Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
ج - ١٠
حكم الوقوف بمزدلفة
وضعف. "فتح البارى" (٣- ٤٢١) وفى سند الطحاوى إسماعيل بن عبد الملك بن أبى
الصفير، وهو صدوق يخطئ، وهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى. وروى ابن حبان
بعد مغيبه؛ لعدم جواز الدفع قبل نصف الليل، بل يحتمل أن يكون تأخيرها لأمر آخر سواه، ولا
يجوز توقيت المناسك بمجرد الاحتمال، وإن قيدت بالاحتمال فلتقيد بمغيب القمر دون نصف
الليل، فإن مغيب القمر هو المصرح به فى حديث أسماء. وأما نصف الليل فلم يرد التصريح به فى
شىء من الروايات. وأيضا فإن هذه الأحاديث كلها فى حق الضعفة من النساء والصبيان، ويجوز
تقديمهم فى أول الليل ووسطه بلا خلاف كما قال ابن قدامة. ولا بأس بتقديم الضعفة والنساء،
وممن كان يقدم ضعفة أهله عبد الرحمان بن عوف، وعائشة. وبه قال عطاء، والثورى والشافعى،
وأبو ثور، وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه مخالفا اهـ. (٣- ٤٤٣). فكيف يستقيم بها الاستدلال
على عدم جواز الدفع قبل نصف الليل لمن ليس به عذر أصلا؟ وإلا لزم الاستدلال على التقييد بما
لیس بمقید فافهم.
فإن قيل: فما دليل الحنفية على تقييدهم وقوف المزدلفة بما بين طلوع الفجر إلى الإسفار
جدا؟ قلنا: دليل ذلك وقوفه مَّ له ووقوف الأئمة بعده فى هذا الوقت، فقد تقدم عن ابن عباس فى
باب بيان الموقف بعرفة والمزدلفة أن رسول الله عَّه قال حين وقف بعرفة: "هذا الموقف وكل عرفة
موقف"، وقال حين وقف على قزح: "هذا الموقف وكل المدلفة موقف)): ولا شك فى أنه قد
وقف على قزح بعد صلاة الصبح لا قبلها، وقد تقدم عن على رضى الله عنه أيضا قال: لما أُصبح
رسول الله مَّ بالمزدلفة غدا فوقف على قزح، ثم قال: "هذا الموقف وكل المزدلفة موقف"، حتى
إذا أسفر دفع وكذا عن ابن مسعود: أنه صلى الصبح بجمع، حين تبين له الصبح، ثم وقف حتى
أسفر، وكذا عن عمر رضى الله عنه، أنه صلى الصبح بجمع ثم وقف، ذكرنا كلها فى الباب الذى
قبل هذا الباب، و کذا هو فى حديث جابر رضى الله عنه مرفوعا عند مسلم وأبى داود.
وفى كل ذلك دلالة على أن المبيت بمزدلفة قبل الصبح ليس من الوقوف فى شىء، وإلا يعبر
عنه الرواة بالوقوف دون المبيت والنزول، فلما لم يعبروا مبيته ونزوله بالمزدلفة بلفظ الوقوف،
وقالوا: إن رسول الله عَ لّه وقف بها بعد ما صلى الفجر دل على أن نزوله بالمزدلفة قبل الصبح
كان ليتيسر له الوقوف فى أول وقته، ولم يكن ذلك من الوقوف فى شىء. وأصرح من ذلك كله
ما فى حديث عروة بن مضرس من قوله معدّ لله: ((من أدرك معنا هذه الصلاة، ووقف معنا حتى
يدفع)). الحديث، فإنه صريح فى أن وقت الوقوف بمزدلفة إنما هو من بعد طلوع الفجر إلى طلوع

١٤٢
حكم الوقوف بمزدلفة
إعلاء السنن
فى الثقات عن ابن عباس: أن النبى عَّ ◌ُلِّ قدم ضعفة بنى هاشم وصبيانهم بليل اهــ عمدة
القارئ (٦٩٠:٤).
الشمس، كما وقع التنبيه منا على ذلك، ولم يفرق العلامة ابن القيم بين المبيت بمزدلفة، وبين
الوقوف بها، فقال: إن سول الله عَ ليه إنما قد مهن أى الضعفة من أهله بعد المبيت بمزدلفة، وذكر الله
تعالى بها، لصلاة عشاء الآخرة. والواجب هو ذلك اهـ (١ - ٢٣٤) والعجب منه أنه كيف يجعل
ذلك هو الواجب؟ وقد احتج على كون الوقوف بمزدلفة والمبيت بها ركنا بحديث عروة بن
مضرس، وهو صريح فى أن تمام الحج متعلق بالوقوف فى وقت وقف فيه النبى معَّه بمزدلفة، وهو
من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فإن شهود الصلاة صلاة الفجر ليس بقيد إجماعا كما تقدم.
فإن قيل: فقد صح عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند
المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإمام،
وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك. رواه البخارى (٣-
٤٢٠ مع "الفتح") فجعلهم واقفين عند المشعر الحرام بليل مع دفعهم من مزدلفة قبل الفجر، وفيه
دليل لمن يصحح الوقوف بمزدلفة بليل. قلنا: لا دليل فيه على رجوعهم من مزدلفة قبل الفجر،
وغاية ما فيه أنهم كانوا يرجعون قبل وقوف الإمام وقبل دفعه. وهذا يحتمل رجوعهم بعد طلوع
الفجر، وأما قوله: "فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر" يحتمل أن يكون معناه عند طلوع الفجر،
ويحتمل فى وقت صلاة الفجر، أى قبل طلوع الشمس فى الإسفار. "ومنهم من يقدم بعد ذلك"،
أى عند طلوع الشمس أو بعده بقليل قبل أن تصيبهم دفعة الناس، وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال.
وقال الجصاص فى "أحكام القرآن" له: وقت الوقوف بها بعد طلوع الفجر، وقد نقل الناس
وقوفه عَّ بيها بعد طلوع الفجر، ولم يأمر النبى معَ ◌ّ ضعفة أهله بالوقوف حين عجلهم منها ليلا،
ولو کان ذلك وقت الوقوف لأمرهم به، ولم یرخص لهم فی ترکه مع إمكانه من غير عذر؛ وما
روى عن ابن عمر فإنما هو من فعله ليس عن النبى معَّ له، ولم يقل اين عمر أيضا: إن هذا وقت
الوقوف، وإنما كان ذلك على وجه الاستحباب للذكر قبل الرجوع إلى منى، ويدل على أن وقت
الوقوف بعد طلوع الفجر أنا وجدنا سائر أفعال المناسك إنما وقتها بالنهار، والليل يدخل فيه على
وجه التبع على ما بينا إهـ. (١ - ٣١٤). وإنما أشبعت الكلام فى هذا المقام لكونه من مزال الأقدام،
ومعارك الأفهام، والحمد لله الملك العلام، على ما وهب لى من جزيل الآلاء والإنعام.

١٤٣
ج - ١٠
باب لا يجوز رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل طلوع الشمس
فإن رماه قبله بعد طلوع الفجر أجزأه وإلا لا وعليه إعادته فى وقته
٢٧٣٢ - عن ابن عباس: أن النبى معَّ لّه قدم ضعفة أهله، وقال: ((لا ترموا الجمرة
حتى تطلع الشمس)). أخرجه الترمذى وقال: حديث حسن صحيح (١- ١٠٩) وأبو
داود وسكت عنه بلفظ: كان رسول الله يقدم ضعفاء أهله بغلس، ويأمرهم يعنى لا
يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس. (١-٢٧٥). قال ابن القيم فى "زاد المعاد"
وأخرج أبو حنيفة الإمام رحمه الله عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب رضى الله
عنه أنه بينا هو واقف بجمع إذ أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين قدمت الساعة وأنا مهل بالحج، فقال
له عمر: أ تهتدى إلى عرفات؟ قال: لا، فأرسل معه رجلا وقال: انطلق به إلى عرفات، فليقف بها،
ثم أعجل على أتم العجل، فإنى جالس الناس عليك، فلما أصبح عمر رضى الله عنه وقف بالناس،
فقال: هل جاء الرجل؟ فسلم يزل واقفا بالناس حتى جاء الرجل، وأفاض الرجل وأفاض الناس معه.
"جامع مسانيد الإمام" (١- ٥٢١). وفى قوله: "ثم أعجل على أتم العجل فإنى جالس الماس
عليك" دليل على وجوب الوقوف بمزدلفة، وإلا لم يحبس الناس له، ولم يعتن به بمثل هذا الاعتناء،
فإنه ليس ذلك إلا من شأن الواجبات دون السنن. وفيه دليل أيضا على أن وقت الوقوف بجمع إنما
هو من بعد الفجر إلى طلوع الشمس، ولو كان جميع الليل وقتا له لاكتفى عمر بكينونة الرجل
بمزدلفة ساعة من الليل قبل الفجر، وقد كان فعل ذلك، ولم يحبس الناس لأجله حين وقف بعد ما
صلى الصبح، ولم يسئل الناس: هل جاء الرجل؟ هل جاء الرجل؟ فافهم.
باب لا يجوز رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل طلوع الشمس
فإن رماه قبله بعد طلوع الفجر أجزأه وإلا لا وعليه إعادته فى وقته
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قال الحافظ فى "الفتح": هو حديث حسن، أخرجه أبو داود،
والنسائى، والطحاوى، وابن حبان، من طريق الحسن العرنى - وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها
نون- عن ابن عباس. وأخرجه الترمذى، والطحاوى، من طرق عن الحكم، عن مقسم، عنه.
وأخرجه أبو داود من طريق حبيب، عن عطاء. هذه الطرق يقوى بعضها بعضا، ومن ثم صححه
الترمذى وابن حبان. قال الحافظ: وإذا كان من رخص له منع أن يرمى قبل طلوع الشمس، فمن لم
يرخص له أولى. وقال قبل ذلك بأسطر: واستدل بهذا الحديث (أى حديث أسماء) على جواز

١٤٤
أحكام رمى جمرة العقبة
إعلاء السنن
(١- ٢٣٢): حديث صحيح، صححه الترمذى وغيره.
٢٧٣٣ - عن ابن عباس أيضا، قال: قدمنا رسول الله عَّ له ليلة المزدلفة أغيلمة بنى
عبد المطلب على حمرات، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول: ((أبنى، لا ترموا الجمرة حتى
تطلع الشمس)). قال أبو داود: اللطخ الضرب اللين. أخرجه هو وسكت عنه، وأخرجه
أحمد بلفظ: على حمرات لنا من جمع. وبلفظ: أى بنى. ذكره ابن القيم فى "زاد
المعاد" (١-٢٣٣)، وقال: وهو محفوظ بذكر القصة فيه اهـ.
الرمى قبل طلوع الشمس عند من خص التعجيل بالضعفة، وعند من لم يخصص، وخالف فى ذلك
الحنفية فقالوا: لا يرمى جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، فإن رمى قبل طلوع الشمس وبعد
طلوع الفجر جاز. وإن رماها قبل الفجر أعادها، وبهذا قال أحمد، وإسحاق، والجمهور، وزاد
إسحاق: ولا يرميها قبل طلوع الشمس، وبه قال النخعى، ومجاهد، والثورى، وأبو ثور. ورأى
جواز ذلك قبل طلوع الفجر عطاء، وطاوس، والشعبى، والشافعى.
واحتج الجمهور بحديث ابن عمر (وهو المذكور فى المتن بعد). واحتج الشافعى بحديث
أسماء (وهو ما رواه البخارى واللفظ له، ومسلم، وأحمد، وأبو داود، ومالك، والطحاوى،
وغيرهم عن ابن جريج: حدثنى عبد الله مولى أسماء، وعند أبى داود: عن ابن جريج، عن عطاء:
أخبرنى مخبر عن أسماء. وعند مالك: عن عطاء: أن مولى أسماء أخبره عن أسماء: أنها نزلت ليلة
جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: لا،
فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني! هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، فمضينا
حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلا قد
غلسنا، قالت: يا بني! إن رسول الله عّ لّ أذن للظعن اهـ). قال الحافظ: ويجمع بینه وبین حدیث.
ابن عباس بحمل الأمر فى حديث ابن عباس على الندب، ويؤيده ما أخرجه الطحاوى من
طريق شعبة - مولى ابن عباس - عنه، قال: بعثنى النبى معَّ مع أهله، وأمرنى أن أرمى مع
الفجر اهـ. (٣٢١:٣ و٣٢٢).
قلت: لا يصح الاستدلال بحديث أسماء على جواز الرمى قبل الفجر؛ لاختلاف الرواة فى
ألفاظه، ففى رواية مالك: لقد جئنا منى بغلس، وفى رواية داود العطار: لقد ارتحلنا بليل، وفى رواية
أبى داود: قلت: إنا رمينا الجمرة بليل وغلسنا. ذكر كله الحافظ فى "الفتح" أيضا (٣- ٣٢٢)،
وليس شىء من ألفاظه بصريح فيما ذهب إليه الشافعى إلا لفظ أبى داود، ولا حجة فيه؛ فإنه عن
جز
فا
غيـ
9
F
€

١٤٥
أحكام رمى جمرة العقبة
ج - ١٠
٢٧٣٤- عن ابن عمر رضى الله عنهما: أنه كان يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند
المشعر الحرام بالمزدلفة بليل، فيذكرون الله عز وجل ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف
عطاء، أخبرنى مخبر عن أسماء، والشافعى ومن وافقه من المحدثين لا يحتجون بمثل هذا الإسناد
المجهول. وإن سلمنا فنقول: أطلق الليل على أول الفجر، والمراد رمينا الجمرة بغلس، يدل عليه قوله : .
وغلسنا. ولفظ البخارى كالصريح فى أنها صلت الصبح عقيب رجوعها من الرمى، فالظاهر ما
قلنا وأيضا فلفظ البحارى مشعر بعدم جزم مولاها بكونها رمت بغلس، فإنه قال: يا هنتاه! ما أرانا
إلا قد غلسنا ولا يقال بمثل هذا الكلام إلا إذا كانت قد رمت فى وقت يقول قائل: قد طلع الفجر،
وقائل يقول: لم يطلع الفجر، وإذا كان كذلك فلا يستقيم به الاستدلال على جواز الرمى قبل
الفجر، والراوى شاك فيه.
فإن قيل: قد رواه مسلم بالجزم بلفظ: فقلت لها: لقد غلسنا. قلنا: هذا من الاختصار فى
الرواية من بعض الرواة، والذى زاد: "ما أرانا" أتى بالحديث على وجهه فافهم. ثم راجعت
"الجوهر النقى" فوجدته قد سبقنى إلى الوجه الذى بينته فى حديث أسماء، وهذا نصه. وليس فى
حديث أسماء المذكور تنصيص أنها رمت قبل الفجر؛ لأن ما بعد الفجر يسمى أيضا غلسا، فتحمل
أنها رمت عند ذلك، وأخرت الصلاة قليلا فصلت فى منزلها، ولو نص فى هذا الحديث أنها رمت
قبل الفجر لم يدل على الجواز بعد نصف الليل، فمن أين للبيهقى هذا القيد اهـ. (١- ٣٤٥).
واستدل ابن المنذر بحديث أسماء هذا على إسقاط الوقوف بالمشعر الحرام عن الضعفة،
ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣- ٤٢٢) وهو كما قال؛ فإن أسماء قد ارتحلت عن المزدلفة بليل
حتما، وأخبرت أن رسول الله عَّةٍ أذن للفعن. وقد ذكرنا أن وقت الوقوف بها من طلوع الفجر
إلى طلوع الشمس، ولم تكن حين مطلع الفجر إلا بمنى، لم تختلف الرواة فى ذلك أصلًا، وإن *
"كانوا قد اختلفوا فى وقت رميها، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: دلالته على جواز الرمى قبل طلوع الشمس للضعفة
ظاهرة، ولا دلالة فيه على صحة الوقوف بمزدلفة ليلا كما تقدمت الإشارة إليه، وجواز الرمى
للضعفاء يستلزم إجزاءه للأصحاء أيضا، لكن مع الإساءة فى حقهم، وبدونها فى حق الضعفاء، فإن
الضعيف لا يجوز له الإتيان بفعل فى غير وقته مقدما. ومن ادعى ذلك فليأت ببرهان عليه.
فإن قيل: إن حديث ابن عباس الذی بدأت به الباب صریح فی نهى النبی عید عن رمى

١٤٦
أحكام رمى جمرة العقبة
إعلاء السنن
الإمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم منى لصلاة الفجر، ومننهم من يقدم بعد ذلك،
فإذا قدم رموا الجمرة، وكان ابن عمر رضى الله عنهما يقول: أرخص فى
أولئك رسول الله عَّ له. رواه البخارى. "فتح البارى" (٤٢٠:٣).
الجمرة قبل طلوع الشمس للضعفاء أيضا، فيقدم على حديث ابن عمر هذا، لكونه غير صريح مثله
فى جواز الرمى قبل طلوعها كما لا يخفى. قلنا: نعم! ولكن الروايات عن ابن عباس مختلفة. فقد
روى البيهقى والطحاوى عنه بسند صحيح بلفظ: كان رسول الله ◌ّ له يأمر نساءه وثقله فى
صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد. وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين. تقدم ذكره فى
باب وجوب الوقوف بمزدلفة فى حاشية الکتاب.
وأخرج الطحاوى من طريق شعبة - مولى ابن عباس- عنه: بعثنى النبى م ◌ُلي مع أهله،
وأمرنى أن أرمى مع الفجر. ذكره الحافظ فى "الفتح". وقد ذكرناه آنفا، وهذا من القول أيضا، فإما
أن يؤخذ بما هو المحفوظ من رواياته. وهو قوله: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))، وقد صرح
بكونه محفوظا العلامة ابن القيم كما ذكرناه فى المتن، ويؤول قوله: وأن لا يرموا الجمرة إلا
مصبحين، أن المراد بالإصباح هو طلوع الشمس، ففى هذا الحديث أن رسول الله مرّ أمرهم
بالإفاضة مع أول الفجر، فدل ذلك على أن الوقت الذى أمرهم بالرمى فيه ليس طلوع الفجر، بل
الإصباح الذى بعد ذلك، وهو إما الإسفار، وإما طلوع الشمس، احتمالان، والراجح الثانى؛
لأنه قد تواتر عن ابن عباس بأمر رسول الله عَ ◌ّه إياهم على ما ذكرنا، أى بالرمى بعد طلوع
الشمس والنهى عنه قبله، قاله الطحاوى (٤١٣:١).
التنبيه على سهو الحافظ فى "الفتح"
ويقال فى حديث شعبة مولى ابن عباس: إنه ليس بقول، بل هو من حكاية الفعل، ولفظ
الطحاوى ليس كما حكاه الحافظ عنه فى "الفتح"، بل لفظه: كنت فيمن بعث به النبى عَ ◌ّه يوم
النحر، فرمينا الجمرة مع الفجر. قال الطحاوى: ولم يذكر ابن عباس فى حديث شعبة مولاه أنهم
رموا الجمرة بأمر رسول الله عَّ إياهم بذلك، وقد يجوز أن يكونوا فعلوا ذلك بالتوهم منهم أنه
وقت الرمى لها، ووقته فى الحقيقة غير ذلك اهـ. (٤١٢:١)، فاللفظ الذى حكاه الحافظ عنه قد
وقع فيه سهو منه أو من الناسخين، فلا حجة فيه، فإن الفعل لا يقاوم القول، لا سيما وهو من فعل
الصحابة، لا من فعل النبى ◌ّ له، فيحتمل الوجوه كما قاله الطحاوى.

١٤٧
أحكام رمى جمرة العقبة
ج - ١٠
وإما(١) أن يجمع بين الروايات كلها بأنه عّ لّه قال مرة: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))
لبيان وقت الأداء كاملا، ومرة: ((لا ترموا الجمرة إلا مصبحين)) أى مسفرين لبيان وقت الأداء
إجزاء، وهذا أولى لما قد عرفت فى حديث أسماء أنها رمت الجمرة فى غلس، ولا شك فى كونها
قد رمت قبل طلوع الشمس، والمشكوك إنما هو رميها قبل طلوع الفجر، وقالت: إن رسول الله
◌ّ أذن للظعن. ويدل على ذلك حديث ابن عمر أيضا؛ فإن الظاهر المتبادر منه أن الذين كانوا
يقدمون منى لصلاة الفجر كانوا يرمون الجمرة إذا قدموا، أى قبل طلوع الشمس، وقال: ارخص
فى أولئك رسول الله عَّ ه. والتوفيق بين الروايات بقدر الإمكان أولى من إعمال واحد منها
وإهمال غيره.
قال فى "البدائع" (٢-١٣٧) والصحيح قولنا: إن أول وقت الرمى من يوم النحر ما بعد
طلوع الفجر الثانى؛ لما روى عن النبى عدّ له: ((لا ترموا جمرة العقبة حتى تكونوا مصبحين)). فإن
قيل: قد روى أنه قال: ((لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس))، وهذا حجة سفيان. فالجواب أن ذلك
محمول على بيان الوقت المستحب، توفيقا بين الروايتين بقدر الإمكان، وبه نقول: إن المستحب
ذلك اهـ. قلت: بل نقول: إن ذلك هو المسنون مؤكدا، ومن رمى الجمرة يوم النحر قبل طلوع
الشمس فقد أساء، وأتى بالأمر المكروه الذى لا يجوز له، اللهم إلا أن يكون به عذر، فلا إساءة ولا
كراهة فى حقه، صرح بذلك فى "غنية الناسك" نقلا عن "الفتح" (٩١). وقال الطحاوى فى
"شرح معاني الآثار" له وهو أعلم الناس بمذهب الحنفية ومذاهب العلماء: إنه لا ينبغى لهم أن
يرموها حتى تطلع الشمس، فإن رموها قبل ذلك أجزاهم وقد أساءوا، قال: وهو قول أبى حنيفة
وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى اهـ (١- ٤١٢ و٤١٣). وقال ابن المنذر فى "الإشراف":
لا يجزئ الرمى قبل طلوع الفجر بحال، إذ فاعله مخالف ما سنه الرسول عرّ لآه لأمته، ولو رمى بعد
طلوع الفجر قبل طلوع الشمس لا يعيد، إذ لا أعلم أحدا قال: لا يجزيه. ولو اختلفوا فيه لأوجبت
الإعادة اهـ من "الجوهر النقي" (١- ٣٤٥).
التنبيه على سهو الحافظ فى "الفتح" فى نقل كلام ابن المنذور
قلت: وقد وقع من الحافظ فى "الفتح" سهو فى نقل كلام ابن المنذر هذا، فإنه ذكره
(١) عطف على قوله: فإما أن يؤخذ بما هو المحفوظ إلخ.

١٤٨
أحكام رمى جمرة العقبة
إعلاء السنن
مختصرا بحيث تغير معنى كلامه، وأوهم إجراء الرمى قبل طلوع الفجر، وعدم وجوب الإعادة
عليه حينئذ، والصحيح ما نقله صاحب "الجوهر النقى"، يدل عليه قول ابن المنذر: إذ لا أعلم أحدا
قال: لا يجزئه، وهذا إنما يصح فى الرمى بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس، وأما الرمى قبل ..
طلوع الفجر فقد قالت الحنفية وأحمد، وإسحاق، والجمهور بعدم إجزائه، وبوجوب إعادته، كما.
ذكره الحافظ نفسه (٣- ٤٢٢). وهذا مما لا يكاد يخفى على مثل ابن المنذر مع غزارة علمه
وسعة نظره فى مذاهب العلماء وأقوال المجتهدين.
وقد استدل البيهقى رحمه الله للشافعى ومن وافقه فى جواز رمى جمرة العقبة قبل الفجر
بحديث عائشة رضى الله عنها: أرسل رسول الله عَ ليه بأم سلمة يوم النحر، فرمت الجمرة قبل
الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذى يكون رسول الله عَ لّه يعنى عندها. رواه أبو
داود. قال الحافظ فى "الدراية": إسناده صحيح اهـ (١٩٦). وهو حديث منكر أنكره الإمام أحمد
وغيره كما فى "زاد المعاد" (١- ٢٣٢).
وأطال ابن القيم الكلام فى هذا الحديث بأبسط ما يكون، قال: وروى الخلال: أنبأنا على بن
حرب، ثنا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبى داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: أخبرتنى
أم سلمة، قالت: قدمنى رسول الله عَ لّه فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم
مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. قلت: سليمان بن أبى داود هذا هو
الدمشقى الخولاني، ويقال: ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس
بشىء. وقال عثمان بن سعيد: ضعيف أهـ (٢٣٣:١).
قلت: سليمان هذا ليس هو الخولانى الدمشقى الدارانى؛ فإنه ليس بضعيف ولا متروك، فقد
وثقه ابن حبان، وقال: ثقة مأمون، وسليمان بن داود اليمامى لا شىء وجميعا يرويان عن الزهرى
قال البيهقى: وقد أثنى على سليمان (داود الخولاني الدارانى) أبو زرعة وأبو حاتم، وعثمان بن
سعيد، وجماعة من الحفاظ. اهـ من "التهذيب" (٤- ١٩٠). بل هو سليمان بن داود اليمامى أبو
الجمل، قال الحافظ فى "اللسان": وبعض الناس أخطأ حيث خلطه بمن قبله، يعنى بالخولانى الذى
أخرج له النسائى، وهو الذى قال فيه ابن معين: ليس بشىء وقال البخارى: منكر الحديث. وقد مر
لنا أن البخارى قال: من قلت فيه: منكر الحديث، فلا تحل رواية حديثه. وقال أبو حاتم: ضعيف
الحديث، منكر الحديث لا أعلم له حديثا صحيحا. كذا فى "اللسان" (٣- ٨٤). ثم وجدت فى

١٤٩
... أحكام رمى جمرة العقبة
ج - ١٠
"اللسان": سليمان بن داود الحرانى بومنة، ويقال: ابن أبى داود يروى عنه هارون بن عمران
الموصلى الذى روى عن سليمان بن أبى داود حديث أم سلمة هذا عند الخلال، وهو أيضا ضعيف،
ضعفه أبو حاتم، وقال البخارى: منكر الحديث وقال ابن حبان لا يحتج به وقال ابن القطان سليمان
لا يعرف (٣ - ٩٠).
التنبيه على خطاء ابن القيم فى خلطه سليمان بن داود الحرانى بالخولانى
فلعل الحرانى اشتبه علي ابن القيم فظنه الخولانى، والحرانى هو الذى يقال له: الجزرى كما
يفهم من "اللسان" (٣- ٨٨)، وأما الخولاني فليس من أهل الجزيرة. قال الحافظ فى "التهذيب":
أما سليمان بن داود الخولانى فلا ريب فى أنه صدوق اهـ. (٤ - ١٩٠). قلت: وقد عرفت أن أبا
زرعة وعثمان بن سعيد قد أثنيا على الخولاني، وقد نقل ابن القيم تضعيفه منهما، فالظاهر ما قلنا:
إنه اشتبه عليه بالحرانى، أو باليمامى. أو بالجزرى، فإن أبا زرعة قال فى الجزرى: إنه متروك، وفى
الحرانى: لين الحديث واليمامى: ضعفه أئمة الحديث قاطبة، لم نر توثيقه من أحد، فافهم.
وفى "الجوهر النقى": وحديث أم سلمة الذى فى الباب المذكور مضطرب سندا(١) كما بينه
البيهقى، ومضطرب أيضا متنا كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وقد ذكر الطحاوى وابن بطال فى
شرح البخارى: أن أحمد بن حنبل ضعفه، وقال: لم يسنده غير أبى معاوية وهو خطأ، وقال عروة
مرسلا: إنه عليه السلام أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة. قال أحمد: وهذا أيضا
عجب، وما يصنع النبى معَّه يوم النحر بمكة. ينكر ذلك (لأن الروايات قد تواترت بأنه مرّ له صلى
الصبح غداة النحر بمزدلفة حين تبين له الفجر، ثم وقف بها إلى أن أسفر جدا، ثم دفع منها إلى
منى، ورمى جمر العقبة ضحى. قال الطحاوى: وقد روى ابن عباس وعائشة: أن رسول الله عّ لّه
أخر طواف الزيارة إلى الليل. ثم أسنده إليهما بسند صحيح، وقال: فلما كان رسول الله عَ لّه لم
يطف طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل استحال أن يكون به إلى حضور أم سلمة إلى مكة قبل
(١) أما اضطراب إسناده فإن الضحاك بن عثمان رواه عن هشام، عن عروة، عن عائشة، عند أبى داود (١- ٢٧٥)، ورواه داود،
عن سليمان بن داود، عن بن هشام، عن أبيه، عن أم سلمة، عند الحلال كما ذكرناه، ورواه حماد بن سلمة، عن هشام، عن
عروة مرسلا عند الطحاوى، ورواه محمد بن خازم عن هشام، عن أبيه، عن زينب بنت أبى سلمة عن أم سلمة عنده أيضا،

١٥٠
أحكام رمى جمرة العقبة
إعلاء السنن
ذلك حاجة؛ لأنه إنما يريدها لأنه يومها، ولیصیب منها ما يصيب الرجل من أهله، وذلك لا يحل له
منها إلا بعد الطواف اهـ. (١- ٤١٤).
قال ابن التركمانى: وقال الطحاوى: هذا حديث دار على معاوية، وقد اضطرب فيه. فرواه
مرة هكذا يعنى كما ذكره البيهقى، ورواه مرة: أنه عليه السلام أمرها يوم النحر أن توافى معه
صلاة الصبح بمكة فهذا خلاف الأول، لأن فيه أنه أمرها يوم النحر، وهذا أشبه، لأنه عليه السلام
يكون فى ذلك الوقت حلالا، وقال أبو الوليد ابن رشد: يحتمل أن يكون فى الحديث تقديم،
وتقديره أمرها يوم النحر أن توافى صلاة الصبح بمكة كما فى الحديث الثانى، فيسقط
احتجاج الشافعى به لمذهبه الذى شذ فيه عن الجمهور أهـ. (٣٤٥:١).
واستروح سيدى الخليل فى "بذل المجهود" فى الجواب عن حديث أم سلمة بقوله: والتحقيق
أنه ليس فى الحديث دلالة على أن فعلها كان بإذن النبى معَّ له، فلا حجة فى فعلها اهـ (٣- ١٧٠).
ولا يخفى أن احتجاج الشافعى وأتباعه بهذا الحديث ليس باللفظ الذى رواه به أبو داود فقط. بل
احتجاجهم بمجموع ما رواه أبو داود وأحمد، ولفظه: حدثنا أبو معاویة، عن هشام، عن أبيه، عن
زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة: أن النبى معَّاللّه أمرها أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة. أو
نحوه، هذا كما فى "زاد المعاد" (١- ٤٣٣)، ولا يخفى أنها لا تروح إلى مكة يوم النحر إلا
لطواف الزيارة. فلما أمرها عّ لّ أن توافيه صلاة الصبح يوم النحر بمكة لا بد وأن ترمى جمرة
العقبة قبل الفجر، لما فى لفظ أبى داود والخلال، فكان ذلك بإذنه مَّه، والله أعلم.
وفى "بذل المجهود" أيضا (٣- ١٧١). قال الطيبى جواز الشافعى رمى الجمرة قبل الفجر،
وإن كان الأفضل تأخيره عنه، واستدل بهذا الحديث، وقال غيره: هذا رخصة لأم سلمة، فلا يجوز
أن يرمى إلا بعد الفجر؛ لحديث ابن عباس ١هـ. لا يقال: لا يجوز دعوى التخصيص من غير دليل
قلنا: دليله ما رواه البيهقى والطحاوى عن ابن عباس بسند صحيح مرفوعا، كان يأمر نساءه وثقله
فى صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا مصبحين ولفظ أبى
داود: لا يرمون الجمرة حتى تطلع الشمس فهذا ما كان يأمر به نساءه والضعفة من أهله، فإن ثبت
عن أم سلمة: أن رسول الله عَّ أذن لها فى الرمى قبل الفجر من بين نساءه وأهله، فلا بد أن يكون
ذلك رخصة لها دون غيرها، ووجه اختصاصها بهذه الرخصة كون يوم النحر يومها الذى يدور
فيه رسول الله عَّ إليها كما مر، والله يحض رسوله بما شاء إذا شاء، والله أعلم.

١٥١
ج - ١٠
باب الإيضاع فى وادى محسر والتقاط الحصى من مزدلفة
أو من الطريق وأن تكون سبعا كحصى الخذف ويرمى جمرة العقبة من بطن الوادى
وإن رماها من فوقها أجزأ عنه ويكبر مع كل حصاة
٢٧٣٥- عن جابر رضى الله عنه فى حديثه الطويل: فدفع قبل أن تطلع الشمس،
وأردف الفضل بن عباس حتى أتى بطن محسر، فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى
التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة، فرماها بسبع
باب الإيضاع فى وادى محسر والتقاط الحصى من مزدلفة
أو من الطريق وأن تكون سبعا كحصى الخذف ويرمى جمرة العقبة من بطن الوادى
وإن رماها من فوقها أجزأ عنه ويكبر مع كل حصاة
قوله: عن جابر: إلخ، فيه دلالة على الإسراع فى هذا الوادى، وإنما سمى محسر لأن فيل
أصحاب الفيل حسر فيه، أى أعبى وكل، قاله النووى فى شرح مسلم، قال: فهى أى تحريك الدابة
سنة من سنن السير فى هذا الموضع، قال أصحابنا: يسرع الماشى، ويحرك الراكب دابته فى وادى
محسر، ويكون ذلك قدر رمية بحجر، والله أعلم (٣٩٩:١).
قلت: وسر الإيضاع فيه القرار من مواضع نزول العذاب إلى مواضع نزول الرحمة،
وهكذا كان دأبه عَّ فى أمثال تلك المواضع، كما ورد فى الصحيحين عن ابن عمر، قال: لما مر
النبى معَّه بالحجر (أى حجر ثمود) قال: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما
أصابهم إلا أن تكونوا باكين»، ثم قنع رأسه، وأسرع السير حتى جاوز الوادى. وفى رواية: أن
الناس نزلوا مع النبى عّ لّ الحجر أرض ثمود، فاستقوا من آبارها، وعجنوا بها العجين، فأمرهم أن
يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البير التى كانت تردها الناقة إهـ
من "جمع القوائد" (١- ٢٤٤) ولا منافاة بين الروايتين فإنه جاوز واديا نزل به العذاب؛ ونزل
بواد غيرها، ونهى عن الاستقاء من الأبيار التى كان المعذبون يستقون منها، وأمر به من البير التى
كانت ناقة الله تردها فافهم.
وفى "نيل الأوطار": وليس هو (أى محسر) من المزدلفة، ولا منى، بل هو مسيل بينهما.
وقيل: إنه من منى اهـ (٤ - ٢٨٩). وفى حاشية الترمذى عن "الدر المختار": هو واد بين منى
والمزدلفة، فلو وقف به لم يجز على المشهور اهـ (١- ١٠٨). قلت: وقد أغرب صاحب "البدائع"

١٥٢
الإبضاع فى وادى محسر وكيفية الرمى
إعلاء السنن
حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، رمى من بطن الوادى، ثم
انصرف إلى المنحر، الحديث مختصر، رواه مسلم (١-٣٩٩) وأبو داود بطوله.
٢٧٣٦ - عن جابر: أن النبى معَّ لّه أوضع فى وادى محسر. وزاد فيه بشر: وأفاض
من جمع وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة. وزاد فيه أبو نعيم: وأمرهم أن يرموا بمثل
فقال: لا ينبغى الوقوف به، ولو وقف أجزءه وأساء أهـ. فإنه خلاف المشهور من مذهب الحنفية.
وفى "غاية السروجى": أنه من منى فى الصحيح، ويدل عليه خبر الصحيحين عن ابن عباس،
(وهو عن أخيه الفضل بن عباس. ولفظه؛ حتى دخل محسرا وهو من منى. "نيل الأوطار" (٤-
٢٨٨) وأول محسر من القرن المشرف من الجبل الذى على يسار الذاهب إلى منى، قال الأزرقى:
وهو خمسمائة ذراع وخمس وأربعون ذراعا، كذا فى "البحر" وغيره اهـ من "غنية الناسك"
(٨٩). ودلالة الحديث على أكثر أجزاء الباب ظاهرة ..
قوله: "عن جابر أيضاً" إلخ، دلالته على الإيضاع محسر ظاهرة، وقد اتفق العلماء على
كونه سنة السير فى هذا الموضع فرارا من محل سخطه تعالى، وفيه الأمر بالرمى بمثال حصى
الخذف، وهو محمول على الندب عند الجمهور. قال ابن قدامة فى "المعنى". ويستحب أن تكون
الحصيات كحصى الخذف لهذا الخبر، قال الأثرم: يكون أكبر من الحمص ودون البندق، وكان ابن
عمر يرمى بمثل بعر الغنم، فإن رمى بحجر كبير فقد روى عن أحمد أنه قال: لا يجزئه حتى يأتى
بالحصى على ما فعل النبى معَ ◌ّ؛ وذلك لأن النبى أمر بهذا القدر، ونهى عن تجاوزه، والأمر يقتضى
الوجوب، والنهى يقتضى فساد المنهى عنه، وقال بعض أصحابنا: يجزئه مع تركه للسنة؛ لأنه قد
رمى بالحجر، وكذلك الحكم فى الصغير أهـ. (٣ - ٤٤٦).
والجواب عن دليل أحمد أما أولا فلأن علة هذا الرمى رجم الشيطان وإهانته، كما ورد فى
الآثار عن ابن عباس رضى الله عنهما، رفعه إلى النبى عّ لّه، قال: ((لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك
عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ فى الأرض، ثم عرض له عند
الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ فى الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه
بسبع حصيات حتى ساخ فى الأرض)). قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم
تتبعون. رواه ابن خزيمة فى "صحيحه"، والحاكم واللفظ له، وقال: صحيح على شرطهما. كذا
فى "الترغيب" للمنذرى (٢٠٢).

ج - ١٠
الإبضاع فى وادى محسر وكيفية الرمى
١٥٣
حصا الخذف. وقال لعلى: ((لا أراكم بعد عامى هذا)). رواه الترمذى (١-١٠٨). وقال:
حديث جابر حديث حسن صحيح.
والرجم لا يتقيد بالحصى عرفا، بل يتأتى بكل ما هو من جنس الأرض مما يكون الرمى به
استهانة. والأصل فى الأحكام التعليل، فيجوز الرمى بالحجر، والمدر، وخلق الآجر، والطين .
والنورة، وقبضة من تراب سبع مرات نظرا إلى العلة، والرمى بالأحجار أفضل وبالحصى من حصى
الخذف أكمل؛ اتباعا لفعل النبى معَّه، ولظاهر قوله فى أحاديث الباب، ولا يجوز بالذهب،
والفضة، والحديد، والعنبر، واللؤلؤ، والمرجان، والجواهر، لأنها ليست من أجزاء الأرض، والرمى
بالنفائس لا يسمى رجما بل نتارا اهـ من "غنية الناسك" مختصراً (١٠٠).
وأما ثانيا فيمنع قوله: "إن النهى يقتضى فساد المنهى عنه"، بل المقرر عندنا عكسه، أن النهى
عن الأعمال الشرعية يقتضى صحتها مع الكراهة. كما أثبته الأصوليون منا، كما لا يخفى على من
راجع كتب الأصول، والله تعالى أعلم وأما ما رواه الثورى عن سكينة بنت الحسين أنها رمت
الجمرة ورجل يناولها الحصى، تكبر مع كل حصاة، وسقطت حصاة فرمت بخاتمها. كما فى
"المغنى": (٣- ٤٤٦). فلا حجة فيه، لجواز الرمى بغير ما هو من جنس الأرض، ما لم يثبت أن
خاتمها لم يكن من حجر وإلا فلا. وأيضا فإنه فعل تابعة لا يترك به ما نص عليه الشارع معد له وغايته
أن تكون قد رمت الجمرة بست لا بسبع، وهو جائر عندنا كما سيأتى.
قال الحافظ فى "الفتح": وقد اختلف أی فی رمى الجمار، فالجمهور على أنه واجب يجبر
تركه بدم، وعند المالكية سنة مؤكدة فيجبر. (قلت: وهذا من أمارات الوجوب عندنا) وعندهم
رواية: أن رمى جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، ومقابله قول بعضهم: إنها إنما تشرع حفظا
للتكبير، فإن تركه وكبر أجزأه حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها اهـ (٣ - - ٤٦٢) قلت: ولكن
الخلاف السابق يرفعه الإجماع اللاحق، ولا يجوز لأحد خرقه فيما بعد، وقال فى "البدائع".
ودليل وجوبه الإجماع، فإن الأمة أجمعت على وجوبه، وقول رسول الله مرّ ◌ُّه لرجل سأله: إنى
ذبحت ثم رميت: ((ارم ولا حرج)) وظاهر الأمر يقتضى وجوب العمل اهـ. (٢ - ١٣٦).
وأيضا فإن الرمى من المناسك التى أربها إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم. كما رواه
عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما فى حديث طويل. قال أفاض جبريل بإبراهيم عليهما
السلام إلى منى، وفيه ثم دفع به من (مزدلفة) إلى منى، فرمى وحلق وذبح، ثم أوحى الله عز وجل

ج - ١٠
طريقة الرمى وكيفيته
١٥٤
إلى محمد عّ: ﴿أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) رواه الطبرانى فى
"الكبير" كما فى "جمع الفوائد" (١- ١٨٣) وسكت عنه، فهو صحيح عنده على قاعدته فهذا
يدل على وجوب اتباع إبراهيم عليه السلام فى مناسكه التى قد ذكرت فى الحديث، ما لم يدل
دليل غيره على عدم وجوب شىء منها فى شريعتنا. وأما ما حكاه ابن جرير عن عائشة وغيرها فإن
مكان مجرد قياس منهم فلا حجة فيه بمعرض النص، وإن كان سماعا من النبى عدّ له فهو محتمل،
ولا يترك المتيقن بالمحتمل كما لا يخفى.
وأما ما رواه أبو داود والحاكم عن عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله عَ له: ((إنما
جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله)) زاد الحاكم "لا لغيره" كما
فى "شرح الجامع الصغير" للعزيزى (٢ - ٤٤). فليس معناه جواز الاكتفاء بالذكر عن هذه
الأفعال. بل المراد أن المقصود بالطواف والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار ليس أن يعبد البيت
أو الجبلان وغيرهما. بل المقصود إقامة ذكر الله وعظمته بهذه الشعائر والمناسك. وهذا هو المقصود
من سائر الأعمال الشرعية. وإنما خصت الثلاثة بالذكر لكونها متعلقة فى الظاهر بأشياء
محسوسة، فكانت مظنة أن يحملها القاصرون على غير محاملها، فنبه الشارع صلوات الله عليه
وسلامه على ذلك صراحة. وبين أن إقامة ذكر الله هى روح هذه الأعمال، ولا يلزمه جواز
الاكتفاء بالذكر عن هذه الأعمال؛ فإن الذكر هو روح الصلاة أيضا، قال تعالى: ﴿وأقم الصلاة
لذكرى﴾ وقال: ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾. ولا يجوز لأحد
القول بالاكتفاء بالذكر عن الصلاة؛ فإن الروح لا يستغنى عن الجسد وإن كان أفضل منه. فقوله
عَّله: ((إنما جعل الطواف بالبيت)) إلخ نظيره قول عمر رضى الله عنه لما قبل الحجر الأسود والله إنى
لأعلم أنك حجر. لا تضر ولا تنفع، ولو لا أنى رأيت رسول الله عَّه يقبلك ما قبلتك فافهم، فلا
يصح به الاستدلال على عدم وجوب الرمى، ولا على جواز تركه وإجزاء التكبير عنه، وإلا لأمكن
القول بمثل ذلك فى طواف الزيارة والسعى بين الصفاء والمروة، والسيدة عائشة رضى الله عنها أول
من نص على وجوب السعى بينهما من بين الصحابة كما مر، وأجمعت الأمة على فرضية الطواف
بالبيت بعد الإفاضة من عرفة وجمع. والله تعالى أعلم. نعم! فى حديث عائشة هذا حث على
ذكر الله تعالى فى الطواف وتأليبه "لكى يظهر للناس ما قصده الشارع بهذه الأعمال، فالحذر

١٥٥
طريقة الرمى وكيفيته
إعلاء السنن
٢٧٣٧- عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله من بطن الوادى، فقلت:
يا أبا عبد الرحمن! إن ناسا يرمونها من فوقها. فقال: والذى لا إله غيره هذا مقام الذى
أنزلت عليه سورة البقرة، عَ ◌ّه. رواه البخارى، وفى لفظ له: فرمى بسبع حصيات يكبر
مع كل حصاة. "فتح البارى" (٣-٤٦٣، ٤٦٤).
٢٧٣٨- عن عمرو بن ميمون، عن عمر: أنه رمى جمرة العقبة فى السنة التى
أصيب فيها وفى غيرها من بطن الوادى. أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد صحيح.
٢٧٣٩ - ومن طريق الأسود: رأيت عمر رمى جمرة العقبة من فوقها. وفى سنده
الحجاج بن أرطاة، وفيه ضعف. "فتح البارى" (٣-٤٦٣). قلت: هو حسن الحديث
ما مر غير مرة.
الحذر من الغفلة فى تلك المواطن؛ كيلا يظن الجاهلون من الطواف بالبيت ونحوه بغير ذكر الله
تعالى كون هذه الشعائر مقصودة بالعبادة فافهم.
قوله: "عن عبد الرحمن بن يزيد" إلخ، قلت: دلالته على رمى الجمرة ذات العقبة من بطن
الوادى ظاهرة، وهو السنة، وفيه دلالة على إجزاء الرمى من فوقها أيضا، لأن ابن مسعود لم يصرح
بعدم إجزاءه، ولا بوجوب الإعادة على من فعل ذلك، وإنما أظهر كونه خلاف السنة فحسب.
قوله: "عن عمرو بن ميمون" إلخ، قلت: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة، وهو بطريق
الأسود صريح فى جواز رمى الجمرة ذات العقبة من فوقها، وفعل عمر هذا محمول على بيان
الجواز، فلا اختلاف بين الروايتين حتى يحتاج إلى الترجيح بقوة الإسناد، فإن الجمع بين الروايتين
بقدر الإمكان أولى، لا سيما إذا وردتا من رواية راويين مختلفين فافهم. قال الحافظ فى "الفتح":
وقد أجمعوا على أنه من حيث رماها جاز، سواء استقبلها؛ أو جعلها عن يمينه، أو يساره، أو من
فوقها، أو من أسفلها، أو وسطها، والاختلاف فى الأفضل اهـ (٣: ٤٦٤).
وقال فى "التلخيص الحبير": وأما رمى يوم النحر مستدبرا القبلة فليس كما قال (الرافعى)،
والحديث الوارد فيه موضوع، رواه ابن عدى من حديث عاصم بن سليمان الكوزى، عن أيوب،
عن نافع، عن ابن عمر، قال: رأيت النبى عّ لّه رمى الجمرة يوم النحر وظهره مما يلى مكة. وعاصم
قال ابن عدى: كان ممن يضع الحديث والحق أن البيت يكون على يسار الرامى، كما هو متفق عليه
من حديث ابن مسعود: أنه انتهى إلى الجمرة الکبری، فجعل البیت على يساره، ومنی عن يمينه،

١٥٦
طريقة الرمى وكيفيته
ج - ١٠
٢٧٤٠- عن ابن عباس قال لى رسول الله عّ لّه غداة جمع (وهو على راحتله):
القط لى، فلقطت لى حصيات من حصى الخذف، فقال: ((بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو
فى الدين)). رواه أحمد، والنسائى، وابن ماجه، والحاكم. ولأحمد من وجه آخر عن ابن
عباس رفعه: ((عليكم بحصى الخذف)) وإسناده صحيح. "دراية" (١٩٧).
ورمى بسبع، وقال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة اهـ.
وفى "المغنى" لابن قدامة: فإذا وصل منى بدأ بجمرة العقبة، وهى آخر الجمرات مما يلى
منى، وأولها مما يلى مكة، وهى عند العقبة، فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويستبطن
الوادى، ويستقبل القبلة، ثم ينصرف ولا يقف، وهذا بجملته قول من علمنا من قوله من أهل
العلم، وإن رماها من فوقها جاز؛ لأن عمر رضى الله عنه جاء - والزحام عند الجمرة -- فرماها من
فوقها، والأول أفضل؛ لما روى عبد الرحمان بن يزيد، فذكر حديث المتن اهـ (٣- ٤٤٨). وفى
"غنية الناسك": ولو رمى العقبة من فوقها جاز وكره؛ لأنه خلاف السنة إلا من عذر اهـ. (٩١).
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، قلت: قد ورد فى بعض ألفاظ الحديث عن ابن عباس: قال لى
رسول الله عَضّ غداة العقبة، مكان غداة جمع. كما فى "التلخيص الحبير" (٢٢٠:١). فاحتمل أن
يكون أمر، بلقط الحصى من مزدلفة، أو من طريقها إلى منى. قال ابن قدامة فى "المغنى": ويأخذ
الحصا من طريقه أو من مزدلفة، إنما استحب ذلك لئلا يشتغل عند قدومه بشىء قبل الرمى، وكان
ابن عمر يأخذ الحصى من جمع، وفعله سعيد بن جبير قال: وكانوا يتزودون الحصى من جمع،
واستحبه الشافعى (والجنفية أيضا كما فى "البدائع" "وغنية الناسك" وغيرهما) وعن أحمد قال:
خذ الحصى من حيث شئت. وهو قول عطاء، وابن المنذر، وهو أصح إن شاء الله تعالى، ولا
خلاف فى أنه يجزئه أخذه من حيث كان اهـ ملخصا (٣ - ٤٤٥).
وفيه أيضا: والاستحباب أن يغسله اختلف، عن أحمد فى ذلك، فروى أنه مستحب؛ لأنه
روى عن ابن عمر أنه غسله، وكان طاوس يفعله، وكان ابن عمر يتحرى سنة النبى عَّه. وعن
أحمد: أنه لا يستحب، وقال: لم يبلغنا أن النبى ◌ّ ◌ُلّه فعله، وهذا هو الصحيح، وهو قول عطاء،
ومالك، وكثير من أهل العلم اهـ. (٣- ٤٤٦) وفى "غنية الناسك": لو رمى بمتنجسة بيقين جاز
مع الكراهة، أما بدون تيقن فلا يكره؛ لأن الأصل الطهارة، لكن يندب غسلها؛ ليكون طهارتها
متيقنة. "رد المحتار" إهـ (٩٠).

١٥٧
طريقة الرمى وكيفيته
إعلاء السنن
٢٧٤١ - عن قتادة عن ابن عمر قال: ما أبالى رميت الجمار بست أو سبع وأن ابن
عباس أنكر ذلك أخرجه ابن أبى شيبة، وقتادة لم يسمع من ابن عمر . .
٢٧٤٢- وروى من طريق مجاهد: من رمى بست فلا شيء عليه ..
٢٧٤٣ - ومن طريق طاوس: يتصدق بشىء أهــ فتح البارى (٤٦٣:٣).
٢٧٤٤- عن سعد (هو ابن مالك)، قال: رجعنا فى الحجة مع النبى عدية، وبعضنا
يقول: رميت بسبع حصيات، وبعضنا يقول: رميت بست، فلم يعب بعضهم
على بعض. رواه النسائى وسنده صحيح، إلا أنه منقطع بين مجاهد وسعد بن مالك؛
فإنه لم يسمع منه. "الجوهر النقى" (١-٣٤٨).
قوله: "عن قتادة" وقوله: "عن سعد" إلخ، قلت: دلالتهما على إجزاء الرمى بأقل من سبع
ظاهرة. قال السندى فى حاشية النسائى: الظاهر أن الأمر مبنى على التسامح، وقيام الأكثر
مقام الکل اه.
:... وقال العينى فى"العمدة" فى شرح حديث عبد الرحمن بن يزيد المذكور فى المتن ما نصه:
ويستفاد منه أن رمى ((الجمرة لا بد أن يكون بسبع حصيات. وهو قول أكثر العلماء، وذهب عطاء
إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه، وقال مجاهد: إن رمى بست فلا شيء عليه، وبه قال أحمد،
وإسحاق. واحتج من قال بذلك بما رواه النسائي، فذكر حديث سعد بن مالك المذكور فى المتن،
ثم قال: والصحيح الذى عليه الجمهور أن الواجب سبع، كما صح من حديث ابن مسعود،
وجابر، وابن عباس، وابن عمر وغيرهم، فإِن رماها بأقل من سبع حصيات فذهب الجمهور فيما
حكاه القاضى عياض إلى أن عليه دما، وهو قول مالك، والأوزاعى وذهب الشافعى وأبو ثور، إلى
أن على تارك حصاة مدا من طعام، وفى اثنتين مدان، وفى ثلاث فأكثر دما. وللشافعى قول آخر: إن
فى الحصاة درهما.
وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه دم، وإن
ترك أقل من نصفها ففى كل حصاة نصف صاع. واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات مرة واحدة،
فقال مالك، والشافعى: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمى بعدها متنا. وقال عطاء: تجزئه عن
السبع، وهو قول أبى حنيفة، ذكره صاحب "التوضيح، وذكر فى "المحيط": ولو رمى إحدى
الجمار بسبع حصيات رمية واحدة، فهى بمنزلة حصاة، وكان عليه أن يرمى ست مرات.

ج - ١٠
١٥٨
باب لا يقف عند جمرة العقبة
ولا يأخذ الحصى من عند الجمرات
٢٧٤٥- عن الزهرى، سمعت سالما يحدث عن أبيه، عن النبى مّ له: أنه کان إذا
رمى الجمرة رماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ثم ينصرف، ولا يقف عندها . .
رواه البخارى. "دراية" (١٩٧).
٢٧٤٦- عن ابن عباس، قال: كان رسول الله عَّ اللّه إذا رمى جمرة العقبة مضى
قلت: العمدة فى نقل مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذاهب(١)
أهـ ملخصا. (٤ - ٧٦٨). قلت: فقول سعد بن مالك رضى الله عنه: "فلم يعب بعضهم على
بعض" محمول على أن واجب الرمى يتأدى يرمى الأكثر وإن كان فيه نقصان وأما قول ابن عمر
فقد أنكره ابن عباس، فجمعنا بينهما بأن الرمى بست يجزئ، ولكن عليه أن يتصدق، والله أعلم.
قال الحافظ فى "الفتح" فى حديث عبد الرحمن بن يزيد ما نصه: زاد محمد بن عبد الرحمن بن
يزيد عن أبيه فى هذا الحديث عن ابن مسعود: أنه لما فرغ من رمى جمرة العقبة قال: اللهم اجعله .
حجا مبرورا وذنبا مغفورا (٣ - ٤٦٤).
وفى "المغنى" لابن قدامة: روى حنبل فى "المناسك" بإسناده عن زيد بن أسلم، قال: رأيت
سالم بن عبد الله استبطن الوادى، ورمى الجمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة الله أكبر، الله
أكبر، ثم قال: اللهم اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا. فسألته عما صنع؟ فقال: حدثنى أبى: أن
النبى عَّه رمى الجمرة من هذا المكان، ويقول كلما رمى حصاة مثل ما قلت. وقال إبراهيم
النخعى: كانوا يحبون ذلك اهـ. (٣ - ٤٤٨).
باب لا يقف عبد جمرة العقبة بعد رميها
ولا يأخذ الحصى من عند الجمرات
قوله: "عن الزهرى" إلخ، قلت: دلالته ودلالة حديث ابن عباس بعده على الجزء الأول من
الباب ظاهرة. وهو المذهب كما فى "الهداية" وغيرها، قال فى "غنية الناسك": وإذا فرغ من
الرمى لا يقف عند هذه الجمرة فى الأيام كلها، بل ينصرف داعيا اهـ. (٩٢). وقد تقدم عن ابن
(١) أى فالصحيح من مذهب الحنفية ما ذكره صاحب "المحيط"، إلا ما ذكره صاحب "التوضيح" وتبعه الحافظ فى "الفتح" أيضا
فلا يعتمد على نقلهما.

١٥٩
لا يقف عند جمرة العقبة ولا يأخذ الحصى من عند الجمرات
إعلاء السنن
ولم يقف. رواه ابن ماجة (٢٢٤) بسند فيه الحجاج بن أرطاة، وهو حسن الحديث
عندنا، كما مر غير مرة.
٢٧٤٧- عن أبى سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله! هذه الجمار التى يرمى بها كل
عام فتحسب أنها تنقص. فقال: ((إنه ما يقبل منها رفع، ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال)).
رواه الدار قطنى، والحاكم فى "المستدرك" وقال: حديث صحيح الإسناد، ويزيد بن
ستان ليس بمتروك اهـ "زيلعى" (١-٢٠٣). وفى "الترغيب" للمنذرى: يزيد بن سنان
مختلف فى توثيقه اهـ. (١-٢٠٣). وفيه أيضا (١- ٥٣٠): وثقه البخارى وغيره، قلت:
وقد تقدم توثيقه فى هذا الكتاب، وهو حسن الحدیث، فالحدیث حسن.
٢٧٤٨- عن ابن عباس رضى الله عنهما فى حصى الجمار: ما تقبل منها رفع،
وما لم يتقبل ترك، ولولا ذلك لسد ما بين الجبلين. أخرجه البيهقى، وإسحاق بن راهويه.
قال البيهقى: وهو مشهور عن ابن عباس موقوفا. "التلخيص الحبير" (١-٢١٨).
:٠
قدامة أنه قول من علم قوله من أهل العلم، والله أعلم. وفى "غنية الناسك" أيضا (٩١): ويسن أن
يكبر مع كل حصاة، ولو سبح وهلل، أو أتى بذكر غيرهما مكان التكبير جاز. (لحديث عائشة
المتقدم: إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله. أطلق الذكر.
وهو يعم التكبير وغيره، ولكن التكبير أفضل؛ لكونه مما أتى به النبى ◌ٍّ فى هذا الموضع من بين
سائر الأذكار) قال: ولو ترك الذكر فقد أساء، والمسنون الرمى باليمين اهـ. وقال الحافظ فى
"الفتح": وأجمعوا على أن من لم يكبر فلا شىء عليه اهـ. (٣- ٤٦٤).
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ، وقوله: "عن ابن عباس" إلخ، دلالتهما على كون الحصى التى
عند الجمرات مردودة فيتشاءم بها، فيكره الرمى بها ظاهرة، قال فى "الهداية": ويأخذ الحصى من
أى موضع شاء إلا من عند الجمرة، لأن الذى عندها مردود هكذا جاء فى الأثر فيتشاءم به اهـ. قال
فى "غنية الناسك": يجوز أخذها من أى موضع إلا من عند الجمرة، ومن المسجد، ومكان نجس،
فإن فعل جاز وكره تنزيها اهـ. (٩٠).
وقال ابن قدامة فى "المغنى": إن رمى بحجر من المرمى لم يجزه، وقال الشافعى: يجزيه؛
لأنه حصى، فيدخل فى العموم ولنا أن النبى ◌ٍّ أخذ من غير المرمى، وقال: ((خذوا عنى
مناسككم)). ولأنه لو جاز الرمى بما رمى به لما احتاج أحد إلى أخذ الحصى من غير مكانه ولا

ج - ١٠
١٦٠
باب وجوب الترتيب فى مناسك يوم النحر
وهى الرمى والذبح والحلق
٢٧٤٩ - عن أنس رضى الله عنه: أن النبى معَّه أتى منى، فأتى الجمرة فرماها، ثم .
أتى منزله بمنى فنحر، ثم قال للحلاق: "خذ" وأشار إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر. أخرجه
الخمسة. "دراية" (١٩٨).
٢٧٥٠- عن ابن عمر: من رمى الجمرة بسبع حصيات الجمرة التى عند العقبة،
ثم انصرف فنحر هديه، ثم حلق، فقد حل ما حرم عليه من شأن الحج. رواه البزار.
"كنز العمال" (٣-١٦).
تكثيره، والإجماع على خلافه، ولأن ابن عباس قال فذكر الأثر اهـ. (٣ - ٤٤٦).
قلنا: إن أراد بالإجماع الإجماع على استحباب الأخذ من غير المرمى فمسلم، وإلا فلا، وأما
أثر ابن عباس فإنما يدل على أن الحصى المتروكة عند الجمرات غير مقبولة، وأما أن الرمى بالحصى
المردودة لا يجوز. فلا دلالة عليه، فرب مودود فى وقت يصير مقبولا فى وقت آخر، وقد قال
عَ طله: (ارموا بحصى الحذف)، وقال: "عليكم بأمثال هؤلاء"، وقال: "ارم ولا حرج"، من غير
تقييد بحصى دون حصى، فدل على جواز الرمى بكل ما هو مثله، سواء أخذ من غير المرمى أو
من المرمى، وكل ما ذكره ابن قدامة من الدلائل لا يفيد ما هو أزيد من الكراهة، وقد قلنا بها،
والله تعالى أعلم.
باب وجوب الترتیب فی مناسك يوم النحر
وهی الرمی والذبح والحلق
قوله: "عن أنس" إلخ، قلت: قد تقرر فى الأصول كون الفاء وثم للترتيب فى الأصل، فثبت
كون هذه المناسك الثلاثة مترتبة، ولم يختلف أحد فى أنه مَّه رمى الجمرة فى يوم النحر أولا، ثم
ذبح، ثم حلق رأسه، وقد قال م له: ((خذوا عنى مناسككم))، فدل على وجوب الترتيب فى هذه
الثلاثة ما لم يدل دليل على عدم وجوبه فافهم. وفى الحديث الابتداء فى الحلق بيمين المحلوق، وقال
الكرمانى: إن عند أبى حنيفة رحمه الله يبدأ بيمين الحالق ويسار المحلوق، وعند الشافعى يبدأ بيمين
المجلوق، والصحيح عند أبى حنيفة رحمه الله مثله، كذا فى "عمدة القارى" (٤-٧٤٠).