Indexed OCR Text
Pages 301-320
ج - ١٠ حكم من لا يجد الهدى من القارن أو المتمتع ٣٠١ البخارى، والله أعلم اهـ (٤: ٢١١). قلت: قد خلط الحافظ ههنا بين حديث النهى عن صيام هذه الأيام، وبين حديث الإباحة، فلا نظر فى كون حديث النهى مرفوعا البتة، كيف؟ وقد أمر النبى معَّ له سعد بن أبى وقاص، وكعب بن مالك، وأوس بن الحدثان، وعلى بن أبى طالب، وعبد الله بن خذافة، وبشر بن سحيم، ومعمر بن عبد الله العدوى، وغيرهم أن ينادوا أيام منى: أنها أيام أكل وشرب ولا صوم فيها. كما ذكره الطحاوى فى "المعانى" (٤٢٨:١ و٤٢٩) فهل يشك بعد ذلك فى كونه مرفوعا أحد ممن له ممارسة بالحديث؟ وإنما المشكوك فى رفعه هو حديث ابن عمر وعائشة بلفظ: لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلخ كما مر، فسها الحافظ عن ذلك، وجعل حديث النهى مشكو كا فى رفعه، فلیتنبه له. وأما قوله: وفى تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر. فالجواب أنا لا نسلم كون حديث النهى عن صوم أيام التشريق من الآحاد، بل هو من المتواتر أيضا. قال الإمام أبو بكر الجصاص الرازى فى "أحكام القرآن" له: قد ثبت عن النبى مرّ النهى عن صوم يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام التشريق، فى أخبار متواترة مستفيضة، (ومن راجع "معانى الآثار" للطحاوى فى هذا الباب لا يشك فى صحة هذا القول قط) واتفق العلماء على استعمالها، وأنه غير جائز لأحد أن يصوم هذه الأيام عن غير صوم المتعة، لا من فرض، ولا من نفل، فلم يجز صومها عن المتعة لعموم النهى عن الجميع (وأيضا فقد أجمعوا على تخصيص عموم الآية بما عدا يوم النحر؛ لاتفاقهم على أن يوم العيد لا يصام، مع أن كونه من أيام الحج أولى من كون أيام التشريق بعده منها كما سيأتى، وإذا خصص فرد من حكم العام مرة لم يبق عمومه فيما سواه من الأفراد قطعيا كما صرح به أهل الأصول منا). قال الجصاص: ولما اتفقوا على أنه لا يجوز أن يصوم يوم النحر -وهو من أيام الحج للنهى الوارد فيه- كذلك لا يجوز الصوم أيام منى وأيضا لما لم يجز أن يصومهن عن قضاء رمضان؛ لقوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾، (وهو بعمومه شامل لجمع الأيام وأيام التشريق منها) وكان الحظر المذكور فى هذه الأخبار قاضيا على إطلاق الآية موجبا لتخصيص القضاء فى غيرها، (ثبت باتفاقهم كون هذه الأخبار تصلح مخصصة لعموم المتواتر لكونها متواترة، لا من الآحاد كما زعمه ٣٠٢ حكم من لا يجد الهدى من القارن أو المتمتع إعلاء السنن ٢٨٧٢- حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حجاج بن المنهال، ثنا حماد بن سلمة، أنا حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب: أن رجلا أتى عمر بن الخطاب يوم الحافظ)، ووجب أن يكون ذلك حكم صوم التمتع، وأن يكون قوله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ فى غير هذه الأيام. قال أبو بكر: وأيضا لما قال: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾، ولم یکن صوم هذه الأيام فى الحج؛ لأن الحج فائت فى هذا الوقت، لم يجز أن يصومها. فإن قيل: هذه من أيام الحج، فوجب أن يجوز صومهن فيها. قيل له: لا يجب ذلك من وجوه: أحدها: أن نهى النبى معَّ ◌ُله عن صوم هذه الأيام قاض عليه ومخصص له، كما خص قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ نهيه عن صيام هذه الأيام، والثانى: أنه لو كان جائزا لأنه من أيام الحج، لوجب أن يكون صوم يوم النحر أجوز؛ لأنه أخص بأفعال الحج من هذه الأيام. والثالث: أن يكون عّم خص يوم عرفة بالحج بقوله: ((الحج عرفة)، فقوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ يقتضى أن يكون آخرها يوم عرفة. والرابع: أنه روى: أن يوم الحج الأكبر يوم عرفة. وروى: أنه يوم النحر. وقد اتفقوا على أنه أى المتمتع فاقد الهدى لا يصوم يوم النحر مع أنه يوم الحج، فما لم يسم يوم الحج من الأيام المنهى عن صومها أحرى أن لا يصوم فيها: وأيضا فإن الذى يبقى بعد يوم النحر إنما هو توابع الحج، وهو رمى الجمار، فلا اعتبار به فى ذلك، فليس هو إذا من أيام الحج، فلا يكون صومها صوما فى الحج اهـ (٢٩٦:١). قلت: ولله دره من فقيه، قد فتحت له أبواب المعانى، فهكذا فليكن الفقه وفهم الكتاب والسنة، فأولئك هم أئمة المعانى حقا. قوله: "حدثنا محمد بن خزيمة" إلخ، قال فى "الهداية": فإن فاته الصوم حتى أتى يوم النحر لم يجزه إلا الدم، إلى أن قال: وعن عمر أنه أمر فى مثله بذبح الشاة اهـ (٤٢٠:٢ مع "الفتح") وقال الزيلعى فى "نصب الراية": حديث غريب، وكذا ذكره فى "المبسوط" فنقل عن عمر أنه أتاه رجل يوم النحر، فقال: إنى تمتعت بالعمرة إلى الحج فقال: اذبح شاة، قال: ما معى شىء، قال: سل أقاربك، قال: ما هنا أحد منهم، فقال: يا مغيث(١) أعطه قيمة شاة (٥٢٥:١). وقال الحافظ فى "الدراية": حديث عمر أنه أمر فى مثله بذبح شاة، أى فى قارن لم يجد الهدى ولم يصم حتى أتت (١) الصحيح معيقيب كما فى الطحاوى؛ فإنه هو الذى استعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، وكان قبل ذلك على خاتم النبى مَّ، كذا فى "التهذيب" (٢٥٤:١). وفى الرواة عن عمر رضى الله عنه مغيث بن سمى من أهل الشام ثقة، ولكن لم يثبت كونه على بيت المال حتى يأمره عمر بإعطاء قيمة شاة للرجل. ج - ١٠ حكم من لا يجد الهدى من القارن أو المتمتع ٣٠٣ النحر، فقال: يا أمير المؤمنين! إنى تمتعت ولم أهد ولم أصم فى العشر، فقال: سل فى قومك؟ ثم قال: يا معيقيب! أعطه شاة. رواه الطحاوى (٤٣١:٤) وسنده حسن. عليه أيام النحر لم أجده، وذكر صاحب "المبسوط"، فذكر ما ذكره الزيلعى (٢٠٤). قلت: لقد صدق القائل: كم ترك الأول للآخر. فهذان حافظان متقدمان على أهل عصرهما فى حفظ الحديث، ولم يطلعا على هذا الأثر، وسنده عند الطحاوى غير ما وجداه فى "المبسوط" بلا سند، وأنا أتعجب من الحافظ ابن حجر؛ فإنه أخذ عن "معانى الآثار" للطحاوى مادة كثيرة لهذه المسألة فى شرحه على البخارى، وأثر عمر هذا ذكره الطحاوى فى هذا الباب بعينه، واحتج به لتائيد مذهبه، ومع ذلك قد خفى عليه ولم يتنبه له. قال الطحاوى بعد ما أسند الحديث عن عمر ما نصه: أ فلا ترى أن عمر لم يقل له: فهذه أيام التشريق فصمها؟ (كما قاله مالك، ولم يقل أيضا: فصمها إذا مضت أيام التشريق. کما قاله الشافعی، بل قال له: سل فى قومك)، فدل تر که ذلك وأمره إياه بالهدى أن أيام الحج عنده التى أمر الله عز وجل المتمتع بالصوم فيها هى قبل يوم النحر، وأن يوم النحر وما بعده من أيام التشريق ليس منها (٤٣١:١). وكذا لا يجزئ المتمتع صوم هذه الثلاثة بعد أيام التشريق أيضا عنده، وإلا لم يأمره بالسوال عن قيمة الشاة فى قومه، بل أمره بصوم العشرة كلها بعد أيام التشريق. قال المحقق فى "الفتح": وأما ما فى البخارى عن عائشة وابن عمر رضى الله عنهم أنهما قالا: لم يرخص فى أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى. قيل: وهذا شبيه بالمسند. قال الشافعى: وبلغنى أن ابن شهاب يرويه عن رسول الله عَّ مرسلا. وأخرج البخارى أيضا من كلام ابن عمر رضى الله عنهما -فذكر ما قدمناه عنه - فعلى أصلنا لو صح رفعه لم يعارض النهى العام لو وازنه، فكيف وذلك أشهر؟ وعلى أصلهم لا يخص ما لم يجزم برفعه وصحته، والمرسل عندهم من قبيل الضعيف لو تحقق، فكيف وإنما ذكره الشافعى بلاغا وغيره موقوفا؟ (وقد عارضه أثر عمر الذى أخرجه الطحاوى موقوفا عليه. وعمر أجل من ابنه ومن عائشة رضى الله عنهما كما لا يخفى)، ولو تم على أصلهم لم يلزمنا اعتباره اهـ (٤٢٠:٣). قال الجصاص: وأما القول فى صومها بعد أيام منى فإن أصحابنا لم يجيزوه؛ لقوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾، فجعل أصل الفرض هو الهدى كقوله: ﴿فصيام شهرين متتابعين﴾، وقوله: ﴿فتحرير رقبة مؤمنة﴾، فغير جائز وقوعها عن الكفارة ٣٠٤ حكم من لا يجد الهدى من القارن أو المتمتع إعلاء السنن ٢٨٧٣- عن كعب بن مالك: أن رسول الله عَّ له بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فناديا: أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب. رواه أحمد ومسلم. "نيل الأوطار" (٤-٢١). ٢٨٧٤- عن عمرو بن العاص، أنه قال لابنه عبد الله فى أيام التشريق: إنها الأيام التى نهى رسول الله عَّه عن صومهن، وأمر بفطرهن، أخرجه أبو داود، وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم. "فتح البارى" (٤-٢١١). ٢٨٧٥- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى الرجل يفوته صوم ثلاثة إلا على الصفة المشروطة. فإن قيل: أكثر ما فيه إيجاب فعله فى وقت فلا يسقطه فواته، كقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ و﴿حافظوا على الصلوات﴾ و﴿قرآن الفجر﴾ وما جرى مجرى ذلك من الفروض المخصوصة بأوقاتها، ثم يكن فواتها مسقطا لها. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن كل فرض مخصوص بوقت فإن فوات الوقت يسقطه، ويحتاج إلى دلالة أخرى فى إيجاب فرض آخر؛ لأن المفروض فى هذا الوقت الثانى هو غير المفروض فى الوقت الأول، ولو لا قول النبى معَّهِ: ((من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها))، لما وجب قضاء الصلوات إذا فاتت عن أوقاتها، وكذلك لو لا قوله تعالى: ﴿فعدة من أيام أخر﴾ لما وجب قضاء صوم رمضان بعد فواته عن وقته، ولما كان صوم الثلاثة الأيام مخصوصا بوقت ومعقودا بصفة - وهو فعله فى الحج- ثم لم يفعله على الصفة المشروطة وفى الوقت المخصوص به، لم يجز إيجاب قضائه وإقامة غيره مقامه إلا بتوقيف. والثانى: أن صوم الثلاثة الأيام جعل بدلا من الهدى عند عدمه بهذه الشريطة، فغير جائز إثباته بدلا إلا على هذا الوصف، كما لا يجوز أن نقيم غير التراب مقام التراب عند عدمه، مثل: الدقيق، والأشنان، ونحوهما فى التيمم، وليس كذلك حكم الصلوات الفوائت، لأنا لم نقم القضاء بدلا منها عند عدمها، وإنما هى فروض (مستقلة) ألزمها عند الفوات اهـ ملخصا (٢٩٦:١). قوله: "عن كعب بن مالك، وعن عمرو بن العاص" إلخ، دلالتهما على الصيام فى أيام التشريق ظاهرة، وأمره عّ لّه بنداء هذا النهى فى أيام منى دليل على عمومه المتمتعين والقارنين جميعا، كما تقدم فى كلام الطحاوى. قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. ٣٠٥ ج - ١٠ أيام فى الحج، قال: عليه الهدى، لا بد منه ولو أن يبيع ثوبه. أخرجه محمد فى "الآثار" له. (٥٢). وسنده صحيح. باب طريق التمتع وأنه مع سوق الهدى أفضل منه لغيره ولا یحل المتمتع سائق الهدی حتی یبلغ الهدی محله يوم النحر ٢٨٧٦- عن الزهرى، عن سالم، عن أبيه، قال: تمتع رسول الله عَّ ◌ُّه فى حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى، فساق معه الهدى من ذى الحليفة، وبدأ رسول الله باب طريق التمتع وأنه مع سوق الهدى أفضل منه لغيره ولا یحل المتمتع سائق الهدى حتى يبلغ الهدى محله يوم النحر قوله: عن الزهرى عن سالم إلخ، قلت: دلالته على طريق التمتع ظاهرة؛ لأنه معرّ أمر من أصحابه المتمتعين الذين لم يسوقوا الهدى بأن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة. وليقصروا وليحلوا، ثم ليهلوا بالحج، وعليهم الهدى لأجل متعتهم هذه، ومن كان أهدى منهم أن لا يحل من شىء حتى يقضى حجه. وهذا هو طريق التمتع عندنا كما ذكره فى الهداية (٤٢٤:٢ مع الفتح). وإذا تقرر ذلك فنقول: إن التمتع مع سوق الهدى أفضل منه بغيره؛ لأن النبى مّ ◌ُّه ساق الهدايا معه کما قد تقدم، ولأن المتمتع سائق الهدی لا یحل من عمرته حتی یحل من حجه؛ بدلیل حديث ابن عمر هذا، وبدليل حديث عائشة عند مسلم، قالت: خرجنا مع رسول الله عَ ليه حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله معرّ له: ((من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحج فليتم حجه)) الحديث (٣٨٧:١). قال النووى: هذا الحديث ظاهر فى الدلالة لمذهب أبى حنيفة وأحمد وموافقيهما فى أن المعتمر المتمتع إذا كان معه هدى لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر، ومذهب مالك والشافعی وموافقیهما أنه إذا طاف وسعى وحلق حل من عمرته، وحل له كل شىء فى الحال سواء كان ساق هديا أم لا. وأجابوا عن هذه الرواية بأنها مختصرة من الروايات التى ذكرها مسلم بعدها والتى ذكرها قبلها عن عائشة، وتقديرها: ومن أحرم بعمرة وأهدى فليهلل بالحج ولا يحل حتى ينحر هديه اهـ (٣٨٧:١). ٣٠٦ طريق التمتع إعلاء السنن عَِّ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله عَ ليه بالعمرة إلى الحج، فكان من الناس من أهدى فساق الهدى، ومنهم من لم يهد، فلما قدم رسول الله عَ ليه مکة قال للناس: «من کان منکم اهدی فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتی یقضی حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهد، فمن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله)). وطاف رسول الله عّ لّ حين قدم مكة، فاستلم الركن أول شئ، ثم خب ثلاثة أشواط من السبع، ومشى أربعة أطواف، ثم ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم سلم فانصرف، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف، ثم لم يتحلل من شئ حرم منه حتى قضى حجه، ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شئ حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله عَ ليه من أهدى فساق الهدى. وعن عروة عن عائشة مثل حديث سالم عن أبيه، متفق عليه. "نيل الأوطار" (٤-١٩٤). وحاصله حمل حديث عائشة على القران دون التمتع، والقارن لا يحل حتى يقضى حجه وینحر هدیه اتفاقا. والجواب أن الروايات التى ذكرها مسلم عن عائشة بلفظ: ثم قال رسول الله عَ ليه: ((من كان معه هدى فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا)). وقع فيه تقديم وتأخير لما فى رواية عنها عند مسلم: فلما قدمنا مكة قال رسول الله عَ ليه لأصحابه: ((اجعلوها عمرة))، فأحل الناس إلا من كان معه الهدى، ثم أهلوا حين راحوا. الحديث (٣٨٩:١). وفيه أن المتمتعين كلهم لم يهلوا بالحج إلا حين راحوا إلى منى، وأصرح منه حديث جابر عنده أيضا، قال: أمرنا النبى معَّ لما أحللنا أن نحرم إذا توجهنا إلى منى، قال: فأهللنا من الإبطح اهـ (٣٩٢:١). فلا يصح حمل حديثها هذا على حكم القارن، بل هو فى حكم المتمتع حتما أنه يحل من عمرته بالطواف والسعی إن لم یکن اهدی، ولا یحل منها إن كان معه هدی حتى يهل بالحج ويقضى حجه وينحر هديه، هو المصرح به فى الحديث الذى استدللنا به. وأما ما وقع فى رواية: من كان معه هدى فليهلل بالحج. فمعناه أى يضم إحرام الحج مع إحرام العمرة إذا راح إلى منى، ولا دليل على أنه أمرهم به وقت ما طافوا لعمرتهم ويؤيد ما قلنا حديث أبى سعيد عند أحمد ومسلم» وفيه: فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة إلا من ساق ج - ١٠ ٣٠٧ ٢٨٧٧- وفى حديث جابر الطويل عند مسلم: حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: ((لو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة. فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل وليجعلها عمرة)). الحديث. باب متى يقطع المتمتع والمعتمر تلبيته ٢٨٧٨- عن ابن أبى ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبى معَّه كان يمسك عن التلبية فى العمرة إذا استلم الحجر. رواه الترمذى وقال: حديث صحيح. "زيلعى" (١- ٥٢٦). ٢٨٧٩- عن ابن عباس رضى الله عنهما: أن النبى معَّ له قال: ((يلبى المعتمر حتى يستلم الحجر)). رواه أبو داود (٢- ١٠٠)، وسكت عنه، قال المنذرى: وأخرجه الترمذى وقال: صحيح اهـ. وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، وفيه مقال. الهدى، فلما كان يوم التروية ورحنا إلى منى أهللنا بالحج. وحديث أسماء عند مسلم: ((من كان معه هدى فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدى فليحلل))، "نيل." (٢٠٧:٤ و ٢٠٨). وفيه أنه أمر سائقى الهدى بالبقاء على إحرامهم للهدى لا غيرهم فافهم. فإنه لا يصح تقدير الإهلال بالحج فى حديث أبى سعيد وأسماء إلا بتجشم تأويل بعيد بلا دليل، ولا يخلو ذلك من التكلف، والله تعالى أعلم. ففى التمتع مع سوق الهدى استعداد ومتسارعة فهو أفضل، قاله صاحب الهداية *: (٤٢٤:٢ مع الفتح). ودلالة الحديث وكذا حديث جابر على الجزء الثالث من الباب ظاهرة أيضا، وتذكر قول ابن القيم: وكيف يكون نسك يتخلله التحلل ولم يسبق فيه الهدى أفضل من نسك لم يتحلله تحلل وقد سبق فيه الهدى اهـ بمعناه وقد تقدم ذكره فى باب فضيلة القران. باب متى يقطع المتمتع والمعتمر تلبيته قوله: "عن ابن أبى ليلى إلى آخر الباب"، قلت: قال الترمذى: حديث ابن عباس حديث صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر. وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية، والعمل على حديث النبى مّ لآه، وبه يقول سفيان، والشافعى، وأحمد، انتهى. من "عون المعبود" (١٠٠:٢). وفيه أيضا، قال ابن الأثير: هو أى أستلم افتعل من السلام التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود المحيا، أى أن الناس يحيونه بالسلام. ٠٠ ٣٠٨ إعلاء السنن ٢٨٨٠- حدثنا أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبى عَّ لبى يعنى فى عمرة القضية حتى استلم الركن. رواه الواقدى فى "كتاب المغازى". "زيلعى" (١-٥٢٦). قلت: أسامة بن زيد هذا هو الليثى، وروى له مسلم مقرونا، والبخارى تعليقا، وأصحاب السنن. "تقريب" (١٢)، والواقدى فيه كلام، وثقه بعضهم، وضعفه آخرون، وهو مقبول فى المغازى كما مر غير مرة. باب أن من شرط التمتع الاعتمار فى أشهر الحج ثم الحج من عامه و علیه ما استیسر من الهدى وإن صام فاقد الهدى ثلاثة أيام بعد ما أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لها جاز وإن صامها قبل الإحرام بها لم يجز ٢٨٨١- عن ابن عباس فى حديث طويل: أنه سئل عن متعة الحاج، فقال: أهل قيل: هو افتعل من السلام، وهى الحجارة، واحدتها سلمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجر إذا لمسه و تناوله اه. وفى "الهداية": ويقطع أى المتمتع التلبية إذا ابتدأ بالطواف، وقال مالك رحمه الله: كما وقع بصره على البيت؛ لأن العمرة زيارة البيت وتتم به، ولنا أن النبى معَّ له فى عمرة القضاء قطع التلبية حين استلم الحجر، ولأن المقصود هو الطواف، فيقطعها عند افتتاحه، ولهذا يقطعها الحاج عند افتتاح الرمى. اهـ. وتكلم المحقق فى تعليله بأن المقصود هو الطواف، وتنظيره بقطع الحاج تلبيته عند افتتاح الرمى بأن الرمى ليس بمقصود فى الحج (٤٢٣:٢). ولا حاجة إلى التعليل بالقياس بعد ما ثبت عن النبى معَّ قولا وفعلا أنه قطع التلبية فى عمرته حين استلم الحجر، وأمر المتعمر به، والله تعالى أعلم. باب أن من شرط التمتع الاعتمار فى أشهر الحج ثم الحج من عامه وعليه ما استيسر من الهدى وإن صام فاقد الهدى ثلاثة أيام بعد ما أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لها جاز وإن صامها قبل الإحرام بها لم يجز قوله: "عن ابن عباس" إلخ، دلالة قوله: ((فمن تمتع فى هذه الأشهر فعليه دم أو صوم)) على ج - ١٠ طريق التمتع ٣٠٩ المهاجرون والأنصار، فذكر الحديث، وفيه: فجمعها نسكين فى عام واحد بين الحج والعمرة، فإن الله أنزله فى كتابه، وسنه نبيه، وأباحه للناس غير أهل مكة، قال الله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾. وأشهر الحج التى ذكره الله: شوال، وذوالقعدة، وذوالحجة، فمن تمتع فى هذه الأشهر فعليه دم أو صوم. أخرجه البخارى والبيهقى. "الدر المنثور" (٢١٥:١). وفيه أيضا: أخرج ابن المنذر وابن أبى حاتم، عن ابن عباس فى قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ يقول: من أحرم بالعمرة فى أشهر الحج اهـ. الجزء الأول من الباب ظاهرة. ودل قوله: ((فجمعوا نسكين فى عام واحد بين الحج والعمرة)) على أن المتعة إنما سمى بها لأجل التمتع والاسترفاق بجمع النسكين فى عام واحد، لا لأجل أنه يحل بتمتع النساء، فلا يصح التمتع بالاعتمار فی أشهر الحج ما لم یحج بعده فى عامه ذلك؛ ليكون جامعاً بين النسكين، أخرج ابن جرير فى تفسيره، حدثنا ابن البرقى، ثنا ابن أبى مريم، أخبرنا نافع. (هو ابن جريج، قال: كان عطاء يقول: المتعة لكل إنسان اعتمر فى أشهر الحج ثم أقام ولم يبرح حتى يحج، ساق هديا مقلدا أو لم يسق، إنما سميت المتعة من أجل أنه اعتمر فى أشهر الحج، فتمتع بعمرة إلى الحج، ولم تسم المتعة من أجل أنه يحل بتمتع النساء اهـ (١٤٤:٢) سنده حسن صحيح. هذا، وقد قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى﴾. فجعل علة وجوب الهدى تمتعه بالعمرة إلى الحج، وهذا لا يتحقق بدون اعتماره فى أشهر الحج، وإذا اعتمر فيها وهو يريد الحج فقد صار متمتعا، ولزمه الهدى، أو الصوم إن لم يجد هديا، فله أن يصوم الثلاثة بعد إحرامه بالعمرة فى الحج أى فى أشهرها قبل إحرامه بالحج، هذا هو مذهب الحنفية. ويؤيده صريحا ما أخرجه ابن جرير بسند فيه ابن أبى حبيبة (وهو إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة مختلف فيه، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه آخرون) عن ابن عباس، أنه قال: الصيام للمتمتع ما بين إحرامه إلى يوم عرفة اهـ (١٤٤:٢). والمراد به إحرام العمرة، فإن الإهلال بالحج لا يسن للمتمتع إلا عند الرواح إلى منى كما تقدم وسيأتى، ولا يكون بيته وبين عرفة ثلاثة أيام حتى يصومها إلى عرفة. قال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: ومما يدل على تقديم الصوم على إحرام الحج أن سنة المتمتع أن يحرم بالحج يوم التروية، وبذلك أمر النبى معَ له أصحابه حين أحلوا من إحرامهم بعمرة، ٣١٠ طريق التمتع إعلاء السنن ٢٨٨٢- عن أبى جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فأمرنى بها، وسألته عن الهدى، فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك من دم. متفق عليه. "المغنى" لابن قدامة (٣-٤٩٨). ولا يكون إلا وقد تقدم الصوم قبل ذلك اهـ (٢٩٥:١). وقال أيضا: قد اختلف فى قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾. فروى عن على: أنه قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، وقالت عائشة وابن عمر: من حين أهل بالحج إلى يوم عرفة. قال ابن عمر: ولا يصومهن حتى يحرم. قال عطاء: يصومهن فى العشر حلالا إن شاء، وهو قول طاوس، وقالا: لا يصومهن قبل أن يعتمر قال عطاء: وإنما يؤخرهن إلى العشر لأنه لا یدری عسی ان یتیسر له الهدى. قال أبو بكر: هذا يدل على أن ذلك عندهما على جهة الإيجاب، وأصحابنا يجيزون صومهن بعد إحرامه بالعمرة، ولا يجيزونه قبل ذلك؛ لأن الإحرام بالعمرة هو سبب التمتع. قال الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾، فمتى وجد السبب جاز تقديمه على وقت الوجوب، كتعجيل الزكاة لوجود النصاب، وتعجيل كفارة القتل بوجود الجراحة، ويدل على جواز تقديمه قبل وقت وجوبه لوجود سببه، أنا قد علمنا أن وجوب الهدى متعلق بوجود تمام الحج، وذلك إنما يكون بالوقوف بعرفة؛ لأن قبل ذلك يجوز ورود الفساد عليه، فلا يكون الهدى (أى هدى المتعة) واجبا عليه، وإذا كان كذلك - وقد جاز عند الجميع صوم ثلاثة أيام بعد الإحرام بالحج وإن لم يكن الإحرام به موجبا له، إذا كان وجوبه متعلقا تمام الحج والعمرة جميعا- ثبت جوازه بعد وجود سببه وهو العمرة، ولا فرق بين إحرام الحج وإحرام العمرة، وإذا فعله بعد إحرام الحج إنما هو لأجل وجود سببه. وذلك موجود بعد إحرام العمرة (أيضا). فإن قيل: لو كان ما ذكرت سببا للجواز لوجب أن يجوز السبعة أيضا لوجود السبب. قيل له: لو لزمنا ذلك على قولنا فى جوازه بعد إحرام العمرة للزمك مثله فى إجازتك له بعد إحرام الحج؛ لأنك تجيز صوم الثلاثة الأيام بعد إحرام الحج، ولا تجيز السبعة، (وأيضا لقلنا بجواز السبعة بعد وجود السبب لو لا قوله تعالى: ﴿وسبعة إذا رجعتم﴾ قيد السبعة بالرجوع، وبين له وقتا معلوماً، فلا يجوز قبله). فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ فلا يجوز تقديمه على الحج، قيل له: لا يخلو ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ من أحد معان: إما أن يريد به فى الأفعال التى هى عمدة للحج، وما سماه النبى معَّ حجا وهو الوقوف بعرفة؛ لأنه قال: ((الحج عرفة)). أو ٣١١ ج - ١٠ طريق التمتع ٢٨٨٣- عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان يقول: من اعتمر فى أشهر الحج: فى شوال، أو ذى القعدة، أو ذى الحجة، قبل الحج، ثم أقام بمكة حتى يدركه الحج، فهو متمتع إن حج، وعليه ما استيسر من الهدى. فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا رجع. أخرجه مالك فى "الموطأ" (١٣٣). ٢٨٨٤- مالك، عن صدقة بن يسار، عن عبد الله بن عمر، أنه قال: والله لأن أعتمر قبل الحج وأهدى أحب إلى من أن أعتمر بعد الحج فى ذى الحجة. الموطأ (١٣٣). أن يريد فى إحرام الحج؛ أو فى أشهر الحج؛ لأن الله تعالى قال: ((الحج أشهر معلومات)). وغير جائز أن يكون المراد فعل الحج الذى لا يصح إلا به؛ لأن ذلك إنما هو يوم عرفة بعد الزوال، ويستحيل صوم الثلاثة الأيام فيه، ومع ذلك فلا خلاف فى جوازه قبل يوم عرفة، فبطل هذا الوجه وبقى من وجوه الاحتمال فى إحرام الحج، أو فى أشهر الحج، وظاهره يقتضى جواز فعله بوجود أيهما كان؛ لمطابقته اللفظ فى الآية ( ويترجح الثانى بأن الزمان يصلح ظرفا للصوم، والإحرام بالحج من جنس الأفعال، والفعل لا يصلح ظرفا للفعل إلا بتأويل فافهم). وأيضا قوله: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾ معلوم أن جوازه معلق بوجود سببه لا بوجوبه، (إجماعا كما مر) فإذا كان هذا المعنى موجودا عند إحرامه بالعمرة وجب أن يجزئ ولا يكون ذلك خلاف الآية. فإن قيل: إذا كان الصوم بدلا من الهدى، والهدى لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر، فكيف جاز الصوم قبله؟ قيل له: لا خلاف فى جواز الصوم قبل يوم النحر، وقد ثبت بالسنة امتناع جواز ذبح الهدى قبل يوم النحر، وأحدهما ثابت بالاتفاق، وبدلالة قوله: ((فصيام ثلاثة أيام فى الحج))، والآخر ثابت بالسنة، فالاعتراض عليهما بالنظر ساقط اهـ (٢٩٤:١). قلت: فما روى عن عائشة وابن عمر رضى الله عنهم من عدم جواز الصوم قبل الإحرام بالحج محمول عندنا على كونه خلاف الأولى وإن كان مجزئا؛ لأنه لا يدرى عسى يتيسر له الهدى، فيستحب له التأخير "كما يستحب لمن لا يجد الماء تأخير التيمم إلى آخر الوقت إذا رجا وجود الماء، فافهم. قوله: "عن عبد الله بن دينار إلى آخر الباب"، دلالة الآثار على أن من شرط التمتع الاعتمار فى أشهر الحج قبل الحج ثم الحج من عامه، وأن عليه الهدى، ظاهرة. ودل أثر ابن عمر بطريق صدقة بن يسار على أن الاعتمار فى ذى الحجة بعد الفراغ من الحج ليس من المتعة فى شىء، ودل . أثر عطاء على أن مدار التمتع على حصول طواف العمرة فى أشهر الحج، وإن كان قد أحرم بها ٣١٢ طريق التمتع إعلاء السنن ٢٨٨٥- عن نافع: أنه خرج مع ابن عمر معتمرين فى شوال، فأدركهما الحج وهما بمكة، فقال ابن عمر: من اعتمر معنا فى شوال ثم حج فهو متمتع، عليه ما استيسر من الهدى. الحديث، أخرجه الطبرى فى تفسيره. (٢-١٤٤). وسنده صحيح. ٢٨٨٦- حدثنا ابن حميد، ثنا هارون، عن عنبسة، عن ليث، عن عطاء، فی رجل اعتمر فى غير أشهر الحج، فساق هديا تطوعا، فقدم مكة فى أشهر الحج، قال: إن لم یکن یرید الحج فلینحر هدیه، ثم لیرجع إن شاء. فإن هو نحر الهدى وحل، ثم بدا له أن یقیم حتی یحج، فلینحر هدیا آخر لتمتعه، فإن لم يجد فلیصم. حدثنا ابن حميد، ثنا قبلها، وهذا كله مذهب أبى حنيفة رحمه الله تعالى. قال ابن قدامة فى "المغنى": قال ابن المنذر: قد أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة فى أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها وحج من عامه، أنه متمتع، عليه الهدى إن وجد، وإلا فالصيام. وقد نص الله تعالى بقوله: ((فمن تمتع بالعمرة إلى الحج)) الآية. وعن أبى جمرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة؟، فأمرنى بها، وسألته عن الهدى؟ فقال: فيها جزور، أو بقرة أو شاة أو شرك من دم. متفق عليه. والدم الواجب شاة، أو سبع بقرة، أو سبع بدنة، وبهذه قال الشافعى، وأصحاب الرأى، وقال مالك: لا يجزئ إلا بدنة، لأن النبى معَّ ◌ُلِّ ساق بدنة. وهذا ترك لظاهر قوله تعالى: ﴿فما استيسر من الهدى)، وإطراح للآثار الثابتة، وما احتجوا به فلا حجة فيه، فإن إهداء النبى معَّ ه للبدنة لا يمنع إجزاء ما دونها (وإلا لوجب إهداء المأة) فإن النبى معَّ قد ساق مأة بدنة، ولا خلاف فى أن ذلك ليس بواجب. قال: ولا نعلم بين أهل العلم خلافا فى أن من اعتمر فى غير أشهر الحج عمرة، وحل منها قبل أشهر الحج. أنه لا يكون متمتعا إلا قولين شاذين: أحدهما: عن طاؤس، أنه قال: إذا اعتمرت فى غير أشهر الحج ثم أقمت حتى الحج فأنت متمتع. والثانى: عن الحسن، أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهى متعة. قال ابن المنذر: لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين، فأما إن أحرم بالعمرة فى غير أشهر الحج، ثم حل منها فى أشهر الحج، فمذهب أحمد أنه لا يكون متمتعا، ونقل معنى ذلك عن جابر، وأبى عياض، وهو قول إسحاق، وأحد قولى الشافعى. وقال طاوس: عمرته فى الشهر الذى يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، وابن شبرمة. والثورى، والشافعى فى أحد قوليه: عمرته فى الشهر الذى يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته فى الشهر الذى يحل فيه، وهو قول ٣١٣ . ج - ١٠ طريق التمتع هارون، عن عنبسة، عن ابن أبى ليلى مثله. أخرجه الطبرى أيضا فى تفسيره (١٤٤:٢) وسنده حسن. مالك. (قلت: وقول أبى حنيفة مثل قول الثورى وموافقيه، إلا أنه قال: عمرته فى الشهر الذى يطوف فيه أربعة أشواط لعمرته). قال ابن قدامة: ومن شرط التمتع أن يحج من عامه، فإن اعتمر فى أشهر الحج، ولم يحج ذلك العام، بل حج من العام القابل، فليس بتمتع، لا نعلم فيه خلافا إلا قولا شاذا عن الحسن فيمن اعتمر فى أشهر الحج فهو متمتع حج أو لم يحج، والجمهور على خلاف هذا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الجج فما استيسر من الهدى﴾. وهذا يقتضى الموالاة، ولأنهم إذا أجمعوا على أن من اعتمر فى غير أشهر الحج، ثم حج من عامه ذلك، فليس بمتمتع، فهذا أولى؛ فإن التباعد بينهما أكثر. قال: ولكل واحد من صوم الثلاثة والسبعة وقتان: وقت جواز، ووقت استحباب فأما وقت الثلاثة فوقت الاختيار لها أن يصومها ما بين إحرامه بالحج ويوم عرفة، ويكون آخر الثلاثة يوم عرفة. قال طاوس: يصوم ثلاثة أيام آخرها عرفة. وروى ذلك عن عطاء، والشعبى، ومجاهد، والحسن، والنخعى، وسعيد بن جبير، وعلقمة، وعمرو بن دينار، وأصحاب الرأى. وإن صام منها قبل إحرامه بالحج جاز، نص عليه. وأما وقت جوازها فإذا أحرم بالعمرة، وهذا قول أبى حنيفة. وعن أحمد: إذا حل من العمرة. وقال مالك: والشافعى: لا يجوز إلا بعد إحرام الحج. ويروى ذلك عن ابن عمر، وهو قول » إسحاق، وابن المنذر؛ لقول الله تعالى: ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾. ولنا أن إحرام العمرة أحد إحرامى التمتع، فجاز الصوم بعده كإحرام الحج. فأما قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام فى الحج﴾. فقيل: معناه فى أشهر الحج، فإنه لا بد من إضمار إذا كان الحج أفعالا لا يصام فيها، إنما يصام فى وقتها، أو فى أشهرها. وأما تقديم الصوم على إحرام العمرة فغير جائز، ولا نعلم قائلا بجوازه إلا رواية عن أحمد، وليس بشىء؛ لأنه لا يقدم الصوم على سببه ووجوبه، ويخالف قول أهل العلم، وأحمد ينزه عن هذا. وأما السبعة فوقت اختيارها إذا رجع إلى أهله؛ لما روى عن ابن عمر مرفوعا: ((فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام فى الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله)). متفق عليه وأما وقت الجواز فمنذ تمضى أيام التشريق، وبهذا قال أبو حنيفة، ومالك، وقال: ولا يجب التتابع، وذلك لا يقتضى ج - ١٠ طريق التمتع ٣١٤ ٢٨٨٧- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى الرجل يقدم متمتعا فى شهر رمضان فلا يطوف حتى يدخل شوال، قال: هو متمتع؛ لأنه طاف (لعمرته) فى أشهر الحج. أخرجه محمد فى "الآثار" وقال: وبه نأخذ، عمرته فى الشهر الذى يطوف فيه، وليس فى الشهر الذى يحرم فيه، وهو قول أبى حنيفة اهـ (٥٦). جمعا ولا تفريقا وهذا قول الثورى وإسحاق وغيرهما لا نعلم فيه مخالفا أهـ ملخصا(٤٩٨:٣ و ٥٠٦). قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ، دلالته على اشتراط الاعتمار فى الحج للمتمتع ظاهرة، وأن المراد بالاعتمار هو الطواف دون الإحرام. ثم اعلم أن جواز الصوم لفاقد الهدى وإن كان مقيدا بإحرام العمرة عندنا، ولكنه إن قدم الإحرام على أشهر الحج وأخر الطواف إليها، لم يجز له صوم الثلاثة الأيام قبل أشهر الحج بعد إحرام العمرة، بل يجب أن يكون الصوم بعد إحرام العمرة فى أشهر الحج؛ لأن سبب وجوب هذا الصوم التمتع؛ لأنه بدل عن الهدى، وهو فى هذه الحالة غير متمتع ما لم يدخل عليه أشهر الحج، وهو محرم بالعمرة لم يطف لها أربعة أشواط. فلا يجوز أداؤه قبل سببه. قال المحقق فى "الفتح": فالشرط فيها أن يكون محرما بالعمرة فى أشهر الحج مثل ما ذكرنا فى القرآن اهـ (٤٢٤:٢). وهذا مما لا يتنبه له إلا قليل، والله تعالى أعلم. التنبيه: كل ما ذكرناه فى هذا الباب من شروط التمتع وأحكامه، من وجوب الهدى عليه، والصيام إن لم يجده، فهو من شروط القران وأحكامه أيضًا، كما لا يخفى على من راجع "الهداية" " وفتح القدير" وغيرهما من كتب الحنفية فى الفقه. ٣١٥ إعلاء السنن باب المتمتع غير سائق الهدى يلم بأهله بعد ما حل من عمرته بطل تمتعه فإن رجع وحج من عامه ذلك لم يجب عليه هدى المتعة وإن خرج إلى غير بلده وأهله فهو متمتع إن حج من عامه باب المتمتع غير سائق الهدى يلم بأهله بعد ما حل من عمرته بطل تمتعه فإن رجع وحج من عامه ذلك لم يجب عليه هدى المتعة وإن خرج إلی غیر بلده وأهله فھو متمتع إن حج من عامه قال الجصاص فى أحكام "القران" له: اختلف أهل العلم فيمن اعتمر فى أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله وعاد فحج من عامه، فقال أكثرهم: إنه ليس بمتمتع، منهم سعيد ابن المسيب، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وإبراهيم، والحسن فى إحدى الروايتين، وهو قول أصحابنا وعامة الفقهاء. وروى أشعث عن الحسن أنه قال: من اعتمر فى أشهر الحج، ثم حج من عامه فهو متمتع، رجع أو لم يرجع. ويدل على صحة القول الأول أن الله تعالى خص أهل مكة (أى ومن فى حكمهم) بأن لم يجعل لهم متعة، وجعلها لسائر أهل الآفاق، وكان المعنى فيه إلمامهم بأهاليهم بعد العمرة مع جواز الإحلال منها، وذلك موجود فیمن رجع إلى أهله؛ لأنه قد حصل له إلمام بأهله بعد العمرة. فكان بمنزلة أهل مكة. وأيضا فإن الله تعالى جعل على المتمتع الدم بدلا من أحد السفرين الذين اقتصر على أحدهما، فإذا فعلهما جميعا لم يكن الدم قائما مقام شىء. (قلت: ويؤيد الوجه الأول أن الله تعالى ذكر الأهل فى قوله: ﴿ذلك لمن يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾ فمن رجع إلى أهله وبلده بعد العمرة كان كمثل أهل مكة فى إلمامهم بأهاليهم، ويؤيد الأول قوله: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج﴾ أى انتفع بسفره لعمرة إلى أداء الحج فهو متمتع، وعليه الهدى، فمن رجع إلى أهله بعد العمرة ثم أنشأُ سفرا آخر للحج فى عامه ذلك فليس بمتمتع). واختلفوا أيضاً فيمن لم يرجع إلى أهله وخرج من مكة حتى جاوز الميقات، فقال أبو حنيفة: هو متمتع إن حج من عامه ذلك؛ لأنه لم يحصل له إلمام بأهله بعد العمرة، فهو بمنزلة كونه بمكة. وروى(١) عن أبى يوسف أنه ليس بمتمتع؛ لأن ميقاته الآن فى الحج ميقات أهل بلده (لا ميقات أهل (١) وفى "المبسوط": إن الطحاوى ذكر فى هذا الفصل خلافا بين أبى حنيفة وصاحبيه (١٨٤:٤). ج - ١٠ أحكام المتمتع ٣١٦ ٢٨٨٨- أخبرنا مالك، أخبرنا يحيى بن سعيد، أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: من اعتمر فى شوال أو ذى القعدة أو فى ذى الحجة ثم أقام حتى يحج فهو متمتع، قد وجب عليه ما استيسر من الهدى، أو الصيام إن لم يجد هديا، ومن رجع إلى أهله ثم حج فليس بمتمتع. أخرجه محمد فى "الموطأ"، وقال: وبهذا كله نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهاءنا اهـ (٢١٣) . . ٢٨٨٩- عن ابن عمر، قال: قال عمر: إذا اعتمر فى أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع، فإن رجع فليس بمتمتع. أخرجه ابن أبى شيبة. "الدر المنثور" (٢١٥:١)، واحتج به ابن قدامة فى المغنى (٥٠١:٣). فهو حسن أو صحيح، ولا أقل من أن يكون صالحا. ٢٨٩٠- عن عطاء، قال: من اعتمر فى أشهر الحج، ثم رجع إلى بلده، ثم حج من عامه فليس بمتمتع، ذاك من أقام ولم يرجع. أخرجه ابن أبى شيبة أيضا. "الدر المنثور" (٢١٦:١). ولم أقف على سنده وذكرته اعتضادًا. مكة) فصار بمنزلة عوده إلى أهله، والصحيح هو الأول لما بينا اهـ (٢٨٨:١) أى لأن الميقات لا ذكر له فى النص، وإنما ذكره فيه حضور الأهل، فإذا لم يلم بأهله كان داخلا فيمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام، لا حقيقة ولا حكما فافهم. قوله: "أخبرنا مالك" إلخ، قال المحقق فى "الفتح": ثم استدل المصنف أى صاحب "الهداية" عليه -أى على كون الرجوع إلى بلده وأهله مبطلا للتمتع- بقول التابعين، روى الطحاوى عن سعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، والنخعى: أن المتمتع إذا رجع بعد العمرة بطل تمتعه. وكذا ذكر الرازى فى "أحكام القرآن". (قلت: ولم يظفر صاحب "الهداية" ولا المحقق فى "الفتح" ولا الزيلعى فى "نصب الراية" ولا الحافظ فى "الدراية" بأثر عمر ابن الخطاب عند ابن أبى شيبة، وقد ذكرناه فى المتن). وقول من نعلمه قاله منهم مطلق. (غير مقيد بغير القارن ولا بمتمتع لم يسق الهدى) والظاهر أنهم أيضا أخذوه من قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾، إذ لا سنة ثابتة فى ذلك من روايتهم. والذى يظهر من مقتضى الدليل أن لا تمتع لأهل مكة ولا قران. وأن رجوع الآفاقى إلى أهله ثم عوده وحجه من عامه لا يبطل تمتعه مطلقا، لأن الله تعالى قيد جواز التمتع بعدم الإلمام ٣١٧ أحكام المتمتع إعلاء السنن ٢٨٩١- أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى الرجل إذا أهل بالعمرة فى غير أشهر الحج، ثم أقام حتى يحج أو رجع إلى أهله ثم حج: فليس بمتمتع، وإذا أهل بالعمرة فى أشهر الحج، ثم رجع إلى أهله، ثم حج فليس بمتمتع، وإذا اعتمر فى أشهر الحج، ثم أقام حتى يحج فهو متمتع. أخرجه محمد فى "الآثار" (٥٢). وسنده صحيح. بالأهل بقيد كونه فى مكة وما ألحق بها، فتعدية المنع بتعدية الإلمام إلى ما بغير المسجد الحرام من الأهل تبتنى على إلغاء قيد الكون بالمسجد الحرام، واعتبار المؤثر مطلق الإلمام، وصحته تتوقف على عقلية عدم دخول القيد فى التأثير وكونه طرديا، والواقع خلافه إلى آخر ما قال وأطال اهـ (٤٣٢:٢). قلت: أما قوله: إذ لا سنة ثابتة فى ذلك من روایتهم، فمنوع؛ لأنه قد ثبت عن عمر رضي الله عنه، وقول الصحابی حجة عندنا لا سيما فيما لا يدرك بالرأى، فهو مرفوع حکمه، وقد دل أثر عمر أن من اعتمر فى أشهر الحج ثم رجع إلى أهله فليس بمتمتع، ولا يتناوله الآية؛ فإنها تناولت المتمتع. وهذا ليس بمتمتع، وقال بقوله جماعة من التابعين، وأجمع عليه الأئمة الأربعة، وإن كانوا قد اختلفوا فى معنى الرجوع، فنص أحمد على أن تفسيره أن يسافر بين العمرة والحج سفرا بعيدا تقصر فى مثله الصلاة، وفسره الشافعى بالرجوع إلى الميقات، والحنفية بالرجوع إلى مصره. ومالك بالرجوع إلى مصره أو إلى غيره أبعد منه، ذكره ابن قدامة فى "المغنى" (٣: ٥٠١). فتراهم قد اتفقوا على اعتبار الرجوع مبطلا للمتعة، وقد اعترف المحقق بأن تعدية الإلمام إلى ما بغير المسجد الحرام من الأهل غير معقول المعنى، فلا بد من القول بأن أثر عمر رضى الله عنه فى مثله مرفوع حكما، ولا دليل على أنه أخذه من قوله تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام﴾ باستنباط منه. وكذا قوله: وقول من نعلمه قاله منهم مطلق ممنوع أيضا. بل هو مقيد بمن اعتمر أشهر الحج، وهو حقيقة فيمن فرغ من عمرته وحل منها، فيقتصر عليه، ولا يتناول فى القارن ولا المتمتع سائق الهدی؛ لكونه علی إحرامه لا یحل منه حتی یحل من حجه أو یبلغ الهدی محله، وقد تقرر فى الأصول أن النص إذا كان غير معقول المعنى يقتصر على مورده، ولا يتعداه فافهم فإنه من المواهب، والله تعالى أعلم بالشاهد والغائب. ٣١٨ ج - ١٠ ٢٨٩٢- عن زيد الثقفى رضى الله عنه: أنه سأل ابن عباس رضى الله عنهما فقال: أتينا عمارا فقضيناها. ثم زرنا القبر، ثم حججنا، فقال: أنتم متمتعون. أخرجه السرخسى فى "المبسوط" (١٨٤:٤). واحتج به لأبى حنيفة، ولم أقف له على سند. باب أشهر الحج وكراهة الإحرام بالحج قبلها وبعدها وإن أحرم به فى غيرها مح ٢٨٩٣- عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه قال: أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، قوله: "عن زيد الثقفى" إلخ، قلت: وهذا الأثر وإن لم أقف له على سند ولكن صاحب "المبسوط" ذكره حجة لأبى حنيفة، والظاهر من سياق كلامه كونه من بلاغات محمد بن الحسن الإمام وهى حجة عندنا، ولعل الله يحدث ذلك بعد أمرا، فمن اطلع على سنده فليلحقه بهذا المقام. والأثر نص فى ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله، ووافقه عليه صاحباه فى ظاهر الرواية أن المتمتع إذا لم يرجع إلى أهله وخرج إلى بلد غير بلده فهو متمتع، قريبا كان ذلك البلد أو بعيدا، فإن قول زيد الثقفى: "ثم زرنا القبر" معناه ثم رحنا من مكة المدينة لزيارة قبر نبينا معَ ◌ّه، فقال ابن عباس: أنتم متمتعون. ولا شك أن المدينة بعيدة عن مكة جدا، خارجة عن الميقات حتما، ولم ير ابن عباس خروجهم إليها بعد العمرة مبطلا لمتعتهم، فثبت أن الرجوع المبطل لها هو الرجوع إلى أهله وبلده، دون ما سواه من البلاد قريبة كانت أو بعيدة، فإن حج هو من عامه فهو متمتع، وعليه ما استيسر من الهدى، والرجوع إلى أهله هو المصرح به فى أثر سعيد بن المسيب؛ وعطاء، وإبراهيم، فيحملٍ عليه الرجوع المطلق فى أثر عمر بن الخطاب رضى الله عنه بدليل أثر ابن عباس هذا، ولعلك قد عرفت بما ذكرنا لك من الآثار فى الباب كون أبى حنيفة أتبع القوم للأثر، وأبعدهم عن القياس، ولا يتهمه بكثرة القياس واتباع الرأى إلا من لم يحط علما بالآثار، وقصر نطره عما ورد فى الأبواب من الأخبار. وفى الأثر دليل على سفر الصحابة والتابعين وشدهم الرحال لزيارة قبر النبى عَّه، وأن المجتهدين قد علموا بذلك منهم، فاندحض قول من ادعى أن ذلك لم يكن معمولا به فى زمن السلف، ولم يعرفه الأئمة المجتهدون. باب أشهر الحج وكراهة الإحرام بالحج قبلها وبعدها وإن أحرم به فی غيرها صح قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: وأسند الطبرى مثل ذلك عن ابن عباس قوله: ﴿الحج أشهر ٣١٩ أشهر الحج وأحكامها إعلاء السنن وعشر من ذى الحجة. علقه البخارى، ووصله الطبرى والدارقطنى من طريق ورقاء، عن عبد الله بن دينار، عنه، والبيهقى من طريق عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه. قال الحافظ: والإسنادان صحيحان. فتح البارى (٣٢٣:٣). ورواه الحاكم فى معلومات﴾: وهن: شوال، وذو العقدة، وعشر من ذى الحجة، جعلهن الله سبحانه للحج، وسائر الشهور للعمرة، فذكر الحديث بطريق معاوية، عن على بن أبى طلحة، عن ابن عباس، وهذا سند حسن. وأخرج بطريق شريك، عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن عبد الله (بن مسعود) قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ قال: شوال، وذو القعدة، وعشر ذى الحجة. سند حسن. ثم أسند عن إبراهيم النخعى، والشعبى، ومجاهد وعطاء والضحاك مثله. ثم قال: وقال آخرون: بل يعنى بذلك شوالا وذا القعدة وذالحجة كله وذكر ذلك عن ابن عمر وعطاء ومجاهد والزهرى (١٥١:٢). قال الجصاص: وقال قائلون: وجائز أن لا يكون ذلك اختلافا فى الحقيقة، وأن يكون مراد من قال: وذو الحجة. أنه بعضه؛ لأن الحج لا محالة إنما هو فى بعض الأشهر لا فى جميعها؛ لأنه لا خلاف أنه ليس يبقى بعد أيام منى شىء من مناسك الحج. وقالوا: ويحتمل أن يكون من تأوله على ذى الحجة مرادة أنها لما كانت هذه أشهر الحج كان الاختيار عنده فعل العمرة فى غيرها، كما روى عن عمر وغيره من الصحابة استحبابهم لفعل العمرة فى غير أشهر الحج على ما قدمنا، ولا تنازع بين أهل اللغة فى تجويز إرادة الشهرين وبعض الثالث بقولهك "أشهر معلومات" كما قال النبى معَّ: ((أيام منى ثلاثة))، وإنما هى يومان وبعض الثالث، ويقولون: حججت عام كذا، وإنما الحج فى بعضه ولقيت فلانا سنة كذا، وإنما كان لقاءه فى بعضها. وحكى الحسن بن أبى مالك عن أبى يوسف قال: (أشهر الحج) شوال، وذو القعدة، وعشر ليال من ذى الحجة اهـ (٢٩٩:١). وقال فى تفسير قوله تعالى: ﴿قل هى مواقيت للناس والحج﴾ ما نصه: وفى هذه الآية دلالة على جواز الإحرام بالحج فى سائر السنة؛ لعموم اللفظ فى سائر الأهلة أنها مواقيت للحج، ومعلوم أنه لم يرد به أفعال الحج، فوجب أن يكون المراد الإحرام، وقوله تعالى: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ لا ينفى ما قلنا؛ لأن فيه ضميرا لا يستغنى عنه الكلام، وذلك لاستحالة كون الحج هو أشهرا، لأن الحج هو فعل الحاج، وفعل الحاج لا يكون أشهرا؛ ثم لا يخلوا ذلك الضمير من أن يكون فعل الحج، أو الإحرام بالحج، وليس لأحد صرفه إلى أحد المعنيين إلا بدلالة، فلما كان فى اللفظ هذا الاحتمال لم يجز تخصيص قوله: ﴿قل هى مواقيت للناس والحج﴾ به؛ إذ غير جائز لنا تخصيص ٠٠ ج - ١٠ أشهر الحج وأحكامها ٣٢٠ مستدركه فى تفسير سورة البقرة بطريق عبيد الله بن عمر، عن نافع عنه وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. بناية (١٥٠٨:١). العموم بالاحتمال، والذى يقتضيه ظاهر اللفظ أن يكون المراد أفعال الحج لا إحرامه، لأن فیه ضمیر حرف الظرف وهو "فى" فمعناه حينئذ: الحج فى أشهر معلومات. وفيه تخصيص أفعال الحج فى هذه الأشهر دون غيرها، وكذلك قال أصحابنا فيمن أحرم بالحج قبل أشهر الحج فطاف له وسعى بين الصفا والمروة قبل أشهر الحج: إن سعيه ذلك لا يجزيه، وعليه أن يعيده؛ لأن أفعال الحج لا تجزئ قبل أشهر الحج، فعلى هذا يكون معنى قوله: ﴿الحج أشهر معلومات﴾ أن أفعاله فى أشهر الحج المعلومات، إلى آخر ما قال وأطال، فأجاد وأفاد.(٢٥٥:١). ثم قال فى باب الإحرام بالحج قبل أشهر الحج ما نصه: قد اختلف السلف فى جواز الإحرام قبل أشهر الحج، فروى مقسم عن ابن عباس قال: من سنة الحج أن لا يحرم بالحج قبل أشهر الحج. وأبو الزبير عن جابر قال: لا يحرم الرجل بالحج قبل أشهر الحج. وروى مثله عن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن ميمون، وعكرمة. وقال عطاء: من أحرم بالحج قبل أشهر الحج فليجعلها عمرة، وقال(١) على رضى الله عنه فى قوله تعالى: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾: إن إتمامها أن تحرم بهما من دوبرة أهلك. ولم يفرق بين من كان بين دويرة أهله وبين مكة مسافة بعيدة أو قريبة، فدل ذلك على أنه كان من مذهبه جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج. وما رواه مقسم عن ابن عباس يدل ظاهره على أنه لم يرد بذلك حتما واجبا، وروى عن إبراهيم النخعى وأبى نعيم جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو قول أصحابنا جميعا، ومالك، والثورى، والليث بن سعد وقال أبو بكر (الجصاص): قدمنا فيما سلف ذكر وجه الدلالة على جواز ذلك من قوله تعالى: ﴿يسئلونك عن الأهلة قل: هى مواقيت للناس والحج﴾، وأن ذلك عموم فی كون الأهلة كلها وقتا للحج، ومعلوم أنها ليست ميقاتا لأفعال الحج، فوجب أن يكون حكم اللفظ مستعملا فى إحرام فى إحرام الحج اهـ. ثم قال: لا يلزم من كون الحج، موقتا بأشهر معلومات كون الإحرام به موقتا بهن؛ فإن معنى فرض الحج فيهن إيجابه فيهن، والفرض المذكور فى هذا الموضع هو لا محالة غير الحج الذى علقه به، فلا يجب من تقييد الحج بأشهر كون إيجابه مقيدا بهن، ألا ترى أنه يصح النذر بالحج قبل (١) قد تقدم فى أبواب الإحرام أن الحاكم صححه وقواه الحافظ فى "التلخيص".