Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
من جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق
إعلاء السنن
٢٩١٠- أخبرنا أبو حنيفة، عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس، قال: إذا جامع
بعد ما يفيض من عرفات فعليه بدنة، ويقضى ما بقى من حجه وتم حجه. أخرجه محمد
فى "الآثار" (٥٣). قال: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة اهـ. قلت: وهذا سند صحيح
جليل كلهم أئمة فقهاء.
ولكنه لما أوجب القضاء خفت الجناية كما قد مر فتذكر.
. قال ابن قدامة فى المغنى: إن الوطأ یعد الجمرة أی رميها لا يفسد الحج، وهو قول ابن عباس
وعكرمة وعطاء والشعبى وربيعة ومالك والشافعى وإسحاق وأصحاب الرأى. وقال النخعى،
والزهرى، وحماد: عليه حج من قابل؛ لأن الوطأ صادف إحراما فى الحج فأفسده، كالوطأ قبل
الرمى. ولنا قول النبى معَّ ◌ُله: ((من وقف بعرفة فقد تم حجه، وقضى تفثه)). (قلت: هذا يؤيد قول من
علق فساد الحج وعدمه على الجماع قبل الوقوف بعرفة وبعده كما قاله الحنفية، ولا دليل فيه على
التعليق بكونه قبل الرمى وبعده فافهم)، ولأنه قول ابن عباس، فإنه قال فى رجل أصاب أهله قبل أن
يفيض يوم النحر: ينحران جزورا بينهما، وليس عليه الحج من قابل. ولا نعرف له مخالفا فى
الصحابة أهـ (٥١٥:٣).
قلت: هذا قصور عظيم، فقد خالفه ابن عمر رضى الله عنهما، كما رواه أحمد وسعيد ابن
منصور عن على الأزدى، قال: سألت ابن عمر عن رجل وامرأة من عمان أقبلا حاجين، فقضيا
المناسك حتى لم يبق عليهما إلا الإفاضة وقع عليها؟، فقال: ليحجا عاما قابلا. قال الحافظ فى
"الدراية": بإسناد صحيح، وروى ابن أبى شيبة من طريق ليث عن حميد عن ابن عمر نحوه.
(٢٠٨). وعزاه الزيلعى إلى أحمد فى "نصب الراية" (٥٣٢:١).
وقال محمد فى "الآثار": أخبر أبو حنيفة، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر،
قال: إذا جامع بعد ما يفيض من عرفات فعليه دم، ويقضى ما بقى من حجه، وعليه الحج من قابل
اهـ. (٥٣). قلت: وهو أعم من أن يكون قبل الرمى أو بعده، بدليل ما رواه على الأزدى عنه
فافهم، والله تعالى أعلم.
قال محمد: ولسنا نأخذ بهذا القول، والقول ما قال فيه ابن عباس اهـ. أى لكونه موافقا
للنص، وهو قوله عّ لّ: ((الحج عرفة، ومن أدرك عرفة فقد تم حجه))، ولا معنى لفساد الشىء بعد
تمامه فتذ کر.

٣٤٢
ج - ١٠
باب من قبل امرأته بشهوة أو لمسها أو جامعها فى غير السبيلين
فعلیه دم ولا یفسد حجه أنزل أو لم ينزل
٢٩١١ - أخبرنا أبو حنيفة عن عبد العزيز بن رفيع، عن مجاهد عن ابن عباس: أن
رجلا أتاه، فقال: إنى قبلت امرأتى وأنا محرم، فخذفت بشهوتى، فقال: إنك شبق،
أهرق دما، وتم حجك. أخرجه محمد فى "الآثار" (٥٣). وسنده صحيح، قال محمد:
وبه نأخذ، ولا يفسد الحج حتى يلتقى الختانان، وهو قول أبى حنيفة، وكذلك بلغنا عن
ابن أبى رباح اهـ.
٢٩١٢- عن عبد الرحمن بن الحارث: أن عمر بن عبد الله قبل عائشة بنت طلحة
باب من قبل امرأته بشهوة أو لمسها أو جامعها فى غير السبيلين
فعلیه دم ولا یفسد حجه أنزل أو لم ينزل
قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، دلالته على أن التقبيل بشهوة لا يفسد الحج وإن أنزل
ظاهرة؛ فإن قوله: "فخذفت بشهوتى" صريح فى معنى الإنزال، وأفتاه ابن عباس بتمام
الحج وعدم فساده، وأوجب عليه دما، وأدناه شاة، أو شرك فى بقرة أو جزور.
والأصل الكلى فيه ما ذكره الموفق فى "المغنى": قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن
الحج لا يفسد بإتيان شىء فى حال الإحرام إلا الجماع اهـ (٣: ٣١٥). والجماع إنما هو وطأ المرأة
فى الفرج حتى يلتقى الختانان، أو الوطأ فى أحد السبيلين من الآدمى عند الأكثرين، وبه قال أبو
حنيفة فى باب الحج والصوم كما تقدم، فما لم يكن جماعا لا يفسد به الحج، ولا يخفى أن التقبيل
واللمس بشهوة وكذلك المباشرة فيما دون السبيلين ليس بجماع، فلا يفسد الحج بشىء من ذلك
أنزل أو لم ينزل، وسواء كان ذلك قبل الوقوف أو بعده، قال فى "الهداية": وإن قبل أو لمس
بشهوة فعليه دم.
وفى "الجامع الصغير": إذا مس بشهوة فأمنى ولا فرق بين ما إذا أنزل أو لم ينزل، ذكره
فى "الأصل"، وكذا الجواب فى الجماع فيما دون الفرج (من الإدخال بين الفخذين والسرة؛
فإن الفرج يراد به القبل والدبر، فما دونه يكون ما ذكرناه اهـ "كفاية" (٤٥٣:٢).
قوله: "عن عبد الرحمن بن الحارث" وقوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، دلالتهما على وجوب

٣٤٣
من قبل امرأته بشهوة أو لمسها أو جامعها فى غير السبيلين
إعلاء السنن
محرما، فأجمع له على أن يهرق دما. رواه الأثرم فى "سننه" بإسناده. "المغنى" لابن
قدامة (٣-٣٢٧).
٢٩١٣- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، قال: من قبل وهو محرم
الدم من التقبيل محرما ظاهرة، والإطلاق يفيد وجوبه فى كل حال، سواء أنزل أو لم ينزل،
والفرق بين الإحرام والصوم أن الاستمتاع والارتفاق بالمرأة محظور الإحرام، وهو موجود فى
اللمس والتقبيل والجماع فيما دون الفرج بدون الإنزال أيضا، فيلزمه دم، بخلاف الصوم لأن المحرم
فيه قضاء الشهوة، ولا يحصل بدون الإنزال فيما دون الفرج، قاله فى "الهداية" (٤٥٣:٢)
والدليل على أن الاستمتاع والارتفاق بالمرأة محظور الإحرام قوله تعالى: ﴿فلا رفث ولا فسوق
ولا جدال فى الحج))، قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: اختلف السلف فى تأويل الرفث، فقال
ابن عمر: هو الجماع. وروى عن ابن عباس مثله، وروى عنه: أنه التعرض بالنساء، وكذلك عن
ابن الزبير. (قلت: أسنده ابن جرير عنهم فى تفسيره، فمن شاء فليراجعه)، وروى عن ابن عباس أنه
أنشد فى إحرامه:
وهن يمشين بناهميسا إن يصدق الطيرننك لميسا
فقيل له فى ذلك: (أثرفث وأنت محرم؟) فقال: إنما الرفث مراجعة النساء بذكر الجماع.
(أسنده ابن جرير عنه بأسانيد عديدة (١٥٣:٢ و١٥٤). وأخرج بطريق على بن أبى طلحة عنه
قال: الرفث غشيان النساء، والقبل، والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام ونحو ذلك.
وسنده حسن ١٥٤:٢) وقال عطاء: الرفث الجماع فما دونه من قول الفحش. وقال عمرو بن
دينار: هو الجماع فما دونه من شأن النساء.
قال أبو بكر: قد قيل: إن أصل الرفث فى اللغة هو الإفحاش فى القول، وبالفرج الجماع،
وباليد الغمز للجماع، وإذا كان كذلك فقد تضمن نهيه عن الرفث فى الحج هذه الوجوه كلها،
وحصل من اتفاق جميع من روى عنه تأويله أن الجماع مراد به فى هذه الآية، ويدل على أن الرفث
الفحش فى المنطق قوله عليه السلام: ((إذا كان صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن جهل عليه
فليقل إنى صائم)). والمراد فحش القول، وإن كان المراد بالرفث هو التعريض بذكر النساء فى
الإحرام فاللمس والجماع أولى أن يكون محظورا، وقد روى عن محمد بن راشد قال: خرجنا
حجاجا، فمررنا بالرويثة، فإذا بها شيخ يقال له: أبو هرم، قال: سمعت أبا هريرة يقول: للمحرم من

٣٤٤
ج - ١٠
من قبل امرأته بشهوة أو لمسها أو جامعها فى غير السبيلين
فعليه دم. أخرجه محمد فى "الآثار" وقال: وبه نأخذ إذا قبل بشهوة، وهو قول أبى
حنيفة (٥٣). وسنده صحيح.
امرأته كل شىء إلا الجماع. قال: فأهوى رجل منا إلى امرأته فقبلها، فقد منا مكة، فذكرنا ذلك
لعطاء، فقال: قاتله الله، قعد على طريق من طرق المسلمين يفتئهم بالضلالة. ثم قال للذى قبل
امرأته: أهرق دما. قال الجصاص: وهذا شيخ مجهول، وما ذكره قد اتفقت الأمة على خلافه،
وعلى أن من قبل امرأته فى إحرامه بشهوة فعليه دم، وروى ذلك عن على، وابن عباس، وابن عمر،
والحسن، وعطاء، وعكرمة، وإبراهيم، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وهو قول فقهاء
الأمصار، ولما ثبت بما ذكرنا حظر مراجعة النساء بذكر الجماع فى حال الإحرام والتعريض به
واللمس -وذلك كله من دواعى الجماع- دل ذلك على أن الجماع ودواعيه محظورة على المحرم،
وذلك دليل على حظر التطيب لهذا المعنى بعينه، ولما ورد فيه من السنة اهـ، ملخصا (٣٠٨:١).
فإن قيل: فما بالكم قد أوجبتم على من قبل امرأته أو غمزها أو مسها بشهوة أو تطيب
بطيب فى الإحرام دما، وما أوجبتموه على من رفث بامرأته وحدثها بالجماع أنزل أو لم ينزل،
والرفث بالقول محرم أيضا إذا روجع به النساء كما مر عن ابن عباس وغيره؟ قلنا: ليس كل محرم
فى الإحرام يوجب دما على فاعله؛ فإن الجدال والفسوق محرم فيه، ولا يوجب دما، وإنما يجب
فيما ورد فيه النص، أو أثر من الصحابة رضى الله عنهم، ولم يرد النص إلا فى الجماع، وآثار
الصحابة إلا فى التقبيل واللمس، فقلنا بوجوب الدم فى الجماع، وفيما هو داع إليه غالبا وعادة،
فأما النظر إلى المرأة بشهوة أو تحديثها بالجماع فلا يوجب دما؛ لعدم النص، وفقدان الأثر فيه، وقد
قام الإجماع على أن من فكر فأنزل فلا شىء عليه، كما فى "المغنى" (٣٣٣:٣). ولم يذكر فيه
خلافا، وهو داع أيضا، فثبت أن الدواعى البعيدة لا توجب دما أصلا، وأما الطيب فلم نقل بكونه
موجبا للدم إلا بالنص كلبس المخيط، لا لكونه داعيا إلى الجماع. ومن علله من الفقهاء به فإنما هو
لمجرد تائيد النص بالنظر العقلى، والله تعالى أعلم.
وأما ما رواه الأثرمَ عن ابن عباس أنه قال له رجل: فعل الله بهذه وفعل أنها تطيبت لى
فكلمتنى وحدثنى حتى سبقتنى الشهوة، فقال ابن عباس: أتمم حجك وأهرق دما. ذكره الموفق فى
"المغنى" أيضا (٣٣٢:٣). فلا يصح الاحتجاج به على أن مجرد الكلام والحديث مع المرأة موجب
للدم إذا سبقته الشهوة وأمنى ولو بدون اللمس؛ لأن المعنى أنها كلمتنى وحدثتنى حتى سبقتنى

٣٤٥
إعلاء السنن
باب وجوب الإعادة على من طاف للزيارة
جنبا أو محدثا وإن لم يعد فعلیه دم
٢٩١٤- عن ابن عباس رضى الله عنهما مرفوعا: ((الطواف بالبيت صلاة، إلا أن
الله أباح فيه الكلام، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير)). أخرجه أصحاب السنن، وصححه
ابن خزيم، وابن حبان. "فتح البارى" (٣٨٦:٣)، قال الحافظ: أشار البخارى إلى
الحديث المشهور عن ابن عباس موقوفا ومرفوعا فذكره.
الشهوة فقبلتها أو غمزتها، لما روى حنبل فى "المناسك" عن مجاهد: أن محرما نظر إلى امرأته
حتى أمذى فجعل يشتمها، فقال ابن عباس: أهرق دما ولا تشتمها. ذكره الموفق فى "المغنى" أيضا
(٣٣٢:٣). وهو محمول على التقبيل والغمز إجماعا؛ فإن خروج المذى بمجرد النظر إلى المرأة لا
يوجب الدم اتفاقا، كما لا يخفى على من راجع "المغنى" لابن قدامة وغيرها من كتب الفقه للأئمة
الأربعة، فثبت أن الرواة قد يختصرون فى ألفاظ الحديث، وهو مما لا ينكره من له ممارسة بالفن،
فكذلك يحمل ما رواه الأثرم عن ابن عباس على الاختصار فى الرواية؛ لكون الكلام والحديث مع
المرأة سببا بعيدا للجماع كالنظر والفكر، وهذا كله بعد صحة الأثر، فإنى لم أقف على سنده، فإن
لم يكن صحيحا أو حسنا فهو غير صالح للاحتجاج به، ولا حاجة إلى الجواب عنه، ولا إلى
التطبيق بينه وبين الآثار الصحيحة، والله تعالى أعلم.
باب وجوب الإعادة علی من طاف للزيارة جنبا أو محدثا وإن لم یعد فعلیه دم
قوله: "عن ابن عباس وعن عائشة" إلخ، فيهما دلالة على وجوب الطهارة للطواف كما مر
فى أبواب الطواف من هذا الكتاب، ولا دلالة فيهما على كونها شرطا له كما هى شرط للصلاة،
فإن المعنى الطواف بالبيت صلاة فى حصول الثواب، لا فى جميع الأحكام، إذ لا يبطله المشى
والانحراف عن القبلة وتعمد الحديث، بخلاف الصلاة، ولو سبقه الحدث فبنى جاز على الأصح
من مذهب الشافعى، وفى الصلاة يستقبل عنده، ولو نذر أن يصلى فطاف لم يجزه، قاله ابن
التركمانى فى "الجوهر النقي" (٣٣٩:١).
وأيضا لو كان الطواف كالصلاة فى جميع الأحكام، لكان مقتضاه وجوب طهارة الثوب
والبدن فيه، لكنبهم صرحوا بعدم وجوبها. وفى "البدائع": ليست بشرط بالإجماع، فلا يفترض
تحصيلها ولا يجب، لكنه سنة، حتى لو طاف وعلى ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم لا يلزمه

ج - ١٠
وجوب الإعادة على من طاف للزيارة جنبا أو محدثا
٣٤٦
٢٩١٥- عن عائشة رضى الله عنها، قال لها النبى ◌ّ له لما طمئت بسرف: ((افعلى
ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفى بالبيت حتى تطهرى)). متفق عليه، "نيل الأوطار"
(٤-٢٦٨).
٢٩١٦- حدثنا أبو عوانة، عن أبى بشر، عن عطاء، قال: حاضت امرأة وهى
تطوف مع عائشة أم المؤمنين، فأتمت بها عائشة سنة طوافها. رواه سعيد بن منصور
فى "سننه"، ذكره الشيخ تقى الدين فى "الإمام". "فتح القدير" (٤٦٠:٢)
"ونصب الراية" (٥٣٣:١). وسنده صحيح، وأبو بشر هو جعفر بن إياس.
شىء، لكنه يكره اهـ. فيحمل الحديث الأول على أن التشبيه فى الثواب، ويضاف إيجاب الطهارة
عن الحدث إلى الثانى، وهو حديث عائشة، ويضاف إيجاب ستر العورة إلى قوله عليه الصلاة
والسلام: ((ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان))، ولكنهما من أخبار الآحاد،
ولا يصلحان ناسخين لاطلاق قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾، وهو يقتضى الخروج عن
عهدته بالدوران حول البيت مع الطهارة وعدمها، ومع الستر وعدمه، فالقول بأنه لا يخرج عن
العهدة مع عدمها نسخ لإطلاقه، وهو لا يجوز، فرتبنا عليه موجبه من إثبات وجوب الطهارة
والستر، حتى أثمنا تاركه، وألزمناه الجابر، وليس مقتضى خبر الواحد غير هذا، قاله المحقق فى
"الفتح" بمعناه (٤٥٩:٢ و ٤٦٠).
وبعد القول بوجوب الطهارة للطواف فرق علمائنا بين المفروض والواجب والسنة منه، وبين
الحدث والجنابة، فقالوا: لو طاف طواف الزيارة محدثا فعليه شاة، وإن كان جنبا فعليه بدنة، ومن
طاف طواف القدوم محدثا أو جنبا فعليه صدقة، ومن طاف طواف الصدر محدثا فعليه صدقة،
وإن جنبا شاة، ومن طاف لعمرته وسعى محدثا أو جنبا فعليه شاة، وكل ذلك إن لم يعده فى وقته
فيما هو موقت، فإن أعاده فلا شىء عليه، والإعادة واجبة عليه ما دام بمكة، وبعد رجوعه إلى أهله
أيضا فى طواف الزيارة جنبا، وإن لم يعد وبعث ببدنة أجزئتها وأثم، ذكر كله فى "الهداية" مع
"الفتح" (٤٥٩:٢ و٤٦٣). وظنى أن هذا التفصيل كله بالقياس، ويمكن أن يكونوا اطلعوا فى
ذلك على آثار من الصحابة أو التابعين لم نطلع عليها، والله تعالى أعلم.
قوله: "حدثنا أبو عوانة" إلخ، فيه دلالة على أن الطهارة ليست بشرط للطواف، وإلا لفسد
طواف المرأة التى كانت تطوف مع عائشة رضى الله عنها، ولم تتركها تتم طوافها بعد ما حاضت

٣٤٧
إعلاء السنن
٢٩١٧- حدثنا غندر، حدثنا شعبة، قال: سألت الحكم، وحمادا، ومنصورا،
وسليمان، عن الرجل يطوف بالبيت على غير طهارة، فلم يروا به بأسا. وروى عن
عطاء: إِذا طافت المرأة ثلاثة أطواف فصاعدا ثم حاضت أجزأ عنها. رواه ابن أبى
شيبة. "فتح البارى" (٣-٤٠٣). وهو حسن أو صحيح على أصله.
باب وجوب الدم على من ترك شيئا من واجبات الحج أو نسيه أو قدم وأخر
٢٩١٨- عن مجاهد، عن ابن عباس رضى الله عنهما: من قدم شيئا من حجه أو
أخره فليهرق لذلك دما. أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد حسن، والطحاوى من وجه آخر
أحسن منه عنه، قاله الحافظ فى "الدراية" (٢٠٨).
٢٩١٩- مالك، حدثنا أيوب السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنه
فیه، ولعل ذلك ظاهر لا يرتاب فيه مرتاب.
قوله: " حدثنا غندر" إلخ، دلالته على ما دل عليه قبله ظاهرة.
قال الحافظ فى "الفتح": وفى هذا تعقب على النووى، حيث قال فى "شرح المهذب":
انفرد أبو حنيفة بأن الطهارة ليست بشرط فى الطواف؛ واختلف أصحابه فى وجوبها. ولم
ينفردوا بذلك كما ترى، فلعله أراد انفرادهم عن الأئمة الثلاثة، لكن عند أحمد رواية أن
الطهارة للطواف واجبة تجبر بالدم، وعند المالكية قول يوافق هذا اهـ (٤٠٣:٣).
باب وجوب الدم على من ترك شيئا من واجبات الحج أو نسيه أو قدم وأخر
قوله: "عن مجاهد" وقوله: "مالك" إلخ، قلت: هذا الحديث أصل كلى فيما أوجب فيه
أئمتنا دما، كترك الطهارة فى طواف الزيارة، أو فى طواف الصدر، وكذا فى ترك طواف الصدر
رأسا؛ لكونه واجبا غير مفروض، وكذا من أفاض قبل الإمام من عرفات فعليه دم، ومن ترك
الوقوف بالمزدلفة فعليه دم، ومن ترك رمى الجمار فى الأيام كلها فعليه دم، ومن أخر الحلق حتى
مضت أيام النحر فعليه دم، وكذا إذا أخر طواف الزيارة حتى مضت أيام النحر فعليه دم، وكذا لو
قدم نسكا على نسك فعليه دم عند أبى حنيفة، خلافا لهما فى التقديم والتأخير بين الواجبات، وإن
رمى فى اليومين بعد يوم النحر قبل أن يطوف للزيارة ورجع إلى أهله فعليه دم بالاتفاق، وليس على

ج - ١٠
:
وجوب الدم على من ترك شيئا من واجبات الحج أو نسيه أو قدم وأخر
٣٤٨
كان يقول: من نسى من نسكه شيئا أو ترك فليهرق دما. قال أيوب: لا أدرى أ قال:
الحائض لتأخير طواف الزيارة عن أيام النحر شىء بالاتفاق للعذر، ذكر ذلك كله فى "الهداية"
"وفتح القدير" (٤٦٥:٢، ٤٧٠) مع أمثلة أخرى كثيرة، كترك السعى بين الصفا والمروة، فإنه من
الواجبات عندنا دون الأر کان، فیلزم بتر که الدم دون الفساد.
وإنما حملنا قول ابن عباس: من نسى من نسكه شيئا أو ترك إلخ على الواجبات للإجماع
على فوات الحج بترك الوقوف بعرفة، وعلى أن من لم يطف طواف الزيارة أصلا حتى رجع إلى
أهله فعليه أن يعود بذلك الإحرام؛ لانعدام التحلل منه، وهو محرم عن النساء أبدا حتى يطوف.
ذكره الموفق فى "المغنى" (٤٦٥:٣ و٤٩٢)، ونصه: من ترك طواف الزيارة رجع من بلده حراما
ختى يطوف بالبيت؛ لأن طواف الزيارة ركن الحج لا يتم إلا به، ولا يحل من إحرامه حتى يفعله،
فإن رجع إلى بلده قبله لم ینفك إحرامه، ورجع متی أمكنه محرما، لا يجزئه غير وبذلك قال عطاء،
والثورى، ومالك، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى، وابن المنذر اهـ. وأما السنن
والمستحبات فلا يلزم بتركه شىء اتفاقا، اللهم إلا أن يختلف فى شىء أنه واجب أو سنة، كطواف
القدوم، فمن أوجبه ألزم علی تار که دما، ومن لا فلا.
وبالجملة فقد اتفق الجميع على أن الدم لا يغنى شيئا فى ترك الفرائض والأركان، وليس
بلازم فى ترك السنن والآداب، فثبت بذلك أن قول ابن عباس هذا محمول على الواجبات فقط،
ولا خلاف بين أئمتنا فى وجوب الدم بترك الواجب، واختلفوا فى وجوبه بالتقديم والتأخير فى
المناسك، فقال محمد وأبو يوسف بعدم وجوبه لذلك، واحتجا مثل الجمهور بما رواه عبد الله بن
عمرو بن العاص، وابن عباس وغيرهما رضى الله عنهم: أن رسول الله عَ ليه وقف للناس عام حجة
الوداع يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح قال: ((اذبح)). فما
سئل يومئذ عن شىء قدم أو أخر إلا قال: ((افعل ولا حرج)).
قال محمد فى "الموطأ" (٢٣): وبالحديث الذى روى عن النبى مّ ◌ُّ نأخذ، أنه لا حرج فى
شىء من ذلك، وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا حرج فى شىء من ذلك ولم یر فی شیء من ذلك
كفارة إلا فى خصلة واحدة: المتمتع والقارن إذا حلق قبل أن يذبح قال: علیه دم، وأما نحن فلا نرى
عليه شيئا اهـ. والحصر غير حقيقى؛ لما فى "الهداية" وشروحه: من أخر الحلق حتى مضت أيام
النحر فعليه دم عنده، وكذا لو أخر طواف الزيارة. وقالا: لا شىء فى الوجهين، وكذا الخلاف فى

٣٤٩
إعلاء السنن وجوب الدم على من ترك شيئا من واجبات الحج أو نسيه أو قدم وأخر
ترك أم نسى؟. أخرجه فى "موطأه" (١٦٣). ومحمد فى "موطأه" أيضا (٢٣٠) وسنده
صحیح جلیل.
تأخير الرمى، وفى تقديم نسك على نسك كالحلق قبل الرمى، ونحر القارن قبل الرمى، والحلق قبل
الذبح، بخلاف ما إذا ذبح المفرد بالحج قبل الرمى، أو حلق قبل الذبح حيث لا يجب عليه شىء
عنده أيضا؛ لأن النسك لا يتحقق فى حقه لعدم وجوب الذبح على المفرد بخلاف القارن والمتمتع
فعليهما دم واجب، فيجب الترتيب بينه وبين غيره من المناسك أهـ ملخصا من تعليقه، وقد تقدم
فى باب وجوب الترتيب فى مناسك يوم النحر أن أبا حنيفة رحمه الله حمل قوله عدّ له: ((افعل ولا
حرج)) فى جواب من قدم أو أخر شيئا من المناسك على رفع الإثم، دون نفى الكفارة، بدليل ما فى
حديث أسامة بن شريك عند أبى داود: فكان يقول: ((لا حرج لا حرج إلا على رجل افترض
عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذى حرج وهلك اهـ)) وسنده صحيح (٢٨٣:١) فقوله:
(إلا على رجل افترض)) إلخ وقوله: ((فذلك الذى حرج، وهلك)) صريح فى إرادة نفى الإثم.
وأيضا فكيف يصح القول بعدم الحرج وسقوط الكفارة عمن قدم وأخر متعمدا، وهو مقيد
فى بعض ألفاظ الحديث بمن فعل ذلك وهو لا يشعر؟ قال الموفق فى "المغنى": فأما إن فعله عامدا
عالما مخالفة للسنة، فعلیه دم رواية عن أحمد، روی نحو ذلك عن سعيد ابن جبير، وجابر بن زيد،
وقتادة، والنخعى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ ولأن النبى
عَّ ◌ُلِّ رتب وقال: ((خذوا عنى مناسككم)). والحديث المطلق قد جاء مقيدا، فيحمل المطلق على
المقيد. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح، فقال: إن كان جاهلا
فليس عليه دم، فأما مع التعمد فلا؛ لأن النبى معَِّ سأله رجل فقال: لم أشعر. قيل لأبى عبد الله:
سفيان بن عيينة لا يقول: لم أشعر، فقال: نعم، ولكن مالكا والناس عن الزهرى (يقولون) لم أشعر،
وهو فى الحديث (أى غير مدرج) وقال مالك: إن قدم الحلق على الرمى فعليه دم؛ لأنه بالإجماع
منوع من حلق شعره قبل التحلل الأول أهـ ملخصا (٤٦٢:٣). وهذا إذا سلمنا أن قول النبى مد ظله:
((افعل ولا حرج)) محمول على نفى الكفارة وسقوط الدم، وقد عرفت أن حمله على هذا المعنى
غير مسلم، ومن ادعى ذلك فليأت ببرهان عليه، وقد أقمنا الدليل على كونه محمولا على معنى
رفع الإثم بدلالة ألفاظ الحديث فتذكر، والله تعالى أعلم.
وقال ابن دقیق العید رحمه الله: ما قاله أحمد قوی من جهة أن الدلیل دل على وجوب اتباع

ج - ١٠
٣٥٠
أبواب جزاء الصيد
باب ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٢٩٢٠- عن عائشة، قالت: أمر رسول الله عَّه بقتل خمس فواسق فى الحل
والحرم: الغراب، والحداة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور. متفق عليه. "نيل
الرسول فى الحج، بقوله: ((خذوا عنى مناسككم)) وهذه الأحاديث المرخصة فى تقديم ما وقع عنه
تأخيره (وبالعكس) قد قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة
العمد على أصل وجوب الاتباع فى الحج. وأيضا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون
معتبرا لم يجز إطراحه، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به
الحكم، فلا يمكن إطراحه پالحاق العمد به، إذ لا يساويه اهـ من "فتح البارى" (٣: ٤٥٦).
قلت: وعدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة بمعنى رفع الإثم دون سقوط الكفارة، ألا ترى
أن العمد والنسيان والجهل بالتحريم كله سواء فى محظورات الإحرام؟ كحلق الرأس، وتقليم
الأظفار، وتغطية الرأس، ولبس المخيط، والتطيب وغيرها، فتجب الفدية على من ارتكبها مطلقا إلا
أنه لا يأثم إن كان فعله ناسيا أو غير شاعر، فكذا ههنا، ومن ادعى الفرق بينهما فليأت ببرهان
عليه، وظنى أن قول أبى حنيفة فى هذا الباب أقوى الأقوال وأتقنها رواية ودراية، وأوفرها وأشدها
احتياطا وصيانة.
باب ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
قوله: عن عائشة إلى آخر الباب، قال فى الهداية: اعلم أن صيد البر محرم على المحرم، وصيد
البحر حلال؛ لقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ الآية، وصيد البر ما يكون توالده ومثواه فى
البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه فى الماء، والصيد هو الممتنع المتوحش فى أصل الخلقة،
واستثنى رسول الله عَّ ◌ُّه الخمس الفواسق، وهى: الكلب العقور، والذئب، والحدأة، والغراب،
والعقرب، والحية، فإنها مبتدئات بالأذى، والمراد الغراب الذى يأكل الجيف، هو المرومى عن أبى
يوسف رحمه الله، قال: ومن قتل ما لا يؤكل لحمه من الصيد كالسباع ونحوها فعليه الجزاء
إلا ما استثناه الشارع، وهو ما عددناه. وقال الشافعى رحمه الله: لا يجب الجزاء؛ لأنها جبلت

٣٥١
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
إعلاء السنن
الأوطار" (٤-٢٤٥). وأخرجه أبو عوانة فى "المستخرج" من طريق المحاربى، عن
هشام، عنها بلفظ: ست. وزاد: الحية. وهو كذلك عند مسلم بطريق شيبان عن ابن
على الإيذاء، فدخلت فى الفواسق المستثناة، وكذا اسم الكلب يتناوله السبع بأسرها لغة، ولنا
أن السبع صيد لتوحشه، وكونه مقصودا بالأخذ إما لجلده، أو ليصطاد به، أو لدفع أذاه،
(فدخل فى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾، وقوله: ﴿وحرم
علیکم صيد البر ما دمتم حرما﴾.
والقياس على الفواسق ممتنع؛ لما فيه من إبطال العدد (أى ولفساد القياس أيضا، فلا يمكن
إلحاقها بها دلالة؛ لأن الفواسق مما تعدو علينا وعلى مواشينا ابتداء بالقرب منا، والسبع ليس كذلك
لبعده عنا، فلا يكون فى معنى الفواسق ليلحق بها، فإن أذى الفواسق متعد إلينا، لأنها تتعیش بين
أظهرنا، فالذئب يقرب من مواشينا، والحدأة تعيش بالأخنطف، وكذا الغراب، والفارة عيشها من
طعام العباد، وكذا الكلب، والعقرب تلدغ من يتخذها وليا كان أو نبيا، ولم تزل الحية عدوا لبشر
منذ خلقت، والسبع بالبعد منا فلم يكن أذاه متعديا إلينا غالبا، فلم يكن نظير الفواسق. فالحاصل
أن الشافعی رحمه الله ومن وافقه اعتبر نفس الأذى، ونحن اعتبرناه بصفة التعدی إلینا بدليل ما
فى بعض الأحاديث عند أبى داود والترمذى من وصف السبع بالعادى، وفى كلها من وصف
الكلب بالعقور) واسم الكلب لا يقع على السبع عرفا، والعرف أملك اهـ (٢:٣ و٢٠ مع الفتح)
قلت: ولا يقع عليها لغة أيضا.
وأما ما احتجوا به من قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ فاشتقها من اسم
الكلب، وبقوله معَّ: ((اللهم سلط عليه كلبا من كلابك)) فقتله الأسد: أخرجه الحاكم بسند
حسن، فغاية ما فى ذلك جواز الإطلاق، لا أن اسم الكلب هنا متناول لكل ما يجوز إطلاقه عليه،
وهو محل النزاع، (بل قد قام الدليل على أنه لم يرد به السباع كلها، وهو ما فى رواية الترمذى من
اقتران ذكر السبع العادى بالكلب العقور، فدل على أن المراد به هنا الكلب خاصة، وإلا لم يكن
لذكر السبع معه معنى، وقد وصف السبع بالعادى فلا يلحق الغير العادى به؛ لانتفاء الوصف
الموجب قتله فى الحرم والإحرام). فإن قيل: اللام فى الكلب تفيد العموم. قلنا: بعد تسليم ذلك لا
یتم إلا إذا کان إطلاق الكلب علی کل واحد منها حقيقة وهو ممنوع، والسند أنه لا يتبادر عند
إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف، والتبادر علامة الحقيقة، وعدمه علامة المجاز، والجمع بين

ج - ١٠
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٣٥٢
عمر، فزاد الحية، ولم يقل فى أوله: خمسا، ولا ستا. وقد وقع فى حديث أبى سعيد عند
أبى داود نحو رواية شيبان، وزاد السبع العادى. وفى حديث أبى هريرة عند ابن خزيمة
الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم إلحاق ما عقر من السباع (أى ابتدأ بالأذى) بالكلب
العقور بجامع العقر صحيح (وقد قلنا به) وأما أنه داخل تحت لفظ الكلب فلا اهـ من
"نيل الأوطار" (٣٤٧:٤ و ٣٤٨).
وقال الحافظ فى "الفتح": الكلب معروف، والأنثى كلبة، والجمع أكلب، وكلاب،
وكليب، كأعبد، وعاد وعبيد وفى الكلب بهيمية وسبعية، كأنه مركب، وفيه منافع للحراسة
والصيد، وفيه من اقتفاء الأثر، وشم الرائحة، والحراسة، وخفة النوم والتودد، وقبول التعليم ما ليس
لغيره وقيل: إن أول من اتخذه للحراسة نوح عليه السلام واختلف العلماء فى المراد به ههنا، وهل
لوصفه بالعقور مفهوم أولا؟ فروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أبى هريرة قال: الكلب
العقور الأسد. وقال زيد بن أسلم: وأى كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد بالكلب العقور هنا
الذئب خاصة. وقال مالك فى "الموطأ" كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم -مثل: الأسد،
والنمر والفهد، والذئب- هو العقور. وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور. وقال أبو
حنيفة رحمه الله: المراد بالكلب هنا الكلب خاصة، ولا يلتحق به فى هذا الحكم سوى الذئب.
(لورود ذكره فى النص صريحا).
وذهب الجمهور إلى إلحاق غير الخمس بها فى هذا الحكم، إلا أنهم اختلفوا فى المعنى،
فقيل: لكونها موذية. فيجوز قتل كل موذ، هذا قضية مذهب مالك. وقيل: لكونها مما لا يؤكل،
وهذا قضية مذهب الشافعى. وقال ابن دقيق العيد: والتعدية بمعنى الأذى إلى كل موذ قوى؛ فإنه
ظاهر من جهة الإيماء بالتعليل بالفسق، وهو الخروج عن الحد، وأما التعليل بحرمة الأكل ففيه إبطال
لما دل عليه إيماء النص من التعليل انتهى. وقال غيره: هو راجع إلى تفسير الفسق (أيضا قلت: وفيه
ما فيه؛ فإن كل ما لا يؤكل لحمه لا يصح إطلاق الفاسق عليه، كالحمار الأهلى والسنور وغيرهما).
وخالفت الحنفية فاقتصروا على الخمس، إلا أنهم ألحقوا بها الحية لثبوت الخبر، والذئب لمشاركته
للكلب فى الكلبية، (أى ولثبوت الخبر أيضا كما سنبينه) وألحقوا بذلك من ابتدأ بالعدوان والأذى
من غيرها (لا بالقياس، بل لقول النبى مرّ له: ((والسبع العادى)) كما تقدم) وتعقب بظهور المعنى فى
الخمس، وهو الأذى الطبيعى والعدوان المركب، والمعنى إذا ظهر فى المنصوص عليه تعدى الحكم

٣٥٣
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
2
إعلاء السنن
وابن المنذر زيادة الذئب، والنمر، فتصير تسعا، وفى رواية سعيد بن المسيب عن عائشة
عند مسلم: الغراب الأبقع. "فتح البارى" (٣٠:٤).
إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى، كما وافقوا عليه فى مسائل الربا اهـ ملخصا (٣٣:٤ و٣٤).
قلت: ولكن تنصيصه مّه بخمس أو بست ينافى تعدية الحكم إلى غير المنصوص عموما،
وإلا لم يكن لذكر العدد معى، فدل تنصيصه بخمس أو ست ونحوها على كون الحكم مقصور!
على أشياء معدودة معلومة، فلا بد من قصر الحكم على ما ورد ذكره فى النصوص، وليس كذلك
المنصوص فى مسائل الربا؛ فإنه عّ لّه ذكر فيها أشياء متعددة من غير تنصيص على العدد، فافهم.
فإن قيل: إن عدد الخمس قد تحقق عدم قصر الحكم عليه شرعا، فإنه قد ثبت النص على
الذئب والحية أيضا فى أحاديث لم ينص فى صدرها على عدد، فانفتح باب القياس، إذ حديث
الفواسق تخصيص للآية، ودليل التخصيص يعلل ويلحق بما أخرجه ما تخرجه العلة أيضا بالاتفاق،
قاله المحقق فى "الفتح" (١٩:٣).
قلنا: نسلم أن عدد الخمس قد تحقق عدم قصر الحکم علیه ولكن لا إلی عدد مجهول، بل
إلى عدد معلوم من الخمس إلى الست، ثم إلى السبع، بدليل ما فى بعض الطرق عن عائشة: ((ست
يقتلن فى الحل والحرم))، كما أشرنا إليه فى المتن، فلعل بعض الرواة قد حذف من صدر الحديث
اسم العدد حين زاد على الست، ولم يكن النبى معَِّ حذفه. ولنا أن نقول: إن عدد الخمس لم
يتغير، وبعض الاثنين منها قد عد واحدا، فالذئب والكلب العقور واحد، وكذا العقرب والحية
واحد، وإنما لم نقل بكون النمر والأسد والكلب العقور واحدا؛ لأن ذكر الذئب قد وقع لنا مرفوعا
فى مرسل ابن المسيب، وموصول حجاج، وكذا ذكر الحية، وأما ذكر النمر فلم يرد موفوعا فى
حديث ما غير حديث أبى هريرة، وقد نص الذهلى على كونه من تفسير الراوى، صرح به الحافظ
فى "الفتح" (٤: ٣٠). وكذا لم يقع ذكر الأسد فى حديث مرفوع، وإنما روى عن أبى هريرة من
قوله فى تفسير الكلب العقور كما مر، فلم نجعله فى حكم الكلب هذا، وقد ذهب الطحاوى منا
إلى أن قتل الذئب لا يباح، لأن النبى مَّه قال: خمس يقتلن فى الحرم والإحرام))؛ فدل على أن غير
الخمس حكمهن غير حكمهن (٣٨٥:١). وعن أبى يوسف: الأسد كالكلب العقور والذئب،
وصرح فى "البدائع" بحل قتل الأسد، والفهد، والنمر، من غير ذكر خلاف، وفى ظاهر الرواية
السباع كلها صيود، كذا فى "فتح القدير" (٢٠:٣). ولعلك قد اطلعت بذلك على غاية مراعاة

ج - ١٠
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٣٥٤
٢٩٢١- عن سعيد بن المسيب، عن النبى عَّ له، قال: ((يقتل المحرم الحية والذئب)).
أخرجه أبو داود وابن أبى شيبة وسعيد بن منصور ورجاله ثقات. فتح البارى (٣٠:٤).
٢٩٢٢ - عن حجاج بن أرطاة، عن وبرة، عن ابن عمر، قال: أمر رسول الله عَ ليه
بقتل الذئب للمحرم. أخرجه أحمد، وحجاج ضعيف. "فتح البارى". قلت: كلا، بل
هو حسن الحديث كما مر غير مرة.
٢٩٢٣- عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((خمس من
الدواب ليس على المحرم فى قتلهن جناح: الغراب، والحداة، والعقرب، والفأرة، والكلب
العقور)). رواه الجماعة إلا الترمذى، وفى لفظ: ((خمس لا جناح على من قتلهن فى
الحرم والإحرام: الفأرة، والعقرب، والغراب والحديا والكلب العقور)) رواه مسلم
والنسائى نيل الأوطار (٢٤٥:٤).
الحنفية لدلالات النصوص، وشدة تجنبهم عن القياس بمعرض النص، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن سعيد بن المسيب وعن حجاج بن أرطاة" إلخ، قلت: مرسل سعيد هذا حجة
على أصول المحدثين أيضا؛ فإنه قد اعتضد بموصول، والمرسى إذا اعتضد بموصول ولو ضعيفا
فهو حجة عندهم جميعا، كما قدمناه فى المقدمة، فثبت حكم إباحة قتل الذئب فى الحرم
والإحرام بالنص، إما بالزيادة على الخمس فتصير المستثنيات ستا أو سبعا، أو يجعل الذئب والكلب
واحدا، كما مر.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، المراد بالغراب هو الأبقع، كما وقع مقيدا به فى رواية سعيد بن
المسيب عن عائشة رضى الله عنها عند مسلم. قال الحافظ فى "الفتح": وهو الذى فى ظهره أو
بطنه بياض، وأخذ بهذا القيد بعض أصحاب الحديث كما حكاه ابن المنذر وغيره، (أى والحنفية
أيضا كما مر فى كلام صاحب "الهداية")، ثم وجدت ابن خزيمة قد صرح باختياره، وهو قضية
حمل المطلق على المقيد. وأجاب ابن بطال بأن هذه الزيادة لا تصح؛ لأنها من رواية قتادة عن
سعيد، وهو مدلس، وقد شذ بذلك، وقال ابن عبد البر: لا تثبت هذه الزيادة. وقال ابن قدامة:
الروايات المطلقة أصح. وفى جميع هذا التعليل نظر، أما دعوى التدليس فمردودة بأن شعبة لا
يروى عن شيوخه المدلسين، إلا ما هو مسموع لهم، وهذا من رواية شعبة، بل صرح النسائى فى

٣٥٥
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
إعلاء السنن
٢٩٢٤- عن ابن مسعود رضى الله عنه أن النبى ◌ّ له أمر محرما بقتل حية بمنى.
رواه مسلم. "نيل" (٢٤٥:٤).
رواية من طريق النضر بن شميل عن شعبة بسماع قتادة. وأما نفى الثبوت فمردود بإخراج مسلم،
وأما الترجيح فليس من شرط قبول الزيادة، بل الزيادة مقبولة من الثقة الحافظ، وهو كذلك ههنا،
نعم قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه فى الإيذاء وتحريم الأكل، وقد اتفق العلماء على إخراج
الغراب الصغير الذى يأكل الحب من ذلك، ويقال له: غراب الزرع، ويقال له: الزاغ، وأفتوا بجواز
أكله، فبقى ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع.
قال صاحب "الهداية": المراد بالغراب فى الحديث الغداف، والأبقع؛ لأنهما يأكلان
الجيف، وأما غراب الزرع فلا. وكذا استثناء ابن قدامة، وما أظن فيه خلافا، وعليه يحمل ما جاء
فى حديث أبى سعيد عند أبى داود إن صح، حيث قال: ويرمى الغراب ولا يقتله، (أى غراب
الزرع) وروى ابن المنذر وغيره نحوه عن على ومجاهد، قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه
العلم قتل الغراب فى الإحرام إلا ما جاء عن عطاء، قال فى محرم كسر قرن غراب فقال: إن
أدماه فعليه الجزاء. وقال الخطابى: لم يتابع أحد عطاء على هذا اهـ. ويحتمل أن يكون مراده غراب
الزرع، ومن أنواع الغربان الأعصم، وهو الذى فى رجليه أو فى جناحيه وإبطيه بياض أو حمرة،
وحكمه حكم الأبقع، ومنها العقعق، وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، ووقع فى
فتاوى قاضى خان الحنفى: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر. وحكمه حكم
الأبقع على الصحيح. وقيل: حكم غراب الزرع، وقال أحمد: إن أكل الجيف وإلا فلا بأس به
أهـ، ملخصا (٣٢:٤).
قوله: "عن ابن مسعود إلخ"، دلالته على جواز قتل الحية ظاهرة. قال القاضى: لم يختلف
فى قتل الحية والعقرب، ولا فى قتل الحلال الوزغ فى الحرم. وقال أبو عمر: لا خلاف عن مالك
وجمهور العلماء فى قتل الحية والعقرب فى الحل والحرم، وكذلك الأفعى. قاله العينى فى "العمدة"
(٨٣:٥).
وفيه أيضا: فإن قلت: فعلى ما ذكرت عن الطحاوى من: أنه مَِّ عد خمسا، فذلك ينفى
أن يكون أشكال شىء من ذلك كحكم هذه الخمس إلا ما اتفق عليه من ذلك أن النبى معَّ لّه عناه
ينبغى أن لا يجوز قتل الحية للمحرم. قلت: قوله: إلا ما اتفق عليه من ذلك أن النبى معَّ عناه. أشار

ج - ١٠
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٣٥٦
٢٩٢٥- عن أبى سعيد عن النبى عّ لّه، قال: ((يقتل المحرم السبع
العادى، والكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحداة)). رواه الترمذى وقال:
هذا حديث حسن (١٠٣:١).
إلى جواز قتل الحية، لأنها من جملة ما عناه من ذلك. ثم ذكر أثر ابن مسعود وحديث أبى سعيد
المذكورين فى المتن، ثم أجاب عما تعقب به الحافظ فى "الفتح" على قول الحنفية من: أن المعنى إذا
ظهر فى المنصوص عليه تعدى الحكم إلى كل ما وجد فيه ذلك المعنى. بما نصه: قلت: نص النبى
ګ على قتل خمس من الدواب وبينهن، فدل أن حکم غیرهن غیر حکمهن، وإلا لم يكن
للتنصيص على الخمس فائدة. (وأصحابنا اقتصروا على الخمس إلا أنهم ألحقوا بها الحية، والذئب،
وما ابتدأ بالعدوان والأذى من غيرها لثبوت الخبر).
وقال عياض: ظاهر قول الجمهور أن المراد أعيان ما سمى فى هذا الحديث، وهو ظاهر قول
أبى حنيفة ومالك، ولهذا قال مالك: لا يقتل المحرم الوزع، وإن قتله فداه. (قلت: هذا خلاف ما
حكاه القاضى أبو بكر بن العربى من عدم الاختلاف فى جواز قتله كما مر) ولا يقتل خنزيرا،
ولا قردا، مما لا ينطلق عليه اسم الكلب فى اللغة، إذ فيه جعل الكلب صفة لا اسما، وهو قول كافة
العلماء، وإنما قال رسول الله عَ ليه: ((خمس فليس لأحد أن يجعلهن ستا ولا سبعا، وأما قتل الذئب
فلا يحتاج فيه أن نقول: إنه يقتل لمشار کته للكلب فى الكلبية، بل نقول: يجوز قتله بالنص، وهو ما
رواه الدارقطنى عن ابن عمر فذكر ما ذكرناه فى المتن بطريق أحمد، وقال البيهقى: وقد روينا ذكر
الذئب من حديث ابن المسيب مرسلا جيدا -فذكر ما ذكرناه فى المتن- ثم قال: وأما إذا عدا على
المحرم حيوان أى حيوان كان وصال عليه فإنه يقتله؛ لأن(١) حكمه حينئذ يصير كحكم الكلب
العقور أهـ، ملخصا (٨٤:٥). وهذا ما ذكرته بعينه فى الجواب عن تعقب الحافظ قبل مراجعة كلام
العينى، فلله الحمد على الموافقة.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ، قلت: دلالة قوله: "السبع العادى" على جواز قتله إذا عدا
وعلى عدم جوازه إذا لم يبتدأ بالأذى ظاهرة، وهو المذهب كما مر غير مرة. قال العينى: وقال ابن
المنذر: لا خلاف بين العلماء فى جواز قتل المحرم الفارة إلا النخعى، فإنه منع المحرم من قتلها، وهو
قول شاذ. قال القاضى: وحكى الساجى عن النخعى أنه لا يقتل المحرم الفارة، فإن قتلها فداها، وهذا
(١) ولدخوله فى السبع العادى.

٣٥٧
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
إعلاء السنن
خلاف النص، وخلاف جميع أهل العلم، وروى البيهقى بإسناد صحيح عن حماد بن زيد، قال لما
ذكروا له هذا القول: ما كان بالكوفة أفحش ردا للآثار من إبراهيم النخعى لقلة ما سمع منها، ولا
أحسن اتباعا لها من الشعبى لكثرة ما سمع اهـ (٨٣:٥).
والعجب من العينى أنه كيف سكت عن مثل هذا الكلام الذى لا ينبغى أن يتقوه به فى
الأجلة الأعلام؛ فإن إبراهيم فقيه، أى فقيه؟ لم ترعين الدهر مثله من بنيه، قال الأعمش: كان
إبراهيم خيرا فى الحديث، وقال الشعبى: ما ترك أحدا أعلم منه، وقال ابن معين: مراسيل إبراهيم
أحب إلى من مراسيل الشعبى. اهـ من "التهذيب" (١٧٧:١) فكيف يجوز لحماد بن زيد أن
ينسبه إلى قلة السماع، وهل يجرح مجتهد قد أجمع الناس على كونه فقيها مجتهدا أعلم الناس
فى زمانه بقول محدث لاحظ له فى الفقه والدراية، وإن كان له حظ وافر فى الحفظ أو الإتقان
والرواية؟ قال الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" له: إبراهيم النخعى فقيه العراق، روى عن علقمة،
ومسروق، والأسود، وطائفة، ودخل على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها وهو صبى، وكان من
العلماء ذوى الإخلاص، قال الأعمش: كان إبراهيم صيرفيا فى الحديث، وكان يتوفى الشهرة.
وقال الشعبى لما بلغه موت إبراهيم: ما خلف بعده مثله. وقال عبد الملك بن أبى سليمان: سمعت
سعيد بن جبير يقول: تستفتونی وفيكم إبراهيم النخعى؟ اهـ (١: ٧٠).
وأما قوله فى الفارة فليس فيه رد للآثار ولا مخالفة الإجماع، أما الأول فلأن المشهور فى
حديث عائشة بلفظ: ((خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن فى الحرم)). هذا لفظ البخارى. وعند
مسلم من طريق معمر، عن الزهرى، عن عروة، بلفظ: ((يقتلن فى الحل والحرم))، ("فتح البارى".
٤: ٣١)، ليس فى شىء من طرقه ذكر المجرم ولا الإحرام، وإنما وقع ذكره فى حديث ابن عمر، وقد
اختلف فيه عليه، ولذا ساقه البخارى على الاختلاف، وبعض طر فه يوهم أن عبد الله بن عمر ما
سمع هذا الحديث من النبى معَّ، ولكن وقع فى بعض طرق نافع عنه: سمعت النبى مرّه، أخرجه
مسلم من طريق ابن جريج أخبرنى نافع، وقال مسلم بعده؛ لم يقل أحد عن نافع عن ابن عمر:
سمعت، إلا ابن جريج، وتابعه محمد بن إسحاق (وفيه ما فيه) فالظاهر أن ابن عمر سمعه من
أخته حفصة عن النبى معَّهِ، وسمعه أيضا من النبى معَّ ◌ُلَّه (وليس ذلك بمتيقن)، والظاهر أن المبهمة
فى رواية زيد بن جبير هى حفصة، ويحتمل أن تكون عائشة، والله أعلم. هذا ملخص ما قاله

ج - ١٠
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٣٥٨
٢٩٢٦- عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله عَ لّه سئل عن الضبع، فقال: ((هى
من الصيد))، وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشا. أخرجه الطحاوى فى "معانى الآثار" له
(١-٣٨٤) بسند صحيح، وأخرجه بأسانيد متعددة حسن وصحاح، وأخرجه أصحاب
الحافظ فى "الفتح" (٣٠:٤).
وأخرج مسلم حديث ابن عمر عن شيبان عن أبى عوانة بلفظ: سأل رجل ابن عمر ما يقتل
الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: حدثنى إحدى نسوة النبى ◌ّ: أنه كان يأمر بقتل الكلب
العقور، والفارة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية. قال: فى الصلاة أيضا. "فتح البارى"
(٢٩:٤). وليس فيه أنه معرّ أمر بقتلهن فى الإحرام، بل فيه أنه كان يأمر بقتلهن حتى فى الصلاة
أيضا، وهذا يوهم كون ابن عمر قد استنبط حكم الإحرام منه نظرا إلى إطلاقه.
وإن سلمنا كونه مرفوعا فنقول: إنما أمر بقتلهن لكونهن فواسق، وليس كل الفار كذلك،
وإنما الفواسق منها الكبار دون الصغار التى لا تتمكن من الأذى. ونقل ابن شاس عن المالكية خلافا
فى جواز قتل الصغير منها الذى لا يتمكن من الأذى. "فتح البارى" (٣٣:٤)، وعليه يحمل قول
إبراهيم، فبطل ما قاله القاضى: إن هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع أهل العلم فافهم. قال
الحافظ: قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا فى جواز قتل العقرب اهـ. قال الحافظ: والفار أنواع
-فذكرها- ثم قال: وحكمها فى تحريم الأكل وجواز القتل سواء اهـ (٣٣:٤).
قوله: "عن جابر إلخ"، قلت: فيه دلالة على أن المحرم لا يجوز له قتل السباع كلها؛ فإن
الضبع من السباع وإن اختلف فى حلته وحرمته، ومع ذلك جعل فيها النبى معَّ له جزاء إذا قتله
المحرم، وفيه رد على من جعل الكلب العقور شاملا للسباع بأجمعها. وفى "الجوهر النقى": وأيضا
فإن الضبع أشد عقرا من الكلب المعروف، وأكثر قتلا للناس وأكلا للحومهم وشربا لدمائهم،
ويعدو عليهم ويحتفهم، ومع ذلك جعله النبى معَّ صيدا، فدل أنه لم يرد بالكلب ما يعقر من
السباع، ولو كان الأمر كما قالوا لشمله اسم الكلب، فوجب أن لا يجب شىء بقتله وفى
"الإشراف" لابن المنذر: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها اهـ (٣٥٦:١).
وذهب أبو حنيفة إلى أن الضبع حرام، وبه قال سعيد بن المسيب، والثورى، محتجين بأنه
ذو ناب، وقد نهى رسول الله مرّ له عن أكل كل ذي ناب من السباع. أخرجه الستة، ومحمد بن

٣٥٩
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
إعلاء السنن
السنن، وابن حبان، والحاكم عن جابر بلفظ: سألت رسول الله عَّ ◌ُله عن الضبع أصيد؟،
قال: ((نعم، وفيه كبش إذا صاده المحرم)). "دراية" (٢٠٩).
الحسن فى "الموطأ"، والطحاوى وغيرهم. قال أبو بكر بن العربى: وهى تفترس الآدمى ولكن
خديعة، وعجبا لمن يحرم الثعلب وهى نفترس الدجاج، ويبيح الضبع وهى نفترس الآدمى. كذا فى
حاشية "معانى الآثار" للطحاوى (٣٨٤:١).
قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: قد تلقى الفقهاء هذا الخبر (أى حديث عائشة وابن
عمر فى خمس يقتلن فى الحل والحرم) بالقبول، واستعملوه فى إباحة قتل الأشياء الخمسة للمحرم،
(وتلقى الأمة لحديث بالقبول يجعله فى حيز المتواتر، نص عليه الجصاص فى (٣٧:١) وفى غير ما
موضع من كتابه، فاندفع ما عسى أن يتوهم أنهم خصصوا عموم الآية بأخبار الآحاد).
قال: وقد اختلف فى الكلب العقور، فقال أبو هريرة: إنه الأسد. وروى فى بعض أخبار ابن
عمر فى موضع الكلب: الذئب، ولما ذكر الكلب العقور أفاد بذلك كلبا من شأنه العد وعلى الناس
وعقرهم، وهذه صفة الذئب، فأولى الأشياء بالكلب ههنا الذئب، وقد دل على أن كل ما عدا على
المحرم وابتدأه بالأذى فجائز له قتله من غير فدية؛ لأن فحوى ذكره الكلب العقور (والسبع العادى
فى رواية) يدل عليه، وكذلك قال أصحابنا فيمن ابتدأه السبع فقتله: فلا شىء عليه، وإن كان هو
الذى ابتدأ السبع فعليه الجزاء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾.
واسم الصيد واقع على كل ممتنع الأصل متوحش، ولا يختص بالمأكول منه دون غيره،
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ليبلونكم الله بشىء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم﴾، فعلق الحكم منه
بما تناوله أيدينا ورماحنا، ولم يخصص المباح منه دون المحظور الأكل، ثم خص النبى مرّ اللّه الأشياء
المذكور فى الخبر، وذكر معها الكلب العقور، فكان تخصيصه لهذه الأشياء وذكره للكلب العقور
دليلا على أن كل ما ابتدأ الإنسان بالأذى من الصيد فمباح للمحرم قتله؛ لأن الأشياء المذكورة من
شأنها أن تبتدئ(١) بالأذى فجعل حكمها حكم حالها فى الأغلب، وإن كانت قد لا تبتدئ فى
حال؛ لأن الأحكام إنما تتعلق فى الأشياء بالأعم الأكثر، ولا حكم للشاذ النادر. ثم لما ذكر الكلب
العقور وقيل: هو الأسد، فإنما أباح قتله إذا قصد بالعقر والأذى، وإن كان الذئب فذلك من شأنه فى
(١) ولذا سماهن فواسق.

ج - ١٠
ما يحل قتله للمحرم فى الإحرام وله وللحلال فى الحرم
٣٦٠
الأغلب، فما خصه النبى عّ لّم من ذلك بالخبر وقامت دلالته فهو مخصوص من عموم الآية، وما لم
يخص ولم تقم دلالة تخصيصه فهو محمول على عمومها، ويدل عليه حديث جابر: أن النبى معَّ له
قال: ((الضبع صيد وفيه كبش إذا قتله المحرم)). وقد نهى رسول الله مګ عن كل ذى ناب من
السباع، والضبع من ذى الناب من السباع، وجعل النبى معَّ ◌ُلّه فيها كبشاً أهـ (٤٦٩:٢).
ثم ذكر الجصاص وجه عدم قیاسنا غير هؤلاء الخمس -وهو ما لا يؤكل لحمه- عليهن، بأن
القياس على المخصوص غير جائز عندنا إلا أن تكون علته مذكورة فى النص، أو دلالة قائمة فيما
خص، فلما لم تكن للخمس علة مذكورة فيها لم يجز القياس عليها فى تخصيص عموم الأصل،
وقد بينا وجه دلالته على ما يبتدئ الإنسان بالأذى من السباع، وكونه غير مأكول اللحم لم يقم(١)
عليه دلالة من فحوى الخبر، ولا علة مذكورة فيه، فلم يجز اعتباره. وأيضا فلا خلاف فيما ابتدأ
المحرم بالأذى فى سقوط الجزاء، فجاز تخصيصه بالإجماع، وبقى حكم عموم الآية فيما لم يخصه
الخبر ولا الإجماع، ومن أصحابنا من یأبی القیاس فى مثله؛ لأنه حصره بعدد فقال: (خمس یقتلهن
المحرم))، فغير جائز استعمال القياس فى إسقاط دلالة اللفظ، ومنهم من يأبى صحة الاعتلال بكونه
غير مأكول؛ لأن ذلك نفى، والنفى لا يكون علة، وإنما العلل أو صاف ثابتة فى الأصل المعلول، وأما
نفى الصفة فليس يجوز أن يكون علة، اهـ ملخصا. قال الحافظ فى "الفتح": واحتج الطحاوى بأن
العلماء اتفقوا على تحريم قتل البازى والصقر، وهما من سباع الطير، فدل ذلك على اختصاص
التحريم بالغراب والحدأة (من الطيور)، وكذلك يختص التحريم بالكلب وما شاركه فى صفته وهو
الذئب، وتعقب برد الاتفاق اهـ (٣٤:٤). قلت: ليس فى كلام الطحاوى إباحة قتل الذئب لكونه
مشار کا للكلب فی صفته، بل لثبوت الخبر بجواز قتله فى الإحرام کما تقدم، وقد وافقه عیاض فی
نسبة القول بأن المراد أعيان ما سمى فى الحديث إلى الجمهور، وجعله قول كافة العلماء، كما تقدم
فى كلام العينى فتذكر، ولعل فيما ذكرناه كفاية لتقوية مذهب الحنفية فى هذا الباب، ولا يضرنا
إن لم يتم احتجاج الطحاوى بالاتفاق، والله تعالى أعلم، وله الحمد على ما علم وفهم.
(١) واستدل البيهقى لإلحاق ما لا يؤكل لحمه بهؤلاء الخمس بأنه تعالى حرم عليهم بقوله: ﴿وحرّم عليكم صيد البر﴾ ما كان
حلالا قبل الإحرام. ورده صاحب "الجوهر النقى" بأنه يباح صيد المأكول وغيره للانتفاع به، فحرم عليهم عند الإحرام الكل
اهـ (١ : ٣٥٦).