Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
التلبية بعد الصلوات
ج - ١٠
السلام فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذلك أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا على
شرف البيداء. وأيم الله لقد أوجب فى مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين
علا على شرف البيداء. قال سعيد بن جبير: فمن أخذ بقول ابن عباس أهل فى مصلاه
إذا فرغ من ركعتيه. رواه الحاكم فى "المستدرك" (١-٤٥٣)، وقال: هذا حديث
صحيح على شرط مسلم، مفسر فى الباب ولم يخرجاه. وأقره على ذلك الذهبى.
ورواه أيضا أبو داود كما قاله الحافظ فى "الفتح" (٣-٢٥٨).
رب قد فرغت، فقال: أذن فى الناس بالحج قال: رب وما يبلغ صوتى، قال: أذن وعلى البلاغ، قال:
رب كيف أقول؟ قال. قل: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج، حج البيت العتيق فسمعه من بين
السماء والأرض، ألا ترون أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون انتهى. وقال: صحيح الإسناد
ولم يخرجاه.
وروى الواقدى عن جده، عن مسلم بن خالد الزنجى عن ابن أبى نجیح، عن مجاهد، قال:
قام إبراهيم عليه السلام على هذا المقام، فقال: يا أيها الناس! أجيبوا ربكم، فقالوا: لبيك اللهم
لبيك؛ قال: فمن حج اليوم فهو ممن أجاب إبراهيم يومئذ انتهى (٤٧٧:١). قلت: وأثر مجاهد
مرسل حسن؛ فإن الواقدى مختلف فيه، وكذا ابن أبى نجيح، ومثله لا يقال بالرأى فهو فى حكم
المرفوع (١)، والله تعالى أعلم.
(١) هذا، ولقد من الله تعالى على هذا العبد الغريق فى الآثام بتوفيق زيارة بيته وبلده الحرام، وزيارة قبر حبيبه عليه الصلاة وأزكى
السلام مرتين، فله الحمد وله الشكر دائمين متلازمين مدى تعاقت الملوين، وقد رأيت فى المنام بعد كتابة هذا المقام وقت
القيلولة بعد الطعام، يوم الإثنين من ذى الحجة الحرام، سنة تسع وأربعين بعد ثلاثمائة وألف من هجرة خير الأنام، أنى ركبت
السفينة البحرية مع الأهل والعيال والأولاد والأطفال، لزيارة بيت الله العلى المتعال، مع الأمن والسلامة فرحين مستبشرين بهذه
الكرامة، اللهم فاجعلنى مخلصا لك وأهلى وأولادى فى كل ساعة، وارزقنا حج بيتك، وزيارة حبيبك، واجعلنا ممن أجاب
دعوة خليلك مرة، وكرة، وصل على نبيك الأمى، وعلى آله وأصحابه عدد كل ذرة ألف ألف مرة، وعلى خليلك إبراهيم،
وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلينا معهم أجمعين يا رب العالمين. وقد أجاب الله دعائى هذا ووقع ظهوره بعد ثلاث
سنوات إلا أشهرا، فحججت، مع بنت أخى رشيدة، وفى حجرها بنتها مفيدة سلمهما الله تعالى وعافاهما سنة اثنتين
وخمسين بعد ثلاثمائة وألف من الهجرة، فخرجنا من الوطن الثلثين من شوال، وزرنا المدينة وقبر نبينا مر ◌ّ أولا، وأقمنا هناك
ثمانية أيام، وفى اليوم التاسع رحلنا إلى مكة، وأحرمنا بالمسجد مسجد ذى الحليفة قارنين، ودخلنا مكة رابع ذى الحجة، وطننا
بالبيت، ووقفنا بعرفة، والمزدلفة، ونزلنا بمنى، ثم طفنا للزيارة، وودعنا البيت السادس عشر من ذى الحجة الحرام، ورجعنا إلى
الوطن لاثنين من المحرم سنة ثلاث وخمسين بسلام.

٤٢
إعلاء السنن
باب لا يصيد المحرم ولا يدل على الصيد ولا يعين ولا يشير إليه
ويجوز له أکل ما صاده الحلال بدون أمره ودلالته وإشارته
٢٦٠٩- عن أبى قتادة، قال: كنت يوما جالسًا مع رجال من أصحاب النبى عَضيّة
فى منزل فى طريق مكة، ورسول الله عَّ له أمامنا، والقوم محرمون، وأنا غير محرم عام
الحديبية، فأبصروا حمارا وحشيا، وأنا مشغول أخصف نعلى، فلم يؤذنونى، وأحبوا لو
أنى أبصرتُه، فالتفت فأبصرته، فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثم ركبت ونسيت السوط
والرمح، فقلت لهم: ناولونى السوط والرمح، قالوا: والله لا نعينك عليه(١) فغضبت،
فنزلت فأخذتهما، ثم ركبت فشددت على الحمار فعقرته، ثم جئت به وقد مات،
فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا فى أكلهم إياه وهم حرم، فرحنا وخبأت العضد
معى، فأدر كنا رسول الله عَّ ◌ُله، فسألناه عن ذلك؟ فقال: هل معكم منه شئ؟ فقلت:
نعم، فناولته العضد، فأكلها وهو محرم. متفق عليه. ولفظه للبخارى، ولهم فى رواية:
((هو حلال فكلوه)). ولمسلم: ((هل أشار إليه إنسان أو أمره بشئ؟ قالوا: لا، قال: فكلوه))
والبخارى: قال: ((منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا
ما بقى من لحمها)). "نيل الأوطار" (٤-٢٤٠).
باب لا يصيد المحرم ولا يدل على الصيد ولا يعين ولا يشير إليه
ويجوز أکل ما صاده الحلال بدون أمره ودلالته وإشارته
قوله: "عن أبى قتادة" إلخ: قلت: دلالة الحديث على جميع أجزاء الباب ظاهرة. بقى ما إذا
صاده الخلال لأجل المحرم من غير أمرِه ولا دلالته وإشارته وإعانته عليه، هل يجوز أكله للمحرم؟
فظاهر حديث أبى قتادة أن نعم، فإنه لا يشك أحد فى أن أبا قتادة لم يصد الحمار لنفسه وحده، بل
له ولأصحابه وهم محرمون، يدل على ذلك قوله: وأحبونی لو أنى أبصرته. فقد تفرس محبة القوم
لاصطياده، ثم ركب فرسه وشد على الحمار فعقره، فمن زعم أنه إنما اصطاده لنفسه دون أصحابه
فقد أغرب وأبعد.
(١) زاد أبو عوانة: إنا محرمون. "نيل".

٤٣
بیان حکم الصيد للمحرم
ج - ١٠
٢٦١٠- عن جابر، أن النبى عَّ ◌ُّه قال: ((صيد البر لكم حلال وأنتم حرم ما لم
تصيدوه أو يصاد لكم)). رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وقال الشافعى: هذا أحسن حديث
فائدة:
قال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث، أى حديث أبى قتادة،
ويقولون: كيف جاز لأبى قتاد مجاوزة الميقات بلا إحرام؟ ولا يدرون ما وجهه، حتى رأيته مفسرا
فى حديث عياض عن أبى سعيد، قال: خرجنا مع رسول الله عَّ فأحرمنا، فلما كان مكان كذا
وكذا إذا نحن بأبى قتادة، كان النبى معَ ◌ّه بعثه فى شىء قد سماه، فذكر حديث الحمار الوحشى
انهى. كذا فى "نيل الأوطار" (٢٤٢:٤) وحاصله أن أبا قتادة لم يخرج من المدينة بإرادة مكة،
وإنما خرج منها لحاجة قد وجهه إليها رسول الله عَ ليه، فلما فرغ منها سمع بخروجه عَ ليه
وأصحابه إلى مكة للعمرة، فالتحق بهم فى الطريق، وكان ذلك عام الحديبية، فيحتمل تقدم القصة
على توقيت المواقيت أيضا، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن جابر" إلخ، الحديث صريح فى التفرقة بين أن يصيد المحرم أو یصیده غيره له،
وبين أن لا يصيده المحرم ولا يصاد له، بل يصيده الحلال لنفسه، ويطعمه المحرم، فلا يجوز له الأول،
ويجوز الثانى. قال الشاه ولى الله قدس الله سره فى "المسوى" شرح "الموطأ": قلت: وعليه
الشافعى، وأبو حنيفة، أنه يجوز للمحرم أكل الصيد إذا لم يصطد بنفسه، ولا اصطيد لأجله بأمره
أو إشارته، فإن اصطيد لأجله أو بإشارته فلا يحل له، ويحل لغيره اهـ (٢٩٢:١).
وذكر الطحطاوى ما يدل على أنه يجوز للمحرم أكل ما اصطيد لأجله، وأول قوله مُ له:
((أو يصاد لكم)) بأن معناه أو يصاد بأمر كم، أو إشارتكم، أو دلالتكم عليه وإعانتكم، قال: إن قول
النبى معَّ ◌ُله: "أو يصاد لكم" يحتمل أن يكون أراد به أو يصاد لكم بأمركم، فإن كان ذلك كذلك
فإنهم أيضا كذلك يقولون: كل صيد صاده حلال لمحرم بأمره فهو حرام على ذلك المجرم، وقد
رويت عن رسول الله عّ لّ أحاديث جاءت مجيئا متواترا فى إباحة لحم الصيد الذى قد صاده
الحلال للمحرم، إذا لم يكن صاده بأمره ولا بمعونته إياه عليه، ثم ذكر حديث أبى قتادة المتقدم،
وقال: فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده فى وقت ما صاده إرادة منه أن يكون له خاصة، وإنما أراد أن
يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، فقد أباح رسول الله مرّ ◌ّ ذلك له ولهم، ولم يحرمه عليهم
لإرادته أن يكون لهم معه فى حديث عثمان بن عبد الله بن موهب (عن عبد الله بن أبى قتادة عن

٤٤
بيان حكم الصيد للمحرم
إعلاء السنن
فى الباب وأقيس. قلت: وهو من رواية المطلب بن عبد الله بن حنطب عن جابر،
أبيه) أن رسول الله عَّيه سألهم فقال: ((أشرتم أو أصدتم أو قتلتم؟ قالوا: لا، قال: فكلوا)) فدل ذلك
أنه يحرم عليهم إذا فعلوا شيئا من هذا، ولا يحرم عليهم بما سوى ذلك، وفى ذلك دليل أن معنى
قول رسول الله مرّ له: "أو يصاد لكم" أنه على ما صيد لهم بأمرهم اهـ (٣٨٩:١).
وأوله سيدى الشيخ مولانا خليل أحمد قدس الله سره فى "بذل المجهود": بأن لفظة " أو"
الواقعة ههنا بمعنى إلا أن، إستثناء من المفهوم المتقدم، فإن قوله: ما لم تصيدوه بمعنى الاستثناء، فكأنه
قال: لحم الصيد لكم فى الإحرام حلال إلا أن تصيدوه إلا أن يصاد لكم، فيكون الاستثناء الثانى
من مفهوم الاستثناء الأول اهـ (١٣٠:٣).
قلت: ولكن لا دليل عليه، ويؤيد كونه للعطف ما فى الترمذى بلفظ: ((أو يصيد لكم)) بغير
ألف مجزوما، وكذا هو فى بعض "نسخ أبى داود"، كما ذكره الشيخ بنفسه، فيلزم المصير إلى
المعنى الذى قد دل عليه دليل، وترك ما لم يدل عليه شىء. وقال صاحب "الهداية" اللام فيما روى
لام تمليك، فيحمل على أن يهدى إليه الصيد دون اللحم. وهذا أيضا كما ترى لا يقوم على
رجلیه، وأحسن ما يؤول به الحديث هو ما ذكر الطحاوى.
وعندى لا حاجة إلى التأويل؛ لكون الحديث ضعيفا مضطرب الإسناد، فقد رواه الشافعى
عن عمرو، عن رجل من الأنصار، عن جابر (ولم يذكر المطلب ولا مولاه) ورواه الطبرانى عن
عمرو، عن المطلب، عن أبى موسى. ورواه الخطيب عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر. اللهم إلا أن
يقال بارتفاع الاضطراب بترجيح إحدى الطرق على ما سواها، والظاهر أن طريق عمرو من أبى
عمرو، عن مولاه المطلب، عن جابر راجحة؛ لكون رجالها من الثقات، وما سواها من الطرق لا
تخلو عن متروك أو ضعيف جدا، كما يظهر من "النيل" (٢٤٣:٤) ولكنه مع ذلك لا يقوى قوة
حديث أبى قتادة، كما هو ظاهر لمن له أدنى ممارسة بالحديث، فالأولى الاعتماد والتعويل عليه،
ويحمل قوله: "أو يصاد لكم" على التنزه مما قد صيد لأجل المحرم ممن لا يباشر العمل بنفسه، بل
يعمل له خادمه أو أجيره أو عبده، فإذا صاد أحد من هؤلاء لمولاه ولو بدون أمره يصح أن يقال: إنه
لم يصد لنفسه، بل ينسب فعله إلى المولى؛ لكونه نائبا عنه فى العمل غالبا، فينبغى لمثل هذا المحرم
التنزه مما صاده له أحد من هؤلاء، والله تعالى أعلم.
فإن قيل: قد ورد فى حديث أبى قتادة فى بعض طرقه ما يؤيد حديث جابر هذا، فبطل

٤٥
بيان حكم الصيد للمحرم
ج - ١٠
ولا يعرف له سماع منه، قاله الترمذى، كذا فى "نيل الأوطار" (٤-٢٤٣). وفى سنده
اضطراب كما سنذكره.
الاعتماد عليه، ولم يبق من الترجح فى شىء، وهو ما رواه أحمد وابن ماجة بإسناد جيد، وفيه: قال
أبو قتادة: فذكرت شأنه لرسول الله عَّ ته، وذكرت أنى لم أكن أحرمت، وأنی إنما اصطدته لك،
فأمر النبى معٍَّ أصحابه، فأكلوا ولم يأكل منه حين أخبرته: أنى اصطدته له. كذا فى "النيل"
(٤: ٢٤١). وهذا يدحض تأويلكم قوله: "أو يصاد لكم" بما ذكر تموه، من أنه يصاد للمحرم بأمره؛
فإن النبى مّله لم يأمر أبا قتادة بالاصطياد أصلا، كما هو ظاهر من سياق الحديث، ومع ذلك فقد
تنزه رسول الله عزّ في عن أكله حين أخبره أنه اصطاده له.
قلنا: قال البيهقى: هذه الزيادة غريبة (أى شاذة) يعنى قوله: إنى اصطدته لك (إلى آخره)
قال: والذى فى الصحيحين أنه أكل منه. وقال أبو بكر النيسا بورى: قوله: إنى اصطدته لك وأنه لم
يأكل منه. لا أعلم أحدا قاله فى هذا الحديث غير معمر، وكذا قال ابن خزيمة، والدار قطنى،
والجوزقى، كما فى "النيل" أيضا، فهذه زيادة تفرد بها معمر خلاف جماعة الثقات، فلا تقبل، ولا
يصح الاحتجاج بها أصلا، بل هى ساقطة عن درجة الاعتبار. وروى الطحاوى بسند جيد عن عبد
الله بن شماس، يقول: أتيت عائشة رضى الله عنها، فسألتها عن لحم الصيد يصيده الحلال ثم يهديه
للمحرم؟ فقالت: اختلف فيه أصحاب رسول الله مرّ ◌ُلآه، فمنهم من حرمه، ومنهم من أحله، وما
أرى بشىء منه بأسا اهـ (٣٨٧:١). فقولها: وما أرى بشىء منه بأسا، يعم ما صاده الحلال لأجل
المحرم، وما صاده لنفسه ثم أهداه له. وأخرج أيضا بسند صحيح عن أبى هريرة: إن رجلا من أهل
الشام استفتاه فى لحم الصيد وهو محرم؟ فأمره بأكله، قال: فلقيت عمر بن الخطاب فأخبرته
يمسألة الرجل، فقال: بما أفتيته؟ فقلت بأكله، فقال: والذى نفسى بيده لو أفتيته بغير ذلك لعلوتك
بالدرة، إنما نهيت أن تصطاده اهـ (٣٩٠:١). فقوله: إنما نهيت أن تصطاده. دليل على أنه يجوز
للمحرم أكل ما اصطاده الحلال، إذا لم يكن فعل ما يدل على كونه شريكا فى الاصطياد، وبه
نقول، والله تعالى أعلم.
تنبيه:
قد علمت مما ذكرناه سابقا أن الشيخ ولى الله قدس سره قد عزى إلى أبى حنيفة القول
بحرمة ما اصطاده الحلال لأجل المحرم، وإن لم يكن أمره به، ولا أعانه، ولا أشار إليه، ولا دله عليه.

٤٦
إعلاء السنن
باب ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضائه
٢٦١١- عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله عَّ ◌َله ما يلبس المحرم؟ قال: ((لا يلبس
المحرم القميص، ولا العمامة، ولا البرنس، ولا السراويل، ولا ثوبا مسه ورس ولا
زعفران، ولا الخفين إلا أن لا يجد نعلین فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين». رواه
الجماعة، وفى لفظ للبخارى: ((وليحرم أحدكم فى إزار ورداء ونعلين فإن لم يجد
النعلين فيلبس الخفين. الحديث نيل (٤-٢١٨، ٢١٩).
وهذا مما لم نجده فى مذهب أبى حنيفة أصلا، بل قد وجدنا خلافه، قال محمد فى "الموطأ": إذا
صاد الحلال الصيد فذبحه فلا بأس بأن يأكل المحرم منه، إن كان صيد من أجله أو لم يصد من
أجله؛ لأن الحلال صاده وذبحه، وذلك له حلال، فخرج من حال الصيد، وصار لحما، فلا بأس بأن
يأكل المحرم منه، إلى أن قال: وهذا كله قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى اهـ
(٢١١) وفى "البدائع": وسواء صاده الحلال لنفسه أو للمحرم بعد أن لا يكون بأمره عندنا (أى
ولا یاشارته ودلالته ولا یإعانته علیه بشیء) وقال الشافعی: إذا صاده له لا یحل له أکله، واحتج بما
روى عن جابر فذكره، ثم قال: ولا حجة له فيه؛ لأنه لا يصير مصيدا له إلا بأمره، وبه نقول، والله
تعالى أعلم انتهى من "بذل المجهود" (١٣٠:٣).
ولعل الشيخ قد اغتر بما وقع فى بعض نسخ "شرح الهداية" لابن الهمام: أنه إذا اصطاد
الحلال بمحرم صيدا لم يأمره به اختلف فيه عندنا، فذكر الطحاوى تحريمه على المجرم، وقال
الجرجانى: لا يحرم، وقال القدورى: هذا غلط، واعتمد على رواية الطحاوى. قال فى "المحيط":
وهو الصحيح اهـ. فقوله: صيدا لم يأمره. خطأ، الصواب صيدا أمره، على ما فى بعض النسخ،
صرح به القارى فى "شرح الباب" (٢١١).
باب ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضاءه
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة. قال البيضاوى: سئل
عما يلمس، فأجاب بما ليس يلبس؛ ليدل بإلزام من طريق المفهوم على ما يجوز. قال النووى: قال
العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وجزله؛ لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به.
وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا أى ويلبس ما سواه. وقال غيره: هذا
يشبه أسلوب الحكيم. وهذا كله على الرواية التى فيها السوال عن اللبس: وهى المشهورة عن نافع.

٤٧
بيان ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضائه
ج - ١٠
٢٦١٢- عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما: أن النبى عَّ له قال: ((لا تنتقب المرأة
المحرمة، ولا تلبس القفازين)). رواه أحمد، والبخارى، والنسائى، والترمذى وصححه،
"نيل الأوطار" (٤-٢١٩).
وأما على رواية الدار قطنى بلفظ: ماذا يترك المحرم من الثياب؟ وأحمد وأبى عوانة وابن حبان فى
صحيحهما بلفظ: ما يجتنب المحم من الثياب؟ فليس من أسلوب الحكيم، وصرح الحافظ فى رواية
الدار قطنى بأنها شاذة، كما فى "النيل" (٢١٨:٤) وكذلك رواية أحمد وأبى عوانة وابن حبان
عندى رواية بالمعنى، والراجح رواية الجماعة، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ فى "الفتح": أجمعوا على أن المراد بالمحرم هنا الرجل، ولا يلتحق به المرأة فى
ذلك. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للمرأة ليس جميع ما ذكر، وإنما تشترك مع الرجل فى منع
الثوب الذى مسه الزعفران أو الورس. وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر فى هذا
الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على
كل ما يغطى الرأس به مخيطا أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل انتهى. وخص ابن دقيق
العيد الإجماع الثانى بأهل القياس، وهو واضح، والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذى
جعل له ولو فى بعض البدن، فأما لو ارتدى بالقميص مثلا فلا بأس اهـ (٣١٩:٣) قلت: وهذا كله
مذهب الحنفية أيضا كما هو ظاهر من كتبهم.
قوله: "عن ابن عمر ثانيا" إلخ: فيه دلالة على منع المرأة من ستر وجهها وكفيها. قال فى
"النيل". واختلف العلماء أيضا فى لبس النقاب، فمنعه الجمهور، وأجازته الحنفية، وهو رواية عند
الشافعية والمالكية، وهو مردود بنص الحديث اهـ. قلت: إنما أجازت الحنفية أن تدل على وجهها من
فوق رأسها إذا احتاجت إلى ستر وجهها عن نظر الأجانب من الرجال، لكن إذا سدلت بكون
الثوب متجافيا عن وجهها بحيث لا يصيب البشرة، وهكذا قال أصحاب الشافعی وغيرهم، كما
ذكره صاحب "النيل" نفسه (٢٢٢:٤)، وليس ذلك مردودا بنص الحديث، بل يؤيده أثر عائشة
الآتى، وإنما اشترطوا أن يكون الثوب متجافيا عن الوجه بحيث لا يصيب البشرة؛ لئلا يكون
كالنقاب المنهى عنه، وفى ذلك إعمال الأثرين جميعا، لا إعمال أحدهما وإهمال الآخر.
والعجب من الشوكانى أنه لا يقول بجواز النقاب للمحرمة أصلا، ثم يجيز لها أن تسدل
على وجهها من فوق رأسها مطلقا، ولا يشترط أن يكون متجافيا عن الوجه بحيث لا يصيب

٤٨
بيان ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضائه
إعلاء السنن
٢٦١٣- عن عائشة رضى الله عنها، قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع
رسول الله عَّ محرمات، فإذا حازوا بنا سدلت إحدانا جلبا بها من رأسها على
وجهها، فإذا جاوزونا کشفناه. رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وفیه یزید بن أبی
زيادة قال ابن خزيمة: فى القلب منه شئ، لكن ورد من وجه آخر، ثم أخرج من طريق
فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبى بكر - وهى جدتها- ونحوه، وصححه الحاكم،
ويزيد بن أبى زيادة المذكور قد أخرج له مسلم، وفى "الخلاصة" عن الذهبى: أنه
صدوق. "نيل" (٤-٢٢٢).
٢٦١٤- عن سالم: أن عبد الله - يعنى ابن عمر - كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة،
البشرة، بل يقول: بأن ظاهر الحديث خلافه؛ لأن الثوب المسدول لا يكاد يسلم من إصابة البشرة
فلو كان التجافى شرطا لبينه معرّ ◌َّ اهـ (٢٢٢:٤).
قلت: قد بينه مَّ فى قوله: ((لا تنتقب المرأة المحرمة)) الحديث، فجواز سدل المرأة على الوجه
مشروط بأن لا يكون كالنقاب المنهى عنه، ولعلك قد عرفت بذلك غاية مراعاة الحنفية للجمع بين
الأحاديث والآثار، وقد ظفرت فى "مسند الشافعى" بأثر صريح فيما قالوه، وهو ما رواه عن سعيد
ابن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تدلی عليها من جلابيبها ولا تضرب به.
قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار إلى كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من
الجلباب، فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها، ولكن تسد له على وجهها كما هو مسدولا.
الحديث (١٤٠) وفيه سعيد بن سالم القداح مختلف فيه، حسن الحديث. قال فى "غنية الناسك":
والمراد بكشف الوجه عدم مماسة شىء له، فلذلك يكره لها أن تلبس البرقع؛ لأن ذلك يماس وجهها،
كذا فى "المبسوط". فلو سدلت عليه شيئا وجافته عنه جاز من الإحرام؛ لعدم كونه سترا، وأما
عند وجود الأجانب فالإرخاء واجب عليها عند الإمكان، وعند عدمه يجب على الأجانب
غض البصر، وتمامه فى رد المحتار اهـ (٤٩:٢) وبهذا ظهر أن ما نسبوه إلى الحنفية لا يصح،
والمذهب ما ذكره فى الغنية والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عائشة" إلخ، دلالته على الباب ظاهرة.
قوله: عن سالم إلخ، دلالته على جواز لبس المرأة الخفين ظاهرة، وهو مذهبنا معشر الحنفية.

٤٩
بيان ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضائه
ج - ١٠
ثم حدثته صفية بنت أبى عبيد أن عائشة حدثتها: أن رسول الله مرّ له كان قد رخص
للنساء فى الخفین، فترك ذلك. رواه أبو داود، وفى إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه لم
يعنعن. كذا "النيل" (٤-٢٢٢).
٢٦١٥- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلا أو قصته راحلته وهو
محرم، فمات، فقال رسول الله عَّ ◌ُله: ((اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه فى ثوبيه، ولا
تمسوه طيبا، ولا تخمروا رأسه ولا وجهه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)). أخرجه مسلم،
والنسائى، وابن ماجه. "التعليق الممجد" (٢٠٢).
تنبيه:
واستدل بقوله فى حديث ابن عمر: "فإن لم يجد"، على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين
المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه، وكذا عند الحنفية. وقال ابن العربى:
إن صارا كالنعلين جاز، وإلا متى سترا من ظاهر الرجل شيئا لم يجز إلا للفاقد. قاله الحافظ فى
"الفتح" (٣٢٠:٣). وفى "الغنية" فى محرمات الإحرام: ولبس الخفين والجور بين إلا أن لا يجد
نعلين، فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، كما فى الصحيح. قال ابن الهمام: وعن هذا قال
المشايخ: يجوز للمحرم ليس المكعب؛ لأن الباقى من الخف بعد القطع كذلك مكعب، لكنهم
أطلقوا جواز لبسه، ومقتضى النص أنه مقيد بما إذا لم يجد نعلين اهـ. وكذا حكى الطبرانى عن أبى
حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه إذا كان قادرا على النعلين لا يجوز له لبس الخفين ولو قطعهما، وهو
قول مالك والشافعى رحمهما الله.
قلنا: بل ظاهر الحديث أنه لو وجدهما لا يقطع الخفين؛ لما فيه من إتلاف المال من غير
حاجة، وهو لا ينافى جواز لبسهما لو قطعهما مع وجود النعلين، "بحر ورد المختار". نعم البسهما
مع وجود النعلين مخالف للسنة، فيكره ويحصل به الإساءة اهـ (٤٥)، قلت: وهو محمل ما رواه
الطبرانى عن الإمام.
قوله: "عن سعيد بن جبير" إلخ: قلت: لا خلاف بين العلماء فى أن النهى عن تطبيب هذا
الميت وعن تخمير رأسه ووجهه إنما هو لكونه مات محرما، والخلاف فى كون هذا الحكم متعديا
إلى غيره أو غير متعد، فذهبت الحنفية إلى الثانى، وقالوا: إن عدم انقطاع أحكام الإحرام بالموت
مخصوص بهذا الرجل بعينه، وإذا كان النهى عن التطبيب والتغطية لأجل الإحرام ثبت أن المحرم

٥٠
بيان ما لا يلبس المحرم وما لا يغطيه من أعضائه
إعلاء السنن
٢٦١٦- أخبرنا مالك، حدثنا نافع، أن ابن عمر كان يقول: ما فوق الذقن من
الرأس فلا يخمره المحرم. أخرجه محمد فى "الموطأ" (٢٠٢) وقال: بقول ابن عمر
نأخذ، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى.
٢٦١٧- عن عمر وقد رأى على طلحة ثوبا مصبوغا وهو محرم، فقال: ما هذا؟
قال: إنما هو مدر، قال: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم الناس، فلو أن رجلا جاهلا
لا يخمر رأسه ولا وجهه. قال أبو عبد الله الحاكم فى "علوم الحديث": ذكر الوجه فى الحديث
تصحيف فى الرواية؛ لإجماع الثقات الإثبات على ذكر الرأس. ورد بأن التصحيف إنما يكون فى
الحروف المتشابهة، وأى تشابه بين الوجه والرأس فى الحروف، هذا على تقدير أن لا يذكر فى
الحديث غير الوجه، فكيف؟ وقد جمع بين الوجه والرأس. والروايتان عند مسلم ففى لفظ اقتصر
على الوجه، وفى لفظ جمع بينهما. كذا فى "التعليق الممجد" (٢٠٢).
قوله: أخبرنا مالك إلخ، قلت: دلالته على أن المحرم لا يغطى وجهه ظاهرة، وذهب الشافعى
رحمه الله إلى جواز تغطية الوجه، واحتج بما رواه الدار قطنى وغيره عن هشام بن حسان عن عبيد
الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا ((إحرام الرجل فى رأسه وإحرام المرأة فى وجهها)) اهـ
(٢٨٦:١) ومعناه عندنا أن كشف الرأس آكد من كشف الوجه فى حق الرجل، وليس أن كشف.
الوجه لا يلزمه، ودليل ذلك أن ابن عمر الذى روى هذا قد روى عنه بإسناد يقال له: أصبح
الأسانيد: مالك، عن نافع، عنه، أنه كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس فلا يخمره المحرم فلو كان
معنى قوله: إحرام الرجل فى رأسه، أنه يجوز للمحرم تغطية الوجه لما نهاه عن تخميره، فافهم.
واحتج أيضا بما رواه مالك: أخبرنا عبد الله بن أبى بكر، أن عبد الله ابن عامر بن ربيعة
أخبره، قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم فى يوم صائف قد غطى وجهه "الموطأ
لمحمد" (٢٠٢) قال الباجى: يحتمل أن يكون فعل ذلك لحاجة إليه، أى لضرورة دعت إليه، وأن.
يكون فى رأيه مباحا (أى والاحتمال يضر الاستدلال، وقوله: "فى يوم صائف" ظاهر فى العذر)
وقد خالفه غيره، فقالوا: لا يجوز اهـ من "التعليق الممجد" (٢٠٢) قلت: فيجب التعويل على قول
من قال: لا يجوز دون الفعل، فإنه يحمل الوجوه، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عمر" إلخ: قال الزرقانى: إنما كره عمر ذلك لئلا يقتدى به جاهل، فيظن جواز
لبس المورس والمزعفر، فلا حجة فيه لأبى حنيفة فى أن العصفر طيب وفيه الفدية قاله ابن المنذر،

٥١
ج - ١٠
رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة فى الإحرام، فلا
تلبسوا أيها الرهط من هذه المصبغة. أخرجه مالك فى "الموطأ" " جمع الفوائد"
(١ -- ١٦٩). وقال محمد فى "موطأه": ويكره أن يلبس المحرم المشبع بالعصفر،
والمصبوغ بالورس أو الزعفران، إلا أن يكون شىء من ذلك قد غسل فذهب ريحه،
وصار لا ينفض، فلا بأس أن يلبسه المحرم اهـ.
باب من لم يجد إزارا فليلبس سراويل وليفتقه
٢٦١٨- عن جابر، قال: قال رسول الله عّ لّ: ((من لم يجد نعلین فليلبس خفین،
ومن لم يجد إزارا فليلبس سراويل)). رواه أحمد، ومسلم. "نيل الأوطار" (٤-٢٢٠).
وقد أجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم انتهى. وفيه نظر ظاهر؛ فإن الظاهر من أثر عمر أنه كره
ذلك؛ لئلا يظن من لبس الثوب المصبغ بالمدر ولونه أحمر جواز لبس الأحمر مطلقا حتى المعصفر،
لا لئلا يظن جواز المورس والمزعفر، فإن لون كل منهما أصفر، كذا فى "التعليق الممجد" (٢٠٤)
قلت: وكون العصفر من الطيب مما يتعلق بالمشاهدة والشم، فيمكن أن لا يكون عصفر بلاد
الزرقانى من الطيب، وأما عصفر بلادنا فله رائحة طيبة، يصبغ به ثياب العروس، ويرتاح به
النفوس، والله تعالى أعلم.
واحتجوا بما رواه ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعا فى النساء: ((ولتلبس بعد ذلك
ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا أو خزا)) إلخ، أخرجه أبو داود والبيهقى، وفيه ذكر الخف، وقد
مر أن ابن عمر كان يأمرهن بقطع الخفين حتى حدثته صفية، وكيف يأمرهن بذلك وقد سمع النبى
عَّ له إباحة الخف للنساء؟ وفى "المحلى": روينا عن عمر المنع عن المعصفر جملة، وللمحرم خاصة
أيضا عن عائشة، وقد روى أبو داود بسند صحيح عن أم سلمة مرفوعا: قال: "المتوفى عنها زوجها
لا تلبس المعصفر من الثياب)) اهـ. وليس ذلك لكونه زينة، ففى الصحيحين: أنه عليه السلام استثنى
من المنع ثوب العصب. وهو فى الزينة فوق المعصفر، قاله الطحاوى، فليس النهى إلا لكونه طيبا،
كذا فى "الجوهر النقى" (٣٣٧:١).
باب من لم یجد إزارا فایلیس سراویل و لیفتقه
قوله: "عن جابر" إلخ، تمسك بإطلاق هذا الحديث أحمد رحمه الله تعالى، فأجاز للمحرم
لبس الخف والسراويل للذى لا يجد النعلين والإزار على حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف

٥٢
إعلاء السنن
٣
باب منع المحرم من استعمال الطيب بعد الإحرام
٢٦١٩- عن ابن عمر فى حديثه: ((ولا ثوب مسه ورس ولا زعفران)). وقال فى
المحرم الذى أوقصته ناقته: ((ولا تمسوه طيبا)). رواه ابن عباس، وقد تقدم كل ذلك فى
الباب المتقدم.
٢٦٢٠ - وعنه: أن رجلا قال لرسول الله عّ له: من الحاج؟ قال: الشعث التفل(١)
وفتق السراويل، ويلزمه الفدية عندهم إذا لبس شيئا منهما على حاله؛ لقوله عّآ فى حديث ابن
عمر المتقدم: ((فليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين))، فيحمل المطلق على المقيد، ويلحق النظير
بالنظير. قال ابن قدامة: الأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح، وخروجا من الخلاف. قال فى
"الفتح": والأصح عند الشافعية والأكثر جواز لبس السراويل بغير فتق كقول أحمد، واشترط
الفتق محمد بن الحسن، وإمام الحرمين. وطائفة وعن أبى حنيفة منع السراويل للمحرم مطلقا، ومثله
عن مالك، كذا فى "النيل" (٢٢٠:٤) قلت: والمنسوب إلى أبى حنيفة لا يصح، فقد صرح
الطحاوى فى "معانى الآثار" بجواز لبس السراويل لمن لم يجد الإزاد عند أئمتنا الثلاثة، ولكنهم
أوجبوا عليه الفدية إذا لبسهما على حالها من غير فتق (٣٦٨:١).
وأما مالك فقد روى عنه يحيى بن يحيى فى "الموطأ": سئل مالك عما ذكر عن رسول الله
عَ ظُلِّ أنه قال: "فمن لم يجد نعلين فليلبس سراويل)). يقول: لم أسمع بهذا، ولا أرى أن يلبس المحرم
سراويل؛ لأن رسول الله مرّ ◌ُّه نهى عن لبس السراويل فيما نهى عنه من لبس الثياب التى لا ينبغى
للمحرم أن يلبسها، ولم يستثن فيها كما استثنى فى الخفين اهـ جمع الفوائد (١٦٩:١) قلت: قد
ورد الاستثناء فى حديث جابر وقد ذكرناه فى المتن، وفى حديث ابن عباس قال: سمعت النبى
عَّ ◌ُلّه وهو يخطب بعرفات: "من لم يجد إزارا فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين؟.
متفق عليه، كذا فى النيل (٢٢٠:٤).
باب منع المحرم من استعمال الطيب بعد الإحرام
قوله: "عن ابن عمر" إلخ، قلت: دلالة الحديثين على نهى المحرم عن التطيب ظاهرة. وأما
استعمال الطيب عند الإحرام بما يبقى عينه أو تبقى، فقد مر الكلام فيه مستوفى فلا نعيده.
قوله: "وعنه" إلخ، قلت: إنما ذكرته فى موضع الاستدلال به على النهى عن التطيب
(١) قال المنذرى: التفل هو الذى ترك الطيب والتنطيف حتى تغيرت رائحته.

٥٣
ج - ١٠
قال: فأى الحج أفضل؟ قال: العج والثج. قال: وما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)). رواه
ابن ماجه بإسناد حسن. "الترغيب والترهيب" (١-١٩٥).
باب جواز المز عفر وغيره من الثياب إذا كان غسيلا
٢٦٢١- حدثنا فهد، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحمانى، ثنا أبو معاوية، وحدثنا
ابن أبى عمران، ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدى، حدثنا أبو معاوية، عن عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ◌َّ ◌ُله: ((لا تلبسوا ثوبًا مسه ورس أو زعفران إلا
أن يكون غسيلا)). يعنى فى الإحرام. أخرجه الطحاوى، ورجاله ثقات. "زيلعى"
(١- ٤٨٠) و"عمدة القارئ" (١-٥٢٣).
للمحرم وإن کان غیر صریح فيه؛ لما قد ثبت عن عمر رضى الله عنه أنه احتج به على ذلك، روی
مالك، عن نافع، عن أسلم مولى عمر: أن عمر وجد ريح طيب من معاوية وهو محرم، فقال له
عمر: ارجع فاغسله. وزاد البزار فى "مسنده": فإنى سمعت رسول الله عَّ يقول: (("الحاج
الشعث التفل)) اهـ "زيلعى" (٤٧٦:١).
باب جواز المز عفر وغيره من الثياب إذا كان غسيلا
قوله: "حدثنا فهد" إلخ: قال الطحاوى: فذهب قوم إلی أن کل ثوب مسه ورس أو زعفران
فلا يحل لبسه فى الإحرام وإن غسل؛ لأن النبى معَ لّه لم يبين فى هذه الآثار (المروية عن ابن عمر
عند الجماعة) ما غسل من ذلك مما لم يغسل، فنهيه على ذلك كله، وخالفهم فى ذلك آخرون،
فقالوا: ما غسل من ذلك حتى صار لا ينفض فلا بأس بلبسه فى الإحرام. وقد روى عن النبى معَّ كلّه
فى ذلك أنه استثنى مما حرمه على المحرم من ذلك، فقال: "إلا أن يكون غسيلا" ثم ذكر حديث
المتن وقال: قال ابن أبى عمران: ورأيت يحيى بن معين وهو يتعجب من الحمانى أن يحدث بهذا
الحديث، فقال له عبد الرحمن: هذا عندى، ثم وثب من فوره فجاء بأصله، فأخرج منه هذا
الحديث عن أبى معاوية كما ذكره يحيى الحمانى، فكتبه عنه يحيى بن معين اهـ (١: ٣٧٠).
قال العلامة العينى فى العمدة: وأخرجه أبو عمر أيضا من حديث يحيى بن عبد الحميد
الحمانى. فإن قلت: ما حال هذه الزيادة؟ أى قوله: "إلا يكون غسيلا" قلت: صحيح؛ لأن رجاله
ثقات، روى هذه الزيادة أبو معاوية الضرير، وهو ثقة ثبت فإن قلت: قال ابن حزم: ولا نعلمه

٥٤
إعلاء السنن
٢٦٢٢- ثنا يزيد بن هارون، ثنا الحجاج، عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة،
عن ابن عباس، عن النبى معَّه، قال: ((لا بأس أن يحرم الرجل فى ثوب مصبوغ بزعفران
قد غسل وليس له قميص ولا درع)). أخرجه إسحاق بن راهويه، وابن أبى شيبة،
والبزار، وأبو يعلى الموصلى فى مسانيدهم. "زيلعى" (١- ٣٨١) ورجاله ثقات غير ما
فى حسن بن عبد الله من المقال، ومشاه يحيى فى رواية وابن عدى، كما فى
"التهذيب" (١-٣٤٣ و ٣٤٤) وذكرته اعتضادا.
باب الرجل يحزم و عليه قميص كيف ينبغى أن يخلعه
٢٦٢٣- عن يعلى بن أمية فى رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب فقال:
صحيحا، قال أحمد بن حنبل: أبو معاوية مضطرب الحديث فى أحاديث عبيد الله، ولم يجئ أحد
بهذه غيره قلت: قال الطحاوى، فذكر قصة ابن معين مع الحمانى وعبد الرحمن بن صالح، ثم
قال: وكفى لصحة هذا الحديث شهادة عبد الرحمن، وكتابة يحيى بن معين لرواية أبى
معاوية وأما قوله ابن حزم: ولا نعلمه صحيحا فهو نفى لعلمه بصحته، فهذا لا يستلزم
نفى صحة الحديث فى علم غيره فافهم اهـ (٥٢٣:٤).
قلت: والعلة التى ذكرها أحمد لم يلتفت إليها ابن معين، ولم يجرح الحديث بها، فلا قدح
منفردة بتلك الزيادة؛ فإن أبا معاوية من رجال الجماعة ثقة ثبت، وهو أثبت الناس فى الأعمش،
والله تعالى أعلم. وقد ذكرنا فى المقدمة أن الشاذ والمضطرب إذا وجد له متابع أو شاهد ولو ضعيفا
زالت علة الشذوذ والاضطراب، وصح الاحتجاج به عند المحدثين، ونظائره فى "الصحيحين".
کثیرة، فلو سلمنا ما قدح به أحمد هذه الزیادة، لقلنا: إن هذه الزیادة قد تأیدت بحديث ابن عباس
الذى ذكرناه فى المتن ثانيا، وبالقياس أيضًا؛ فإن المصبوغ بالزعفران إنما نبهى عنه لرائحته، فإذا زالت
بالغسل زالت العلة، وعاد الثوب إلى أصله الأول قبل أن يصبه الطيب، كالثوب الطاهر يصيبه
النجاسة فينجس بذلك، فلا تجوز الصلاة فيه، فإذا غسل حتى يخرج منه النجاسة طهر، وحلت
الصلاة فيه، هذا هو قول أبى حنيفة وأبى يوسف، ومحمد، رحمهم الله تعالى، وبه قال ابن
المسيب، وطاوس، وإبراهيم النخعى، أخرجه الطحاوى عنهم بأسانيد صحاح (١: ٣٧٠).
باب الرجل یحرم و علیه قمیص کیف ینبغی أن يخلعه
قوله: "عن يعلى بن أمية" إلخ، قلت: استدل به الجمهور على أن المحرم إذا صار عليه مخيط

٥٥
ج - ١٠
اغسل الطيب الذى بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع فى عمرتك ما تصنع
فى حجتك، أخرجه البخارى وغيره. وفى لفظ عند أبى داود: اخلع عنك الجبة، فخلعها
من قبل رأسه. كذا فى "الفتح" (٣-٣١٣).
باب المحرم یغسل رأسه أو یغتسل
٢٦٢٤- عن عبد الله بن حتين: أن ابن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء،
فقال ابن عباس رضى الله عنهما: يغسل المحرم رأسه، قال المسور: لا يغسله، فأرسلنى ابن
من قميص وجبة وغيرهما نزعه من قبل رأسه، ولا يلزمه تمزيقة ولا شقه، خلافا للنخعى والشعبى
قالا: لا ينزعه من قبل رأسه؛ لئلا يصير مغطيا لرأسه. أخرجه ابن أبى شيبة عنهما، وعن على
نحوه، وكذا عن الحسن وعن أبى قلابة، كذا ذكره الحافظ فى "الفتح" (٣١٣:٣) واحتجا بما رواه
عبد الرحمن بن عطاء بن لبيبة، عن عبد الملك بن جابر، عن جابر بن عبد الله، قال: كنت عند النبى
عَُّلّ جالسا فى المسجد، فقد قميصه من جيبه حتى أخرجه من رجليه، فنظر القوم إلى النبى عّ لّه،
فقال: ((إنى أمرت ببدنى التى بعثت بها أن يقلد اليوم، ويشعر على كذا وكذا، فلبست قميصى
ونسيت، فلم أكن لأخرج قميصى من رأسى)). الحديث. أخرجه الطحاوى (١: ٣٧٠).
وحجة الجمهور حديث يعلى، وإسناده أحسن من إسناد حديث جابر، قاله الطحاوى لما فى
عبد الرحمن بن عطاء وعبد الملك بن جابر من المقال، فإن كان الترجيح بصحة الإسناد فحديث
يعلى معه من صحة الإسناد ما ليس مع حديث جابر، وحديث يعلى أرجح من جهة النظر أيضا؛
فإن المحرم لو حمل على رأسه شيئا ثيابا أو غيرها، أو وضع يده على رأسه، لم يكن بذلك بأس
اتفاقا، فثبت أن النهى عن تغطية الرأس إنما وقع على ما كان من جهة إلباسه، كما فى القلانس،
والبرانس، والعمائم ونحوها، وإذا نزع قميصه فلاقى ذلك رأسه فليس ذلك بالباس منه لرأسه، وإن
كان فيه تغطية له فلا بأس به، وحديث جابر محمول عندى على الاحتياط والتقوى، وليس من
الفساد وإضاعة المال فى شىء؛ فإن الفساد والإضاعة إنما هو فيما نهى الله عنه ورسوله، لا فيما ورد
فيه أثر من رسول الله قولا أو عملا، فافهم. وكن على بصيرة من الهدى.
باب المحرم يغسل رأسه أو يغتسل
قوله: "عن عبد الله بن حنين" إلخ، قلت: دلالته على الباب ظاهرة. وقد اتفق العلماء على
جواز غسل المحرم رأسه وجسده عن الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله للتبرد ونحوه فمذهبنا

٥٦
المحرم يغسل رأسه أو يغتسل
إعلاء السنن
عباس إلى أبى أيوب الأنصارى، فوجدته يغتسل بين القرنين وهو يستتر بثوب، فسلمت
عليه، فقال: من هذا؟ قلت: عبد الله بن حنين، أرسلنى ابن عباس يسألك كان رسول الله
مَِّ يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع يده فى الثوب فطأطأه، حتى بدا لى رأسه، ثم قال
الإنسان يصب عليه: أصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر،
فقال: هكذا رأيته عَّه يفعل. فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدا. أخرجه الستة إلا
الترمذى. "جمع الفوائد" (١- ١٧٠).
ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عند الشافعى غسل رأسه بالسدر والخطمى بحيث لا
ينتف شعرا، ولا فدية عليه ما لم ينتف شعرا، كذا فى شرح صحيح مسلم للنووى. "التعليق
الممجد" (٢٠٣) ولعل حجة المسور بن مخرمة فى منع المحرم عن غسل رأسه قوله معد له "الحاج
الشعث التفل)). وفى غسل رأسه إزالة الشعث ولنا ما رواه مالك، عن حميد بن قيس المكى، عن
عطاء بن أبى رباح: أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ليعلى بن منية - وهو يصب على عمر
ماء وعمر يغتسل -: أصبب على رأسى. قال له يعلى: أتريد أن تجعلها فى إن أمرتنى صببت، قال
أصبب، فلن يزيده الماء إلا شعثا "الموطأ لمحمد" (٢٠٣).
قالوا: إن مجرد غسل الرأس من دون أن ينقيه ويصفيه بالخطمى وغير ذلك يدخل الغبار فى
أصول الشعر، وينتشر بعد الجفاف لفقدان التدهين، فلم يزده الماء إلا شعثا، فإن الشعث محركة
انتشار الشعر وتغيره فافهم.
وفى حديث المتن أن الصحابة إذا اختلفوا لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر إلا بدليل،
وأنه يلزم ترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص، وأن خبر الواحد مقبول، وقبوله كان مشهورا
بين الصحابة، وفيه اعتراف المسور بفضل بن عباس، وعزمه على ترك الخلاف معه، فدل على جواز
تقليد المجتهد للمجتهد إذا تبين له فضله، والله تعالى أعلم.
قال فى "الغنية": ويكره غسلهما (أى الرأس والبدن) بالخطمى أى بماء مزج فيه.
"قهستانى"؛ لأنه طيب عند الإمام؛ لأن له رائحة طيبة، وإن لم تكن زكية ففيه دم عنده، أو لأنه
يقتل الهوام، ويلين الشعر عندهما، ففيه صدقة عندهما، بخلاف صابون ودلوك وأشنان، فإنه لا
شىء فيه اتفاقا؛ لأنه ليس بطيب، ولا يقتل ولا يلين، زاد فى "الجوهرة": وسدر. وهو مشكل.
"در" فإن السدر كالخطمى، تقتل الهوام، ويلين الشعر، فكان ينبغى وجوب الصدقة عندهما
"فتح" اهـ (٤٦).

٥٧
ج - ١٠
باب جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره
٢٦٢٥ - عن أم الحصين، قالت: حججنا مع رسول الله عَ ◌ّه حجة الوداع، فرأيت
أسامة وبلالا، وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبى عدّه، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر،
حتى رمى جمرة العقبة. وفى رواية: والآخر رافع ثوبه على رأس النبى معَّ يظلله من
الشمس. رواه أحمد ومسلم. "نيل" (٢٢٥:٤).
باب جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره
قوله: "عن أم الحصين" إلخ، فيه جواز تظليل المحرم من الحر أو غيره بثوب وغيره من محمل
وغيره، وإلى ذلك ذهب الجمهور. وقال مالك، وأحمد: لا يجوز، والحديث يرد عليهما. وأجاب
عنه بعض أصحاب مالك بأن هذا المقدار لا يكاد يدوم، فهو كما أجاز مالك للمحرم أن يستظل
بيده، فإن فعل لزمته الفدية عند مالك، وأحمد، وأجمعوا على أنه لو قعد تحت خيمة أو سقف
جاز. وقد احتج لمالك على منع التظلل مما رواه البيهقى بإسناد صحيح عن ابن عمر: أنه أبصر رجلا
على بعيره وهو محرم قد استظل بينه وبين الشمس، فقال: أضح(١) من أحرمت له، وبما أخرجه
البيهقى أيضا بإسناد ضعيف عن جابر مرفوعا: "ما من محرم يضحى للشمس حتى غربت إلا
غربت بذنوبه حتى يعود كما ولدته أمه))، كذا فى "النيل" (٤: ٢٢٥).
ويجاب بأن قول ابن عمر لا حجة فيه، إذا ثبت عن رسول الله عَّه أنه تظلل عن الشمس
بثوب دفعه أسامة أو بلال على رأسه، ويحتمل أن يكون الثوب الذى تظلل به الرجل ملقى على
ج
رأسه مماسا له، ولم يكن صالحا لأن يستظل به مرفوعا عن رأسه، وبأن حديث جابر مع كونه ضعيفا
لا يدل على المطلوب، وهو المنع من التظلل ووجوب الكشف، وغاية ما فيه أنه افضل، على أنه يبعد.
منه مرّ أن يفعل المفضول ويدع الأفضل فى مقام التبليغ، فالظاهر حمله على المحرم المفلس الذى لا
يجد ما يستظل به، فالفضيلة المذكورة فى الحديث كمثل ما ورد فى الأحاديث من فضائل الحمى،
والطاعون، والجوع، وسائر البليات لمن يتبلى بها من غير اختياره، والله تعالى أعلم.
فائدة فى محظورات الإحرام وهى تسعة
قاله ابن قدامة فى "المغنى"، لخصت كلامه ههنا فى صفحات عديدة، وذكره هو فى ثلاثين
(١) أى أبرز للضحى، قال الله تعالى: ﴿وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾.

٥٨
جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره
إعلاء السنن
٢٦٢٦- عن جابر فى حديث طويل: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى،
ورقة من (٢٦٢ إلى ٣٢٢).
١- أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للمحرم أخذ شىء من شعره إلا من عذر، بقول الله
تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾ ولحديث كعب بن عجرة.
٢- أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر؛ لأنه إزالة جزء من بدنه
يترفه به، أشبه الشعر، فإن انكسر فله إزالته قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم
على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر؛ لأن بقاءه يؤلمه، أشبه الشعر النابت فى عينه.
(محمد قال: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فى ظفر المحرم ينكر، قال: يكسره وقال
سعيد بن جبير: يقطعه قال محمد: وكل ذلك حسن، وهو قول أبى حنيفة " كتاب الآثار" ٥٤)
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم لغير علة، والأصل فى
وجوبها ما ذكرنا من الآية والخبر (فإنهما وأردان فى المعذور فغيره أولى بوجوب الفدية) قال ابن
المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره، وعليه الفدية بأخذها فى قول أكثرهم.
٣- أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه، حكاه ابن المنذر، وقد دل عليه
نهى النبى عَّ ◌ُلّه المحرم عن لبس العمائم والبرانس، وقوله عليه السلام فى المحرم الذى وقصته راحلته:
«لا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)) وكان ابن عمر يقول: إحرام الرجل فى رأسه.
وحکاه القاضى مرفوعا اهـ.
٤- قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص، والعمائم،
والسراويلات، والبرانس، والخفاف. والأصل فى هذا حديث ابن عمر: إن رجلا سأل النبى سعد لهم.
يلبس المحرم من الثياب؟ (وحديث يعلى فى رجل أحرم وعليه جبة فقال له: ((اخلع عنك الجبة)).
الحديث) متفق عليه، نص النبى معَّي على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ما فى معناه، مثل:
الدراعة، والتبان، وأشباه ذلك، فلا يجوز للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره، ولا ستر عضو من
أعضاءه بما عمل على قدره، كالقميص، والسراويل، والقفازين، والخفين ونحو ذلك، وليس فى
هذا اختلاف. قال ابن عبد البر: لا يجوز لبس شىء من المخيط (بشرط كونه معمولا على قدر البدن
أو العضو) عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على أن المراد بهذا الذكور دون الإناث اهـ.
ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره إلا الإزار والهميان، وليس له أن يجعل لذلك زرا

ج - ١٠
جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره
٥٩
فأهلوا بالحج، وركب رسول الله عَّه، فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء،
وعروة، ولا يخلله بشوكة ولا إبرة ولا خيط، ولا يغرزه فى إزاره؛ لأنه فى حكم المخيط. روى
الأثرم عن ابن عمر: أن رجلا سأله: أخالف بين طرفى ثوبى من ورائى ثم أعقده وهو محرم؟ قال:
لا تعقد عليك شيئا. (قلت: فإن فعل فلا شىء عليه؛ فإنه ليس بالمخيط، وإن كان فى حكمه
فالاحتراز عنه أولى. "غنية الناسك" (٤٧) فى مكروهات الإحرام التى لا جزاء فيها).
فأما الإزار فيجوز عقده؛ لأنه يحتاج إليه ستر العورة. فأما الهميان فهو مباح للمحرم فى
قول أكثر أهل العلم، منهم ابن عباس (قال: رخص رسول الله عّ لّه المحرم فى الهميان أن يربطه إذا
كانت فيه نفقته) وابن عمر (سئل عن المحرم يشد الهميان عليه، فقال: لا بأس به إذا كانت فيه نفقته
يستوثق من نفقته وقد روى عنه أنه كره المنطقة والهميان للمحرم، وهو محمول على ما ليس فيه
نفقته) وسعيد بن المسيب، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، والقاسم، والنخعى، (قال: كانوا
يرخصون فى عقد الهميان للمحرم، ولا يرخصون فى عقد غيره)، والشافعى، وإسحاق، وأبو ثور،
وأصحاب الرأى، قال ابن عبد البر: أجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار متقدموهم ومتأخروهم اهـ.
وإن طرح على كتفيه قباء لا فدية عليه إلا أن يدخل يديه فى كميه، وما روى ابن المنذر: أنه
النبی علمه نهی عن لبس الأقبية (فى الإحرام) محمول علی لبسه مع إدخال يديه فی الکمین (فهو
المعتاد وهو المتبادر منه) وهو قول الحسن، وعطاء، وإبراهيم، وأبى حنيفة. ولأن القباء لا يحيط
بالبدن، فلم تلزمه الفذیة بوضعه علی کتفیه، إذا لم يدخل کفیه فی کمیه کالقمیص یتوشح به.
وقال مالك والشافعى: تلزمه الفدية وإن لم يدخل يديه فى كميه؛ لأنه مخيط فأشبه القميص.
وقياسهم منقوض بالزداء الموصل (وعلق البخارى: ولم تر عائشة رضى الله عنها بالتبان بأسا للذين
يرحلون هود جها. وصله سعيد بن منصور من طريق بن عبد الرحمن القاسم، عن أبيه عن عائشة
أنها حجت ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشىء، فأمرتهم أن يتخذوا
التباين، ويلبسونها وهم محرمون. وكان هذا رأى رأته عائشة، وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين
التبان والسراويل فی منعه للمحرم اه من "فتح البارى" ٣١٥:٢).
قلت: ولا دلالة فيه على أنها لم تأمرهم بالفداء، ولعل الراوى سكت عن ذكره لكونه
معلوما وأيضا فإن التبان منه ما يلبس كالسراويل، ومنه ما يشد بالعقد كالهميان، يقال له فى الهندية
"لنكر"، فلعلها أمرتهم بالنوع الثانى دون الأول، ويجوز للمحرم أن يشد على ظهره وعورته شيئا

٦٠
جواز تظلل المحرم من الحر أو غيره
إعلاء السنن
والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر، فضربت له بنمرة،
عند الحاجة كالهميان ونحوه فافهم. وعلق البخارى عن عطاء: يتختم ويلبس الهميان. قال الحافظ:
رواه الدارقطنى من طريق الثورى، عن ابن إسحاق، عن عطاء، قال: لا بأس بالخاتم للمحرم وأخرج
أيضا من طریق شریك. عن أبى إسحاق، عن عطاء، وربما ذکر عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس،
قال: لا بأس بالهميان والخاتم للمحرم. والأول أصح، ولم ينقل عن أحد كراهته إلا عن ابن عمر،
وعنه جوازه اهـ. وعلق البخارى عن ابن عمر: أنه طاف وقد حزم على بطنه بشىء قال الحافظ:
وصله الشافعى من طريق طاوس، قال: رأيت ابن عمر يسعى وقد حزم على بطنه بثوب وروى من
وجه آخر عن نافع: أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه وإنما غرز طرفه على إزاره اهـ (٣١٤:٣)
قلت: ومن ههنا كرهه أصحابنا من غير حاجة فإن فعل فلا شىء عليه.
٠٠١
٥- قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطیب، وقد دل علیه قول النبى
عَّه فى المحرم الذى وقصته راحلته: "لا تمسوه بطيب"، وفى لفظ "ولا تحنطوه" متفق عليه، فلما
منع الميت من الطيب لإحرامه فالحى أولى، (ولحديث يعلى فى رجل أحرم وعليه جبة وهو متضمخ
بطيب، فقال له النبى معَّه: ((واغسل عنك الخلوق))) ومتى تطيب (بعد كونه محرما) فعليه الفدية،
فيحرم عليه تطبيب بدنه، وتطييب ثيابه، فلا يجوز له لبس ثوب مطيب بصبغ هو طيب كالورس
والزعفران (أو بعطر من العطورات) وهذا قول جابر، وابن عمر، ومالك، والشافعى، وأبى
ثور، وأصحاب الرأى، ولا نعلم فيه خلافا.
وأما ما بخر بعود أو غمس بماء ورد ونحوه مما لا صبغ له فنص أحمد على أنه ليس للمحرم
لبسه، ولا الجلوس عليه، ولا النوم عليه، فإن استعمله فعليه الفدية وبه قال الشافعى، وقال أبو
حنيفة: إن كان رطبا يلى بدنه أو يابسا ينفص فعليه الفدية وإلا فلا؛ لأنه ليس بمطيب (لزوال رائحة
الطيب عنه فأشبه الغسيل) فإن غسله حتى ذهب ما فيه من ذلك فلا بأس به عند جميع العلماء،
وليس له شم الأذهان المطيبة، كدهن الورد، والبنفسج، والحيرى، والزنبق ونحوها، ولا الإدهان
بها، وليس فى تحريم ذلك خلاف فى المذهب -أى مذهب أحمد- وكره مالك، وأبو ثور،
وأصحاب الرأى الإدهان بدهن البنفسج. وقال الشافعى ليس بطيب، (وليس له) شم المسك:
والكافور، والعنبر، والزعفران، والورس، والمبخر بالعود، وأكل ما فيه الطيب يظهر طعمه أو ريحه،
ويحرم عليه شم كل ما تطيب رائحته ويتخذ للشم، كالمسك. والعنبر والكافور والغالية والزعفران .