلال البصرى عن عبيد الله مصغرا، رواه العقيلى، ومنهم محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسى، واختلف عليه، فروى عنه مصغرا كغيره، وروى عنه مكبرا، ومرض ذلك الحافظ يحيى بن على القرشى وصوب التصغير، وفى "تاريخ ابن عساكر" بخط البرزالى المحفوظ: "عن ابن سمرة عبيد الله" (أى مصغرا) وجزم ابن عدى فى "الكامل" بأن عبد الله (مكبرا) أصح. قال السبكى: وفيه نظر، والذى يترجح عبيد الله، لتظافر روايات عبيد بن محمد كلها وبعض روايات ابن سمرة، ولما سيأتى من متابعة مسلمة بن سالم الجهنى لموسى بن هلال (عن عبيد الله مصغرا)، على أن المكبر روى له مسلم مقرونا بغيره. وقال أحمد: صالح، وقال أبو حاتم: رأيت أحمد ابن حنبل يحسن الثناء عليه، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس (وهو توثيق منه على ما عرف)، وقال: أنه فى نافع صالح. وقال ابن حبان ما حاصله: إن الكلام عليه لكثرة غلطه بغلبة الصلاح عليه حتى غلب عن ضبط الأخبار. قال السبكى: وهذا الحديث ليس فى مظنة الالتباس عليه، لا سندا ولا متنا، لأنه عن نافع وهو خصيص به، ومتنه فى غاية القصر والوضوح، والرواة إلى موسى بن هلال ثقات، موسی قال ابن عدی: إنه لا بأس به. قال السبكى: وأما بعد قول ابن عدی فی موسی ما قال ووجود متابع له فإنه يتعين قبوله، ولذلك ذكره عبد الحق فى الأحكام الصغرى والوسطى، وسكت عليه مع قوله فى الصغرى: إنه تخيرها صحيحة الإسناد معروفة عند النقاد، وقد نقلها ٤٩٨ زيارة قبر النبي الكريم عليه ج - ١٠ أحمد، ولم يكن يروى إلا عن ثقة، فلا يضره قول أبى حاتم الرازى: إنه مجهول. كذا فى "وفاء الوفاء" (٣٩٤:٢). فالحديث حسن صحيح، وقد صحح هذا الحدیث ابن السكن، وعبد الحق، وتقى الدين السبكى، "كذا فى نيل الأوطار" (٣٢٥:٤). الأثبات، وتداولها الثقات، وذكر نحوه فى الوسطى أهـ. ملخصا من "وفاء الوفاء" (٣: ٣٩٥). فالحديث صحيح الإسناد صالح للاحتجاج والاعتماد، وإن نوزع فى صحته فأقل درجاته الحسن؛ لأنه ليس فى رواته من أجمع على تركه، وإنما قد اختلف فى بعضهم، ومثله حسن الحديث على ما أصلناه غير مرة، لا سيما وله شواهد كثيرة كما سيأتى، وتظافر الأحاديث يزيدها قوة، حتى أن الحسن قد يترقى بذلك إلى درجة الصحيح. وقال الذهبى: طرق هذا الحديث كلها لينة يقوى بعضها بعضا، لأنه ما فى رواتها متهم بالكذب. قال: ومن أجودها إسنادا حديث حاطب: (من رآنى بعد موتى فكأنما رآنى فى حياتى)) أخرجه ابن عساكر وغيره، كذا فى "وفاء الوفاء" عن السبكى (٣٩٦:٢). وفى الحديث أكبر دلالة على فضيلة زيارة قبر النبى الكريم عليه وعلى آله وأصحابه أفضل الصلاة وأكمل تسليم، وأى فضيلة أعلى وأسنى من وجوب شفاعته معد ◌ّ لمن زاره. قال العلامة الشوكانى فى "النيل". وقد اختلفت فيها أقوال أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة، وذهب بعض المالكية وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات، وذهب ابن تيمية الحنبلى حفيد المصنف المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة، وروى ذلك عن مالك والجوينى والقاضى عياض، كما سيأتى. احتج القائلون بأنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول) الآية: ووجه الاستدلال بها أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم حى فى قبره بعد موته كما فى حديث: ((الأنبياء أحياء فى قبورهم)). وقد صححه البيهقى وألف فى ذلك جزأ. قال الأستاذ أبو منصور البغدادى: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا: إن نبينا معَّ ◌ُّ حى بعد وفاته انتبهى. (وقد صح عن أبى أيوب الأنصارى أنه قال لمن أنكر عليه وضع وجهه على القبر: إنما جئت رسول الله عَ ◌ّه ولم آت اللبن أو الحجر. كما سيأتى، فثبت أن حكم الآية باق بعد وفاته عّ لّه، فينبغى لمن ظلم نفسه أن يزور قبره ويستغفر الله عنده فيستغفر له الرسول ). واستدلوا أيضا بالأحاديث الواردة فى ذلك، منها الأحاديث الواردة فى مشروعية زيارة ٤٩٩ صلىالله عروسة زيارة قبر النبي الكريم إعلاء السنن القبور على العموم، والنبى عَّ داخل فى ذلك دخولا أوليا (وقبره سيد القبور) ومنها أحاديث خاصة بزيارة قبره الشريف، فذكرها إلى أن قال: وقد رويت زيارته مّ له عن جماعة من الصحابة، منهم بلال عند ابن عساكر بسند جيد، وابن عمر عند مالك فى "الموطأ"، وأبو أيوب عند أحمد» وأنس ذكره عياض فى "الشفاء"، وعمر عند البزار، وعلى رضى الله عنهم عند الدار قطنى وغير هؤلاء. ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لذلك إلا عن بلال. واستدل القائلون بالوجوب بحديث: ((من حج ولم يزرنى فقد جفاني)) قالوا: والجفاء للنبى مع له محرم، فتجب الزيارة. وأجاب عن ذلك الجمهور بأن الجفاء يقال على ترك المندوب كما فى ترك البر والصلة، وعلى غلظ الطبع كما فى حديث: ((من بدا فقد جفا)). وقد أجاب الجمهور عن حديث شد الرحل بأن القصر فيه إضافى باعتبار المساجد لا حقيقى قالوا: والدليل على ذلك أنه قد ثبت بإسناد(١) حسن فى بعض ألفاظ الحديث: ((لا ينبغى للمصلى أن يشد رحالها إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير مسجدى هذا، والمسجد الحرام والمسجد الأقصى)) فالزيارة وغيرها خارجة عن النهى وأجابوا ثانيا بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة ومنى ومزدلفة للمناسك، وإلى الجهاد والهجرة من دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم. وأجابوا عن حديث: ((لا تتخذوا قبرى عيدا)) بأن معناه لا تتخذوا لها وقتا مخصوصا لا تكون الزيارة إلا فیه، أو لا تتخذوه کالعید فى العکوف علیه وإظهار الزينة والاجتماع للهو وغيره كما يفعل فى الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والدعاء والسلام والصلاة ثم ينصرف عنه. واحتج أيضا من قال بمشروعيته بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج فى جميع الأزمان على تبائن الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى المدينة المشرفة لقصد زيارته عليه ويعدون ذلك من أفضل الأعمال، ولم ينقل أن أحدا أنكر عليهم ذلك. فكان إجماعا اهـ ملخصا (٣٢٧:٤). قلت: وقوله عَّه: ((من زار قبرى)) عام لكل زائر سواء كان من أهل المدينة أو من غيرهم، ولا دليل على كونه خاصا بمن كان قريبا من المدينة أو من أهلها كما لا يخفى، فثبت جواز شد (١) قال الحافظ فى "الفتح" (٣-٥٣): روى أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة فى الطور فقال: قال رسول الله عَّه: ((لا ينبغى للمصلى أن يشد رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسج الأقصى ومسجدی)). وشهر حسن الحديث اهـ ... . ج - ١٠ زيارة قبر النبي الكريم عليه ٥٠٠ ٣٠٥٢- عن ابن عمر مرفوعًا قال عّ لّه: ((من جاءنى زائرا لا يهمه إلا زيارتى كان حقا على أن أكون له شفيعا)) رواه الطبرانى، وصححه ابن السكن، قاله العراقى فى "شرح الإحياء" (٤١٦:٤). ٣٠٥٣- عن هارون بن قزعة عن رجل من آل حاطب عن حاطب رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَّ له: ((من زارنى بعد موتى فكأنما زارنى فى حياتى، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة)). رواه الدارقطنى وغيره، وجود الذهبى إسناده كما فى "وفاء الوفاء" (٣٩٤:٢ و ٣٩٩). صِّلالله الرحال لزيارة قبره عليه. قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قلت: ذكره فى "وفاء الوفاء" أيضا، وعزاه إلى الطبرانى فى "الأوسط"، والدار قطنى فى أماليه، وابن المقرى فى "معجمه" ثم قال: فقد تابع مسلمة الجهنى موسى بن هلال فى شيخه عبيد الله العمرى، والطرق كلها فى روايته متفقة على عبيد الله المصغر الثقة. وأورد الحافظ ابن السكن هذا الحديث فى باب ثواب من زار قبر النبى معَّةٍ من كتابه المسمى "بالسنن الصحاح المأثورة عن النبى معَّ له" وهو إمام ثقة حافظ مات بمصر سنة ٣٥٣ هـ) وكتابه هذا محذوف الأسانيد، ومقتضى ما شرطه فى خطبته أن يكون هذا الحديث مما أجمع على صحته، ولهذا نقل عنه جماعة، منهم الحافظ زين الدين العراقى أنه صححه اهـ (٣٩٧:٢). قلت: وقوله مَّ له: ((من جاءنى زائرا لا يهمه إلا زيارتى)) يعم كل من جاءه من بلاد شاسعة وأمكنة قاصة أو دانية كما لا يخفى. فدل على استحباب شد الرحال لزيارته مد ﴾. وكذا قوله فى الحدیث الآتى: (من زار قبری)) ((ومن زارنی بعد موتی)) ونحوه وهو ظاهر. قوله: "عن هارون بن قرعة" إلخ قلت: هارون هذا ذكره ابن حبان فى الثقات فلم يبق فيه إلا الرحل المبهم وإرساله وقد قال الذهبي: إنه من أجود الطرق إسنادا، كما قد تقدم، فلا يضر جهالة الراوى بعد تحويد المحدث إسناده، لا سيما والجهالة فى القرون الفاضلة لا تقدح عندنا، كما ذكرنا فى المقدمة وقد روى ابن عدى فى "الكامل" من طريق محمد بن النعمان: حدثنى جدى عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله مرّ له: ((من حج البيت ولم يزرنى فقد جفاني)). قال ابن عدى: لا أعلم رواه عن مالك غير النعمان بن شبل، ولم أر فى