Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ إعلاء السنن مسائل شتى من أفعال الحج باب وقت الوقوف بعرفة وسقوط طواف القدوم بضيق الوقت ٢٨١٤ - عن عروة بن مضرس، قال: أتيت رسول الله عَّه بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة. وفى رواية للطحاوى: حين برق الفجر، فقلت: يا رسول الله! إنى جئت من السعى رمل فى هذا الطواف، وسعى بعده؛ لأن السعى لم يشرع إلا مرة اهـ (٢-٣٨٩ مع "الفتح"). قال ابن قدامة فى "المغنى". ولا يشرع فى حقه أى الحاج أكثر من سعى واحد بغير خلاف علمناه، ثم ذكر حديث جابر وقال: ولا يكون السعى إلا بعد طواف، فإن سعى مع طواف القدوم لم يسع بعده، وإن لم يسع معه سعى مع طواف الزيارة اهـ (٣- ٤٧٠). قال النووى: وفيه دليل لما قدمناه أن النبى معَّه كان قارنا، وأن القارن يكفيه طواف واحد، وسعى واحد، اهـ (١ -٤١٤). قلت: أما ذكر الطواف بالبيت فحديث جابر ساكت عن وحدته وتثنيته رأسا، وأما وحدة السعى للقارن فلا ذكر فيه للقرآن أيضا، فإن ضم إليه ما قد ثبت بآثار أخرى من كونه مُ ◌ّ قارنا، فليضمم إليه ما ثبت بها كذلك من كون أصحابه متمتعين قد أمروا بفسخ الحج إلى العمرة، ثم أهلوا يوم التروية بالحج حين راحوا إلى منى، فيصير الحديث دليلا على وحدة السعى بين الصفا والمروة للقارن والمتمتع جميعا، ولا قائل به فيما علمناه، وإذا كان كذلك فمعنى حديث جابر أنه عَِّ وأصحابه لم يطوفوا بين الصفا والمروة لحجهم إلا طوافا واحدا، ولا لعمرتهم إلا طوافا واحدا، ولم يكونوا يسعون بينهما بعد كل طواف بالبيت فعلوه تطوعا فافهم. مسائل شتى من أفعال الحج " باب وقت الوقوف بعرفة وسقوط طواف القدوم بضيق الوقت قوله: "عن عروة بن مضرس إلخ"، قلت: قد تقدم الكلام على وقت الوقوف بعرفة مستوفى، وتقدمت أحاديث المتن فى الأبواب السالفة أيضا، ولكنا اتبعنا صاحب "الهداية" فى ترتيب الكتاب، وقد تكلم رحمه الله فى وقت الوقوف بعرفة، وسقوط طواف القدوم لأجله بعد طواف الوداع، فلم نرض بترك الكلام فى المسئلة ههنا أيضا، ولو على سبيل الإجمال، ودلالة ٢٢٢ ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج جبلى طى، أكللت راحلتى، وأتعبت نفسى، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لى من حج؟ فقال رسول الله عَ ليه: ((من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يدفع وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا، فقد تم حجه وقضى تفته)). رواه الترمذى وقال: حسن صحيح. وقال الحافظ فى "الفتح": أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، والدارقطنى، والحاكم، وقد تقدم فى باب وجوب الوقوف بمزدلفة. حديث عروة على آخر وقت الوقوف بعرفة ظاهرة، وهو مما قد أجمع عليه كما تقدم. واحتج أحمد بقوله مێآه: ((ليلا أو نهارا)) فقال: وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزوال، بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد؛ لأن لفظ الليل والنهار مطلقان. وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال؛ بدليل أنه عَّ له والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله، فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدا لذلك المطلق. اهـ من "عون المعبود" (٢/ ١٤٢). وأيضا فإن فعله عليه السلام - وهو الوقوف من الزوال- وقع بيانا لوقت الوقوف الذى دلت الإشارة على افتراضه فى قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾، ولأن الظاهر من حاله مرّه عدم تأخير الوقوف، مع أنه معظم أركان الحج، وفيه ترك الاستدامة التى هى واجبة اتفاقا. لا يقال: إنما يلزم هذا لو لم يثبت غير ذلك الفعل، فأما إذا ثبت قول أيضا يصرح بأن وقته لا يقتصر على ذلك القدر، عرف به أن فعله كان بيانا للسنة، ويثبت بالقول أصل الوقت المباح. لأنا نقول: إن تعجيله عَّ فى الصلاة بعرفات - وحرها شديد بعد الزوال معا، مع أن السنة فى الظهر الإبراد بها فى الحر، وتقديمه العصر على وقتها، وجمعه بين الصلاتين بلا عذر - دليل على أنه لم يرض بتأخير الوقوف عن وقته أصلا، ولذا عجل بالفجر غداة جمع عن وقتها المعتاد، حذرا عن التأخير فى الوقوف بعد ما حان وقته، فلا بد من القول بأن وقت الوقوف بعرفة إنما هو من الزوال لا قبله، وإلا لم ينتظر رسول الله مَّه ولا أصحابه وخلفاءه من بعده زوال الشمس، ولو وقفوا قبله لإطالة الوقوف، واستيعاب وقته بالدعاء ونحوه، وقد تقدم أن ابن عبد البر حكى الإجماع على أن أول وقته من زوال الشمس، واختاره أبو حفص العكبرى من الحنابلة، والمسئلة ليست بمنصوصة عن الإمام أحمد، وإنما هو ظاهر كلام الخرقى فحسب فكيف يترك الإجماع بقول واحد من العلماء محتمل؟ والله تعالى أعلم. ٢٢٣ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن ٢٨١٥- عن عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله عَّ ◌ُّه وهو واقف بعرفات، وأتاه ناس من أهل نجد، فقالوا: يا رسول الله! كيف الحج؟ فقال: ((الحج عرفة، من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)). رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد "التلخيص الحبير". وقد تقدم فى باب التوجه إلى الموقف. ٢٨١٦- عن جابر فى حديثه الطويل: فأجاز رسول الله عَ ليه، حتى إذا أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زالت الشمس أمر بالقصواء، فرحلت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس، ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا، ثم ركب رسول الله عَ ليه حتى أتى الموقف. رواه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وقد تقدم فى باب الغدو إلى عرفات. ٢٨١٧- عن سالم، قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: أن لا تخالف ابن عمر فى الحج. وفى رواية: أن يأتثم بعبد الله بن عمر فى الحج. فجاء ابن عمر وأنا معه يوم عرفة حين زالت الشمس، فصاح عند سرادق الحجاج، فخرج وعليه ملحفة معصفرة، فقال: ما لك يا أبا عبد الرحمن؟ فقال: الرواح إن كنت تريد السنة، قال: هذه الساعة؟ قال: نعم، قال: فأنظرنى حتى أفيض على رأسى ثم أخرج، فنزل (أى ابن عمر) حتى خرج الحجاج، فسار بينى وبين أبى، فقلت: إن كنت تريد السنة فاقصر الخطبة وعجل الوقوف، فجعل ينظر إلى عبد الله، فلما رأى ذلك عبد الله قال: صدق. رواه البخارى. "فتح البارى" (٣-٤٠٨). وعند أبى داود من طريق سعيد بن حسان، عن ابن عمر. قوله: "عن عبد الرحمن بن يعمر" إلخ، دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، أن آخر وقت الوقوف بعرفة طلوع الفجر من يوم النحر. قوله: "عن سالم" إلخ، دلالته على أنه يعدّ لم يقف قبل الزوال ظاهرة، وفعله بيان لأول وقته؛ لأنه لم يحج إلا حجة واحدة بعد فرضية الحج، فلو كان للوقوف وقت قبله لبينه للناس أو أحد من أصحابه وخلفائه. وأما ما ورد فى حديث عروة بن مضرس من قوله: "ليلا أو نهارا" فلا يفيد بيان أول الوقت أصلا، وقد بين حد الوقوف بالليل أنه يصح ما لم يطلع الفجر من يوم النحر، ٢٢٤ ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج قال: لما قتل الحجاج ابن الزبير أرسل إلى ابن عمر: أية ساعة كان رسول الله عَ ◌ّه يروخ فى هذا اليوم (أى إلى الموقف؟) قال: إذا كان ذلك رحنا، فلما أراد ابن عمر أن يروح قالوا: لم تزغ الشمس، قال: أزاغت؟ قالوا: لم تزغ أو زاغت، قال: فلما قالوا: زاغت، ارتحل. سكت عنه هو والمنذرى. "عون المعبود" (٢-١٣٣). ٢٨١٨ - أبو حنيفة الإمام، عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أنه بينا هو واقف بجمع إذا أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين! قدمت الساعة وأنا مهل الحج، فقال له عمر: أ تهتدى إلى عرفات؟ قال: لا، فأرسل معه رجلا وقال: انطلق به إلى عرفات، فليقف بها، ثم أعجل على أتم العجل، فإنى حابس الناس عليك، الحديث. أخرجه الحافظ ابن خسرو، والقاضى أبو بكر بن عبد الباقى، والحسن بن زياد فى "مسند أبى حنيفة". "جامع مسانيذ الإمام" (١-٥٢١). وسنده صحيح إلا أنه مرسل، ومراسيل إبراهيم صحيحة كما تقدم غير مرة. ولم يبين حد النهار إلا بفعله، فيجب حمله عليه، والله تعالى أعلم. قوله: "أبو حنيفة الإمام" إلخ، دلالته على سقوط طواف القدوم عمن قدم عرفات قبل مكة لضيق الوقت ظاهرة، وهو مما قد أجمع عليه لم نعلم فيه خلافا، فإن طواف القدوم سنة عند الأكثر، لا شىء على تاركه إلا ما روى عن مالك: أن عليه دم، ولم يقل أحد بأنه من أركان الحج. قال فى "رحمة الأمة": وطواف القدوم سنة عند الثلاثة، وقال مالك: إن تركه مطيقا لزمه دم اهـ. (٥٥). وهذا ينافى ما ذكره فى "النيل" عن مالك من القول بكونه فرضا، كما تقدم فى باب طواف القدوم، فإن الفرائض والأركان لا تجبر بالدم، فالظاهر أن مالكا لم يقل إلا بوجوبه أو بسنيته مؤكدا، فعبر عنه الناقلون بالفرض، والله تعالى أعلم. قال فى "غنية الناسك": ضاق على المحرم وقت العشاء والوقوف يدع الصلاة، ويذهب لعرفة للحرج، كذا فى "الدر والسراج"، واختار الشارح عكسه؛ لأن تأخير الوقوف لعذر مع إمكان التدارك فى العام المقبل جائز، وليس فى الشرع ترك فرض حاضر لتحصيل فرض آخر. قال: هذا هو الظاهر من الأدلة النقلية والعقلية، والله سبحانه وتعالى أعلم. (١٠٥). وقال صاحب "النخبة": يصلى الفرض ماشيا مؤميا على مذهب من يرى ذلك احتياطا، ثم يقضيه بعد ذلك احتياطا، وهذا قول حسن، وجمع مستحسن. "شرح الباب" للقارى (١١٥). ٢٢٥ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن باب نسك المرأة و أنها تكشف وجهها ولو سدلت على وجهها شيئا وجافته جاز ٢٨١٩- عن ابن عمر مرفوعا: ((ليس على المرأة إحرام إلا فى وجهها)). رواه الدار قطنى، والطبرانى، والبيهقى، وفى إسناده أيوب بن محمد أبو الجمل، وهو ضعيف، قال ابن عدى: تفرد برفعه. قال البيهقى: الصحيح وقفه، وأسنده فى "المعرفة" عن ابن عمر، قال: ((إحرام المرأة فى وجهها، وإحرام الرجل فى رأسه)). "التلخيص الحبير" (١-٢٢٣). قلت: قوله: "احتياطا" لا ينافى وجوب القضاء؛ فإن قضاء مثل هذه الصلاة واجبة عندنا كما لا يخفى. قال فى "النيل" بعد ذكر الاختلاف فى صلاة الطالب والمطلوب إيماء ماشيا ما نصه: والظاهر أن مرجع هذا الاختلاف إلى الخوف المذكور فى الآية، (وهو قوله عز وجل: ﴿وإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ فمن قيده بالخوف على النفس والمال من العدو فرق بين الطالب والمطلوب، ومن جعله أعم من ذلك لم يفرق بينهما، وجوز الصلاة المذكورة للراجل والراكب عند حصول أى خوف اهـ (٣ - ٢١٤). باب نسك المرأة وأنها تکشف وجھھا ولو سدلت على وجهها شيئا وجافته جاز قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: دلالته على أن المرأة تكشف وجهها محرمة ظاهرة، وقد مر فى أبواب الإحرام من حديث نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المرأة المحرمة. رواه البخارى موصولا ومعلقا، وقال أبو على الحافظ: إن لا تنتقب المرأة من قول ابن عمر أدرج فى الخبر، وقال صاحب "الإمام": هذا يحتاج إلى دليل. "التلخيص" (٢٢٣:١). واعلم أن حديث ابن عمر المرفوع بلفظ: ((ليس على المرأة إحرام إلا فى وجهها» قد ذهبنا إليه، وأوجبنا على المرأة كشف الوجه فى الإحرام. وقوله الموقوف عليه أى: وإحرام الرجل فى رأسه. حملناه على أن كشف الرأس للرجل آكد من كشف الوجه، ولم نقل بجواز ستره له، لما مر فى أبواب الإحرام عنه أنه قال: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم. وما روى عن عثمان وغيره رضى الله عنهم من تغطيتهم وجوههم فى يوم صائف محمول على العذر، أو على التغطية بحائل، وقد علمت بما قررناه لك فى المتن أن الحديث ليس بضعيف مرفوع أيضا كما زعموا، بل ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٢٦ قلت: أيوب بن محمد مختلف فيه، قال أبو حاتم: لا بأس به، ووثقه الفسوى، وعبد الله بن رجاء. كذا فى "اللسان" (١-٤٨٧). فهو حسن الحديث على أصلنا الذى أصلناه فى المقدمة. ٢٨٢٠- أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تدلى عليها من جلابيبها، ولا تضرب به. قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار لى كما تجلبب هو صالح للاحتجاج به، قال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": ذكر البيهقى حديثا فى سنده أيوب بن محمد أبو الجمل، فقال: ضعيف عند أهل العلم بالحديث، ضعفه ابن معين وغيره. قلت: كيف يقول هذا؟ وبعض أهل العلم بالحديث وثقوه، وفى نفس الإسناد توثيقه، وقال أبو حاتم الرازى: لا بأس به. وفى الضعفاء للذهبى: ضعفه ابن معين، ووثقه غيره. وفى الميزان: وثقه الفسوى أهـ. (٣٣٥:١). السر فى كشف المرأة وجهها فى الإحرام هذا والسر فى كشف المرأة وجهها فى الإحرام أن الانتقاب وستر الوجه بالنقاب ونحوه من أمارات العز والشرف، ومن لوازم الحرائر من النساء فأمر بتركه فى الإحرام واختيار ما هو من أمارات الإماء والفتيات والخوادم، ليحضر الناس كلهم على باب الله وعتبته وحضرته وهم فى صفة العبيد رجالهم ونساءهم. روى البيهقى من طريق صفية بنت أبى عبيد قالت: خرجت أمه مختمرة متجلبة، فقال عمر من هذه المرأة؟ فقيل: جارية بنى فلان، فأرسل إلى حفصة فقال: ما حملك على أن تخمرى هذه المرأة وتجلببها وتشبهها بالمحصنات، لا أحسبها إلا من المحصنات، لا تشبهوا الإماء بالمحصنات. ذكره الحافظ فى "التلخيص" (١- ١١١)، وسكت عنه، وفيه دليل على أن المرأة تستر وجهها فى غير حالة الإحرام، ولعن الله طائفة قلدت فى أعناقها قلادة العبودية لأوربا، حيث بذلوا جهدهم فى رفع الحجاب عن نساء المسلمين. وبدلوا نعمة الله عليهم، واختاروا صفة العبيد وأمارتهم. هذا، ويجوز للمرأة أن تسدل على وجهها شيئا إذا مرت به الركبان وغيرهم من الرجال کما سیأتی. قوله: "أخبرنا سعيد بن سالم إلخ، قلت: فيه تفسير لما رواه أبو داود وابن ماجه من طريق مجاهد عن عائشة رضى الله عنها، قالت كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله مْ ﴾. محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها فإذا جاوزونا كشفنا. ٢٢٧ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب، فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها، فذلك الذى لا يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولا، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه. رواه الإمام الشافعى فى "الأم" (١-١٢٧)، وسعيد بن سالم هو القداح مختلف فيه حسن الحديث. "تهذيب" (٤-٣٥). وأخرجه ابن خزيمة وقال: فى القلب من يزيد بن أبى زياد، ولكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبى بكر وهی جدتها نحوه، وصححه الحاكم، وروى ابن أبى خيثمة من طريق إسماعيل بن أبى خالد، عن أمه، قالت: كنا نرحل على أم المؤمنين يوم التروية فقلت لها: يا أم المؤمنين! هنا امرأة تأبى أن تغطى وجهها وهى محرمة، فرفعت عائشة خمارها من صدرها فغطت به وجهها، كذا فى "التلخيص الحبير" (١- ٢٢٣). فإن السدل والتغطية فيه محمول على ما كان مجتافياً عن الوجه، لا على ما يضرب به. وما قاله العظيم الآبادى فى تعليقه على الدار قطنى (١ - ٢٨٦): وظاهر الحديث يخالفه؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة الوجه اهـ. فهو إذا لم تنكس المرأة رأسها عند السدل، وأما إذا انكست وسدلت فلا يصيب الثوب المسدول وجهها أصلا، ومن شك فليجرب، ومعلوم من عادة النساء إذا مرت بهن الركبان والأجانب أنهن ينكسن رؤوسهن حياء. قال: فلو كان التجافى شرطا لبينه النبى معَ له. قلت: قد بينه بقوله: ((لا تنتقب المرأة المحرمة))، فإن النقاب يكون ملاصقا لا مجافيا عادة، وفسره ابن عباس رضى الله عنهما، والصحابة أعرف الناس بمراد النبى معَ ليه، وبحقيقة أفعال أزواجه المطهرات رضى الله عنهن، فقد صرح بأن المرأة إذا سدلت من رأسها على وجهها لا تضرب به، ولكن تسدله كما هو مسدولا فافهم، والله يتولى هداك. وفى الحديث دلالة على أن المرأة منهية على إبداء وجهها للأجانب بلا ضرورة، قاله فى "فتح القدير" (٢: ٤٠٥). ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٢٨ باب لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية ولا ترمل ولا تسعى ولا تستلم الحجر إلا أن تجد الموضع خاليا ٢٨٢١- ثنا محمد بن مخلد، نا على بن أشكاب، نا إسحاق الأزراق، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ليس على النساء رمل بالبيت، ولا بين الصفا والمروة. أخرجه الدار قطنى (١-٢٨٧). ورجاله ثقات ٢٨٢٢- ثنا محمد مخلد، نا العباس بن محمد، نا أبو داود الحفرى، نا سفيان الثورى، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لا تصعد المرأة على الصفا، والمروة، ولا ترفع صوتها بالتلبية. رواه الدارقطنى (١-٢٨٧)، ورجاله ثقات. باب لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية ولا ترمل ولا تسعى "ولا تستلم الحجر إلا أن تجد الموضع خاليا قوله: "حدثنا محمد بن مخلد الأثرين" إلخ، دلالتهما على أجزاء الثلاثة الأول من الباب ظاهرة. وأخرج الإمام الشافعى فى "مسنده": أخبرنا سعيد عن عبد الله بن عمر، أنه قال: ليس على النساء سعى بالبيت ولا بين الصفا والمروة اهـ. (٧٦). وسنده حسن؛ فإن عبد الله بن عمر المكبر وإن لم يكن كأخيه المصغر ولكنه حسن الحديث كما مر غير مرة. فائدة: أخرج الدار قطنى فى "سنته" بطريق محمد بن الزبرقان، عن موسى بن عبيدة، أخبرنى عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنه كان يقول: من السنة تدلك المرأة بشىء من حناء عشية الإحرام (أى قبله)، وتغلف رأسها بغسله ليس فيها طيب، ولا تحرم عطلا. (١- ٢٧٧). وفيه صالح بن مقاتل ابن صالح عن أبيه، ضعفهما البيهقى كما فى "اللسان" (٣- ١٧٧). وموسى بن عبيد الربذى، وهو واهى الحديث، وقد أرسله الشافعى ولم يذكر ابن عمر. كذا فى "التلخيص الحبير" (٢٠٨:١). نعم أخرج الإمام الشافعى فى "مسنده": أخبرنا سعيد عن ابن جريج أنا الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أنها قالت كنت عند عائشة إذ جائتها امرأة من نساء بنى عبد الدار يقال لها: تملك قالت لها: يا أم المؤمنين! إن ابنتى فلانة حلفت لا تلبس حليبها فى الموسم فقالت عائشة رضى الله عنها: قولى لها: إن أم المؤمنين تقسم عليك إلا لبست حليك كله اهـ. (٧٠)، وسنده .... ٢٢٩ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن ٢٨٢٣- أخبرنا سعيد بن سالم، عن عمر بن سعيد بن أبى حسين، عن منبوذ بن أبي سليمان، عن أمه: أنها كانت عند عائشة زوج النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم المؤمنين، فدخلت عليها مولاة لها، فقالت لها: يا أم المؤمنين! طفت بالبيت سبعا، حسن، فيحتمل أن تكون أم المؤمنين أقسمت عليها بذلك لكون السنة أن تلبس المرأة حليها فى الإحرام ولا تحرم عطلا، أو لأن المرأة كانت قد حلفت بترك الحلى فى الموسم محتسبة، ولا ثواب فيه شرعا، فكان اعتقاد الثواب به بدعة، والظاهر هو هذا، والله تعالى أعلم. فائدة: عن ابن عمر، قال: سمعت النبى عَّه ينهى النساء فى الإحرام عن القفازين، والنقاب، وما مس الورس، والزعفران، من الثياب. رواه أحمد، وأبو داود وزاد: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا، أو خفا. قال الشوكانى فى "النيل": الزيادة التى ذكرها أبو داود أخرجها أيضا الحاكم والبيهقى. (٤ - ٢١٩). واحتج به الجمهور على جواز لبس المعصفر فى الإحرام. وقال مالك بكراهته، ومنع منه أبو حنيفة ومحمد. والجواب عن رواية أبى داود أن قوله: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت إلى آخره، مدرج فى الحديث من قول ابن عمر، وليس هو مما سمعه من النبى عرّه؛ فإن الحديث رواه الستة ومالك بدون هذه الزيادة، وقد صرح أبو داود نفسه بأن هذا الحديث رواه عن ابن إسحاق عبدة ومحمد بن سلمة إلى قوله: وما مس الورس والزعفران من الثياب، ولم يذكرا ما بعده. "عون المعبود" (٢- ١٠٣). وإنما تفرد به إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق، وإبراهيم بن سعد وإن كان حجة فى نفسه ولكن الزيادة التى تفرد بها عن ابن إسحاق لا يحتج بها ما لم يتابع ابن إسحاق عليها، فقد عرفت تصريح الحافظ فى "الدراية" بأن ابن إسحاق لا يحتج بما ينفرد به من الأحكام اهـ (١٩٣). وكيف يمكن أن يكون ابن عمر سمع إباحة الخف للنساء من النبى عليه، ثم يمنعهن من لبسه؟ حتى حدثته صفية بنت أبى عبيد: أن عائشة رضى الله عنها حدثتها: أن رسول الله عَ ليه كان قد رخص للنساء فى الخفين، فترك ذلك. رواه أبو داود بطريق ابن إسحاق (١٠٤:٢ مع "العون"). فتعارضت روايات ابن إسحاق عن ابن عمر فإما أن يقال: بأنها تساقطت، أو يجمع بما قلنا: إن قوله فى طريق إبراهيم بن سعد: ثم لتلبس بعد ذلك ما أحبت إلخ ليس مما سمعه ابن عمر من ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٣٠ واستلمت الركن مرتين أو ثلاثا، فقالت لها عائشة: لا آجرك الله، تدافعين الرجال، ألا كبرت ومررت؟. رواه الإمام الشافعى فى "مسنده" (٧٥). وسنده حسن، ومنبوذ بن أبى سليمان وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان فى الثقات. "تهذيب" (١-٢٩٧). النبى معَّ، بل هو مدرج فى الحديث من قوله. قال ابن التركمانى فى "الجوهر النقى": ابن إسحاق متكلم فيه، وقد اختلف عليه فيه، كما حكاه البيهقى عن أبى داود وفى "التمهيد": رواه أبو قرة موسى بن طارق، عن موسى بن عقبة، عن نافع موقوفا على ابن عمر. وفى "الموطأ": مالك عن نافع: أن ابن عمر كان يقول: لا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين. ولم يذكر ما بعده، فقد رواه مالك موقوفا، وهو أجل من ابن إسحاق بلا شك، وقد شهد له رواية موسى بن طارق، ولم يذكر مالك فى روايته: ولتلبس بعد ذلك ما أحبت. وكيف يسمع ابن عمر من النبى عَ ◌ّه إباحة الخف للنساء ثم يأمرهن بقطعه حتى حدثته صفية الحديث (١- ٣٣٧). فإن قيل: سلمنا أن الزيادة مدرجة فى الحديث من قول ابن عمر، فجاز لبس المعصفر للمحرمة بقول الصحابى، وهو حجة عندكم. قلنا: نعم! ولكن أقوال الصحابة فى الباب مختلفة، فذهب جابر وابن عمر إلى الجواز، أخرج الشافعى فى "مسنده" : أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر رضي الله عنه، أنه سمعه يقول: لا تلبس المرأة ثياب الطيب وتلبس الثياب المعصفر، ولا أرى المعصفر طيبا. (٦٩)، سنده حسن. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: أنه نهى عن ذلك. أخرج محمد فى "الموطأ" بطريق مالك، عن نافع، عن أسلم مولى عمر، أنه سمع أسلم يحدث عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين! إنما هو من مدر، قال: إنكم أيها الرهط أئمة یقتدی بکم الناس، ولو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة كان يلبس الثياب المصبغة فى الإحرام اهـ. (٢٠٤). وفيه دليل على نهيه عن لون المدر، لإبهامه جواز المعصفر. لا لإبهامه جواز المورس والمزعفر، فإن لون كل منهما أصفر. فيبعد من رؤيته لون المدر توهم جوازهما فافهم. وفى "الجوهر النقى": قال فى "المحلى": روينا عن عمر المنع من المعصفر جملة، وللمحرم خاصة أيضا عن عائشة. وروى أبو داود بسند صحيح عن النبى معَّ لّه، قال: ((المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب))، الحديث وفيه دليل على أن العصفر طيب، ولذلك نهيت عن المعصفر، ٢٣١ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن باب تقصر المرأة من شعر رأسها ولا يجوز لها الحلق ٢٨٢٤- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: ((ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير)). رواه أبو داود، والدارقطنى، والطبرانى، وقد إذ لو كان النهى لكونه زينة لنهيت عن ثوب العصب؛ لأنه فى الزينة فوق المعصفر. كذا قال الطحاوى. والعصب برود اليمن، يعصب غزلها أى تطوى، ثم تصنع مصبوغا، ثم تنسج وفى "الصحيحين": أنه عليه السلام استثنى من المنع ثوب العصب. والشافعية خالفت هذا الحديث. قال النووى: الأصح عندنا تحريم العصب مطلقا، والحديث حجة لمن أجازه (١ - ٣٣٨). ويمكن أن يقال بالفرق بين عصفر وعصفر، فمنها ما له رائحة طيبة كعصفر بلادنا، ومنها ما ليس له رائحة. فما كان له رائحة طيبة لا يجوز للمحرم لبس ما صبغ منه اتفاقا؛ للإجماع على حرمة استعمال الطيب فى الإحرام، وما ليس له رائحة أصلا يجوز المصبوغ منه بلا خلاف، فالنزاع لفظى لا حقيقى، فافهم. فائدة: يستحب للمرأة الطواف ليلا؛ لأنه أستر لها، وأقل للزحام، فيمكنها أن تدنو من البيت، وتستلم الحجر، وقد روى حنيل بإسناده عن أبى الزبير عن عائشة: أنها كانت تطوف بعد العشاء أسبوعا أو أسبوعين. وترسل إلى أهل المجلس فى المسجد: أرتفعكم إلى أهليكم، فإن لهم عليكم حقا. وعن محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة: أنها أرسلت إلى أصحاب المصابيح أن يطفؤها فاطفؤها فطفت معها فى ستر أو حجاب، فكانت كلما فرغت من أسبوع استلمت الركن الأسود، وتعودت بین الر کن والباب، حتى إذا فرغت من ثلاثة أسابيع ذهبت إلی دیر سقاية زمزم مما يلى الناس فصلت ست ركعات، كلما ركعت ركعتين انحرفت إلى النساء فكلمتهن، تفصل بذلك صلاتها حتى فرغت. كذا فى المغنى لابن قدامة (٣١١:٣) وقد كانت والله فقيهة صديقة بنت صديق رضى الله عنهما. باب تقصر المرأة من شعر رأسها ولا يجوز لها الحلق قوله: "عن ابن عباس وقوله: عن على" إلخ، دلالتهما على معنى الباب ظاهرة وقد تقدمت الأحاديث فى باب وجوب الحلق وكونه نسكا فليراجع. وأخرج الدار قطنى بطريق هريم، عن ليث ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٣٢ قوى إسناده البخارى فى "التاريخ"، وأبو حاتم فى "العلل"، وحسنه الحافظ، "نيل الأوطار" (٤-٢٩٦). ٢٨٢٥- عن على رضى الله عنه: نهى رسول الله عَّه أن تحلق المرأة رأسها، زاد رزين: فى الحج والعمرة. وقال: ((إنما عليها التقصير)). جمع الفوائد (١٨٦:١). أخرجه الترمذى، والنسائى. ورواته موثقون إلا أنه اختلف فى وصله وإرساله. "دراية" (٢٠٢). باب من قلد بدنته وساقها فقد أحرم ومن بعث بها ولم يسقها لم يصر محرما ما لم يلب ٢٨٢٦- حدثنا ابن نمير، ثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: من قلد فقد أحرم. رواه ابن أبى شيبة فى "مصنفه". "فتح القدير" (٢-٤٠٥). ٢٨٢٧- حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبى ثابت، عن ابن عباس، قال: (هو ابن أبى سليم). عن نافع عن ابن عمر، قال فى المحرمة: تأخذ من شعرها مثل السبابة (١- ٢٧٧). وليث فيه مقال. ولعل المراد بالسبابة أنملتها. كما تقدم فى الباب المذكور. وأما ما رواه ابن حبان فى "صحيحه" من حديث يزيد بن الأصم: أن ميمونة (أم المؤمنين رضى الله عنها) كانت حلقت رأسها فى الحج. فكان رأسها مجمما. كما فى "الدراية" (٢٠٢). و"نصب الرأية" (٥١٦:١). فعل تقدير صحته محمول على العذر، فلعلها كانت تشتكى، والله تعالى أعلم. باب من قلد بدنته وساقها فقد أحرم ومن بعث بها ولم يسقها لم يصر محرما ما لم يلب قوله: "حدثنا ابن نمير" إلخ. وقوله: "حدثنا وكيع" إلخ. قلت: ليس فى الأثرین ما يدل على كون الإحرام مقيدا بسوق الهدى بعد تقليدها، ولكن قد ثبت بحديث عائشة رضى الله عنها وسيأتى أن التقليد مع عدم السوق وعدم التوجه معها لا يوجب الإحرام، فقيدنا أثرى ابن عمر وابن عباس به حملا لها على ما إذا كان متوجها، جمعا بين الأدلة، كما قاله المحقق فى "الفتح (٤٠٦:٢). ويعكر عليه ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن علية، عن أيوب. وابن المنذر من طريق ابن جريج. كلاهما عن نافع: أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدى يمسك عما يمسك عنه المحرم، إلا أنه لا يلبى. ٢٣٣ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن من قلد أو جلل أو أشعر فقد أحرم. أخرجه ابن أبى شيبة، "فتح القدير" (٢-٤٠٦). وسنده صحيح. وروى مالك فى "الموطأ" عن يحيى بن سعيد. عن محمد بن إبراهيم التيمى، عن ربيعة بن عبد الله ابن الهدير: أنه رأى رجلا متجردا بالعريق، فسأل عنه؟ فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد، قال ربيعة: فلقيت عبد الله بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: بدعة ورب الكعبة. ورواه ابن أبى شيبة عن الثقفى. عن يحيى بن سعيد: أخبرنى محمد بن إبراهيم: أن ربيعة أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة فى زمان على متجردا على منبر البصرة فذكره، فعرف بهذا اسم المبهم فى رواية مالك. "فتح البارى" (٣ - ٤٣٦). وفيه دلالة على أن ابن عمر وابن عباس كانا يريان التقليد يوجب الإحرام مطلقا، لم يكن ذلك مقيدا عندهما بسوق الهدى والتوجه معها، فتقيد قولهما بذلك من تأويل القول بما لا يرضى قائله. ويمكن أن يقال: إن ابن عمر وابن عباس لم يقولا بصيرورة الرجل محرما حقيقة بإرسال الهدى وهو مقيم، وغاية ما ثبت عنهما فعلا أنهما استحبا له التشبه بالمحرمين دليل ذلك ما أخرجه الطحاوى: حدثنا محمد بن خزيمة، ثنا حجاج، ثنا حماد، عن أيوب، عن أبى العالية. قال: سألت ابن عمر عن الرجل يبعث بهديه أ يمسك عن النساء؟ فقال ابن عمر: ما علمنا المحرم يحل حتى يطوف بالبيت. فمعنى هذا أن المحرم الذى يحرم عليه النساء هو الذى يحل من ذلك بالطواف بالبيت، وهذا لا طواف عليه، فلا معنى لاجتنا به ذلك، وهذا خلاف ما قد رويناه عن ابن عمر فى أول الباب أهـ. (١- ٤٤١). فلا بد للجمع بين الروايتين عنه مما(١) قلنا: إنه كان لا يقول بأن من بعث هديه وهو مقيم يجب عليه الإمساك عما يمسك عنه المحرم، وإنما استحب له التشبه بالمحرمين، ولعل دليل استحباب هذا التشبه عنده ما رواه مسلم عن أم سلمة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا دخل العشر وأراد بعضكم أن يضحى فلا يمس من شعره وبشره شيئا)). وفى رواية: "فلا يأخذن شعرا، ولا يقلمن ظفرا». وفى رواية: ((من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحى فلا يأخذ من شعره وأظفاره)). "مشكاة" (١٠٤). فلما استحب لمن أراد الأضحية ذلك، فمن بعث بهديه إلى الحرم أولى أن يستحب له التشبه بالمحرمين. (١) من صلة لبد. ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٣٤ وهذا هو محمل ما روى عن ابن عباس: أنه تجرد بالعراق لما بعث بهديه، وهو محمل ما روى عنه أنه عرف بالبصرة. قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن التعريف فى الأمصار يجتمعون فى المساجد يوم عرفة، قال: أرجو أن لا يكون به بأس، قد فعله غير واحد وروى الأثرم عن الحسن، قال: أول من عرف بالبصرة ابن عباس وقال أحمد أول من فعله ابن عباس وعمرو بن حريث. قال أحمد لا بأس به، إنما هو دعاء وذ کر الله. فقيل له تفعله أنت؟ قال: أما أنا فلا وروی عن یحیی بن معين: أنه حضر مع الناس عشية عرفة. قاله ابن قدامة فى "المغنى" (٢- ٢٥٩). هذا هو محمل ما ثبت عنهما فعلا وأما قولهما وهو مذكور فى المتن، فيدل على كون الرجل محرما ببعث الهدى وإرساله. وحمله على معنى التشبه بعيد، فحملناه على ما إذا بعث بهديه وساقها وتوجه معها، ولم يثبت عنبهما قولا ما يخالف هذا الحمل، وكل ما ثبت عنهما مما يخالفه إنما هو مجرد فعل يحتمل الوجوه، وقد تأيد ما ذكرناه فى تفسير قولهما بالقياس الصحيح؛ لأن سوق الهدى فى معنى التلبية فى إظهار الإجابة، لأنه لا يفعله إلا من يريد الحج أو العمرة، وإظهار الإجابة قد يكون بالفعل، كما يكون بالقول، فيصير به محرما لاتصال النية بفعل هو من خصائص الإحرام. قاله صاحب "الهداية" (٢ - ٤٠٦ مع"الفتح") وقال صحاحب "الكفاية": وكانت الصحابة مختلفين فى هذه المسئلة على ثلاثة أقوال: فمنهم من قال إذا قلدها صار محرما، ومنهم من قال إذا أدركها وساقها صار محرما، فأخذنا بالمتيقن، وقلنا: إذا أدركها وساقها صار محرما لاتفاق الصحابة فى هذه الحالة اهـ. (٤٠٦:٢ مع "الفتح" قلت: وقد أخذ صاحب "الكفاية" اختلاف الصحابة على ثلاثة أقوال عن شمس الأئمة فی "مبسوطه"، فلعله يستند فى ذلك إلى دئیل. وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ قد تضمن إحراماً متقدما؛ لأن الإحلال لا يكون إلا بعد الإحرام، وهذا يدل على أن قوله: ﴿ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام﴾ قد اقتضى كون من فعل ذلك محرما، فيدل على أن سوق الهدى وتقليده يوجب الإحرام، ويدل قوله ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾ على أنه غير جائز لأحد دخول مكة إلا بالإحرام إذا كان قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ قد تضمن أن يكون من أم البيت فعليه إحرام يحل منه، ويحل له الاصطياد بعده اهـ (٣٠٢:٢). ٢٣٥ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن ٢٨٢٨- عن عمرة بنت عبد الرحمن: أن زياد بن أبى سفيان كتب إلى عائشة رضى الله عنها: أن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: من أهدى هديا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه. قالت عمرة: فقالت عائشة رضى الله عنها: ليس كما قال ابن عباس رضى الله عنهما، أنا فتلت قلائد هدى رسول الله عَ ليه بيدى، ثم قلدها رسول الله عَّ بيديه، ثم بعث بها مع أبى، فلم يحرم على رسول الله عَّ له شئ أحله الله حتى نحر الهدى. أخرجه البخارى ومسلم. "زيلعى" (٥١٧:١). ٢٨٢٩- عن عائشة، قالت: كان رسول الله عرّ ضله يهدى من المدينة فأقتل قلائد وفيه أن قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ راجع إلى قوله: ﴿غير محلى الصيد وأنتم رم﴾، فقد كان سبحانه حرم الصيد فى حال الإحرام ثم أباحه بعد الإحلال، وهو زيادة بيان، لأن رابطة التحريم بالإحرام يدل على أنه إذا زال الإحرام زال التحريم، لكن يجوز أن يبقى التحريم لعله أخرى، فيبين الله سبحانه عدم العلة بما صرح به من الإباحة، فكان نصا فى موضع الاستثناء، فليس قوله: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ بمتضمن إحراما حتى يدل على أن سوق الهدى وتقليده يوجب الإحرام، لأن الإحرام مذكور فى قوله: ﴿غير محلى الصيد وأنتم حرم﴾ اللهم إلا أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ الآية، بيان لأحكام الإحرام الذى دل عليه قوله: ﴿غير محلى الصيد وأنتم حرم﴾ يؤيده ما أخرجه ابن جرير الطبرى رحمه الله تعالى فى تفسیره: حدثنى محمد بن سعد، ثنی أبى، ثنى عمى، ثنى أبى عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: "ولا القلائد : مقلدات الهدى، وإذا قلد الرجل هديه فقد أحرم اهـ (٦ - ٣٧). قوله: "عن عمرة" إلخ وقوله: "عن عائشة" إلخ، قلت: دلالتهما على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. وجاء عن الزهرى ما يدل علي أن الأمر استقر على خلاف ما قال ابن عباس، ففى نسخة أبى اليمان عن شعيب عنه، وأخرجه البيهقى من طريقه قال: أول من كشف العمى عن الناس، وبين لهم السنة فى ذلك عائشة رضى الله عنها، فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس، وذهب جماعة من فقهاء الفتوى إلى أن من أراد النسك صار بمجرد تقليده الهدى محرما، حكاه ابن المنذر عن الثورى، وأحمد، وإسحاق قال: وقال أصحاب الرأى: من ساق الهدى وأم البيت ثم قلد وجب عليه الإحرام قال: وقال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدى محرما، ولا يجب عليه شىء ونقل الخطابى عن أصحاب الرأى ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٣٦ هديه، ثم لا يجنب مما يجتنب المحرم. رواه الجماعة، "نيل الأوطار" (٤-٣٣٧). مثل قول ابن عباس، وهو خطأ عليهم فالطحاوى أعلم به منهم. قاله الحافظ فى الفتح (٤٣٧:٣). قلت: ومذهب الحنفية فى ذلك ما ذكره محمد فى "الموطأ" حيث قال فى باب من أهدى هديا وهو مقيم، وذكر فيه حديث عمرة عن عائشة ما نصه: قال محمد: وبه نأخذ، وإنما يحرم على الذى يتوجه مع هديه يريد مكة وقد ساق بدنة وقلدها، فهذا يكون محرما حين يتوجه مع بدنته المقلدة، فأما إذا كان مقيما فى أهله لم يكن محرماً، ولم يحرم عليه شىء حل له، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله تعالى اهـ. (١٩٦). قلت: واحتج أحمد، وإسحاق، والثورى رحمهم الله بإطلاق ما روينا عن ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم وبما رواه الطحاوى وغيره من طريق عبد الملك بن جابر عن أبيه، قال: كنت جالسا عند النبى معٍَّ، فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، وقال: ((إنى أمرت ببدنى التى بعثت بها أن تقلد اليوم وتشعر على مكان كذا، فلبست قميصى ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصى من رأسى)). الحديث، وهذا لا حجة فيه لضعف إسناده، قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٣٦:٣). وفيه أنه قال فى "مجمع الزوائد" بعد أن ذكره: رجال أحمد ثقات، ذكره من طريق أخرى وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وإنما قال هكذا لأن أحمد رواه عن عبد الرحمن بن عطاء: أنه سمع ابنى جابر يحدثان عن أبيهما فذكره، وعبد الرحمن وثقه النسائى وقواه أبو حاتم، وقال البخارى: فيه نظر، وبهذا يرد على المقبلى حيث قال: إن هذا الحديث أخرجه ابن النجار، وغالب أحاديثه الضعف، والظاهر أنه لا أصل لهذا الحديث انتهى، قاله الشوكانى فى "النيل" (٣٣٩:٤). قلت: عبد الرحمن بن عطاء هذا هو ابن أبى لبيبة، كما صرح به الطحاوى (٤٣٩:١)، وليس هو من رجال الصحيح كما زعمه الهيثمى، بل هو من رجال أبى داود والترمذى، كما يظهر من "تهذيب التهذيب" (٢٣٠:٦) مختلف فيه، ضعفه البخارى، والحاكم أبو أحمد، وابن عبد البر وغيرهم، ووثقه النسائي، وابن حبان، وقال أبو حاتم: شيخ يحول من كتاب الضعفاء، وهذا توثيق لين كما لا يخفى، وغاية ما يقال فى حديثه: إنه حسن، كما قاله العينى فى "العمدة" (٧١٨:٤). وهو لا يقاوم حديث عائشة؛ فإن الطحاوى أخرجه من ثمانية عشر طريقا، ثم قال: فقد تواترت هذه الآثار عن عائشة بما ذكرنا بما لم يتواتر عن غيرها بما يخالف ذلك، فإن كان هذا ٢٣٧ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن ٢٨٣٠- عن ابن عمر رضى الله عنهما عن حفصة أنها قالت: يا رسول الله! يؤخذ من طريق صحة الأسانيد فإن إسناد حديث عائشة هذا إسناد صحيح، لا تنازع بين أهل العلم فیه، وليس حديث جابر بن عبد الله كذلك؛ لأن من رواه دون من روى حديث عائشة؛ وإن كان ذلك يؤخذ من طريق ظهور الشىء وتواتر الرواية به. فإن حديث عائشة أيضا أولى؛ لأن ذلك موجود فيه ومعدوم فى حديث جابر؛ وإن كان ذلك يوخذ من طريق النظر، فإنا قد رأينا الذين يذهبون إلى حديث جابر يقولون إن الحرمة التى تجب على باعث الهدى بتقليده إياه وإشعاره، فيحل عنه إذا حل الناس بغير فعل يفعله. فأردنا أن ينظر فى الإحرام المتفق عليه. هل هو كذلك أم لا؟ فرأينا الرجل إذا أحرم بحج أو عمرة فقد صار محرما إحراما متفقا عليه، ورأيناه غير خارج من ذلك الإحرام إلا بأفعال يفعلها، فيحل بها منه ولا يحل بغيرها اهـ مختصرا (١: ٤٤٠). قلت: وقد أشارت عائشة رضى الله عنها إلى هذا النظر أيضا، حيث قالت فى رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها عند الطحاوى، ولا نعلم المحرم يحله إلا الطواف بالبيت. وهو عند النسائی أیضا (٢١:٢) وفی روایة یحیی بن سعید: حدثنا محدث، عن عائشة وقيل لها: إن زيادا إذا بعث بالهدى أمسك عما يمسك عنه المحرم حتى ينحر هديه، فقالت عائشة. أوله كعبة يطوف بها؟ ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٤٣٦): تعنى أنه كيف يحل بنحر هديه ولم يفعل ما يحل به المحرم من إحرامه فافهم. وقد روى النسائى فى "سننه": أخبرنا قتيبة، ثنا ليث، عن أبى الزبير، عن جابر: أنهم كانوا إذا كانوا حاضرين مع رسول الله عَ ليه بالمدينة بعث بالهدى، فمن شاء أحرم، ومن شاء ترك اهـ (٢- ٢١)، وهذا سند صحیح، وفيه دلالة على أن الذی یبعث بالهدى مخبر بين أن يصير محرما وبين أن يبقى حلالا، وهذا يؤيد ما قلنا أولا: إن الذين قالوا بأن من أرسل الهدى وأقام فقد أحرم، لم يريدوا به حقيقة الإحرام، ولا أنه يحرم على المحرم، بل استحبوا له التشبه بالمحرمين، كما ورد الأمر بمثل هذا التشبه لمن أراد أن يضحى كما تقدم والله أعلم. وحجة الجمهور حديث عائشة رضى الله عنها، ولا حجة لهم فيه؛ فإنها إنما نطقت بحكم من قلد الهدى وأقام، وسكتت عن حكم من قلدها وساقها وأم بها البيت الحرام، فلا يصح الاستدلال بحديثها، على رد ما ذهبت الحنفية إليه، فإنهم أول القائلين بحديث عائشة هذا رضى الله عنها. كما لا يخفى. قوله: "عن ابن عمر" وقوله: "أخبرنا سفيان" إلخ، قلت: قد تواترت الأحبار بأنه مُ خلّ أمر ج - ١٠ مسائل شتى من أفعال الحج ٢٣٨ ما شأن الناس حلوا بعمرة. ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: ((إنى لبدت رأسى، وقلدت هديى، فلا أحل حتى أنحر)) رواه البخارى. "فتح البارى" (٣-٤٤٦). ٢٨٣١- أخبرنا سفيان، حدثنا ابن طاوس، وإبراهيم بن ميسرة، وهشام بن حجير، سمعوا طاوسا يقول: فذكر الحديث، إلى أن قال: فأمر أصحابه من كان منهم أهل ولم يكن معه هدى أن يجعلها عمرة، وقال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى، ولکنی لبدت رأسی، وسقت هدیی، فلیس لی محل دون محل هدیی)). الحديث، أخرجه الشافعى رحمه الله فى "الأم" (١٠٩:٢). وهو مرسل حسن. من أهل بالحج من أصحابه ولم يسق هديا بأن يجعله عمرة، ويحل بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، ومن أهل بالحج وساق الهدى أن لا يحل حتى يبلغ الهدى محله، ولما شق ذلك على أصحابه قال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سقت الهدى)). وفى لفظ لمسلم: ((ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى معى حتى أشتريه ثم أحل كما حلوا)) (١: ٣٩٠) وفى لفظ له: قال: ((أيها الناس! احلوا، فلو لا الهدى الذى معى فعلت كما فعلتم)). وفى لفظ له: قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: ((افعولوا ما آمركم به، فإنى لو لا أنى سقت الهدى لفعلت مثل الذى أمرتكم به)) (٢٩٣:١). وفى لفظ: ((ولكنى لبدت رأسى وسقت هديى، فليس لى محل دون محل هديى)). رواه الشافعى كما فى المتن. وفى كل ذلك دليل على أن سوق الهدى أبلغ فى عقد الإحرام وشده من التلبية، وأشد تأثيرا منهما فى إلزام الحرمة على المحرم، لكونه عرّضّ: أمر بفسخ الحج إلى العمرة من لبى بالحج، ولم يأمر بذلك من ساق الهدى، واعتذر إلى أصحابه فى كونه لم يحل كما حلوا لسوق الهدى أيضا. وفيه حجة للحنفية ظاهرة فى قولهم: إن من قلد الهدى وساقها فقد أحرم لبى أو لم يلب، فإن سوق الهدى أبلغ فى الإحرام من التلبية بدلالات الأحاديث فافهم، فإن ذلك من المواهب، وظنى أن ذلك مما قد تفردت به لتأييد قول الحنفية فى هذا الباب، والعلم الله العليم الوهاب. ثم راجعت أحكام القرآن" للجصاص، فوجدته قد سبقنى إليه، والحمد لله على الموافقة للأجلة من الفقهاء قال: وقال أصحابنا: إذا قلد بدنه وساقها وهو يريد الإحرام فقد أحرم، وقد روى ابنا جابر عن أبيهما عن النبى معَّ: (أن من فند بدنة فقد أحرم)). واختلف السلف فى ذلك، فقال ابنا عمر: إذا قلد بدنته فقد أحرم، وكذلك روى عن على، وقيس بن سعد، وابن مسعود، وابن ٢٣٩ مسائل شتى من أفعال الحج إعلاء السنن باب أن البدنة من الإبل والبقر وأن تقليدها أفضل من إشعارها والإشعار حسن وتقلید الغنم لیس یاحرام ما لم یلب ٢٨٣٢- عن جابر، قال: أمرنا رسول الله عَّه أن نشترك فى الإبل والبقر، كل سبعة منا فى بدنة. متفق عليه. وفى لفظ: قال لنا رسول الله عَّ له: ((اشتركوا فى الإبل والبقر كل سبعة فى بدنة)). رواه البرقانى على شرط الصحيحين. وفى رواية: قال: عباس، وطاوس، ومجاهد، وعطاء، والشعبى، وابن سيرين، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم. وهذا على أنه قلدها وساقها وهو يريد الإحرام؛ لأنه لا خلاف أنه إذا لم يرد الإحرام لا يكون محرما. قد روى عن النبى معَّ لّه أنه قال: ((إنى قلدت الهدى فلا أحل إلى يوم النحر)). فأخبر أن تقليد الهدى وسوقه كان المانع له من الإحلال، فدل على أن لذلك تأثيرا فى الإحرام، وأنه قائم مقام التلبية فى باب الدخول فيه، كما كان له تأثير فى منع الإحلال اهـ (١ - ٣٠٧). قلت: وأيضا فقد تقدم فى باب وجوب التلبية فى حديث خلاد بن السائب كون التلبية من شعائر الحج، والتقليد من شعائره أيضا بالنص، فكان أولى بالتأثير فى الإحرام فافهم، والله تعالى أعلم. باب أن البدنة من الإبل والبقر وأن تقليدها أفضل من إشعارها والإشعار حسن وتقلید الغنم لیس یاحرام ما لم يلب قوله: "عن جابر" إلخ، دلالته على كون البقر من البدن ظاهرة. وقد وقع الخلاف بين العلماء فى مفهوم لفظ البدنة، أما فى أنه هل هو فى اللغة تعم الإبل والبقر أو لا؟ فقلنا: نعم، ونقلنا كلام أهل اللغة فيه. قال الخليل: البدنة ناقة أو بقرة تهدى إلى مكة. قال النووي: هو قول أكثر أهل اللغة. وقال الجوهرى: البدنة ناقة أو بقرة. "فتح القدير" (٤٠٧:٢). وأما فى أنه فى اللغة كذلك إتفاقا، ولكنه هل هو فى الشرع على المفهوم منه لغة لم ينقل عنه أولا؟، فقلنا: نعم، بدليل تسوية الشارع بينهما فى جواز اشتراك السبعة فى كل منهما فى الهدايا والضحايا، وبتصريح جابر رضى الله عنه -وهو عارف بلسان الشارع كمعرفته باللغة- فى جواب من سأله: أ يشترك فى البقر ما يشترك فى الجزور؟، بقوله: وما هى إلا من البدن. ولا يجوز حمله على بيان اللغة؛ لكون السائل سأله عن مساواتهما فى الحكم الشرعى، فلا بد من حمله على بيان الحكم الشرعى، وهو وإن كان موقوفا ولكنه فى حكم المرفوع؛ فإن جواز اشتراك السبعة فى واحد ٠ م ٢٤٠ مسائل شتى من أفعال الحج ج - ١٠ اشتركنا مع النبى عَ ◌ّةٍ فى الحج والعمرة، كل سبعة منا فى بدنة. فقال رجل لجابر: أ يشترك فى البقر ما يشترك فى الجزور؟ قال: ما هى إلا من البدن. رواه مسلم. "نيل الأوطار" (٤-٣٣١). من الحيوانات المعدة للأضحية أو الهدى ئيس بأمر معقول، بل تعبدى محض، فلا يجوز تعديته من الجزور إلى البقر بالقياس من غير توقيف، مع ما بينهما من التفاوت نوعا واسما وحسا فافهم. فلعل. ذلك قد خفى على الطحاوى منا، حيث قال فى "مشكله": فكان إدخال البقرة فى البدن فى هذا الحديث إنما هو قول جابر بغير ذكر منه إياه النبى عليه. (٣- ٢٤٨). كيف؟ وقد روى البرقانى عن جابر بسند على شرط الصحيحين بلفظ: قال لنا رسول الله عَ ليه: ((اشتركوا فى الإبل والبقر، كل سبعة فى بدنة)). كما فى المتن، وفيه تصريح بعموم البدنة للإبل والبقر على لسان الشارع صّالله عروسة. ـيـ واحتج الشافعى رحمه الله بقوله عليه الصلاة والسلام: ((من اغتسل يوم الجمعة ثم راح فى الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة)). الحديث متفق عليه. وأجاب صاحب "الهداية" عنه بأن البدنة تنبئ عن البدانة، وهى الضخامة، وقد اشتركا فى هذا المعنى. ولهذا يجزئ كل واحد منهما عن سبعة، والصحيح من الرواية فى الحديث: كالمهدى جزوزا. والله تعالى أعلم (٢ - ٤٠٨ مع "الفتح") وأورد عليه الزيلعى فى " نصب الراية"، والحافظ فى "الدراية"، والمحقق فى "الفتح"، بأن هذا یوهم ان رواية البدنة ليس بصحيح، ولیس کما قال، بل رواية البدنة أصح إسنادا وأكثر طرقا، وهى فى المتفق عليه، ورواية الجزور عند مسلم حسب اهـ. "دراية" (٢٠٣). وظنى أن صاحب "الهداية" لم يرد ترجيح رواية الجزور على رواية البدنة من حيث الإسناد، بل من حيث الدراية، فأراد أن من رواه بلفظ الجزور من بين الجماعة قد ضبطه وأدركه وفهمه بما هو أحسن فيه من غيره، وقد صرح السيوطى فى "تدريب الراوى" بأنه قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقا، كأن يتفقا على إخراج حديث غريب ويخرج مسلم أو غيره حديثا مشهورا، أو مما وصفت ترجمته بكونها أصح الأسانيد. اهـ (٣٨). قال المحقق فى"الفتح": بل الجواب أن التخصيص باسم خاص لا ينفى الدخول باسم عام، وغاية ما يلزم من الحديث أنه أراد بالاسم الأعم - وهو البدنة - خصوص بعض ما يصلح له - وهو الجزور-؛ لا كل ما يصدق عليه، بقرينة إعطاء البقرة لمن راح فى الساعة الثانية فى مقام إظهار جزء غير0 فارم نغبر 15 F D