Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
ج - ١٠
٢٧١١ - عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجت مع عبد الله، فلما وقفنا بعرفة
غابت الشمس، فقال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن كان قد أصاب. قال: فما أدرى
أكلام ابن مسعود أسرع أو إفاضة عثمان؟ قال: فأوضع الناس، ولم يزد ابن مسعود على
العنق حتى أتى جمعا. رواه أحمد. كذا فى "فتح البارى" (٣-٤٢٤). وهو صحيح أو
حسن علی قاعدته.
باب الاشتباه فی یوم عرفة
٢٧١٢ - عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد مرفوعًا: ((يوم عرفة اليوم
الذى يعرف الناس فيه)). رواه أبو داود فى المراسيل مرسلا، فإن عبد العزيز تابعی.
"التلخيص الحبير" (١-٢١٧).
قوله: "عن عبد الرحمن بن يزيد" إلخ، دلالته على جواز المكث القليل بعد غروب الشمس
ظاهرة، وأما بعد إفاضة الإمام فلا. والله تعالى أعلم. ومقتضى القياس جواز التأخير؛ فإن ليلة الجمع
وقت للوقوف بعرفة أيضا، بل قال مالك: إن وقت الوقوف هو الليل والنهار تبع له. قال ابن بطال:
اختلفوا إذا دفع من عرفة ولم يقف بها ليلا، فذهب(١) مالك إلى أن الاعتماد فى الوقوف بعرفة على
الليل من ليلة النحر، والنهار من يوم عرفة تبع له، وقال أبو حنيفة، والثورى، والشافعى: الاعتماد
على النهار من يوم بعرفة من وقت الزوال، والليل كله تبع، فإن وقف جزأ من النهار أجزأه، وإن
وقف جزأ من الليل أجزأه، إلا أنهم يقولون: إن وقف جزأ من النهار بعد الزوال دون الليل كان
علیه دم. (أی إن دفع قبل الغروب) فإن وقف جزء من اللیل دون النهار لم یجب علیه دم کذا فى
"عمدة القارى" (٤- ٦٨٠) فمن وقف بها فى النهار وأخره إلى الليل شيئا فقد أطال الوقوف فى
محله وقته، ولكنه أساء لمخالفة السنة، فإن فعل ذلك بعذر فلا بأس به.
باب الاشتباه فی یوم عرفة
قوله: "عن عبد العزيز" إلخ، قلت: وإذا اعتضد المرسل بطريق أخرى مرسلة أو بمرفوع
(١) احتج مالك بما روى عن ابن عمر: من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج. كذا فى "المغنى"
(٣- ٤٣٢) وقد ضعفه ابن حزم ووهاه، كما فى "عمدة القارى" (٤- ٦٨٠) وبعد التسليم ففيه بيان آخر الوقف، كقوله
منطقةٍ: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)) وليس فيه أن من لم يدركها بليل وقد أدر كه فى النهار
ما ذا حكمه؟ وقد تواتر عنه مرّله أنه وقف نهارا ودفع عند غروب الشمس، ووقت الدفع لا يصلح وقتا للوقوف.

١٢٢
الاشتباه فى يوم عرفة
إعلاء السنن
٢٧١٣- وله شاهد، فقد رواه مجاهد (١) بن إسماعيل، عن سفيان، عن ابن
المنكدر، عن عائشة مرفوعا بلفظ: ((عرفة يوم يعرف الإمام)). تفرد به مجاهد، قاله
البيهقى، قال: ومحمد بن المنكدر عن عائشة مرسل، كذا قال، وقد نقل الترمذى عن
البخارى: أنه سمع منها، وإذا ثبت سماعه منها أمكن سماعه من أبى هريرة؛ فإنه مات
بعدها. ""التلخيص الحبير" (١-٢١٧).
٢٧١٤- عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: رجل حج أول ما
حج، فأخطأ الناس بيوم النحر، أ يجزئ عنه؟ قال: نعم، قال: وأحسبه قال: قال رسول
الله عَِّ: ((فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)). قال: وأراه قال: ((وعرفة
يوم تعرفون)). رواه الشافعى واللفظ له، والترمذى واستغربه وصححه. "التلخيص
الحبير" (١-٢١٧).
صلح للاحتجاج به عند الكل، كما ذكرناه فى المقدمة، وههنا كذلك، فقد جاء مرسلا عن عطاء،
ومرفوعا متصلا عن عائشة رضى الله عنها، وهذا المرسل وما وافقه من المرفوع الذى بعده أصل
عظيم فى باب الاشتباه فى يوم عرفة. قال فى "غنية الناسك": وإذا اشتبه هلال ذي الحجة، فوقفوا
يوما بعد إكمال ذى القعدة ثلاثين على ظن أنه يوم عرفة، ثم تبين بشهادة قوم أن ذلك اليوم كان
يوم النحر، لا تقبل شهادتهم، ويجزئهم وقوفهم استحسانا، حتى الشهود للحرج الشديد، ثم أطال
فى فروع المسئلة إلى أن قال: وهل الحكم فى هلال ذى الحجة كهلال شوال أو كهلال رمضان؟
قولان مصححان، والأول هو المذهب، إلا أنه لا عبرة باختلاف المطالع فى هلال رمضان وشوال
على ظاهر الرواية، وهو المعتمد عندنا وعند المالكية، والحنابلة، فيلزم أهل الشرق برؤية أهل المغرب،
وأما فى هلال ذي الحجة فظاهر كلامهم هنا اعتبار اختلاف المطالع فيه، كما يعلم من هذه المسائل،
تأمل. ثم اختلاف المطالع لا يمكن فى أقل من أربعة وعشرين فرسخا. "رد المحتار". والفرسخ ثلاثة
أمیال کما يفهم من كلامه (٨٥).
قال فى "البدائع" (٢- ١٢٦): ولو اشتبه هلال ذي الحجة، فوقفوا بعرفة بعد أن أكملوا
عدة ذى القعدة ثلاثين يوما، ثم شهد الشهود أنهم رأوا الهلال يوم كذا، وتبين أن ذلك اليوم كان
يوم النحر، فوقوفهم صحیح، وحجتهم تامة استحسانا، والقياس أن لا يصح، وجه القیاس أنهم
(١) وفى "الجوهر النقى" محمد بن إسماعيل (١- ٢٥١).

١٢٣
ج - ١٠
باب الجمع بين المغرب والعشاء بمز دلفة بأذان وإقامة وترك التطوع بينهما
٢٧١٥- عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما، قال: جمع رسول الله عَ لّه بين
المغرب والعشاء بجمع ليس بينهما سجدة. وفى رواية: جمع رسول الله عَّ له بين
المغرب والعشاء بجمع، صلى المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. رواهما
مسلم فى "صحيحه" (١-٤١٧).
٢٧١٦ - وعنه: أنه أتى المزدلفة فأذن وأقام، فصلى المغرب ثلاثا، ثم التفت إلينا
فقال: الصلاة فصلی العشاء ر کعتين. کذا ذکره أبو داود موقوفا، ورواه من وجه آخر
مرفوعا عن ابن عمر. "دراية" (١٩٥). قلت: وقد سكت الحافظ عنهما، وكذا أبو داود
فى "سننه" (٣-١٦٨ مع " البذل").
٢٧١٧ - عن جابر بن عبد الله، قال: صلى رسول الله عَ ليه المغرب والعشاء بجمع
وقفوا فى غير وقت الوقوف فلا يجوز، كما لو تبين أنهم وقفوا يوم التروية، وأى فرق بين التقديم
والتأخير؟ والاستحسان ما روى عن النبى عّ لّه أنه قال: ((صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم
تضحون، وعرفتكم يوم تعرفون)). وروى: ((وحجكم يوم تحجون)). فقد جعل النبى عّ لّه وقت
الوقوف أو الحج وقت تقف أو تحج فيه الناس، والمعنى فيه من وجهين: أحدهما ما قال بعض
مشايخنا: إن هذه شهادة قامت على النفى، وهى نفى جواز الحج، والشهادة على النفى باطلة.
والثانى أن شهادتهم جائزة مقبولة، لكن وقوفهم جائز أيضا؛ لأن هذا النوع من الاشتباه مما يغلب،
ولا يمكن التحرز عنه، فلو لم نحكم بالجواز لوقع الناس فى الحرج، بخلاف ما إذا تبين أن ذلك
اليوم كان يوم التروية، لأن ذلك نادر غاية الندرة، فكان ملحقا بالعدم، ولأنهم بهذا التأخير بنوا
على دليل ظاهر واجب العمل به وهو وجوب إكمال العدة إذا كان بالسماء علة، فعذروا فى الخطأ
بخلاف التقديم؛ فإنه خطأ غير مبنی علی دلیل رأسا، فلم يعدروا فیه اهـ.
باب الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بأذان وإقامة وترك التطوع بينهما
قوله: "عن ابن عمرو عنه وعن جابر" إلخ، قلت: دلالتها على معنى الباب ظاهرة. وفى
حديث جابر الطويل الثابت فى "صحيح مسلم" وغيره: أنه معرّ ◌ُّ صلى المغرب والعشاء بمز دلفة
بأذان واحد وإقامتين. وبه قالت الأئمة الثلاثة، وزفر، والطحاوى منا. وقال الخطابى: هو قول أهل

١٢٤
الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
إعلاء السنن
بأذان واحد وإقامة، ولم يسبح بينهما. رواه ابن أبى شيبة عن حاتم بن إسماعيل، عن
جعفر بن محمد، عنه به. "زيلعى" (١-٥٠٢) قلت: رجاله كلهم ثقات من رجال
مسلم، وهو عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، فسقط عن أبيه فى الكتابة، وإلا
لكان الحديث منقطعا، ولكن الزيلعى والحافظ ابن حجر لم يعلاه به. وقال أبو داود
(٣- ١٦٠): الحديث أسنده حاتم بن إسماعيل فى الحديث الطويل، ووافق حاتم بن
إسماعيل على إسناده محمد بن على الجعفى، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر، إلا أنه
قال: فصلى المغرب والعتمة بأذان وإقامة اهـ. فالحديث متصل مرفوع.
٢٧١٨- وفى الباب عن أبى أيوب الأنصارى: أن رسول الله عّ لّه صلى بجمع
المغرب ثلاثا، والعشاء ركعتين بإقامة واحدة. وفيه جابر الجعفى، وهو وإن كان ضعيفا
فقد تابعه محمد بن أبى ليلى عن عدى عند الطبرانى أيضًا، فيقوى كل واحد منهما
بالآخر، "فتح البارى" (٣-٤١٨).
الرأى. وذكر ابن عبد البر: أن الجوزجاني حكاه عن محمد بن الحسن، عن أبى حنيفة رحمه الله،
والمشهور من مذهب الحنفية أنه يؤذن للأولى ويقيم لها، ولا يؤذن للثانية ولا يقيم لها، كما فى
"الهداية" ووجه الجمع بين مختلف الحديث فى هذا الباب عندنا أن الأحاديث الواردة عن رسول
الله عَّه فى إفراد الإقامة للمغرب والعشاء محمولة على أن رسول الله عَ ليه جمع بينهما من غير
تخلل شىء من التعشى وحل الرحال بينهما.
وأما أحاديث الإقامتين فمحمولة على أن بعض أصحاب النبى معَّ له صلوا المغرب، ثم أناخوا
الإبل وحلوا الرحال، كما يدل عليه رواية أسامة بن زيد عند البخارى: وتعشوا. كما يدل عليه
رواية ابن أبى شيبة بلفظ: فلما أتى جمعا أذن وأقام فصلى المغرب ثلاثا، ثم تعشى، ثم أذن وأقام
فصلى العشاء ركعتين ومعناه تعشى بعضهم بحضرة رسول الله عَّ ةٍ وبإذنه، ومثل هذا التوجيه
للجمع بين مختلف الأحاديث شائع سائغ كثير الوقوع فيها، فالعجب من الشيخ ابن الهمام حيث
لم يتنبه لهذا الوجه، ويقول: كيف يسوغ للمصنف أن يعتبر هذا حديثا حجة عن رسول الله معدّ لآه؟
فإنه جمع بين المتضادين؛ لأنه يستلزم اعتقاد أنه تعشى ولا تعشى. وأفرد الإقامة ولا أفردها، والله
الموفق اهـ. من "بذل المجهود" مختصرا (٣ - ١٥٧).
قلت: وهذا جمع حسن، ولكن الذى اتفق عليه الصحيحان: أنه عَّ ◌ُلّه جمع بينهما بأذان

١٢٥
الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة
ج - ١٠
٢٧١٩ - قلت: وقد رواه أبو حنيفة فى "مسنده" (١١٩) عن أبى إسحاق، عن
عبد الله بن يزيد الخطمى، عن أبى أيوب مرفوعًا: صلى المغرب والعشاء بجمع بأذان
وإقامة واحدة. وهو سالم عن الجعفى، وسند صحيح.
وإقامتين. فقد أخرج مسلم كذلك عن جابر، وعند البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال:
جمع رسول الله عَّه بين المغرب والعشاء بجمع، كل واحدة منهما بإقامة ولم يسبح بينهما، ولا
على إثر واحدة منهما. فإن لم يرجح ما اتفق عليه الشيخان على ما انفرد به مسلم وأبو داود حتى
تساقطا، كان الرجوع إلى الأصل يوجب تعدد الإقامة؛ لتعدد الصلاة كما فى الفوائت، بل أولى؛
لأن الثانية ههنا وقتية، فإذا أقيم للأولى المتأخرة عن وقتها كانت الحاضرة أولى أن يقام لها
بعدها. قاله المحقق ابن الهمام فى "فتح القدير" (٣٧٧:٣).
فالراجح دليلا ودراية ما رواه الجوزجاني، عن محمد، عن أبى يوسف، عن أبى حنيفة، وبه
أخذ زفر والطحاوى، وإن كان المشهور عن الإمام رواية ما ذكره صاحب "الهداية" من ظاهر
الرواية، ويمكن أن يقال فى الاستدلال لظاهر الرواية: إن رواية جابر عند مسلم وحديث ابن عمر
عند البخارى وإن كانا أرجح صحة وقوة فى الإسناد، ولكن سياقهما موافق للقياس، ليس فيه
زيادة، وحديث جابر عند ابن أبى شيبة وحديث ابن عمر عند أبى داود هما مذكوران فى المتن قد
سيقا على خلاف ما يقتضيه القياس، فكان ذلك دليلا على حفظ رواتهما ما لم يحفظه غيرهم،
ولما كان الجمع بين الصلاتين على خلاف القياس يرجح فى كيفيته أيضا ما يضاد القياس لا ما
يوافقه؛ لإتيان راويه بزيادة لم يحفظها غيره، على أنه قد عملنا بكلا الروايتين حيث قلنا: إذا جمع
بين المغرب والعشاء من غير فصل بينهما اكتفى بأذان واحد وإقامة واحدة لهما، وإذا كان ذلك
لفصل جمع بينهما بإقامتين، ولا يخفى أن إعمال الدليلين أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر
فافهم. على أن حديث جابر الطويل قد ذكر فيه حاتم بن إسماعيل أنه معدّ لّ- صلى المغرب والعشاء
بأذان وإقامة، كما نص عليه أبو داود، فلم يبق ما رواه مسلم فى هذا الحديث أنه صلاهما بأذان
وإقامتين متفقا عليه، وكذا الروايات عن ابن عمر مختلف فيها، كما لا يخفى على من راجع
"شرح معاني الآثار" الطحاوى "وشرح مسلم" للنووى، فأخذنا المتفق عليه المتيقن، وتركنا
المختلف فيه الغير المتيقن، والله تعالى أعلم. وحديث أبى أيوب يؤيد ما رواه حاتم بن إسماعيل عن
جعفر، عن أبيه عن جابر. قال فى جامع مسانيد الإمام (٥١٥:١): أخرجه الحافظ محمد بن المظفر

١٢٦
إعلاء السنن
باب إذا جمع بين المغرب والعشاء بمز دلفة بفصل جمع بينهما بأذان وإقامة
٢٧٢٠- عن ابن مسعود: أنه أتى المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبا من ذلك،
فأمر رجلا، فأذن وأقام، ثم صلی المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى،
فى "مسنده" عن الحسين بن الحسين، عن أبى على أحمد بن عبد الله بن محمد الكندى، عن على
بن معبد بن شداد، عن الإمام محمد ابن الحسن، عن أبى حنيفة اهـ.
باب إذا جمع بين المغرب والعشاء بمز دلفة بفصل جمع بينهما بأذان وإقامة
قوله: "عن ابن مسعود" إلخ، فيه دلالة على معنى الباب ظاهرة، ولكن فيه أنه أذن وأقام لكل
صلاة، والحنفية لا يقولون بأذانين، وإنما قالوا بإقامتين عند الجمع بينهما بفصل، ولعل أصحاب ابن
مسعود تفرقوا عنه، فأذن لهم ليجتمعوا ليجمع بهم. وقد أخرج الطحاوى بسند صحيح عن عمر
رضى الله عنه: أنه جمع بينهما بأذانين وإقامتين. وقد أخذ بظاهره مالك، وهو اختيار البخارى،
وروى ابن عبد الرحمن أحمد بن خالد أنه كان يتعجب من مالك، حيث أخذ بحديث ابن مسعود
وهو من رواية الكوفيين، مع كونه موقوفا، ومع كونه لم يروه، ويترك ما روى عن أهل المدينة وهو
مرفوع. قال ابن عبد البر: وأعجب أنا من الكوفيين حيث أخذوا بما رواه أهل المدينة، وهو أن
يجمع بينهما بأذان وإقامة واحدة، وتركوا ما رووا فى ذلك عن ابن مسعود مع أنهم لا يعدلون به
أحدا اهـ. "فتح البارى" (٣ - ٤١٩).
قلت: وقد عرفت أن الحنفية لم يتركوا حديث ابن مسعود، بل عملوا به إذا كان الجمع
بينهما يفصل، كما قد ورد عنه أنه تعشى بينهما، وأما إذا كان الجمع بينهما بلا فصل فلم يثبت عن
ابن مسعود فى ذلك شىء، فأخذنا فيه بما رواه أهل المدينة، وأما جمعه بأذانين فى صورة الفصل
فلعل ذلك لم يثبت عنه، وقد رواه زهير بالشك، كما يدل عليه سياق البخارى، وأخرجه البيهقى
من طريق عبد الرحمان ابن عمرو عن زهير بالشك، وقال فيه: ثم أمر قال زهير: أرى فأذن وأقام.
كذا قاله الحافظ فى "الفتح" (٣- ٤١٩).
وفى "كتاب الآثار": محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة؛ عن حماد، عن إبراهيم، فى الصلاة
بجمع قال: إذا صليتهما بجمع صليتهما بإقامة واحدة، وإن تطوعت بينهما فاجعل لكل واحدة
إقامة. قال محمد: وبه نأخذ، وهو قول أبى حنيفة، ولا يعجبنا أن يتطوع بينهما اهـ (٥٢ و٥٣).

١٢٧
ج - ١٠ إذا جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بفصل جمع بينهما بأذان وإقامة
ثم أمر أرى رجلا، فأذن وأقام، ثم صلى العشاء ركعتين. الحديث، رواه البخارى، ووقع
عند الإسماعيلى فى هذا الحديث: ولم يتطوع قبل كل واحدة منهما ولا بعدها. كذا
فى "فتح البارى" (٣-٤١٩).
وفى حديث ابن مسعود: أنه صلى المغرب ركعتين. والأفضل عندنا أن لا يتشاغل بينهما يتطوع
ولا غيره؛ لأن النبى عّ لّه لم يتشاغل بينهما بشىء، ففعل ابن مسعود محمول على بيان الجواز، فإن
تطوع بينهما أو تشاغل بشىء أعاد الإقامة للعشاء؛ لأنها انقطعت عن الإعلام الأول،
فاحتاجت إلى إعلام آخر. كذا فى "البدائع" (١٠٥:٢).
قال الحافظ فى "الفتح": ونقل ابن المنذر الإجماع على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة؛
لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع
بينهما انتهى، قال الحافظ: ويعكر على نقل الاتفاق فعل ابن مسعود اهـ. (٣- ٣١٨). قلت: فعله
محمول على بيان الجواز، والإجماع على سنية ترك التنفل بينهما لا ينفى الجواز كما لا يخفى.
قال الحافظ فى حديث ابن عمر عند البخارى: ولم يسبح بينهما، ولا على إثر كل واحدة منهما:
أى عقبها، يستفاد منه أنه ترك التنفل عقب المغرب والعشاء كليهما، ولما لم يكن بين المغرب
والعشاء مهلة صرح بأنه لم يتنفل بينهما، بخلاف العشاء فإنه يحتمل أن يكون المراد أنه لم يتنفل
عقبها، لكنه تنفل بعد ذلك فى أثناء الليل، ومن ثم قال الفقهاء: تؤخر سنة العشائين عنهما اهـ.
والمعتمد أن يصلى بعدهما سنة المغرب والعشاء والوتر، هذا هو مذهب الأحناف والشوافع، فقد
قال النووى فى "شرح مسلم": ومذهبنا استحباب السنن الراتبة، لكن يفعلها بعدهما لا بينهما.
قلت: قد تفرد ابن أبى ذئب عن الزهرى بزيادة: "ولا على إثر كل واحدة منهما"، وكذا وقع عند
الإسماعيلى من رواية شبابة عن أبى ذئب فى حديث عبد الله بن مسعود: ولم يتطوع قبل كل
واحد منهما ولا بعدها. كما فى "فتح البارى" (٣- ٤١٩).
والمحفوظ عن رسول الله عَ لّه ترك التطوع بينهما، وأما أنه لم يتطوع بشىء بعدهما فلم
يصرح به إلا ابن أبى ذئب على ما أدى إليه نظرى، وفى رواياته عن الزهرى اضطراب؛ لأنه سأله
عن شىء فأجابه، فرد عليه، فتقاولا، فحلف الزهرى أن لا يحدثه، ثم ندم ابن أبى ذئب، فسأل
الزهرى أن يكتب له أحاديث من حديثه، فكتب له فكان يحدث بها، كذا فى "التهذيب"
(٣٠٧:٩). وإذا تفرد الراوى بشىء يعم به البلوى فهو شاذ عندنا، كما قدمناه فى مقدمة الكتاب،

١٢٨
إعلاء السنن إذا جمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة بفصل جمع بينهما بأذان وإقامة
٢٧٢١- عن أسامة بن يزيد مرفوعا: فجاء المزدلفة، فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت
الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره فى منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى
ولم يصل بينهما. رواه البخارى. "فتح البارى" (٣-٤١٨).
والذى أجمع عليه الرواة أنه معَّ لم يسبح بينهما، ولا يعجبنا أن يتطوع بينهما، كما قاله محمد
وقد تقدم ذكره، وأما التطوع بعدهما فهو حسن عندنا، لا سيما وقد ورد الترغيب عن الشارع فى
إحياء ليلة الفجر وليلة النحر قولا، كما مر فى باب النوافل من هذا الكتاب عن عبادة بن الصامت
رضى الله عنه مرفوعا: ((من أحبى ليلة الفطر والأضحى لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)). وسنده
حسن، وكذا عن أبى أمامة، ومعاذ بن جبل، وهو عام للحاج وغيره، ومن ادعى تخصيصه
بغير الحاج فليأت ببرهان عليه.
وأما ما رواه ابن أبي ذئب فى حديثى ابن عمر وابن مسعود من: أنه سَ لّ لم يصل على إثر
كل واحدة من العشائين. فلا يصح مخصصا؛ لكونه من بيان واقعة حال تحتمل الوجوه، فكأنه
عَّ ◌ُلِّ ترك التطوع بعدهما لعذر قد عرض له، أو أنه تركه عقبهما معا، ثم تطوع فى أثناء الليل، ولم
يطلع عليه الراوى، وغير ذلك من الاحتمالات، وقد تقرر فى الأصول تقديم القول على الفعل كما
مر غير مرة، فلا يكون التطوع بعد العشائين فى ليلة النحر خلاف السنة ولا بدعة كما يوهمه كلام
ابن القيم فى "زاد المعاد" (١- ٢٣٢) ونصه: فصلى المغرب قبل حط الرحال وتبريك الجمال، فلما
حطوا رحالهم أمر، فأقيمت الصلاة، ثم صلى عشاء الآخرة ثم نام حتى أصبح، ولم يحيى تلك
الليلة، ولا صح عنه فى إحياء ليلتى العيدين شىء اهـ. قلت: عدم الصحة لا ينفى كونه حسنا، وقد
أثبتنا فى الجزء السابع من الكتاب أن حديث عبادة فى هذا الباب حسن، وقد تأيد بحديث أبى
أمامة ومعاذ بن جبل، فليراجع. والله تعالى أعلم.
قوله: "عن أسامة" إلخ، فيه الجمع بين الصلاتين بإقامتين، وهو عندنا لأجل وقوع
الفصل بينهما بالإناخة، ورواه مسلم من وجه آخر عن إبراهيم بن عقبة، عن كريب (عن أسامة)
بلفظ: فأقام المغرب، ثم أناخ الناس، ولم يحلوا حتى أقام العشاء، فصلوا ثم حلوا. قال الحافظ
فى "الفتح": وفيه أنه لا بأس بالعمل اليسير بين الصلاتين اللتين يجمع بينهما، ولا يقطع
ذلك الجمع اهـ. (٣ - ٣١٧).
قلت: نعم، ولكن لا نسلم أن الإناخة عمل يسير، لا سيما إناخة الجماعة العظيمة دوابهم

١٢٩
ج - ١٠
باب لا يجوز لأحد أن يصلى المغرب ليلة المزدلفة إلا بمز دلفة فى وقت العشاء
وإن صلاها بعرفة أو فى الطريق يجب إعادتها ما لم يطلع الفجر
٢٧٢٢ - عن أسامة بن زيد، قال: ردفت رسول الله عَّم من عرفات، فلما بلغ
الشعب الأيسر الذى دون المزدلفة أناخ فبال، ثم جاء فصببت عليه الوضوء، فتوضأ
وضوء خفيفا، فقلت: الصلاة يا رسول الله! فقال: ((الصلاة أمامك))، فركب حتى أتى
الكثيرة؛ فإن ذلك أشد من التطوع بينهما بركعتين، وإذا كان التطوع بركعتين قاطعا للجمع كما
قاله ابن المنذر، فالإناخة أولى، ولذا جمع بينهما وإقامتين، والله تعالى أعلم. قال فى "البدائع":
والقياس (أى قياس الجمع بين المغرب والعشاء بمزدلفة) على الجمع الآخر (أى الجمع بين الظهر
والعصر بعرفة) غير سديد؛ لأن هناك الصلاة الثانية - وهى العصر - تؤدى فى غير وقتها، فتقع
الحاجة إلى إقامة أخرى للإعلام بالشروع فيها، والصلاة الثانية ههنا -وهى العشاء- تؤدى فى
وقتها، فيستغنى عن تجديد الإعلام كالوتر مع العشاء. اهـ (١٠٥:٣).
قلت: ولكنه قد ثبت عن رسول الله ◌َّه لما شغله أصحاب الأحزاب عن صلاة الظهر
والعصر فقضاهما بعد الغروب، أنه أمر بلالا، فأذن وأقام للظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام
فصلى المغرب، كما ذكره فى الجزء السابع من هذا الكتاب. فدل على أن كون الصلاة الثانية تؤدى
فى وقتها لا يغنى عن تجديد الإعلام، وقياس الصلاة المفروضة على الوتر فى ذلك بعيد، فإن الوتر لا
يؤذن له ولا یقام.
باب لا يجوز لأحد أن يصلى المغرب ليلة المزدلفة إلا بمز دلفة فى وقت العشاء
وإن صلاها بعرفة أو فى الطريق يجب إعادتها ما لم يطلع الفجر
قوله: "عن أسامة" إلخ، قلت: وموضع الاستدلال منه قوله عّ لّه: (الصلاة أمامك))، قال ابن
القاسم (صاحب مالك رضى الله عنه): فإن صلى قبل ذلك فعليه أن يعيد إذا أتى المزدلفة؛ لأن النبى
عرض له قال: (الصلاة أمامك)) اهـ من "المدونة" (١-٣٢٢). وفى "المبسوط" للسرخسى (٤-
٦٢): قال عَّ ◌ُله: ((الصلاة أمامك)). ولم يرد بهذا فعل الصلاة؛ لأن فعل الصلاة بمكان وهو معه،
فإما أراد به الوقت، أو المكان، فإن كان المراد به المكان فقد بين اختصاص أداء الصلاة بمكان وهو
المزدلفة، فلا يجوز فى غيرها، وإن كان المراد به الوقت فقد تبين أن وقت المغرب فى حق الحاج لا

١٣٠
أحكام صلوة المغرب ليلة المزدلفة
إعلاء السنن
المزدلفة فصلى، ثم ردف الفضل رسول الله عَ لّه غداة جمع. للستة إلا الترمذى.
"جمع الفوائد" (١-١٨٤).
يدخل بغروب الشمس، وأداء الصلاة قبل الوقت لا يجوز، والدليل عليه أنه مأمور بالتأخير، لا لأن
فى الاشتغال بالصلاة انقطاع سيره؛ لأن أداء الصلاة فى وقتها فريضة فلا يسقط بهذا العذر، ولكن
الأمر بالتأخير للجمع بينهما بالمزدلفة، وهذا المعنى يفوت بأداء المغرب فى طريق المزدلفة، فعليه
الإعادة بعد الوصول إلى المزدلفة؛ ليصير جمعا بين الصلاتين اهـ. ونقل ابن المنذر عن الكوفيين
وعن ابن القاسم صاحب مالك وجوب الإعادة، وعن أحمد: إن صلى أجزأه. وهو قول أبى يوسف
والجمهور. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣- ٤١٥).
قال ابن المنذر: لا اختلاف بينهم أن السنة أن يجمع الحاج بين المغرب والعشاء، والأصل فى
ذلك أن النبى معَّه جمع بينهما. رواه جابر، وابن عمر، وأبو أيوب، وأحاديثهم صحاح، كذا فى
"المغنى (٣ - ٤٣٨).
وفى "البدائع": ولو صلى المغرب بعد غروب الشمس قبل أن یأتی مزدلفة، فإن كان يمكنه
أن يأتى مزدلفة قبل طلوع الفجر لم تجز صلاته، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر فى قول أبى
حنيفة، ومحمد، وزفر، والحسن. وقال أبو يوسف: تجزئه وقد أساء. وعلى هذا الخلاف إذا صلى
العشاء فى الطريق بعد دخول وقتها. وجه قوله أنه أدى المغرب والعشاء فى وقتيهما؛ لأنه ثبت كون
هذا الوقت وقتا لهما بالكتاب العزيز، والسنن المشهورة المطلقة عن المكان، إلا أن التأخير سنة،
وترك السنة لا يسلب الجواز، بل يوجب الإساءة. ولهما ما روى، فذكر حديث أسامة هذا، وفيه:
فقلت: الصلاة يا رسول الله؟ فقال: ((الصلاة أمامك)). وروى أنه مَّه قال ((المصلى أمامك)). فجاء
مزدلفة، الحديث. فدل على اختصاص جوازها فى حال الاختيار والإمكان بزمان ومكان، وهو
وقت العشاء بمزدلفة، ولم يوجد، فلا يجوز ويؤمر بالإعادة فى وقتها ومكانها ما دام الوقت قائما،
فإن لم يعد حتى طلع الفجر أعاد إلى الجواز عندهما أيضا، لأن الكتاب العزيز والسنن المشهورة
تقتضى الجواز، وحديث أسامة رضى الله عنه يقتضى عدم الجواز، وأنه من أخبار الآحاد، ولا يجوز
العمل بخبر الواحد على وجه يتضمن بطلان العمل بالكتاب والسنن المشهورة، فيجمع بينهما
فيعمل بخبر الواحد فيما قبل طلوع الفجر، ويؤمر بالإعادة، ويعمل بالكتاب العزيز والسنن
المشهورة فيما بعد طلوعه، فلا تأمره بالإعادة عملا بالدلائل بقدر الإمكان. هذا إذا كان يمكنه أن
يأتى مزدلفة قبل طلوع الفجر، وإن لم يمكنه ذلك فإنه يجوز بلا خلاف. هكذا رواه الحسن
5

١٣١
أحكام صلوة المغرب ليلة المزدلفة
ج - ١٠
٢٧٢٣ - عن جابر: أنه كان يقول: ((لا صلاة إلا بجمع)). أخرجه ابن المنذر بإسناد
صحيح. "فتح البارى" (٣-٤١٥).
٢٧٢٤ - عن ابن مسعود، أنه قال: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب
بعد ما يأتى الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبى عّم يفعله. رواه
البخارى "فتح البارى" (٣-٤١٩).
عن أبى حنيفة؛ لأن بطلوع الفجر يفوت وقت الجمع اهـ. ملخصا (٢ - ١٠٥).
قلت: ويمكن أن يقال فى تقرير الاستدلال: إن الجمع بين المغرب والعشاء فى وقت العشاء
بمزدلفة واجب، بدليل حديث أسامة هذا، وليس بفرض؛ لكونه من خبر الآحاد، فمن صلى المغرب
قبل غياب الشفق أو بعده قبل الوصول إلى المزدلفة فقد ترك الواجب، فيؤمر بإعادة الصلاة ما دام
يمكن تدار كه، ولا يؤمر بها بعد طلوع الفجر؛ لفوت وقت الجمع، وعدم إمكان تدارك هذا
الواجب بفوته، فيحكم بصحة الصلاة مع النقصان، ولا يحكم بالبطلان؛ فإن ترك الواجب لا
يبطل الصلاة، وإنما يورث فيها نقصانا بوجب إعادة ما أمكن تدار كه، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ فى "الفتح" فى حديث أسامة هذا: وأغرب الخطابى، فقال: فيه دليل على أنه
لا يجوز أن يصلى الحاج المغرب إذا أفاض من عرفة حتى يبلغ المزدلفة، ولو أجزأته فى غيرها لما
أخرها النبى معَ ◌ّه عن وقتها المؤقت لها فى سائر الأيام اهـ. (٣ - ٣١٧) قلت: وليت شعرى أى
غرابة فيه؟ وقد قالت الحنفية والكوفيون بعين ما قاله، واحتجوا على ذلك. بحديث أسامة هذا،
وبحديث ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعا: ((إن هاتين الصلاتين قد حولنا عن وقتهما فى هذا
المكان)). وسیأتی.
قوله: "عن جابر" إلخ، قلت: دلالته على عدم جواز الصلاة قبل الوصول إلى مزدلفة
ظاهرة، فإن مثل هذا الكلام يتبادر منه عدم الصحة، كقوله معّ له: ((لا صلاة إلا بأم الكتاب))
ونحوه. ولقائل أن يحمله على عدم الكمال، ولكنا حملناه على عدم الصحة لكونه متبادرا منه
ظاهرا، ولما فى حديث أسامة السابق، وحديث عبد الله بن مسعود اللاحق من الدلالة عليه، وإذا
تأيد الظاهر بقرائن تعين حمل الكلام عليه، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن ابن مسعود" إلخ، قلت: موضع الاستدلال منه قوله: ((هما صلاتان تحولان عن
وقتهما))، فلما حولت المغرب فى هذا اليوم عن وقتها لأجل الجمع بين الصلاتين بمزدلفة لم يبق

١٣٢
إعلاء السنن
باب يصلى الفجر بمز دلفة بغلس قبل أن يسفر
ثم يقف على قزح يدعو إلى الإسفار ويفيض منها قبل طلوع الشمس
٢٧٢٥- عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: خرجت مع عبد الله رضى الله عنه إلی
مكة، ثم قدمنا جمعا، فصلى الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما،
صلى الفجر حين طلع الفجر، قائل يقول: طلع الفجر، وقائل يقول: لم يطلع الفجر، ثم
وقتها المعهود وقتا لها إذ ذاك، فمن صلاها قبل الوصول إلى مزدلفة أو قبل العشاء لا تجوز صلاته،
ويؤمر بالإعادة. لا يقال: فقد جاء عن ابن مسعود مثل ذلك فى صلاة الفجر؛ لأنه لما فسر الصلاتين
بدأ بالمغرب وثنى بالفجر، فثبت أن الفجر أيضا قد حولت عن وقتها، فتصلى بغلس حين يبزغ
الفجر، وأنتم لا تقولون لعدم جواز الصلاة فى الإسفار يومئذ، ولا بإعادتها. قلنا: أطلق عليه
التحويل تبعا ومجازا، كما فى قول الشاعر:
علفته تبنا وماء باردا
فإن أداء الصلاة فى أول وقتها ليس من التحويل فى شىء اتفاقا، بخلاف المغرب فإنها تؤدى
بعد وقتها فى وقت العشاء إجماعا، ونص ابن مسعود على علته بأنها قد حولت عن وقتها، فلم
يجز أدائها فى وقتها المعهود حينئذ فافهم. وإن سلمنا أن الفجر قد حولت عن وقتها حقيقة فنقول:
إنما ثبت ذلك بخبر الواحد، وهو لا يفيد إلا الوجوب دون الفرضية، فيكون أداء الفجر بعد الغلس
موجباً للنقصان فى الصلاة لا مبطلا لها، فقد قدمنا أن ترك الواجب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها
ترك الفريضة، وإنما أمرناه بإعادة المغرب وجمعها مع العشاء ما لم يطلع الفجر؛ لإمكان تدارك
الواجب ههنا، ولم تأمره بإعادة الفجر إذا صلاها بعد الغلس فى الإسفار؛ لعدم إمكان تدارك
الواجب الفائت بالإعادة، بل إذا أعادها كان مؤديا لها فى أشد إسفارا مما قبلها فافهم، فإن ذلك
نفيس، وإن لم يسبق إليه أحد من العلماء الحنفية ولكن قواعدهم تساعده ولا تأباه.
باب يصلى الفجر بمز دلفة بغلس قبل أن يسفر
ثم يقف على قزح يدعو إلى الإسفار ويفيض منها قبل طلوع الشمس
قوله: "عن عبد الرحمن بن يزيد" إلخ، قلت: دلالته على جميع أجزاء الباب غير الوقوف
على قزح ظاهرة. وفى قوله: ((إن هاتين الصلاتين حولنا عن وقتهما فى هذا المكان)) دليل على عدم
جواز المغرب قبل وقت العشاء، وقبل الوصول إلى مزدلفة، كما مر تقريره فتذكر. وفى قوله: " ثم

ج - ١٠
صلوة الفجر بمزدلفة والوقوف بها والإفاضة منها
١٣٣
قال: إن رسول الله عَ لّه قال: ((إن هاتين الصلاتين حولتا عن وقتهما فى هذا المكان
المغرب والعشاء))، فلا يقدم الناس جمعا حتى يعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة، ثم
وقف حتى أسفر، ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدرى أقوله
كان أسرع أم دفع عثمان رضى الله عنه، فلم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة يوم
النحر. رواه الإمام البخارى. "فتح البارى" (٣-٤٢٤).
٢٧٢٦- عن أبى إسحاق، سمعت عمرو بن ميمون يقول: شهدت عمر رضى
الله عنه صلى بجمع الصبح، ثم وقف، فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حين تطلع
الشمس، ويقولون: أشرق ثبير، وأن النبى معَّ خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس.
رواه البخارى.
وقف حتى أسفر" دليل على أن وقت الوقوف بمزدلفة من بعد صلاة الفجر إلى الإسفار، وسيأتى
تحقيقه. وفى قوله: "لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة" دليل على ما أسلفنا أن الإفاضة من
مزدلفة قبل طلوع الشمس سنة، وليس بواجب، حتى لو دفع منها بعد طلوع الشمس لم يلزمه دم
اتفاقا، بخلاف التعجيل فى الإفاضة من عرفة قبل غروب الشمس؛ فإنه يوجب دما؛ لما ورد فى
بعض الروايات مرفوعا: ((من جاوز وادى عرفات قبل أن تغيب الشمس فلا حج له)). ولم يرد مثل
ذلك فى الإفاضة من جمع بعد طلوعها، كما قد تقدمت الإشارة إلى ذلك كله فى باب الإفاضة
من عرفات، فتذكر.
قوله: "عن أبى إسحاق" إلخ. قلت: دلالة أثر عمر على أن وقت الوقوف من بعد صلاة
الصبح إلى الإسفار وإلى سنية الدفع قبل طلوع الشمس وكراهته بعده ظاهرة، ودل على ذلك كله
حديث جابر أيضا، وفى حديث على دلالة على استحباب الوقوف على قزح، وصحته فى كل
المزدلفة کما لا يخفى.
قال فى "البدائع": ويبيت ليلة المزدلفة بمزدلفة؛ لأن رسول الله عَ ليهبات بها، فإن مر بها
مارا بعد طلوع الفجر من غير أن يبيت بها فلا شىء عليه، ويكون مسيئا، وإنما لا يلزمه شىء لأنه
أتى بالركن، وهو كينونته بمزدلفة بعد طلوع الفجر، لكنه يكون مسيئا لتركه للسنة، وهى البيتوتة
بها، فإذا طلع الفجر صلى الإمام بهم صلاة الفجر بغلس؛ لما روى عن عبد الله بن مسعود - فذكر
الحديث- فإذا صلى الإمام بهم وقف بالناس، ووقفوا وراءه أو معه، والأفضل أن يكون موقفهم

١٣٤
صلوة الفجر بمزدلفة والوقوف بها والإفاضة منها
إعلاء السنن
٢٧٢٧- وفى حديث جابر الطويل: فصلى الفجر حين تبين له الصبح، ثم ركب
القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعا الله تعالى وكبره وهلله ووحده،
فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. رواه مسلم.
٢٧٢٨- وروى الطبرى عن على، قال: لما أصبح رسول الله عّ لّه بالمزدلفة غدا
فوقف على قزح وأردف الفضل، ثم قال: ((هذا الموقف، وكل المزدلفة موقف)). حتى إذا
أسفر دفع. وأصله فى الترمذى دون قوله: حتى إذا أسفر. "فتح البارى" (٣-٤٢٥).
على الجبل الذى يقال له: "قزح"، وهو تأويل ابن عباس للمشعر الحرام أنه الجبل وما حوله، وعند
عامة أهل التأويل المشعر الحرام هو مزدلفة. (قلت: ذكر الأقاويل كلها الإمام الطبرى فى تفسيره
٣- ١٦٧ و ١٦٨). فيقفون إلى أن يسفر جدا، يدعون الله تعالى ويهللون ويكبرون، ويحمدون
الله تعالى ويثنون عليه، ويصلون على النبى معَّ ليه، ويسألون حوائجهم؛ ثم يدفع منها إلى منى قبل
طلوع الشمس؛ لما روى عن النبى معَّهِ، فذكر الحديث إلى أن قال: وإن دفع بعد طلوع الفجر قبل
أن يصلى الناس الفجر فقد أساء ولا شىء عليه أهـ (٢ - ١٥٦).
وفيه أيضا: وأما زمانه أى زمان الوقوف بمزدلفة فما بين طلوع الفجر من يوم النحر وطلوع
الشمس، ومن حصل فى مزدلفة فى هذا الوقت أدرك الوقوف، سواء بات بها أولا، وإن لم يحصل
بها فيه فاته الوقوف، وهذا عندنا، وقال الشافعى: يجوز فى النصف الأخير من ليلة النحر، والسنة
أن يبيت ليلة النحر بمزدلفة، والبيتوتة ليست بواجبة، إنما الواجب هو الوقوف، والأفضل أن يكون
وقوفه بعد الصلاة، فيصلى صلاة الفجر بغلس، ثم يقف عند المشعر الحرام، ولو أفاض بعد طلوع
الفجر قبل صلاة الفجر فقد أساء، ولا شىء عليه لتركه السنة والله أعلم اهـ (٢ - ١٣٦).
قال الحافظ فى "الفتح": ونقل الطبرى الإجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت
الشمس فاته الوقوف. قال ابن المنذر: وكان الشافعى وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذه
الأخبار، (أن لا يدفع من جمع حتى يسفر)، وكان مالك يرى أن يدفع قبل الإسفار، واحتج له
بعض أصحابه بأن النبی مّ ◌ُلّ لم یعجل الصلاة مغلسا إلا ليدفع قبل الشمس، فكل من بعد دفعه من
طلوع الشمس كان أولى اهـ. (٣ - ٤٢٥). قلت: ولو كان ذلك أولى لأخذ به النبى عّ لّه والأجلة
من أصحابه، والثابت عنهم الدفع بعد الإسفار لا قبله فهو أولى، وقد نص عبد الله بن الزبير فى سنن
الحج على أن السنة أن يقف بجمع حتى يسفر، ويدفع قبل طلوع الشمس وقد تقدم.

١٣٥
ج - ١٠
باب وجوب الوقوف بمز دلفة ولزوم الدم بفواته بلا عذر
وجواز تر که بعذر الزحام ونحوه للضعفاء
٢٧٢٩- عن عروة بن مضرس، قال: أتيت رسول الله عَّه بالمزدلفة حين خرج
إلى الصلاة، فقلت: يا رسول! إنى جئت من جبلى طى، أكللت راحلتى، وأتعبت
وقال ابن قدامة فى "المغنى" (٣- ٤٤٣): لا نعلم خلافا فى أن السنة الدفع قبل طلوع
الشمس؛ وذلك لأن النبى معَّ له كان يفعله، ثم ذكر حديث عمر عند البخارى وقال: والسنة أن
يقف حتى يسفر جدا، وبهذا قال الشافعى وأصحاب الرأى، وكان مالك يرى الدفع قبل الإسفار.
ولنا ما روى جابر أن النبى معَّه لم يزل واقفا حتى أسفر جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس.
وعن نافع: أن الزبير أخر فى الوقت حتى كادت الشمس تطلع، فقال ابن عمر: إنى أراه يريد أن
يصنع كما صنع أهل الجاهلية، فدفع ودفع الناس معه، وكان ابن مسعود يدفع كانصراف المسفرين
من صلاة الغداة اهـ. (٣ - ٤٤٤).
وفيه أيضا: ثم إذا صلى الفجر وقف عند المشعر الحرام، وهو قزح، فيرقى عليه إن أمكنه، وإلا
وقف عنده، فذكر الله تعالى ودعا واجتهد، قال الله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله
عند المشعر الحرام﴾، وفى حديث جابر: أن النبى معَّه أتى المشعر الحرام، فرقى عليه، فدعا الله
وهلله وكبره ووحده اهـ (٣ - ٤٤٠).
وفى أثر ابن عمر دلالة على كراهة الدفع بعد طلوع الشمس، وفى حديث جابر ما يفيد أن
المشعر الحرام هو الجبل، وأطلق على المزدلفة كلها لكونها عنده فافهم. والمأمور هو الذكر عنده لا
عليه، نعم لو رقى عليه وأمكنه ذلك كان أولى؛ لما فيه من اتباع السنة النبوية، والله أعلم. وقوله:
"فرقى عليه" ليس فى حديث جابر عند مسلم، وهو فيه عند أبى داود (٣- ١٥٨ مع "البذل").
قال النووى: وهذا الحديث حجة الفقهاء فى أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين
وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة اهـ. (١- ٣٩٩).
باب وجوب الوقوف بمز دلفة ولزوم الدم بفواته بلا عذر
وجواز تر که بعذر الزحام ونحوه للضعفاء
قوله: "عن عروة بن مضرس" إلخ، قلت: فى قوله مرّ ◌ُله: ((من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا

١٣٦
حكم الوقوف بمزدلفة
إعلاء السنن
نفسى، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل لى من حج؟ فقال رسول الله عد له:
«من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى يدفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا،
فقد تم حجه، وقضى تفثه)). رواه الترمذى (١-١١٥). وقال: هذا حديث حسن
صحيح. وفى لفظ للطحاوى: ((من شهد معها هذه الصلاة صلاة الفجر)) قال: وقال
حتى يدفع)) دلالة على وقت الوقوف بمزدلفة أنه من طلوع الفجر؛ لأنه مَّ- صلى الفجر إذ ذاك.
حين تبين له الصبح، وإنما صلاها يومئذ بغلس لأجل التعجيل بالوقوف. وفيه أيضا أنه معدّ لّه علق تمام
الحج على هذا الوقوف، فلا أقل من أن يكون واجبا، ولو لم يكن الخبر من الآحاد لقلنا بفرضيته،
وأيضا فقد رخص رسول الله عَّ ◌ُلّ للضعفة من أهله فى ترك الوقوف بمزدلفة، والدفع منها إلى منى
بالليل، ليرموا الجمرة قبل أن تصيبهم دفعة الناس وزحمتهم، والفرائض لا تترك بمثل هذه
الأعذار، فلا يمكن القول بفرضيته.
فإن قيل: قد علق النبى معَّ له تمام الحج على شهود الصلاة صلاة الفجر بمزدلفة، وعلى
الوقوف بها، وأنتم لا تقولون بلزوم الدم على من لم يصلها بها. قلنا: قد أجمعوا على أنه لو بات
بها ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام، قاله الطحاوى رحمه الله؛
وقد ارتكب ابن حزم الشطط، فزعم أنه من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته
التزاما لما ألزمه به الطحاوى، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجزاء كما
حكاه الطحاوى، (لأن الخلاف اللاحق لا يرفع الإجماع السابق) وعند الحنفية يجب بترك الوقوف
بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. قاله الحافظ فى "الفتح" (٣ - ٤٢٣).
فإن قيل: قد وردت فى هذا الحديث زيادة عند النسائى بلفظ: ((من أدرك جمعا مع الإمام
والناس حتى يفيضوا فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك)). ولأبى يعلى:
«ومن لم يدرك جمعا فلا حج له)). وفيه تائید لما ذهب إليه ابن حزم. قلنا: لا دلالة فيه على ما ذهب
إليه؛ لكونه ساكتا عن ذكر الصلاة، وغاية ما فيه أن وقت الوقوف بها هو وقت وقوف الإمام
والناس، وهم يقفون بعد طلوع الفجر وأداء الصلاة إلى ما قبل طلوع الشمس، فمن أدرك جمعا فى
شىء من هذا الوقت فقد أدرك وإلا فلا، وهذا عين ما قلنا به. والمراد بإدراك الحج وعدمه إدراكه
على الكمال وبدونه، وليس معناه أن الحج بفوته بفوات هذا الوقوف؛ لأن ذلك من شأن الفرائض،
وهى لا تثبت بخبر الآحاد وأيضا فقد صنف أبو جعفر العقيلى جزأ فى إنكار هذه الزيادة، وبين أنها

١٣٧
ج - ١٠
حكم الوقوف بمزدلفة
سفيان: وزاد داود ابن أبى هند: قال: أتيت النبى معَّ ◌ُلّه حين برق الفجر اهـ. (١-٤٠٨).
وقال الحافظ: أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، والدار قطنى، والحاكم.
"فتح البارى" (٣-٤٢٣). وفيه أيضا: قال مجاهد، وقتادة، والزهرى: من لم يقف بها
فقد ضیع نسکا، وعلیه دم اهـ.
من رواية مطرف، عن الشعبى، عن عروة، وأن مطرفا كان يهم فى المتون. قاله الحافظ فى
"الفتح" (٤٢٣:٣).
وأيضا فقد عارضه حديث عبد الرحمن بن يعمر مرفوعا قال: ((الحج عرفة، من جاء عرفة.
قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه)): فإنه يفيد أن الوقوف بعرفة كل الحج، وأنه لا يفوت
إلا بفوته دون غيره، وحديث: ((الحج عرفة)) أشهر من حديث عروة بن مضرس هذا، فقد تلقته
الأمة بالقبول، وأجمعت على كون الوقوف بعرفة ركنا أصليا فى الحج كما تقدم، فلا بد من القول
بأن الوقوف بمزدلفة واجب، يلزم الدم بفوته بلا عذر، وليس بفرض کالوقوف بعرفة فافهم وأما
المبيت بمزدلفة فليس له ذكر فى حديث عبد الرحمان بن يعمر، ولا فى حديث عروة بن مضرس،
فليس بواجب بل هو سنة عندنا. قال ابن العربى فى "أحكام القرآن" له: الثانى: أن النبى عدّ له بين
لعروة بن مضرس إجزاء الحج مع الوقوف بعرفة دون المبيت بمزدلفة اهـ. (١ - ٥٨).
قال الحافظ فى "الفتح": وقد اختلف السلف فى هذه المسئلة، فکان بعضھم یقول: من مر
بمزدلفة فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل بها تم دفع منها فى أى وقت كان من الليل فلا دم عليه
ولو لم يقف مع الإمام. وقال مجاهد، وقتادة، والزهرى: من لم يقف بها فقد ضيع نسكا، وعليه
دم، وهو قول الثورى، وأبى حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبى ثور. وروى عن عطاء، وبه قال
الأوزاعى: لا دم عليه مطلقا، وإنما هو منزل، من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وروى الطبرى
بسند فيه ضعف عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: ((إنما جمع منزل لدلج المسلمين)). وذهب ابن بنت
الشافعى وابن خزيمة إلى أن الوقوف بها ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه.
ونقله ابن المنذر عن علقمة والنخعى، والعجب أنهم قالوا: من لم يقف بها فاته الحج، ويجعل
إحرامه عمرة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾.
واحتج الطحاوى بأن الله لم يذكر الوقوف، وإنما قال: ﴿فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾، وقد
أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور فى الكتاب ليس من

١٣٨
حكم الوقوف بمزدلفة
إعلاء السنن
٢٧٣٠- عن عائشة رضى الله تعالى عنها، قالت: نزلنا المزدلفة، فاستأذنت النبى
عٍَّ سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها، فدفعت قبل
حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون اسأذنت رسول الله
◌َّظلِّ كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. رواه البخارى، وأخرجه مسلم
بلفظ: وددت أنى كنت استأذنت رسول الله عَظيم كما اسأذنته سودة، فأصلى الصبح
بمنى، فأرمى الجمرة قبل أن يأتى الناس. فذكر الحديث، وفى رواية له: وكانت عائشة
لا تفيض إلا مع الإمام. "فتح البارى" (٣-٤٢٣).
سلب الحج فالموطن الذى يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا اهـ. (٣ - ٤٢٢).
وقال ابن قدامة فى "المغنى": والمبيت بمزدلفة (أى الوقوف بها) واجب. من تر که فعليه دم،
هذا قول عطاء، والزهرى، وقتادة، والثورى، والشافعى، وإسحاق، وأبى ثور، وأصحاب الرأى.
وقال علقمة، والنخعى، والشعبى: من فاته جمع فاته الحج؛ لقول الله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من
عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام﴾. وقول النبى مرّ له: ((من شهد صلاتنا هذه)) فذكر حديث
عروة بن مضرس، ثم قال: ولنا قول النبى معَّ له: ((الحج عرفة فمن جاء -أى عرفة- قبل ليلة جمع
فقد تم حجه)). وما احتجوا به من الآية والخبر فالمنطوق فيهما ليس بركن فى الحج إجماعا، فإنه لو
بأت بجمع، ولم يذكر الله تعالى، ولم يشهد الصلاة فيها صح حجه، فما هو من ضرورة ذلك
أولى، فيتعين حمل ذلك على مجرد الإيجاب أو الفضيلة أو الاستحباب اهـ (٣- ٤٤١).
قلت: بل يتعين حمله على مجرد الإيجاب فقط؛ لأنه معَ ◌ّه علق تمام الحج عليه، وورد فى
رواية بلفظ: ((ومن لم يدرك جمعا فلا حج له)) كما تقدم، فلا أقل من أن يكون واجبا، فإن ذلك
ليس من شأن الفضائل والمستحبات.
قوله: "عن عائشة وعن ابن عباس" إلخ، قلت: فيهما دلالة على الجزء الثالث من الباب.
وفى "البدائع": قد اختلف أصحابنا فيه، أى فى الوقوف بمزدلفة، قال بعضهم: إنه واجب، وقال
الليث(١) إنه فرض، وهو قول الشافعى،(٢) واحتجا بقول الله تعالى: ﴿فاذكروا الله عند المشعر
الحرام﴾، وهو المزدلفة، والأمر بالذكر عندها يدل على فرضية الوقوف بها.
(١) لا أدرى من هو؟ فمنا ليوث عديدة أجلهم الليث بن سعد المصرى الإمام.
(٢) قلت: كلا! بل هو قول ابن بنت الشافعى كما تقدم.

ج - ١٠
حكم الوقوف بمزدلفة
١٣٩
٢٧٣١- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: بعثنى النبى معَّه فيمن جمع بليل.
وفى رواية: أنا ممن قدم النبى معَّل ليلة المزدلفة فى ضعفة أهله(١) رواهما البخارى. وقد
أخرجه الطحاوى من طريق عطاء، عن ابن عباس مفصلا: قال: قال رسول الله عَ ليه
ولنا أن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولم يوجد؛ لأن المسئلة اجتهادية بين أهل
الديانة، وهم لا يختلفون فى موضع هناك دليل قطعى، ودليل الوجوب ما رواه عروة بن مضرس،
فذكر الحديث، فقد علق تمام الحج به، والواجب هو الذى يتعلق به التمام لا الفرض؛ لأن المتعلق به
أصل الجواز لا صفة التمام، وقال النبى معَّ له: ((الحج عرفة، من أدرك عرفة فقد أدرك الحج، جعل
الوقوف بعرفة كل الحج، ولو كان الوقوف بمزدلفة ركنا لم يكن عرفة كل الحج؛ ولأن ترك
الوقوف بمزدلفة جائز لعذر، لما روى أن رسول الله عَ ليه قدم ضعفة أهله، ولم يأمرهم بالكفارة، ولو
كان فرضا لما جاز تركه أصلا كسائر الفرائض، (أى وكالوقوف بعرفة، فإنه لا يجوز تركه لعذر،
ولو تركه لعلة فاته الحج إجماعا) فدل أنه ليس بفرض، بل هو واجب، إلا أنه قد يسقط وجوبه
لعذر، من مرض أو ضعف أو حيض ونحو ذلك، حتى لو تعجل ولم يقف لا شىء عليه، وأما الآية
فإن مطلق الأمر للوجوب لا الفرضية، بل الفرضية تثبت بدليل زائد (من الإجماع
ونحوه) والله أعلم. (٢ - ٣٦):
قلت: وفى حديث ابن عباس بلفظ البخارى والطحاوى وابن حبان دلالة على أنه عّ لّه قدم
الضعفة بليل قبل الصبح، ورخص لهم فى ترك الوقوف بمزدلفة. ورواه البيهقى(٢) عنه بلفظ: كان
يأمر نساءه وثقله فى صبيحة جمع أن يفيضوا مع أول الفجر بسواد، وأن لا يرموا الجمرة إلا
مصبحين. كما فى "عمدة القارى" (٤ - ٦٩٠). فلا يكون فيه دلالة على ترك الوقوف رأسا؛ بل
على ترك مده إلى الإسفار؛ لأن وقت الوقوف مبدأه من طلوع الفجر، فمن حصل بجمع فى جزء
من الزمان بعد طلوعه فقد أدرك الوقوف كما تقدم عن "البدائع"، فلا يستقيم به الاستدلال
(١) قال ابن حزم: الضعفة هم النساء والصبيان فقط. قلت: يدخل فيه المشايخ العاجزون، لأنه روى عن النبى عرّفيه أنه قدم ضعفة
بنى هاشم، وهو أعم من النساء والصبيان والمشايخ العاجزين وأصحاب الأمراض؛ لأن العلة خوف الزحام عليهم. قاله العينى
فى "العمدة" (٤-٢٩٠).
(٢) قلت: ورواه الطحاوى عنه بهذا اللفظ أيضا. وسنده صحيح، ولكن لنا أن نحمل قوله: "مع أول الفجر" على الفجر الكاذب،
فتجتمع الروايات، ولا يبقى بين قوله: "بليل" وبين قوله: "مع أول الفجر" تخالف، والجمع بين مختلف الأحاديث أولى من
الأخد ببعضها ورد بعض.

١٤٠
حكم الوقوف بمزدلفة
إعلاء السنن
للعباس ليلة المزدلفة: ((اذهب بضعفائنا ونسائنا فليصلوا الصبح بمنى، وليرموا جمرة
العقبة قبل أن تصيبهم دفعة الناس)). قال (الراوى): فكان عطاء يفعله بعد ما كبر
على جواز ترك الوقوف به للضعفاء.
ولنا أن نقول: إن الزيادة التى عند البيهقى لا حجة فيها ما لم تثبت بإسناد يقاوم إسناد
الصحيح، وإلا فما فى الصحيح أولى، لا سيما وقد تأيد بحديث عائشة رضى الله عنها: أن سودة
استأذنت النبى معَّ له، وأقامت عائشة وغيرها من أمهات المؤمنین بمزدلفة حتى أصبحن ووقفن، ثم
دفعن بدفعه مرّ. وبحديث عائشة أيضا عند أبى داود: أرسل رسول الله عَّ ◌ُّه بأم سلمة ليلة النحر،
فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم الذى يكون رسول الله عّ لّه يعنى
عندها. وبما رواه الخلال، عن عروة، عن أم سلمة، قالت: قدمنى رسول الله عَّه فيمن قدم من أهله
ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى.
وبما رواه مسلم عن أم حبيبة: أن رسول الله عَّ له بعث بها من جمع بليل. وهذه عدة أحاديث وإن
كان فى بعض منها مقال - كما بسط ابن القيم فى "زاد المعاد" (١- ٢٣٣) - ولكن مجموعها
يدل على جواز ترك الوقوف بمزدلفة للضعفاء فافهم. ويدل على ذلك أيضا حديث ابن عمر،
وحديث أسماء عند البخارى وغيره، وسيأتى لك سياقهما مفصلا فانتظر.
وقال ابن قدامة فى "المغنى": ومن بات بمزدلفة لم يجز له الدفع قبل نصف الليل، فإن دفع
بعده فلا شىء علیه، وبهذا قال الشافعى، وقال مالك: إن مربها ولم ينزل فعليه دم، فإن نزل فلا
دم عليه متى ما دفع. ولنا أن النبى عّ لّهبات بها، وقال: ((خذوا عنى مناسككم)) وإنما أبيح الدفع
بعد نصف الليل بما ورد من الرخصة فيه، فروى ابن عباس قال: كنت فيمن قدم النبى عّ لّه فى
ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى. وعن أسماء: أنها نزلت ليلة جمع عند دار بمزدلفة، فقامت تصلی،
فصلت، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا الحديث، وفيه قالت أسماء: إن
رسول الله عَّ أذن للظعن. متفق عليهما وعن عائشة رضى الله عنها قالت: أرسل رسول الله عَ ليه
بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود اهـ. (٤٤٢:٣).
قلت: لا دلالة فى هذه الأحاديث على التقييد بنصف الليل، فأما حديث ابن عباس وأم
سلمة فلا أثر فيهما لهذا القيد أصلا. وأما حديث أسماء ففيه أنها ارتحلت من مزدلفة بعد مغيب
القمر، وسلمنا أن القمر يغيب فى تلك الليلة عند أوائل الثلث الأخير، ولكن لا نسلم أنها ارتحلت