Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ وجوب الترتيب فى مناسك يوم النحر إعلاء السنن ٢٧٥١- عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَ لّه للناس حين دفعوا عشية عرفة وغداة جمع: ((عليكم بالسكينة))، حتى إذا دخل منى فهبط حين هبط محسرا، قال: ((عليكم بحصى الحذف الذى يرمى به الجمرة)). الحديث، رواه النسائى بسند صحيح (٢-٤٨). وقال تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفتهم) الآية. قوله: "عن الفضل بن عباس" إلخ، قلت: دلالته على وجوب تقديم الرمى على سائر مناسك منى ظاهرة، فإنه لا يخفى أن وادى محسر إما خارج عن منى كما هو المشهور. أو مبدأها مما يلى مزدلفة. وقوله مرّ لأصحابه: ((عليكم بحصى الخذف الذى يرمى به الجمرة)) كان وهو سائر من مزدلفة إلى منى فى الطريق بينهما. أو هو داخل فى حدود منى، فدل على وجوب الرمى قبل كل شىء من المناسك التى يؤتى بها فى منى. وأما الترتيب بين الذبح والحلق فالأصل فيه قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ثم ليقضوا تفتهم﴾ الآية؛ فإن قضاء التفت مفسر بالحلق والتقصير كما فى التفسير لابن جرير (١١٠:١٨). "وأحكام القرآن" للرازى (٢٣٨:٣). ومثله فى "البدائع"، وقد رتبه على الذبح بلفظة " ثم" الدالة على الترتيب. فكان تقديم الذبح على الحلق والتقصير واجبا، وأصرح منه قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، فإن المراد ببلوغ الهدى ذبحه فى محله كما سيأتى. قال فى "غنية الناسك" فی بیان واجبات الحج: والترتيب بین الثلاثة: الرمی، ثم الذبح، ثم الحلق، على ترتيب حروف قولك: رذح، على القارن والمتمتع. أما الطواف فلا يجب ترتيبه على شىء من الثلاثة، إلا أن السنة أن يكون بعد الحلق، فلو طاف قبل الكل أو البعض لا شىء عليه ويكره، والمفرد لا ذبح عليه، فيجب الترتيب بين الرمى والحلق. "رد المحتار" (٢٢:٢). قلت: قال الجصاص الرازى: فى "أحكام القرآن" له: وقوله: ﴿ثم ليقضوا تفتهم، وليوفوا نذورهم، وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ يقتضى جواز أى ذلك(١) فعله من غير ترتيب؛ إذ ليس فى اللفظ دلالة على الترتيب، فإن فعل الطواف قبل قضاء التفت، أو قضى التفت ثم طاف، فإن مقتضى الآية أن يجزئ جميع ذلك؛ إذ الواو لا توجب الترتيب، ولم يختلف الفقهاء فى إباحة الحلق واللبس قبل (١) أى من قضاء التفت، والإيفاء بالنذر، والطواف، فإن الترتيب بينها ليس بواجب لمكان العطف بالواو، وأما قبل قضاء التفث فالترتيب بينه وبينه واجب للطعف بينهما بلفظة ثم الموجبة للترتيب فافهم. ١٦٢ ج - ١٠ وجوب الترتيب فى مناسك يوم النحر ٢٧٥٢- ثنا أبو الأحوص، عن إبراهيم بن مهاجر - هو البجلی - عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: من قدم شيئا من حجه أو آخره فليهرق لذلك دما. وهذا سند صحيح على شرط مسلم. "الجوهر النقى" (١-٣٤٧). وقال الحافظ فى "الدراية" (٢٠٨): أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد حسن، وأخرجه الطحاوى من وجه آخر أحسن منه عنه اهـ. قلت: والأحسن من الحسن لا يكون إلا صحيحا فما له لا يصححه؟. ٢٧٥٣- ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: من حلق قبل أن يذبح أهرق دما، فقرأ: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، أخرجه ابن أبى شيبة. "الجوهر النقى" (١-٣٤٧)، وهذا سند صحيح أيضا. طواف الزيارة، ولم يختلفوا أيضا فى حظر الجماع قبله اهـ (٣ - ٢٤٠). قوله: "حدثنا أبو الأحوص"، وقوله: "حدثنا أبو معاوية" إلخ، قلت: دلالتهما على وجوب الترتيب فى المناسك ظاهرة؛ فإن وجوب الدم فى التقديم والتأخير فرع وجوب الترتيب كما لا يخفى، ودلالة الثانى على الترتيب بين الذبح والحلق بالاستنباط من الكتاب بينة أيضا. وأما ما احتج به القائلون من حديث ابن عمر قال: قال رجل: حلقت قبل أن أذبح. قال: (اذبح ولا حرج)). فقال آخر: ذبحت قبل أن أرمى، قال ((ارم ولا حرج)) متفق عليه. وفى لفظ قال: فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، وذكر الحديث، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرأ أو يجهل، من تقديم بعض الأمور على بعضها وأشباهها، إلا قال: (افعلوا ولا حرج عليكم)): رواه مسلم. وعن ابن عباس، عن النبى معَّ، أنه قيل له يوم النحر وهو بمنى فى النحر والحلق والرمى والتقديم والتأخير فقال: ((لا حرج)) متفق عليه. "المغنى" (٤٧٢:٣). فالجواب أن المراد لا إثم عليكم؛ لكونهم فعلوا ذلك نسيانا غير شاعرين؛ بدليل ما رواه أبو "داود بسند صحيح قد سكت عنه عن أسامة بن شريك، قال: خرجت مع النبى معَ ◌ّه حاجا، فكان الثاس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا، فكان يقول: ((لا حرج، لا حرج، إلا على رجل اقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذى حرج وهلك)) اهـ (١ - ٢٨٣). فقول النبى عّ لّه: ((لا حرج إلا على رجل افترض عرض رجل مسلم)) الحديث، صريح فى أنه أراد نفى الإثم، وأما أنه لا دم عليه ولا إعادة فلا، فهذا ابن عباس أحد من ١٦٣ إعلاء السنن باب من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف وإذا طاف للإفاضة فقد حل الحل كله ٢٧٥٤- عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عَ ليه: ((إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شئ إلا النساء)). فقال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت روى عن النبى معَّ هذا الحديث: أى ((لا حرج))، فلم يكن معنى ذلك عنده على الإباحة فى تقديم ما قدموا وتأخير ما أخروا، بل أو جب فى ذلك دما. وأيضا فقد ورد مثل ذلك فى من سعى قبل أن يطوف، وقد أجمع علماء المذاهب على بطلان السعى مقدما، ووجوب إعادته بعد الطواف، فالحق ما قلنا: إن المراد بنفى الحرج نفى الإثم عنهم، لا نفى الإعادة والدم فافهم. وأيضا فكثرة سوال الصحابة عن حكم التقديم والتأخير فى تلك المناسك، وازدحامهم على رسول الله عَ لّه لأجله، يشعر بوجوب الترتيب فيها عندهم، ولكن بعضهم لم يشعر بذلك أو نسى ولم يذكر، فازدحموا على النبى معَ ◌ّه وأكثروا فى المسئلة، وخافوا على أنفسهم، فأجابهم النبى معَّ بقوله: ((ارم ولا حرج، واذبح ولا حرج، واحلق ولا حرج)) ونحوه تسلية لهم، ولم يرد به نفى الوجوب رأسا؛ فإن الصحابة لم يكونوا ليكثروا السوال عن أمر غير واجب عليهم، ويزدحموا على النبى معَّ بمثل ما ازدحموا عليه لأجل تلك المسئلة، ومن أراد تفصيل مسئلتهم عن ذلك فليراجع كلام الحافظ فى "الفتح" (٣- ٤٥٣ و٤٥٤)، وسيأتى لك مزيد بسط للمسئلة فى أبواب الجنايات إن شاء الله تعالى. باب من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف وإذا طاف للإفاضة فقد حل الحل كله قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: ومعنى قوله: "إذا رميتم الجمرة" أى وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شىء إلا النساء؛ فإن الذبح والحلق يعقبان الرمى شرعا، فاكتفى بذكر الواحد منهما، لكونه بدأ الحل كما عرف فى أثر ابن عباس: وبدأ حلك أن ترمى جمرة العقبة. وقد تقدم فى باب لا يقطع الحاج التلبية حتى يرمى الجمر. ويأتى فى حديث عائشة مرفوعا ما يؤيد ما قلنا صريحا فانتظر. قال فى "النيل": استدل به العترة والحنفية والشافعية على أن يحل بالرمى لجمرة العقبة (مع الذبح والجلق) كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطأ للنساء، فإنه لا يحل به بالإجماع. قال مالك: والطيب، وروى نحوه عن عمر، وابن عمر وغيرهما، وقال الليث: إلا ١٦٤ - ١٠ من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف رسول الله عَّ يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟ رواه أحمد، وأبو داود، والنسائى، وابن ماجه، قال فى "البدر المنير": إسناده حسن كما قاله المنذرى. "نيل الأوطار" (٤-٢٥٧). النساء والصيد. وأحاديث الباب ترد عليهم، وقد استدل المانعون من الطيب بعد الرمى بما أخرجه الحاكم عن ابن الزبير أنه قال: إذا رمى الجمرة الكبرى حلى له كل شىء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت، وقال: إن ذلك من سنة الحج. وبما أخرجه النسائي عن ابن عمر قال: إذا رمى وحلق حل له كل شىء إلا النساء والطيب، ولا يخفى أن هذين الأثرين لا يصلحان لمعارضة أحاديث الباب، وعلى فرض أن الأول منهما مرفوع فهو أيضا لا يعتد به بجنب الأحاديث المذكورة، لا سيما وهى مثبتة لحل الطيب اهـ (٤ - ٢٩٨). واعتذر بعض المالكية بأن عمل أهل المدينة على خلافه، وتعقب بما رواه النسائى من طريق أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام: أن سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسا من أهل العلم، منهم القاسم بن محمد، وخارجة بن زيد، وسالم وعبد الله -ابنا عبد الله بن عمر - وعمر ابن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، فسألهم عن التطيب قبل الإفاضة؟ فكلهم أمره به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين، قد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى مع ذلك العمل على خلافه؟ قاله الحافظ فى "الفتح" (٣١٧:٣). وفيه أيضا: كان سالم بن عبد الله بن عمر يخالف أباه وجده فى ذلك؛ لحديث عائشة، قال(١) ابن عيينة: أخبرنا عمرو بن دينار، عن سالم، أنه ذكر قول عمر فى الطيب ثم قال: قالت عائشة فذكر الحديث قال سالم: سنة رسول الله عَّ أحق أن تتبع أه(٣١٥:٣). فاندحض بذلك قول من قال: إن ذلك من خصائصه عدّه، كما ذكره الحافظ فى "الفتح" أيضا (٣- ٣١٦). ففيه مع أن الخصائص لا تثبت بالقياس، أنه لو كان كذلك لم يخف على سالم، ولم يقل: سنة رسول الله ◌َّ أحق أن تتبع، فليعلم ذلك. (١) وأخرج الطحاوى بطريق سفيان، عن عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عمر، قال: قال عمر، فذكر قوله: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شىء إلا النساء والطيب. قال أى ابن عمر: فقالت عائشة: كنت أطيب رسول الله مَّدٍ إذا رمى الجمرة قبل أن يفيض. فسنة رسول الله عَ ◌ّ أحق أن يؤخذ بها من سنة عمر اهـ. (١ - ٤٢١). وهذا يدل على رجوع ابن عمر أيضا عن قول أبيه إلى ما روته عائشة رضى الله عنها، نص عليه الطحاوى فافهم. ١٦٥ من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف إعلاء السنن ٢٧٥٥- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: كنت أطيب رسول الله عَ لّه قبل أن يحرم، ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت، بطيب فيه مسك. متفق عليه. "نيل" والجواب عن حديث ابن الزبير عند الحاكم أن زيادة: "والطيب" فيه شاذة، نص عليه الحافظ فى "الدراية" بقوله وروى الحاكم من حديث عبد الله بن الزبير، قال: من سنة الحج إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شىء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت. وزيادة الطيب شاذة إهـ (١٩٨). وأيضا فمذهب ابن الزبير على خلاف ما رواه، فقد قال ابن المنذر: اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمى جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فروى عن ابن عباس، وابن الزبير(١) وعائشة يحل له كل شىء إلا النساء وهو قول سالم، وطاوس، والنخعى، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وروى عن عمر وابنه: أنه يحل له كل شىء إلا النساء والطيب وقال مالك، يحل له كل شىء إلا النساء والصيد. وفى "المدونة": أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض. كذا فى "عمدة القارى" (٤ - ٧٧٣). هذا، وقد طعن صاحب "التوضيح" فى حديث ابن عباس الذى بدأنا به الباب، بأنه من رواية الحسن عن ابن عباس، والحسن البصرى لم يسمع منه، وقد وهم فيه؛ فإن الرواية عن الحسن العرنى عن ابن عباس، وقد روى عن يحيى بن معين: أن الحسن العرنى لم يسمع من ابن عباس، وغيره قال: سمع منه، فالمثبت أولى من النافى على ما عرف، قاله العينى فى "عمدة القارى" أيضا. قال: واحتج المانعون من الطيب بما رواه الطحاوى: حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا عبد الله ابن يوسف، حدثنا ابن لهيعة عن أبى الأسود، عن عروة، عن أم قيس بنت محصن، قالت: دخل على عكاشة بن محصن وآخر فى منى مساء يوم الضحى، فنزعا ثيابهما. وتركا الطيب، فقلت: مالكما؟ فقالا: إن رسول الله عَّه قال لنا: ((من لم يفض إلى البيت من عشية هذه فليدع الثياب والطيب)). والجواب عنه أنه لا يعارض حديث عائشة؛ لأن حديث عائشة فيه من الصحة ما ليس فى حديث أم قيس، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف، وحديثه هذا شاذ اهـ (٤- ٧٧٣)، وسيأتى لك مزيد بسط الكلام فى آخر أحاديث الباب فانتظر. قوله: "عن عائشة إلى قوله: عن الحجاج" إلخ، دلالة الأحاديث على أجزاء الباب ظاهرة، (١) أخرجه عنه الطحاوى بسند حسن فى "شرح معانى الآثار" له (١- ٤٢١). ج - ١٠ من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف ١٦٦ (٤-٢٩٧). وللنسائى: طيب رسول الله عَّظلّه لحرمه حين أحرم، ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف بالبيت. (نيل أيضا). ٢٧٥٦- حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال رسول الله عَّ فيه: ((إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شىء إلا النساء)). رواه ابن أبى شيبة وسنده صحيح، "دراية" (١٩٨). و"زيلعى" (٥٠٨:١). ورواه أبو داود بطريق الحجاج بن أرطاة، عن الزهرى، عن عمرة، عن عائشة، وضعفه لأجل أن الحجاج لم ير الزهرى، ولم يسمع منه شيئا، كما فى "نصب الراية" أيضا، ولكن سند ابن أبى شيبة سالم عن هذه العلة، فالحديث صحيح. ٢٧٥٧- عن الحجاج بن أرطاة، عن أبى بكر بن عمرو بن حزم، عن عائشة، أنها قالت: قال رسول الله عَّ له: ((إذا رميتم وحلقتم وذبحتم حل لكم كل شىء إلا النساء). قال الدارقطنى: ولم يروه غير الحجاج بن أرطاة. "زيلعى" (٥٠٨:١) و"دراية" (١٩٨). قلت: فما له وهو حسن الحديث؟ وثقه غير واحد كما مر غير مرة، فالحديث حسن. ٢٧٥٨- عن أم سلمة، عن النبى معٍَّ، أنه قال عشية يوم النحر: ((إن هذا يوم رخص لكم إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ما حرمتم عنه إلا النساء)). أخرجه أحمد وحديث عائشة رضى الله عنها بطريق الحجاج صريح فى أن المراد يرمى الجمرة الرمى مع الذبح والحلق، كما تقدمت الإشارة إليه فيما مضى. قوله: "عن أم سلمة إلخ"، قال الحافظ فى "التلخيص": قال البيهقى: روى هذا فى حديث لأم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به، وأشار بذلك إلى ما رواه أبو داود والبيهقى من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، عن أبيه(١)، وعن أمه زينب بنت أبى سلمة، عن أم سلمة، قالت: كانت ليلتى التى يصير إلى فيها رسول الله عَّ له مساء يوم النحر فصار إلى، فدخل على وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبى أمية، (لعله عكاشة بن محصن الأسدى، وعد من آل أبى أمية لكونه حليف بنى عبد الشمس كما فى "الإصابة" (٢٥٦-٤) وقد تقدم فى حديث أم قيس أنها دخل عليها عكاشه ومعه رجل آخر فنزعا ثيابهما، (١) وقع فى "التلخيص" تخليط فى هذا السند، ففيه: عن أبيه عن أمه زينب، والصحيح ما فى سنن أبى داود، ومنها نقلت السند والمتن برمته (٣ - ١٨٩) مع "البذل"). ١٦٧ من رمى وذبح وحلق فقد حل له كل شىء إلا النساء ما لم يطف إعلاء السنن فى "مسنده". والحاكم فى "المستدرك"، وأبو داود فى "سننه". "زيلعى" (٥٠٨:١). وسكت عنه أبو داود كما فى "بذل المجهود" (١٩٠:٣). قال فى "النيل" (٢٩٧:٤): وفى الباب عن أم سلمة عند أبى داود، والحاكم، والبيهقى، وفى إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه صرح بالتحدیث اهـ. قلت: فالحديث حسن. أى دخلا عليها منزوعة عنهما ثيابهما، محمولة على أبديهما، كما فى رواية لأحمد، ذكرها سيدى الخليل قدس سره فى "بذل المجهود" (٣- ١٩٠) متقصمين، فقال رسول الله عّ لّه لوهب: (هل أفضت أبا عبد الله)) قال: لا والله يا رسول الله، قال عَّ ◌ُّ: ((انزع عنك القميص)) قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يا رسول الله؟ قال: ((إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا يعنى من كل ما حرمتم منه إلا النساء، فإذا أمسيتم قبل أن تطوقوا هذا البيت صرتم حرما كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا)). قال البيهقى: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث اهـ. (١- ٢١٨). قلت: ورواه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق: حدثنى أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة، حدثنى أم قيس بنت محصن -وكانت جارة لهم- قالت: خرج من عندی عكاشة بن محصن، فذكر مثل حديث ابن لهيعة- عند الطحاوى، وقد مر ذكره، كذا فى "الإصابة" (٤ -٢٥٦). فاختلف فيه على بن إسحاق، فرواه مرة عن أبى عبيدة، عن أبيه. وأمه، ومرة عن أبى عبيدة، عن أم قيس، واختلف فيه على بن لهيعة أيضا، فرواه مرة عن أبى الأسود، عن عروة، عن أم قيس بنت محصن كما مر، ورواه مرة عن أبى الأسود، عن عروة، عن جد أمه بنت وهب: أن عكاشة بن وهب فذكر الحديث، أخرجه الطحاوى أيضا (١- ٤١٨). وهذا اضطراب فى الإسناد ويقتضى ضعف الحديث ورده على طريقة المحدثين إن لم يترجح أحد الطريقين على الآخر، ولعل الراجح من طريقى ابن إسحاق ما اختاره أبو داود فأخرجه فى "سننه" وسكت عنه. وكان الأصح من طريقى ابن لهيعة روايته عن أبى الأسود، عن عروة، عن أم قيس، كما أشار إليه الحافظ فى "الإصابة" (٤ - ٢٥٦). فإن ارتفع اضطراب السند بهذا الترجيح لم يرتفع ما فى المتن من الشذوذ؛ فإن رجوع الحلال إلى الإحرام بعد ما صار حلالا بالرمى والذبح والحلق لأجل كونه لم يطف بالبيت حتى المساء، لم يذكره أحد من الثقات إلا ابن لهيعة وابن إسحاق، وهما ما هما وإن كانا حسنا الحديث عندنا، ولم يقل بما روياه أحد من الفقهاء إلا ما ج - ١٠ ١٦٨ باب طواف الزيارة بعد الرمى والحلق وقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ٢٧٥٩- عن ابن عمر: أن رسول الله عَّ أفاض يوم النحر، ثم رجع، فصلى الظهر بمنى، متفق عليه. "نيل" (٤-٢٩٨). ٢٧٦٠- عن جابر فى حديثه الطويل: أن النبى عَّ انصرف إلى المنحر، فنحر، يروى عن عروة بن الزبير، كما ذكره ابن حزم، قاله الحافظ فى "التلخيص" (١ - ٢١٨). والجواب عنه على طريقة الفقهاء أن أمره عّ لّه إياهم ينزع القميص، ورجوعهم إلى هيئة الإحرام بعد كونهم حلالا، لم يكن تعبدا بل سياسة؛ لما خشى عليهم من مواقعة النساء قبل الإفاضة لو أمسوا، كمثل من حل من الرجال متقمصين متطيبين طول الليل، فأمرهم أن يبيتوا كهيئة المحرمين؛ لتمنعهم حالتهم هذه عن مواقعة النساء فى الليل ما لم يطوفوا بالبيت، ولا يخفى أن أوامر الشارع صلاة الله وسلامه عليه إذا كان منشأها السياسة تكون مختصة بمحل ورودها لا عامة. والدليل على كون هذا الأمر سياسة أنه عرّّ أمرهم بهيئة المحرمين بعد ما صاروا حلالا بالرمى والحلق وقضاء التفث، من غير أن يأمرهم بتجديد الإحرام، ومن قضى تفثه لا يعود محرما إلا بإحرام جديد، وهو ظاهر، وهذا هو محمل ما روى عن عمر رضى الله عنه أنه نهى التطيب قبل الإفاضة، لكونه من دواعى الجماع، كما أن ترك المخيط لكونه مذكر! للإحرام من دواعى الامتناع عنه، فنهى عمر الناس سياسة عن التطيب قبل الإفاضة صيانة لهم عن مباشرة النساء، والجمع بين الروايات بقدر الإمكان أولى من العمل ببعضها وترك بعضها، ولا يخفى أن التطيب ولبس المخيط ليس بواجب بعد الرمى والحلق، بل غاية ما فيه أنه مباح، وللإمام أن ينهى بعض الناس عن شىء من المباحات صيانة لهم عن الوقوع فى ما لا يجوز لهم، لا نعلم فيه خلافا فافهم، والله تعالى أعلم. باب طواف الزيارة بعد الرمى والحلق وقوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ قوله: "عن ابن عمرو عن جابر" إلخ، قلت: دل حديث جابر على أنه عرّه ركب لطواف البيت بعد ما نحر هدية، وقد تقدم عن أنس أنه عرّ له عقب النحر بحلق رأسه، فثبت من المجموع ١٦٩ طواف الزيارة بعد الرمى والحلق إعلاء السنن ثم ركب فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، رواه مسلم. "نيل الأوطار" (٢٩٨:٤). كونه طاف للإفاضة بعد الحلق، وهذا مما لم يختلف فيه اثنان أنه عَّ أفاض إلى البيت بعد الحلق بمنى، وإنما الخلاف فى جواز عكس الترتيب، وقد قدمنا أنه لا يجب الترتيب بين الطواف وبين ما هو مقدم عليه من الرمى والحلق ونحوهما، بل هو سنة، فلو أفاض قبل الحلق جاز وكره، وطواف الإفاضة ركن للحج لا يتم إلا به، لا نعلم فيه خلافا. ولأن الله تعالى قال: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف فى ذلك بين العلماء، وفيه عند جميعهم قال الله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾. وعن عائشة، قالت: حججنا مع النبى معَّه، فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية، فأراد النبى معَّ منها ما يريد الرجل من أهله فقلت: يا رسول الله إنها حائض، قال: (أ حابستنا هى))؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت يوم النحر قال ((أخرجوا)) متفق عليه. فدل على أن هذا الطواف لا بد منه وأنه حابس، كذا فى "المغنى" لابن قدامة (٣ - ٤٦٥). قال النووى: وقد أجمع العلماء أن هذا الطواف -وهو طواف الإفاضة- ركن من أركان الحج، لا يصح الحج إلا به، واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمى والنحر والحلق، فإن أخره عنه وفعله فى أيام التشريق أجزأ ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخره إلى بعد أيام التشريق وأتى به بعدها أجزأه، ولا شىء عليه بالإجماع. وقال أبو حنيفة ومالك: إذا تطاول لزم معه دم انتهى. كذا فى "النيل" (٤ - ٢٩٨). وقد تسامح النووى فى حكاية قول أبى حنيفة، فمذهبه أن وقت أدائه بلا نقصان أيام النحر لا أيام التشريق، فإن أخره عن يوم النفر الأول - وهو الثانى عشر من ذى الحجة- لزمه دم، ولا وقت لمطلق أدائه بل وقته العمر، إلا أنه يكره تأخيره عن هذه الأيام، صرح به فى "الهداية" "وفتح القدير" (٢- ٣٨٨ و٣٨٩). هذا، وقول ابن عمر: فصلى الظهر بمنى. وقول جابر: فصلى بمكة الظهر. ظاهر هذا التنافى، ويمكن الجمع بأن يقال: إنه مَّ صلى بمكة ثم رجع إلى منى، فوجد أصحابه يصلون الظهر، فدخل معهم متنفلا لأمره معَ ◌ّه بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى. قاله الشوكانى فى "النيل" (٤- ٢٩٩). وهذا أحسن ما يجمع به بين الخبرين، وقد ورد من حديث أبى الزبير المكى عن عائشة وجابر رضى الله عنهما: أن النبى معَّ أخر طواف يوم النحر إلى الليل. رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجة، وفى لفظ: طواف الزيارة. ١٧٠ طواف الزيارة بعد الرمى والحلق ج - ١٠ قال الترمذى: حديث حسن وتصدى ابن القيم رحمه الله لتغليطه. وتضعيف راويه أبى الزبير لتدليسه، والحق أنه حسن الحديث احتج به مسلم وأصحاب السنن. وأخرج له البخارى متابعة، فلا ينبغى رد ما رواه ما أمكن الجمع بين الروايات، ومعناه عندى أنه معرّ أخر طوافه بنساءه يوم النحر إلى الليل، يؤيده ما رواه محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمان بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أن النبى معَّ أذن لأصحابه، فزاروا البيت يوم النحر ظهيرة، وزار رسول الله عَ ليه مع نسائه ليلا كذا فى "زاد المعاد" (١- ٢١٢). وبالجملة فقد طاف رسول الله عّ لّه يوم النحر طوافين: أحدهما بالنهار، كما رواه ابن عمر، وجابر، ووافقتهما عائشة رضى الله عنها أيضا، فقالت: أفاض رسول الله عَّ ◌ُّه من آخر يوم حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالى أيام التشريق. الحديث رواه أحمد، وأبو داود، وصححه ابن حبان. والحاکم، وقال المنذری: هو حديث حسن. زيلعى (٥٠٩:١) وطاف ثانيا فى الليل بنساءه كما رواه محمد ابن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة وهو مفسر، فيجب حمل ما روى عن عائشة أنه مرّل أخر الطواف يوم النحر إلى الليل، على أنه أخر طوافه بنساءه إلى الليل، وقد ثبت أنه مّ ◌ُلّم كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى رواه قتادة. حدثنى أبو حسان عن ابن عباس فذ کره. قال الحافظ فى "الفتح": ولرواية أبى حسان هذه شاهد مرسل، أخرجه ابن أبى شيبة عن ابن عيينة: حدثنا ابن طاؤس، عن أبيه: أن النبى معَّ ◌ُلّه كان يفيض كل ليلة اهـ. (٣- ٤٥٢). وليس معناه أنه مٍَّ كان يطوف طواف الإفاضة كل ليلة، بل المراد أنه كان ينزل من منى إلى مكة لزيارة البيت وطوافه تطوعا كل ليلة، فأطلق عليه الراوى الإفاضة مرة، والزيارة أخرى. فأوقع الناس فى الغلط، فظنوا أنه مَِّ أخر طواف الإفاضة إلى الليل، وليس هذا مما أرادته عائشة رضى الله عنها، فإنها قد وافقت ابن عمر وجابرا على ما رويا من كونه عّ لّه أفاض نهارا فافهم؛ فإنه من المواهب. قال العينى فى "العمدة": ذكر ابن حبان أنه معَّ رمى جمرة العقبة ونحر، ثم تطيب للزيارة، ثم أفاض، فطاف بالبيت طواف الزيارة، ثم رجع إلى منى، فصلى الظهر بها، والعصر، والمغرب، والعشاء، ورقد رقدة بها، ثم ركب إلى البيت ثانيا، وطاف به طوافا آخر بالليل اهـ (٤ - ٧٤٦). وهذا صريح فى ما قلنا، والله تعالى أعلم. ١٧١ إعلاء السنن باب وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة وكونه نسكا من المناسك وأن الحلق أفضل من التقصير للرجال ولا يجوز للنساء إلا التقصير قال الله تعالى: ﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرین﴾. ٢٧٦١- عن ابن عمر رضى الله عنهما، أن النبى عّ لّه قال: ((من لم يكن معه هدى فليطف بالبيت، وبين الصفا والمروة، وليقصر، وليحلل)). مختصر للشيخين وأبى . داود والنسائى. " جمع الفوائد" (١-١٧٥). ٢٧٦٢ - عن جابر، قال: فأمر النبى عّ لّه أصحابه أن يجعلوها عمرة، ويطوفوا ثم باب وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة وكونه نسكا من المناسك وأن الحلق أفضل من التقصير للرجال ولا يجوز للنساء إلا التقصير قوله: "عن ابن عمرو عن جابر" إلخ، قال ابن قدامة فى "المغنى" (٣ - ٤٥٨): والحلق والتقصير نسك فى الحج والعمرة فى ظاهر مذهب أحمد وقول الخرقى، وهو قول مالك، وأبى حنيفة، والشافعى وعن أحمد: أنه ليس بنسك، وإنما هو إطلاق من محظور كان محرما عنيه بالإحرام، فأطلق فيه عند الحل كاللباس والطيب وسائر محظورات الإحرام، فعلى هذه الرواية لا شىء على تاركه. ويحصل الحل بدونه. ووجهها أن النبى معَّه أمر بالحل من العمرة قبله، فروى أبو موسى قال: قدمت على رسول الله مێه، فقال لى: بم أهللت؟ قلت. لبيك ياهلال کإهلال رسول الله ◌َّظَلّه، قال: أحسنت(١) فأمرنى فطفت بالبيت وبين الصفا والمروة. ثم قال لى: أحل. متفق عليه. وعن سراقة: أن النبى عّ لّه قال: ((إذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلا من كان معه هدى)). رواه الجوز جاني فى المترجم، ولأن ما كان محرما فى الإحرام إذا أبيح كان إطلاقا من محظور، والأولى أصح؛ فإن النبى عّ لِّ أمر به، فروى ابن عمر، وروى عن جابر، فذكر حدیثی المتن. قال: وأمره يقتضى الوجوب، ولأن الله تعالى وصفهم به بقوله سبحانه: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾، ولو لم يكن من المناسك لما وصفهم به كاللبس وقتل الصيد، ولأن النبى عَ لّه ترحم على المحلقين ثلاثا، وعلى المقصرين مرة، ولو لم يكن من المناسك لما دخله التفضيل (١) فيه جواز الإحرام المبهم؛ وقد نص على جوازه علمائنا كما فى "غنية الناسك". ١٧٢ ج - ١٠ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة يقصروا، ويحلوا إلا من كان معه الهدى. مختصر للشيخين وأبى داود والنسائى. "جمع الفوائد" (١٧٥:١). ولفظ البخارى: عن جابر: ((أحلوا من إحرامكم بطواف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصروا)). "التلخيص الحبير" (٢١٩:١). كالمبادات، ولأن النبى معَّ، وأصحابه فعلوه فى جمع حجهم وعمرهم، ولم يخلوا به، ولو لم يكن نسكا لما داوموا عليه بل لم يفعلوه، لأنه لم يكن من عادتهم فيفعلوه عادة، ولا فيه فضل فيفعلوه لفضله. وأما أمره بالحل فإنما معناه - والله أعلم - الحل بفعله؛ لأن ذلك كان مشهورا عندهم، فاستغنى عن ذكره، ولا يمتنع الحل من العبادة بما كان محرما فيها كالسلام من الصلاة. اهـ. مختصرا. فإن قيل: إنما ترحم عّ لّله على المحلقين ثلاثا لأنهم لم يشكر، كما ورد ذلك صريحا فى حديث ابن عباس عند ابن ماجة بلفظ: قيل: يا رسول الله! لم ظاهرت للمحلقين ثلاثا، وللمقصرين واحدة؟ قال: ((إنهم لم يشكو)). "جمع الفوائد" (١ - ١٨٦). قلنا: إنما كان ذلك سببا لمظاهرته للمحلقين فى عمرة الحديبية بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال لما دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم فى أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبى عَّ، وصالح قريشا على أن يرجع من العام المقبل، والقصة مشهورة، فلما أمرهم النبى عليه. بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو مَّ قبلهم، فتبعوه، فحلق بعضهم، وقصر بعضهم، وكان من بادر إلى الحلق أُسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، فظاهر للمحلقين بالرحمة ثلاثا وللمقصرين مرة، كذا فى "فتح البارى" (٣ - ٤٤٩). ولا يصلح ذلك سببا لمظاهرته بالترحم ثلاثا للمحلقين فى حجة الوداع؛ لانعدام التوقف والتردد الذى كان قد عرض لبعض الصحابة فى الحديبية هناك. وقد تظافرت الروايات بذلك فى الموضعين. قال الحافظ فى "الفتح": واختلف المتكلمون على هذا الحديث فى الوقت الذى قال فيه رسول الله عَّ ذلك، والأحاديث التى فيها تعيين حجة الوداع أكثر عدد، وأصح إسنادا، ولهذا قال النووى عقب أحاديث ابن عمر، وأبى هريرة، وأم الحصين: هذه الأحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت فى حجة الوداع، قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كان فى الحديبية، وجزم بأن ذلك كان فى الحديبية إمام الحرمين فى "النهاية". ثم قال النووى: لا يبعد أن يكون وقع فى الموضعين انتهى. وقال عياض: كان فى الموضعين؛ ولذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب. قلت: بل ١٧٣ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة إعلاء السنن ٢٧٦٣- عن ابن عمر رضى الله عنهما: أن النبى عّ لّه نبد رأسه وأهدى، فلما قدم مكة أمر نسائه أن يحللن، فلن: ما لك أنت لم تحل؟ قال: (إنى قلدت هديى، ولبدت رأسى، فلا أحل حتى أحل من حجتى وأحلق رأسى)). رواه أحمد، وهو فى البخارى عنه عن حفصة، وليس فيه: ((وأحلق رأسى)). والحديث احتج به ابن تيمية فى "المنتقى"، والشوكانى فى "نيل الأوطار" (٤-٢٩٦). ٢٧٦٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه لقى رجلا من أهله يقال له المجبر قد هو المتعين؛ لتظافر الروايات بذلك فى الموضعين كما قد مناه أهـ (٣- ٤٤٩). قلت: وأما السبب فى تكرير الدعاء للمحلقين فى حجة الوداع فقال ابن الأثير: كان أكثر من حج مع النبى معَِّ لم يسق الهدى، فلما أُمرهم بفسخ الحج إلى العمرة بالتحلل وحلق الرؤوس شق ذلك عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة اختار أكثرهم التقصير؛ لكونه أخف من الحلق عندهم، فرجح النبى معَّ فعل من حلق؛ لكونه أبين فى امتثال الأمر انتهى. وفيما قاله نظر؛ لأن المتمتع يستحب فى حقه أن يقصر فى العمرة، ويحلق فى الحج، إذا كان ما بين النسكين متقارباً، وقد كان ذلك فى حقهم كذلك، قاله الحافظ فى "الفتح". بل السبب فى ذلك. والله أعلم. أن الحلق فيه من قضاء النفث ما ليس فى التقصير، فكان أفضل وأكمل، واتباع فعل النبى معَّ فيه أكثر وأظهر، فالظاهر أن تكرير الدعاء للمحلقين كان بمنى بعد ما حلق رسول الله عَ ليه- رأسه، لا بمكة حين أمر من لم يسق الهدى من الصحابة بالتحلل بالطواف والسعى؛ فإنهم لم يكونوا مأمورين بالحلق إذا ذاك، ولذلك -والله أعلم - وقع الاقتصار فى حديثى ابن عمر وجابر الذين بدأنا بهما الباب على الأمر بالتقصير وحده، ولم يرد الأمر بالتخيير بين الحلق والتقصير؛ لكونهم متمتعین، والزمان بين النسکین متقارب فافهم. قوله: "عن ابن عمر" وهو الثالث من الباب إلخ، قلت: فيه دلالة على كون الحلق من أسباب التحلل، وهو ظاهر، فدل على كونه نسكا كالرمى وغيره، وقد استدل ابن تيمية فى "المنتقى" بحديث ابن عمر هذا على أنه يتعين الحلق على من لبد رأسه، وبه قال الجمهور كما نقنه ابن بطال، وقالت الحنفية: لا يتعين، بل إن شاء قصر، قال فى "الفتح": وهذا قول الشافعى فى الجديد، قال: وليس للأول دليل صريح اهـ. من "نيل الأوطار" (٢٩٧:٤). قلت: وتخصيصه عَّه الحلق بالذكر لا يستلزم عدم جواز التقصير فى حقه، ألا ترى أنه ١٧٤ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة ج - ١٠ أفاض ولم يحلق ولم يقصر، جهل ذلك، فأمره أن يرجع فيحلق أو يقصر، ثم يرجع إلى البيت فيفيض. رواه مالك. "جمع الفوائد" (١-١٨٦). اقتصر على ذكر التقصير فى حق من أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة؟ فلم يكن ذلك دليلا على عدم جواز الحلق فى حقهم، وفى حق لمن هو مثلهم من المتمتعين، وإنما كان دليلا على استحباب التقصير للمتمتع إذا كان ما بين النسكين متقاربة، فكذلك الحلق أفضل لمن كان قد لبد رأسه؛ لكونه أفضل لكل من حج أو اعتمر، فمن كان لبد رأسه وقلد هدية أولی به. قال فى "غنية الناسك" (٩٣): ولو تعذر الحلق لعارض بأن يفقد آلة الحلق، أو من يحلقه، أو يضره الحلق لنحو صداع، أو قروح برأسه، تعين التقصير، أو تعذر التقصير بأن يكون شعره قصيرا، أو لبده بصمغ فلا يعمل فيه المقراض، تعين الحلق، وكذا لو كان معقوصا أو مضفورا كما عزى إلى "المبسوط"، ووجهه أنه إذا نقضه تناثر بعض الشعر، فكان جناية على إحرامه قبل أن يحل منه، فيتعين الحلق، لكن قد يقال: إن هذا التناثر غير جناية؛ لأنه فى وقت جواز إزالة الشعر بحلق أو غيره، ولو نتفا منه أو من غيره، فبقى ما فى المبسوط مشكلا، تأمل "رد المحتار". وإن تعذرا جميعا بأن يكون شعره قصيرا، أو برأسه قروح لا يمكنه الحلق، سقطا عنه، وحل بلا شىء اهـ. (٩٣). قلت: ولعلك قد تفطنت أن أبا حنيفة إنما لم يعين الحلق فى حق من يلبد رأسه إذا أمكنه التقصير ولم يتعذر، وإذا تعذر تعين الحلق عنده أيضا. قال العينى فى "العمدة": قال أبو حنيفة: من لبد رأسه أو ضفره فإن قصر ولم يحلق اجزاه، وروى عن ابن عباس(١) أنه كان يقول: من لبد أو عقص أو ضفر فإن نوى الحلق فليحلق، وإن لم ينوه فإن شاء حلق، وإن شاء قصر. وقال شيخنا زين الدين فى "شرح الترمذى": إن الحلق نسك، قاله النووى، وهو قول أكثر أهل العلم، وهو القول الصحيح للشافعى اهـ. (٤ - ٧٣٩). + قلت: فما روى عن عمر وابن عمر رضى الله عنهما: من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق. ذكره العينى فى "العمدة"، وقال الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٤٤٦): أعلى ما فيه ما سيأتى فى اللباس عن عمر: من ضفر رأسه فليحلق اهـ. وفى "كنز العمال": رواه مالك، وأبو عبيد، وابن أبى شيبة (٣ - ٤٩). فمحمله ما إذا تعذر التقصير، والله تعالى أعلم. قال فى البدائع: هذا إذا كان (١) ذكر أثر ابن عباس هذا ابن قدامة فى "المغنى" أيضا (٣ - ٤٥٨). ١٧٥ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة إعلاء السنن على رأسه شعر، فأما إذا لم يكن أجرى الموسى على رأسه. لما روى عن ابن عمر: من جاءه يوم النحر ولم يكن على رأسه شعر أجرى الموسى على رأسه والقدورى رواه مرفوعا إلى رسول الله مرّ له ولأنه إذا عجز عن تحقيق الحلق فلم يعجز عن التشبه بالحالقين، وقد قال النبى عّ لّه ((من تشبه بقوم فهو منهم)) اهـ (١٤٠:٢). وفى "غنية الناسك" (٩٣): ويجب إجراء الموسى على الأقرع وذى قروح إن أمكنه، هو المختار، وقيل: مستحب، ويستحب الحلق بالموسى. ولو أزال الشعر بالنورة، أو الحرق، أو النتف بيده. أو أسنانه، بفعله أو فعل غيره. أجزأ عن الحلق، ويؤيده ما رواه مالك: جاء رجل إلى القاسم بن محمد فقال: إنی أفضت، وأقضت معی بأهلی، ثم عدلت بها إلى الشعب، فذهبت لأدلو منها، فقالت إنى لم أقصر من شعرى بعد، فأخذت من شعرها بأسنانى، ثم وقعت بها قال القاسم: مرها فلتأخذ بالجلمين من شعرها اهـ. ولم يأمره بالكفارة من دم وغيره. فدل على إجزاء التقصير بالأسنان أيضا ثم أمرها بأن تأخذ بالجلمين من شعرها لموافقة السنة كملا، ولتزيين الشعر منظرا، قال مالك: وأنا أستحب أن يهراق فى مثل هذا دم؛ لقول ابن عباس: من نسى من نسكه شيئا فليهرق دما. "جمع الفوائد" (١- ١٨٦) فلعل مالكا يشرط التقصير بالمقراض ونحوه، وإلا فلا وجه لإيجاب الدم فى هذه الصورة؛ لوجود التقصير بالأسنان. والله أعلم. قال ابن قدامة فى "المغنى": والمرأة تقصر من شعرها مقدار الأنملة، والأنملة رأس الإصبع من المفصل الأعلى، والمشروع للمرأة التقصير دون الحلق، لا خلاف فى ذلك. قال ابن المنذر: أجمع علی هذا أهل العلم، لأن الحلق فی حقهن مثلة، وقد روى عن ابن عباس وعن على، فذکر حدیثی المتن، ثم قال: وكان أحمد يقول: تقصر من كل قرن قدر الأنملة، وهو قول ابن عمر، والشافعى، وإسحاق، وأبى ثور. وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن المرأة تقصر من كل رأسها؟ قال: نعم، تجمع شعرها إلى مقدم رأسها، ثم تأخذ من أطراف شعرها قدر أنملة، والرجل الذى يقصر فى ذلك كالمرأة، وقد ذكرنا فى ذلك خلافا فيما مضى أهـ. (٣ - ٤٦٤). قلت: والواجب عندنا حلق ربع الرأس، أو تقصير قدر الأنملة من جميع ربع الرأس، كما صرح به فى "اللباب"، لكن أصحابنا قالوا: يجب أن يزيد فى تقصير الربع على قدر الأنملة؛ لأن أطراف الشعر غير متساوية عادة، فلو قصر قدر الأنملة من الربع لم يستوف قدر الأنملة، كذا فى ج - ١٠ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة - ١٧٦ ٢٧٦٥- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((اللهم اغفر للمحلقين)) قالوا: وللمقصرين، قال: ((اللهم أغفر للمحلقين) قالوا: وللمقصرين. قالها ثلاثا، قال: ((وللمقصرين)). رواه البخارى والجماعة، وفى رواية قال فى الرابعة: ((وللمقصرين)). "فتح البارى" (٣-٤٤٨)، و"جمع الفوائد" (١-١٨٦). "غنية الناسك" (٩٣) قلت: والتقدير بربع الرأس كأنهم أخذوه من مسح الرأس فى الوضوء، وبحث فيه ابن الهمام، واختار وجوب حلق الكل أو تقصيره كقول مالك، قال: وهو الذى أدين الله تعالى - به، والله تعالى أعلم أهـ (٢- ٣٨٦). قلت: قد أخذ أئمتنا من قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وحديث المغيرة مسح على ناصبته، کون الربع قائما مقام الکل شرعا، وجعلوه حکما کلیا فی أکثر المواضع كما لا يخفى، فلا يرد عليهم ما أورده ابن الهمام رحمه الله تعالى من فساد قياس الحلق على المسح ونحوه، قاله الشيخ، قال: ولا سيما وقد اتفقت الأئمة على أنه يجزئ فى الحلق قدر ما يجزئ فى باب المسح فى الوضوء، كما صرح به ابن الهمام نفسه، واتفاقهم على القياس الفاسد بعيد بالمرة فافهم. قال الشيخ: وأما كون قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مجملا أو مطلقا فمداره على ذوق المجتهد، فمن ظنه مجملا جعل حديث المغيرة بيانا له، ومن جعله مطلقا أجراه على إطلاقه. وقال بكفاية مسح شعرة أو شعرتين، ولم يجعل الحديث بيانا له، بل عده من العمل بإطلاقه، والفرق بين الإطلاق والإجمال عسير غير يسير، لا يهتدى إليه إلا المجتهد، والله تعالى أعلم انتهى. قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. دلالته على كون الحلق أو التقصير واجبا بما مر عن "المعنى" من تقريرها ظاهرة وفيه أيضا أن التقصير يجزئ عن الحلق، وهو مجمع عليه، إلا ما روى عن الحسن البصرى: أن الحلق يتعين فى أول حجة، حكاه ابن المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه، قال ابن أبى شيبة: حدثنا عبد الأعلى، عن هشام، عن الحسن فى الذى لم يحج قط: فإن شاء حلق، وإن شاء قصر نعم روى ابن أبى شيبة عن إبراهيم النخعى، قال: إذا حج الرجل أول حجة حلق، فإن حج أخرى فإن شاء حلق، وإن شاء قصر، ثم روى عنه أنهم كانوا يحبون أن يحلقوا فى أول حجة وأول عمرة انتهى، وهذا يدل على أن ذلك للاستحباب لا لللزوم اهـ قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٤٩:٣). ٠١,٤ ١٧٧ وجوب الحلق أو التقصير فى الحج والعمرة إعلاء السنن ٢٧٦٦- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله: ((ليس على النساء الحلق، إنما على النساء التقصير)). رواه أبو داود، والدارقطنى، والطبرانى، وقد قوى إسناده البخارى فى "التاريخ"، وأبو حاتم فى "العلل"، وحسنه الحافظ، وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المورق فأصاب. "نيل الأوطار" (٢٩٦:٤). ٢٧٦٧- عن على: نهى رسول الله عَ ◌ّه أن تحلق المرأة رأسها. زاد رزين: فى الحج والعمرة، وقال: (إنما عليها التقصير)). "جميع الفوائد (١-١٨٦) أخرجه الترمذى والنسائى، وثرواته موثقون إلا أنه اختلف فى وصله وإرساله. "دراية" (٢٠٢). ٢٧٦٨ - عن ابن عمر قال فى الأصلع: يمر الموسى على رأسه. رواه الدارقطنى وسكت عنه هو وصاحب "التعليق المغنى" والإسناد لا بأس به، وفيه عبد الكريم بن روح مختلف فيه، وثقه ابن حبان، وضعفه آخرون. "تهذيب (٢٧٠:١). قوله: "عن ابن عباس" وقوله: "عن على" إلخ، قلت: دلالتهما على وجوب التقصير على النساء ونهيهن عن الحلق ظاهرة، وقد مر عن "المغنى": أن ذلك مجمع عليه. وقال الحافظ فى "الفتح": وأما النساء فالمشروع فى حقهن التقصير بالإجماع، وفيه حديث لابن عباس وعلى، فذكرهما، ثم قال: وقال جمهور الشافعية: لو حلقت رأسها أجزأها ويكره، وقال القاضيان أبو · الطيب وحسين: لا يجوز، والله أعلم. قال: واستدل بقوله: (اللهم اغفر) للمحلقين على مشروعية حلق جميع الرأس؛ لأنه الذى تقتضيه الصيغة، وقال بوجوب حلق جميعه مالك، وأحمد، واستحبه الكوفيون، والشافعى، ويجزئ البعض عندهم، واختلفوا فيه، فعن الحنفية الربع إلا أبا يوسف، فقال: النصف، وقال الشافعى: لْقِل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفى وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة اهـ (٤٥٠:٣). قلت ولم أقف على خلاف أبى يوسف فى الربع» وقوله بإيجاب النصف، فى كتب الفقه للأحتاف إلا ما ذكره العينى فى العمدة القارى (٤ - ٧٤٠) مثل ما ذكره الحافظ فى "الفتح" والله تعالى أعلم. ٠ ١٧٨ ج - ١٠ أبواب رمى الجمار وآدابه باب جمرة العقبة يوم النحر ضحى ورمى الجمار الثلاث فى سائر الأيام بعد الزوال ٢٧٦٩ - عن جابر: أن النبى معَّه رمى الجمرة يوم النحر ضحى(١) ثم لم يرم فى سائر الأيام حتى زالت الشمس. رواه مسلم من حديث أبى الزبير عنه معنعنا، وعلقه البخارى، ورواه أبو ذر الهروى فى "مناسكه" من حديث أبى الزبير، قال: سمعت جابرا. ورواه الحاكم فى "المستدرك" من حديث ابن جريج، عن عطاء، عن جابر نحوه، ووهم فى استدراكه. "التلخيص الحبير" (٢١٩:١). أبواب رمي الجمار وآدابه باب رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى ورمي الجمار الثلاث فى سائر الأيام بعد الزوال قوله: "عن جابر" إلخ. واعلم أنه لا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة وحدها، لا نعلم فيه خلافا، لأنه عٍَّ لم يرم فى هذا اليوم إلا هذه الجمرة. قال الترمذى: ولا يرمى يوم النحر إلا جمرة العقبة. إهـ (١- ١٠٩). وهذا إجماع من أهل العلم لم يختلف فيه اثنان، واختلفوا فى أول وقتهِ، فعندنا من طلوع الشمس يوم النحر إلى ما قبل الزوال وقت الفضيلة، ومن الزوال إلى ما. قبل غروب الشمس وقت الجواز بلا كراهة، ويجوز فى الليل إلى طلوع الفجر بكراهةٍ، من غير إيجاب دم، فإن أخره ولم يرم إلى أن مضت الليلة بعد يوم النحر وجب عليه دم عند أبى حنيفة رحمه الله خلافا لهما، كذا فى "البدائع" (١٣٧:٢). قال ابن قدامة فى "المغنى": ولرمى هذه الجمرة وقتان: وقت فضيلة، ووقت إجزاء. أما وقت الفضيلة فبعد طلوع الشمس، قال ابن عبد البر: أجمع علماء المسلمين على أن رسول الله ربّ إنما رماها ضحى ذلك اليوم، وإن كان رماها بعد طلوع الشمس يجزئ بالإجماع، وكان أولى، وأما وقت الجواز فأولَه نصف الليل من ليلة النحر، وعن أحمد: أنه يجزئ بعد الفجر قبل طلوع الشمس، وهو قول مالك، وأصحاب الرأى، وإسحاق، وابن المنذر. قال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها فى وقت لها، وإن لم يكن ذلك مستحبا لها: فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد، وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق. (١) قال المنذرى: يريد جابر أن يوم النحر لا رمى فيه غير جمرة العقبة، وأما أيام التشريق فلا يجوز الرمى فيها إلا بعد الزوال، وعليه الجمهور، انتهى من"نصب الراية" (١ - ٥١٠). ١٧٩ رمى الجمار وادابه إعلاء السنن ٢٧٧٠- عن وبرة، قال: سألت ابن عمر رضى الله عنهما: متى أرمى الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه، فأعدت عليه المسألة، قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس زمينا. رواه البخارى، وزاد ابن عيينة عن مسعر بهذا الإسناد: فقلت له: أرأيت إن أخر إمامى أى الرمى؟، فذكر له الحديث."فتح البارى" (٣-٤٦٣). ورواه محمد فى "الموطأ" (٣٢٩) عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، بلفظ: أنه كان يقول: لا ترمى الجمار حتى تزول الشمس فى الأيام الثلاثة التى بعد يوم النحر اهـ. وقال الشافعى، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرمى ليلا؛ لقول النبى عربيّ: ((ارم ولا حسرج)». اه مختصرا (٣: ٤٤٩ و ٤٥٠). قلت: قد تسامح رجمه الله فى نقل مذهب أبى حنيفة، ففى"غنية الناسك": ولرمى جمرة العقبة فى هذا اليوم أربعة أوقات: فوقت الجواز أداء من طلوع الفجر يوم النحر -فلا يصح قبله -. إلى طلوع الفجر من غده، فإذا طلع فات وقت الأداء، ولزم الدم والقضاء، ويسن من طلوع الشمس إلى الزوال، ثم يباح إلى الغروب، وقيل: يكره ويكره من الغروب إلى الفجر، وكذا قبل. طلوع الشمس، وهذا عند عدم العذر، فلا إساءة برمى الضعفة قبل طلوع الشمس، ولا برمى الرعاة ليلا. كذا فى "الفتح". (٩١). وقال فى"المحيط": أوقات رمى جمرة العقبة ثلاثة: مسنون بعد طلوع الشمس، ومباح بعد زوالها، ومكروه وهو الرمى بالليل، ولو لم يرم حتى دخل الليل فعليه أن يرميها فى الليل، ولا شىء عليه. وعن أبى يوسف - وهو قول الثورى: لا يرمى فى الليل وعليه دم، ولو لم يرم فى يوم النحر حتى أصبح من الغد رماها، وعليه دم عند أبى حنيفة خلافا لهما. اهـ من "عمدة القارى". (٤- ٧٦٥). ودلالة حديث جابر على جواز رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى، وعلى رمى سائر الجمرات بعده بعد الزوال ظاهرة. قلت: ودل على جواز رمى الجمرة ذات العقبة فى الليل ما سيأتى عن ابن عمر مرفوعا: رخص رسول الله عَ لرعاء الإبل أن يرموا بالليل. أى بالليلة المقبلة. وفيه أن الفيل وقت للرمى أيضا؛ ولكنه وقت مكروه. لا يجوز تأخيره إليه إلا بعذر، فإن أخره إلى الليل بلا عذر أجزأه وقد أساء، وإن أخره إلى الغد لزمه دم. قوله:"عن وبرة" إلخ، دلالته على وجوب الرمى بعد الزوال ظاهرة. والمراد رمى الجمار الثلاث فى أيام التشريق بعد يوم النحر، فإن قوله:" كنا نتحين" دليل على أن وقت الرمى فى هذه ١٨٠ ج - ١٠٠ رمی الجمار وآدابه ٢٧٧١ - عن سالم: أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على كل إثر حصاة، ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الجمرة ذات العقبة من بطن الوادى، ولا يقف ويقول: هكذا رأيت النبى حرّ له يفعله. رواه البخارى. والقيام الطويل قد وقع تفسيره فيما رواه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح عن عطاء: كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ سورة البقرة. "فتح البارى" (٣-٤٦٦). الأيام إذا زالت الشمس لا قبله. قال فى "النيل": قوله: حين زالت الشمس. وكذا قوله فى حديث عائشة: إذا زالت الشمس. وقوله فى حديث ابن عمر: فإذا زالت الشمس رميناها. هذه الروايات تدل على أنه لا يجزئ رمى الجمار فى غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس، بل وقته بعد زوالها، کما فى البخاری وغيره عن جابر: أنه مګ رمی يوم النحر ضحی، ورمی بعد ذلك بعد الزوال، وإلى هذا ذهب الجمهور اهـ. (٣٠٨:٤). قوله: "عن سالم" إلخ، قلت: دلالته على آداب رمى الجمار من الوقوف بعد الجمرتين، ورفع اليدين للدعاء مع قيام طويل وتضرع، منحنيا عن الطريق مسهلا، وعدم الوقوف بعد رمى الثالثة منها ظاهرة. وقد رأيت سيدى الشيخ مولانا الخليل قدس سره قد أتى بتلك الآداب كلها يجد واجتهاد حين حج سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة وألف من الهجرة النبوية، فكان رحمه الله أشد الناس ابتاعا للسنة، وأكثرهم اجتهادا فى العمل بجميع الآداب الثابتة فى المناسك وغيرها. قال الحافظ فى "الفتح": قال ابن قدامة: لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفا. إلا ما روى عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، فقال ابن المنذر: لا أعلم أحدا أنكر رفع اليدين فى الدعاء عند الجمرة إلا ما حكاه ابن القاسم عن مالك اهـ. ورده ابن المنير بأن الرفع لو كان هنا سنة ثابتة ما خفى عن أهل المدينة. وغفل رحمه الله تعالى عن أن الذى رواه من أعلم أهل المدينة من الصحابة فى زمانه، وابنه سالم أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، والراوى عنه ابن شهاب عالم المدينة، ثم الشام فى زمانه. فمن علماء المدينة إن لم يكونوا هؤلاء؟ والله المستعان أهـ (٣ - ٤٦٥) وقال ابن قدامة فى "المغنى": وإن ترك الوقوف عندها أى عند الجمار والدعاء ترك السنة ولا شيء عليه، وبذلك قال الشافعى، وأبو ثور، ولا نعلم فيه مخالفا إلا الثورى قال: يطعم