Indexed OCR Text

Pages 1-20

٧
L
إخلاء الشَّيْن
مجلس
تأليف
الحَّةِالنَّائِدِ العَلامِ مُو ◌َلاَناظّفَ اجِدِ الجثمانِيِ التَّهَانُوِيِّ رَاللّ
على ضوء ما أفاده
جَعَ الْأُمِّ الأَعْرِالفِ الدّاعِيِ كَبِمَنا الشيخ الشُّفِ بَلِ التّهاتِ
أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى
أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة
الجزء العاشر
إِلَخَارَةُ القُرُوَالْعَالوُ الإسْلامِيَة
أشرف منزل د/٤٣٧، كاردن الست، كرانشى® باكستان

جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والتسجيل المرئى وغيرها.
ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QURAN
No part of this book may be reproduced or
utilized in any form or by any means
الطبعة الأولى :
١٤٠١ هـ
١٤٠٥ هـ
الطبعة الثانية :
١٤١٥ هـ
الطبعة الثالثة بالصف على الكمبيوتر:
بإدارة القرآن كراتشى
الصف والطبع:
نال شرف تصميمه على الكمبيوتر ووضع العناوين
نعيم أشرف نور أحمد
على رأس الصفحات والإشراف على تصحيح نصوصه : ..............
فھیم اشرف نور أحمد
أشرف على طباعته :
.......
من منشورات
إدارة القرآن والعلوم الإسلامية
٤٣٧/٢ گارژن ایسٹ كراتشي ٥ باكستان
الهاتف: ٧٢١٦٤٨٨ = ٧٢٢٣٦٨٨
ويطلب أيضاً من :
باب العمرة مكة المكرمة
..................
المكتبة الإمدادية
السمانية المدينة المنورة
مكتبة الإيمان
الرياض - السعودية
مكتبة الرشد
١٩٠ انار كلى لاهور
إداره اسلاميات

٣
ج - ١٠
بسم الله الرحمن الرحيم
کتاب الحج
وقوله عز وجل: ﴿ولله على النّاس حجّ البيتِ من استطاع إليه سبيلا﴾.
باب أن الحج لا يجب فى العمر إلا مرة
٢٥٤٩- عن أبى هريرة رضى الله عنه، قال: خطبنا رسول الله عَّ ◌ُله، فقال: ((يا
أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أ كل عام يا رسول الله؟
فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال النبى ◌ّ: لو قلت: نعم، لوجبت، ولما استطعتم)). رواه
أحمد، ومسلم، والنسائى، وتمامه: ثم قال: ((ذرونى ما تركتكم)). وفى لفظ:
((ولووجبت ما قمتم بها) كذا فى "النيل" (٤-١٦٠).
٢٥٥٠- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: خطبنا رسول الله عَّ له، فقال: ((يا
أيها الناس! كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس، فقال: أ فى كل عام يا رسول
الله؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها،
الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع)). رواه أحمد، والنسائى بمعناه، وأخرجه أيضا أبو داود،
وابن ماجه والبيهقى والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما. "نيل الأوطار" (١٦٠:٤).
باب أن الحج لا يجب فى العمر إلا مرة
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ: قلت: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة. وفى الباب عن أنس
عند ابن ماجة، قال: قال رسول الله عَظله: ((كتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول الله! فى كل عام؟
فقال: لو قلت: نعم، لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم)). قال الحافظ:
ورجاله ثقات اهـ من "النيل" (١٦٠:٥) وفيه عن ابن تيمية: فيه دليل على أن الأمر لا يقتضى
التكرار اهـ بفتح الحاء هو المصدر، وبالفتح والكسر هو الاسم منه، وأصله القصد، ويطلق على

٤
إعلاء السنن
باب وجوب الحج على الفور
٢٥٥١- عن ابن عباس، عن النبى عَّه قال: ((تعجلوا إلى الحج -يعنى الفريضة-؛
فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له)). رواه أحمد. " "نيل الأوطار" (٤-١٦٤) وصححه
الحاكم فى "المستدرك" (١-٤٤٨) وأقره عليه الذهبى.
العمل أيضا وعلى الإتيان مرة بعد أخرى. وقال الخليل: الحج كثرة القصد إلى معظم. ووجوب
الحج (أى افتراضه) معلوم بالضرورة الدينية، والأحاديث المذكورة تدل على أن الحج لا يجب
إلا مرة واحدة، وهو مجمع عليه كما قال النووى والحافظ وغيرهما اهـ من "النيل"
ملخصا (٤: ١٦٩).
قلت: والحج شرعا القصد إلى بيت الله الحرام بالطواف وعرفة بالوقوف فى زمنهما
محرما، فرض عينا سنة تسع، وقيل: ست، على كل من استكمل شرائط وجوبه وأدائه فى العمر
مرة (للأحاديث المذكورة)؛ لأن سببه البيت، وهو واحد، وما زاد فتطوع، هذا عندنا، وعند
الشافعية الحج لا يوصف بالنفلية، بل المرة الأولى فرض عين، وما زاد ففرض كغاية؛ لأن من فروض
الكفاية أن يحج البيت كل عام. "بحر"، كذا فى "غنية الناسك" (ص: ١) ولنا ما فى حديث المتن
من قوله مد ظله: ((الحج مرة فمن زاد فهو تطوع)) وهو صريح فى ما قلنا.
باب وجوب الحج على الفور
قوله: عن ابن عباس إلخ قلت: رواه الحاكم فى "مستدركه" بلفظ: ((من أراد الحج
فليتعجل)). وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبى: صحيح، وأبو صفوان
(الراوى عن ابن عباس اسمه) مهران ولم يجرح اهـ (٤٤٨:١)، وفى الباب عن أبى أمامة عند
سعيد بن منصور فى "سننه"، وأحمد، وأبى يعلَى، والبيهقى، بلفظ: ((من لم يحبسه مرض، أو
حاجة ظاهرة، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر، فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء
نصرانيا)). ورواه أحمد عن ابن سابط، عن النبى معد له، وكذا رواه ابن أبى شيبة مرسلا، وله طريق
أخرى عن على مرفوعا عند الترمذى بلفظ: ((من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا
عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا)). وقد روى من طريق ثالثة عن أبى هريرة رفعه عند ابن عدى،
وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا.
وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزى فى عدة لهذا الحديث من الموضوعات؛ فإن مجموع تلك

٥
ج - ١٠-
وجوب الحج على الفور
٢٥٥٢- عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل، أو أحدهما عن الآخر،
قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((من أراد الحج فليتعجل؛ فإنه قد يمرض المريض، وتضل
الراحلة، وتعرض الحاجة)). رواه أحمد، وابن ماجه، وفى إسناده إسماعيل بن خليفة
العبسى أبو إسرائيل صدوق ضعيفة الحفظ، كذا فى "النيل" (٤-١٦٥)، قلت: وله
شواهد كما سنذكره، فالحديث حسن ..
الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور، لا يقدح فى ذلك
قول العقيلى والدارقطنى: لا يصح فى الباب شىء؛ لأن نفى الصحة لا يستلزم نفى الحسن. قال
الحافظ: وإذا نضم هذا الموقوف (أى موقوف عمر وسيأتى) إلى مرسل ابن سابط علم أن لهذا
الحديث أصلا، ومحمله على من استحل الترك، وتتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع انتهى،
ملخصا من "النيل" (٤: ١٦٥).
قلت: وحديث ابن عباس الثانى حسن الإسناد على أصلنا الذى أصلناه غير مرة: من أن
الراوی إذا کان مختلفا فی توثيقه فحدیثه حسن. وأبو إسرائیل کذلك، فقد قال فیه أحمد: یکتب "
حديثه، وقد روى حديثا منكرا فى القتيل (وهذا ليس بجرح ما لم يكثر منه رواية المناكير، كما
ذكرناه فى "المقدمة") وقال ابن معين فى رواية: صالح الحديث. وفى أخرى: صالح ضعيف. وقال
أبو زرعة: صدوق إلا أن فى رأيه غلوا. وقال أبو حاتم: حسن الحديث، جيد اللقاء، وله أغاليط.
كذا فى "تهذيب التهذيب" (٢٩٣:١). وفيه أيضا: قال أبو داود: لم يكن يكذب، حديثه لیس
من حديث الشيعة، وليس فيه نكارة اهـ.
واستدل بما ذكرناه فى الباب على أن الحج واجب على الفور، ووجه الدلالة من حديث ابن
عباس الأول والثانى المذكورين فى المتن ظاهر؛ للأمر بالتعجيل إلى الحج، وهو المراد بالوجوب على
الفور. وفى الباب طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواها سعيد بن منصور والبيهقى عن عمر بن
الخطاب، قال: لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فينظروا من كان له جدة ولم يحج
فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. ذكره الحافظ فى "التلخيص" (٢٠٣).
ودلالته على وجوب الحج على الفور ظاهرة، ومثله لا يقال بالرأى، فله حكم المرفوع، والله أعلم.
وفى "الهداية": ثم هو واجب على الفور عند أبى يوسف، وعن أبى حنفية ما يدل عليه،
وعند محمد والشافعى على التراخى؛ لأنه وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت فى الصلاة. وجه

٦
إعلاء السنن
باب اشتراط الحرية والبلوغ لوجوب الحج
٢٥٥٣- عن ابن عباس رضى الله عنهما، قال: قال رسول الله عَّ له: ((أيما صبى
حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابى حج ثم هاجر فعليه أن يحج
حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى)). رواه الحاكم فى
"المستدرك"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصوب البيهقى
ـ، بوقت خاص، والموت فى سنة واحدة غير نادر، فيتضيق احتياطا، ولهذا كانه الأول أنه يخ
التعجيل أفضل، بخلاف وقت الصلاة، لأن الموت فى مثله نادر اهـ. وفى حاشية الهداية عن
العينى: فى "المحيط": أن أصح الرواية عن أبى حنيفة أنه على الفور اهـ (٢١٢:١). ولو أخره سنين
بلا عذر يصير فاسقا مردود الشهادة؛ لأن التأخير صغيرة؛ لأنه مكروها تحريما، وبإرتكاب الصغيرة
مرة لا يصير فاسقا بل بالإصرار عليها، "بحر".
والظاهر أنه بمرتين لا يصير إصرارا فلذا قال: سنين، وفى "شرح المنار" لابن نجيم: أن حد
الإصرار أن يتكرر منه تكرار يشعر بقلة المبالاة بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك اهـ. ومقتضاه أنه
غير مقدر بعدد، بل مفوض إلى الرأى والعرف. "رد المحتار". كذا فى "غنية الناسك" (ص: ٢).
قلت: والأولى تقديره فى الحج بخمسة أعوام لوروده فى الأثر، وهو ما رواه ابن أبى شيبة
وابن حبان فى "صحيحه" مرفوعا عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه: أن رسول الله عَ لّه قال:
يقول الله عز وجل: ((إن عبدا صححت له جسمه، ووسعت عليه فى المعيشة تمضى عليه خمسة
أعوام لا يفد إلى المحروم)). كذا فى "الترغيب" (٢:٤). يقول المنذرى: أخبرنى بعض أصحابنا:
كان حسن بن حى (الإمام المجتهد الزاهد) يعجبه هذا الحديث وبه يأخذ، ويجب للرجل الصحيح
الموسر أن لا يترك الحج خمس سنين اهـ. وإنما قلت: والأولى ولم أقل بالوجوب؛ لأن الحديث ليس
بنص فى التحديد، بل يحتمل كون المقصود النهى عن التأخير الفاحش، وهو يختلف باختلاف
الأحوال. والتحديد بخمسة أعوام تمثیل، قاله الشيخ مد ظله.
باب اشتراط الحرية والبلوغ لوجوب الحج
قوله: عن ابن عباس" إلخ: قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة. ومعنى قوله عَّ له: ((أيما
أعرابى حج ثم هاجر فعليه أن يحج حجة أخرى)) أنه محمول على زمان كانت الهجرة فيه شرطا
لقبول الإسلام وصحته فى الحكم، فكأنه حج قبل أن يسلم، فعليه إذا هاجر أن يحج حجة أخرى.

٧
ج - ١٠
وقفه، وقال: تفرد برفعه محمد بن المنهال. واستدرك الشيخ فى الإمام على البيهقى،
وقال: رواه الإسماعيلى فى مسند الأعمش عن الحارث بن سريج أبى عمر النقال عن
يزيد بن زريع به مرفوعا، فزال التفرد اهـ. زيلعى (١- ٨٦٨) ويؤيد صحة رفعه ما رواه
ابن أبى شيبة فى "مصنفه": نا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبى ظبيان، عن ابن عباس،
قال: احفظوا عنى، ولا تقولوا قال ابن عباس فذكره، وهذا ظاهره أنه أراد أنه مرفوع.
كذا فى "التلخيص الحبير" (١-٢٠٢). وأخرجه الضياء فى "المختارة" كما فى "كنز
العمال"، وأحاديثه فى "المختارة" صحاح على قاعدة الكنز.
باب اشتراط الزاد والراحلة
٢٥٥٤- عن أنس رضى الله عنه فى قوله تعالى: ﴿ولله على النّاس حجّ البيتِ منِ
استطاع إليه سبيلا﴾: قيل: يا رسول الله! ما السبيل؟ قال: ((الزاد والراحلة)). أخرجه
الحاكم فى "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: وتابعه
(أى سعيد بن أبى عروبة) حماد بن سلمة، عن قتادة، ثم أخرجه كذلك، وقال: صحيح
والحارث بن شريح النقال أحد الفقهاء مختلف فى توثيقه، قال الأزدى: تكلموا فيه حسدا، وذكره
ابن حبان فى "الثقات"، ووثقه ابن معين فى رواية، كما فى "اللسان" (١٤٩:٢ و١٥١).
وفى "الهداية": وإنما شرط الحرية والبلوغ لقوله عليه السلام، فذكره بلفظ: "أيما عبد حج
عشر حجج" إلخ، وليس فى الروايات ذكر العدد على ما أدى إليه نظرى، قال: والعبادات بأسرها
موضوعة عن الصبيان اهـ (٢١٢:١). قلت: والحج مركب من العبادة البدنية والمالية، ولذا تجرى
فيه النيابة عند العذر، ولا ملك العبد، فلا يقدر على تملك الزاد والراحلة فلم يكن أهلا لوجوبه،
فلذا لا يجب على عبيد أهل مكة، بخلاف اشتراط الزاد والراحلة فى حق الحر الفقير، فإنه للتيسير
لا الأهلية، فوجب على فقراء مكة، وفقراء الآفاق إذا وصلوا إلى أرض الحرم بسؤال ونحوه فافهم،
كذا فى حاشية "الهداية" بتغير يسير فى العنوان والتعبير (٢١٢:١).
باب اشتراط الزاد والراحلة
قوله: "عن أنس وعن ابن عمر" إلخ، قلت: دلالة الحديثين على معنى الباب ظاهرة. وفسر
الزاد بنفقة وسط لا إسراف فيه ولا تقتير، والراحلة بقدر ما يسير به شق محمل، أو رأس زاملة

٨
اشتراط الزاد والراحلة
إعلاء السنن
على شرط مسلم. زيلعى (١- ٤٦٩) وفى "الدراية": رجاله مؤثقون اهـ. وقد روى من
طرق أخرى صحيحة عن الحسن مرسلا فى سنن سعيد بن منصور، ومن طرق عديدة
مرفوعا عن ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وابن
مسعود، مروية فى سنن ابن ماجه، والترمذى، والدارقطنى، وابن عدى اهـ. كذا فى
حاشية "الهداية" (١-٢١٢) عن "فتح القدير".
٢٥٥٥- عن ابن عمر، قال: جاء رجل إلى النبى معَّه، فقال: يا رسول الله! ما
يوجب الحج؟ قال: ((الزاد والراحلة)). أخرجه الترمذى. وقال: حديث حسن، والعمل
عليه عند أهل العلم، أن الرجل إذا ملك زادا وراحلة وجب عليه الحج اهـ (١- ١٠٠).
ملكا أو إجارة، لا بطريق الإعارة والإباحة، فلو وهب له مال ليحج به لا يجب عليه قبوله،
ويشترط كون الزاد والراحلة فاضلا عن المسكن وما لا بد منه، وعن نفقة عياله إلى حين عوده،
كذا فى "الهداية" وحواشيها (٢١٢:١).
واعلم أن للحج شرائط، بعضها شرائط الوجوب، وهى التى إذا وجدت بتمامها وجب
الحج عليه وإلا فلا، وبعضها شرائط وجوب الأداء، وهى التى إذا وجدت بتمامها مع شروط
الوجوب وجب أداءه بنفسه، وإن فقد واحد منها مع تحقيق شروط الوجوب بتمامها فلا يجب
الأداء بنفسه، بل عليه الإحجاج أو الإيصاء به عند الموت، وشرائط الوجوب سبعة على الأصح:
الأول: الإسلام، فلا يجب على كافر ولا يصح منه. والثانى: العلم بكون الحج فرضا إما بالكون فى
دار الإسلام، وإما بإخبار رجلين، أو رجل وامرأتين، أو واحد عدل فى دار الحرب والثالث،
والرابع: البلوغ، والعقل. والخامس: الحرية. والسادس: الاستطاعة، وهى القدرة على زاد يليق
بحاله ولو لمكى، وعلى راحلة لغير مكى، وليس من شرط الوجوب على أهل مكة ومن حولهم
الراحلة؛ لأنه لا تلحقهم مشقة زائدة فى الأداء فأشبه السعى إلى الجمعة. والسابع: الوقت، أى
وجود القدرة فیه، وهو أشهر الحج، أو وقت خروج أهل بلده إن كانوا يخرجون قبلها، فلا يجب
إلا على القادر فيها أو فى وقت خروج أهل بلده، كذا فى "غنية الناسك" (٢ و٨).
وقد ذكرنا فى المتن ما يدل على كون البلوغ والحرية والزاد والراحلة شوطا لوجوبه، وأما
العقل والإسلام فلما تقرر فى الأصول أن العقل شرط لصحة التكليف، وأن الكافر ليس بمخاطب
بالفروع، وأما العلم فلكون الحج من الأعمال الاختيارية، وهى لا تتأتى إلا بالعلم والإرادة، وسيأتى

٩
ج - ١٠
باب اشتراط الصحة وعدم الحبس والخوف من السلطان
وعدم المشقة الظاهرة وأمن الطريق لوجوب الأداء
٢٥٥٦- عن أبى أمامة مرفوعا: ((من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة، أو مشقة
ظاهرة، أو سلطان جائر، فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا، وإن شاء نصرانيا)). أخرجه
سعيد بن منصور فى سننه وأحمد وأبو يعلى والبيهقى وله طرق عديدة ذكرها
الشوكانى فى النيل ثم قال: إن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنا
لغيره وهو محتج به عند الجمهور اهـ (١٦٥:٤).
ما يدل على كون الوقت والقدرة فيه شرطا لوجوبه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿الحج أشهر
معلومات﴾.
باب اشتراط الصحة و عدم الحبس والخوف من السلطان
وعدم المشقة الظاهرة وأمن الطريق لوجوب الأداء
قوله: "عن أبى أمامة" إلخ: قلت: فيه دلالة على أن التأخير فى الحج لأجل المرض - والمراد
به ما يمنع عن السفر والذهاب إلى بيت الله- أو لأجل الحاجة الظاهرة - كحضانة الولد الصغير
المحتاج إليه- أو تعهد الوالد أو الوالدة المريضين المحتاجين إلى خدمته، أو لأجل المشقة الظاهرة - كما
إذا كان معضوبا أى شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة بنفسه- أو لأجل الحبس والخوف من
السلطان، أو قطاع الطريق، حتى غلب الخوف على القلوب؛ لوقوع النهب والغلبة من المحاربين
مرارا، لا يوجب الوعيد. ويجوز لمن ابتلى بمثل هذه الأعذار أن يؤخر الحج إلى زوال العذر، فثبت
كون صحة البدن، وعدم الحبس والخوف، وأمن الطريق، من شروط وجوب الأداء للحج، وليس
شىء منها من شروط نفس الوجوب؛ لأن النبى معَّةٍم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة لا غير، ولو
كان أمن الطريق وما أشبهه منها لذكره، وإلا كان من تأخير البيان عن وقت الحاجة فافهم، كذا فى
"الهداية" وحاشيتها للعينى.
وقد اختلفت الرواية عن الإمام فى: أن الصحة. وهى سلامة البدن عن الآفات المانعة عن
القيام بما لا بد منه فى سفر الحج - وعدم الخوف والحبس من السلطان ونحوه، وأمن الطريق، من
شروط وجوب الأداء، أو نفس الوجوب، والأصح أنها من شروط وجوب الأداء وهو ظاهر الرواية
عن صاحبيه ذكره فى غنية الناسك عن البحر وغيره (ص: ٩).

١٠
إعلاء السنن
٢٥٥٧- عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما، قال: جاء رجل من خثعم إلى
رسول الله عَّ فقال: إن أبى أدركه الإسلام وهو شيخ كبير لا يستطيع ركوب الرحل،
والحج مكتوب عليه، أفأحج عنه؟ قال: أنت أكبر ولده؟ قال: نعم، قال: أرأيت لو كان
على أبيك دين فقضيته عنه أ كان يجزئ ذلك عنه؟ قال: نعم، قال: فاحجج عنه. رواه
أحمد والنسائى بمعناه، قال الحافظ: إن إسناده صالح. كذا فى "نيل الأوطار" (١٦٦:٤).
باب اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
٢٥٥٨- عن ابن عباس: أن رسول الله عَّ ◌ُّه قال: ((لا تحج امرأة إلا ومعها محرم،
قوله: "عن عبد الله بن الزبير" إلخ، فيه دلالة على كون الحج واجبا على المعضوب، أى
الشيخ الكبير الذى لا يستطع ركوب الرحل، ووجه الدلالة سكوته ◌ِّه على قول الرجل: والحج
مكتوب عليه وقوله: "فاحجج عنه" بعد ضرب المثل له بقضاء ديون الناس، وإذا كان هذا حكم
المعضوب فالمقعد، والزمن، والمفلوج، ومقطوع الرجلين، أو اليدين، أو الرجل الواحدة، والأعمى،
والمريض، إذا ملكوا الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعهم ويضعهم ويقودهم إلى المناسك مثله، وفيه
تأييد لقول صاحبى الإمام بأن الصحة وسلامة البدن ليس من شروط الوجوب، بل هى من شروط
وجوب الأداء، فلا يجب عليهم الأداء بأنفسهم للمشقة الظاهرة، بل عليهم الإحجاج أو الإيصاء
به عند الموت، وصححه قاضیخان، واختاره کثیر من المشايخ، منهم ابن الهمام رحمهم الله تعالی،
وهو رواية عن الإمام أيضا كما فى "رد المحتار" و"غنية الناسك".
باب اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
قوله: "عن ابن عباس إلى آخر أحاديث الباب". قلت: دلالتها على معنى الباب ظاهرة، فلا
يجوز لإمرأة بالغة ولو عجوزا ولو معها غيرها من النساء الثقات والرجال الصالحين، أن تخرج
للحج مسیرة سفر بغير محرم أو زوج، أما فى أقل منها فیجب إذا لم تكن معتدة(١) وروی عن أبى
حنيفة وأبى يوسف رضى الله تعالى عنهما كراهة خروجها مسيرة يوم واحد بغير محرم أوزج،
(١) اختلفت الروايات فى أن المحرم للمرأة هل هو شرط الوجوب أو وجوب الأداء؟ والأصح الثانى، كما صرح به فى "غنية
الناسك" وغيره، واختلف فى وجوب التزوج عليها ليحج بها إن لم تجد محرما، فمن قال بالأول قال: لايجب عليها شىء من
ذلك، ومن قال بالثانى قال: وجب عليها جميع ذلك، كذا فى "الفتح"، لكن مشى فى "اللباب" على الثانى مع أنه قال: لا يجب
عليها التزوج، لما ذكرنا من أنه لا يحصل غرضها بالتزوج؛ لأن الزوج له أن يمتنع من الخروج معها بعد أن يملكها، ولا تقدر على
الخلاص منه، وربما لا يوافقها منه اهـ. من "الغنية" أيضا.

٠
اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
١١
ج - ١٠
فقال رجل: يا نبى الله! إنى اكتتبت فى غزوة كذا وامرأتى حاجة، قال: ارجع فحج
معها)). رواه البزار، وأخرجه الدار قطنى بنحوه، وإسناده صحيح. "دراية" (١٨٣).
٢٥٥٩- عن أبى أمامة رفعه: ((لا يحل لامرأة مسلمة أن تحج إلا مع زوج أو ذو
محرم)) وفيه أبان بن أبى عياش وهو متروك، رواه الطبرانى، وأخرجه الدار قطنى من وجه
وينبغى أن يكون الفتوى عليه لفساد الزمان، لكن إذا كان المذهب هو الأول فليس للزوج منعها إذا
كان بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام "فتح"، كذا فى "غنية الناسك" (ص: ١٠).
قلت: ويؤيد القول بالمنع عن الخروج مسيرة يوم ما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة ((لا تحل
لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذى محرم)). كذا فى "الدراية"
(١٩٣) وإنما كان المذهب هو الأول لتواتر الروايات بالثلث، فكل من روى من الصحابة أقل منها
قد روى الثلث أيضا، فهذا أبو هريرة رضى الله عنه قد روى عنه الطحاوى بأسانيد عديدة صحاح
قال: قال رسول الله عَ ليه: ((لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع رجل يحرم عليها
نكاحه)). وهذا أبو سعيد الخدرى قد روى عند الشيخين: ((لا تسافر المرأة يومين إلا معها زوجها أو
ذو محرم منها)). وروى عنه الطحاوى بسند صحيح مرفوعا: ((لا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيام
فصاعدا إلا ومعها زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو محرم منها)). وروى مثله عن عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن رسول الله عّ لّم (٣٥٧:١).
واتفقت الروايات عن ابن عمر بذكر الثلاث، والمعتمد عليها، وهى الأصل فى الحكم.
وذكر اليومين ومسيرة يوم واحد إنما هو لعارض اختلاف الأحوال من فساد الزمان ونحوه، ولذا
قال أبو حنيفة وأبو يوسف مرة بكراهة خروجها مسيرة يوم واحد، واستحسن العلماء الإفتاء به
لفساد الزمان، فانظر - رحمك الله- إلى مراعاة الحنفية لدرجات الأحاديث، واهتمامهم بالجمع بين
مختلفها، فلن تجدهم إن شاء الله تاركى العمل بحديث ما فى باب من الأبواب، اللهم إلا أن يكون
منسوخا ثابت النسخ، أو موضوعا ظاهر الوضع فرحم الله طائفة قد طعنوا فى مثل هذا الإمام: بأنه
يقدم القياس على النصوص. وهذه والله فرية بلا مرية؛ فإن مذهب أبى حنيفة تقديم الحديث
الضعيف على آراء الرجال.
هذا، المحرم من لا يجوز له مناكحتها على التأييد بقرابة، أو رضاع، أو مصاهرة بنكاح، أو
سفاح، على الأصح. لكن ذكر قوام الدين شارح "الهداية": أنه إذا كان محرما بالزنا لا تسافر

١٢
اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
إعلاء السنن
آخر بنحوه، بلفظ: ((لا تسافر امرأة ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها)). وفيه جابر
معه، وإليه ذهب القدورى، وبه نأخذ(١) وهو الأحوط فى الدين، وأبعد من التهمة. ونقل أبو
السعود رحمه الله عن "البزازية". لا تسافر بأخيها رضاعا فى زماننا. قال فى "رد المحتار": أى
لفساد الزمان، ويؤيده كراهة الخلوة بها كالصهرة الشابة، فينبغى استثناء الصهرة الشابة ههنا أيضا،
لأن السفر كالخلوة اهـ. من "غنية الناسك" (١١).
قال الحافظ فى "الفتح" فى حديث ابن عباس مرفوعا: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم
إلخ))، ما نصه: كذلك أطلق السفر، وقيده فى حديث أبى سعيد الآتى بمسيرة يومين، وفى حديث
أبى هريرة بمسيرة يوم وليلة، وعنه روايات أخرى، وحديث ابن عمر رضى الله عنه مقيدا بثلاثة
أيام، وعنه روايات أخرى أيضا، وقد عمل أكثر العلماء فى هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات.
وقال النووى: ليس المراد من التحديد ظاهره؛ بل كل ما يسمى سفرا، فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم،
وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه. وقال ابن المنير: وقع الاختلاف فى مواطن
بحسب السائلين، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد فى ذلك،
وأقله الرواية التى فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع
سير المرأة على مسافة القصر خلافا للحنفية، وحجتهم أن المنع المقيد بالثلاث متحقق، وما عداه
مشكوك فيه، فیؤخذ بالمتقین.
قلت: بل حجتهم أن ذكر الثلاث كان بعد ذكر ما دونها، فكانت المرأة منهية عن السفر
مسيرة بريد أولا حين غلبة الخوف وشدة ضعف أهل الإسلام، ثم نهيت عن السفر مسيرة يوم
وليلة حين حصلت للمسلمين قوة، ثم نهيت عنه مسيرة يومين حين زادت قوتهم، ثم نهيت عز
السفر مسيرة ثلاث إلا بمحرم حین کملت قوتهم، وزادت شو کتهم، وهذا أحسن ما يجمع به بین
مختلف الحديث، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر النبى معَ لّم كما قد عرف فى الأصول، فافهم.
قال الحافظ: نوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر، فينبغى الأخذ بها وطرح ما عداها،
فإنه مشكوك فيه، (قلت: هذا حيث لم يكن الجمع بين مختلف الحديث، وإلا فالجمع بين الآثار
أولى من إعمال بعضها وطرح بعضها، كما ذكرناه فى المقدمة، وقد أمكن الجمع ههنا فلا يجوز
(١) لاختلاف سيدنا الإمام الشافعى رحمه الله تعالى فى محرميته للمرأة.

١٣
اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
ج - ١٠
الجعفى، "دراية" (١٨٣). قلت: قد انجبر ضعفه بتعدد الطرق، وجابر الجعفى حسن
الحديث على الأصل الذى أصلناه غير مرة.
الأخذ برواية وطرح ما عداها) قال الحافظ: ومن قواعد الحنفية تقديم الخبر العام على الخاص، وترك
حمل المطلق على المقيد، وقد خالفوا ذلك ههنا.
قلت: حديث ابن عباس ليس بمطلق إذا حمل على السفر الشرعى، فقد أجمعوا على كونه
مقيدا بمسافة محدودة کما ذكرناه فى صلاة المسافر من هذا الكتاب، وسیأتی فی باب عدم جواز
القصر بمنى للمقيم، فلم يخالف الحنفية قواعدهم فى هذا الباب.
قال الحافظ: والاختلاف إنما وقع فى الأحاديث التى وقع فيها التقييد، بخلاف حديث الباب
فإنه لم يختلف على ابن عباس فيه (قلت: رواية غير ابن عباس زادت على رواية ابن عباس، فالأخذ
بالزائد أولى، ولكن الزائد فى نفسه مختلف، فرجح خبر الثلاث؛ لما ذكره الطحاوى: أن حديث
الثلاث واجب استعماله على كل حال، وما خالفه فقد يجب استعماله إن كان هو المتأخر، ولا
يجب إن كان هو المتقدم، فالذى وجب علينا استعماله والأخذ به فى كلا الحالين أولى مما يجب
استعماله فى حال وتركه فى حال اهـ من "العمدة" للعينى (١٣٠:٥).
قال الحافظ: وفرق سفيان الثورى بين المسافة البعيدة فمنعها دون القريبة، وتمسك أحمد
لعموم الحديث، فقال: إذا لم تجد زوجا أو محرما لا يجب عليها الحج، هذا هو المشهور عنه، وعنه
رواية أخرى كقول مالك، وهو تخصيص الحديث بغير سفر الفريضة، قالوا: وهو مخصوص
بالإجماع. قال البغوى: لم يختلفوا فى أنه ليس للمرأة السفر فى غير الفرض إلا مع زوج أو محره
إلا كافرة أسلمت فى دار الحرب أو أسيرة تخلصت، وزاد غيره: أو امرأة انقطعت من الرفقة
فوجدها رجل مأمون، فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة. قالوا: وإذا كان عمومه
مخصوصا بالاتفاق فليخص منه حجة الفريضة. وأجاب صاحب "المغنى": بأنه سفر الضرورة، فلا
يقاس عليه حالة الاختيار، ولأنها تدفع ضرراً متيقيناً بتحمل ضرر متوهم، ولا كذلك السفر للحج،
وقد روى الدارقطنى وصححه أبو عوانة حديث الباب (أى حديث ابن عباس) من طريق ابن
جريج، عن عمرو بن دينار، بلفظ: "لا تحجن امرأة إلا ومعها ذو محرم)) فنص فى نفس الحديث
على منع الحج، فكيف يخص من بقية الأسفار؟ والمشهور عند الشافعية اشتراط الزوج أو المحرم أو
النسوة الثقات، ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أمن الطريق أول أحاديث
الباب (وهو حديث إذن عمر رضى الله عنه لأزواج النبى معَ ◌ّ. فى آخر حجة حجها، فبعث معهن

١٤
اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
إعلاء السنن
٢٥٦٠- عن ابن عمر مرفوعا: ((لا تسافر المرأة ثلاثا إلا ومعها ذو محرم)). وفى
عثمان بن عفان وعبد الرحمن، لاتفاق عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف ونساء النبى عدّ له على
ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهن فى ذلك، ومن أبى ذلك من أمهات المؤمنين فإنما أباه
من جهة خاصة لما تقدم، لا من جهة توقف السفر على المحرم اهـ ملخصا (٦٤:٤ و٦٥).
وأجاب عنه الطحاوى بما نصه. حدثنى بعض أصحابنا، عن محمد بن مقاتل الرازى لا
أعلمه إلا عن حكام الرازى، قال: سألت أبا حنيفة: هل تسافر المرأة بغير محرم؟ فقال: لا، نهى
رسول الله عَّ أن تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها زوجها أو أبوها أو ذو رحم
منها. قال حكام: فسألت العزرمى، فقال لا بأس بذلك، حدثنى عطاء: أن عائشة كانت تسافر بلا
محرم قال: فأتيت أبا حنيفة فأخبرته بذلك، فقال أبو حنيفة: لم يدر العزرمى ما روى، كان الناس
لعائشة محرما فمع أيهم سافرت فقد سافرت مع محرم، وليس الناس لغيرها من النساء كذلك أهـ
من "شرح معاني الآثار" (٣٥٩:١).
قال العينى فى "العمدة": ولقد أحسن أبو حنيفة فى جوابه هذا، لأن أزواج النبي عد لي.
كلهن أمهات المؤمنين، وهم محارم لهن؛ لأن المحرم من لا يجوز نكاحها على التأبيد، فكذلك
أمهات المؤمنين حرام على غير النبى معَّ له إلى يوم القيامة اهـ (١٢٦:٥). قلت: وإنما أمرن بالحجاب
عن سائر المسلمين غير ذوى القربى إجلالا لهن وإعظاما لشأنهن، وصيانة لقلوبهم عن الخطرات
التی لا تلیق بحضرتهن، فافهم.
سفر المرأة مع عبدها ضيعة:
قال الحافظ فى الفتح: ومن قال: إن عبد المرأة محرم لها. محتاج أن يزيد فى هذا الضابط ما
يدخله. وقد روى سعيد بن منصور من حديث ابن عمر مرفوعا: ((سفر المرأة مع عبدها ضيعة» وفى
إسناده ضعف، وقد احتج به أحمد وغيره (واحتجاج المجتهد بحديث تصحيح له) وينبغى لمن أجاز
ذلك أن يقيده بما إذا كانا فى قافلة. بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث اهـ (٤: ٦٦).
قال الحافظ فى "الفتح": واستدل به أى بحديث ابن عباس: ((لا تسافر المرأة إلا مع ذى
محرم. فقال رجل: إلى أريد أن أخرج فى جيش كذا وكذا. وامرأتى تريد الحج، فقال: أخرج
معها)) على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض. وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية. والأصح
عندهم أن له منعها، لكون الحج على التراخى. وأما ما رواه الدارقطنى من طريق إبراهيم الصائغ،

١٥
اشتراط المحرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
ج - ١٠
لفظ: ثلاث ليال. وفى لفظ: فوق ثلاث أخرجه الشيخان. دراية (١٨٣).
عن نافع. عن ابن عمر، مرفوعا فى امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها فى الحج: ((فليس لها أن
تنطلق إلا بإذن زوجها)) فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع عملا بالحديثين اهـ (٤: ٦٦)
وفى الجوهر النقى هذا الحديث فى اتصاله نظر، وقال البيهقى فى كتاب المعرفة: تفرد به حسان
ابن إبراهيم. وفى الضعفاء للنسائى: حسان ليس بالقوى. وقال العقيلى: فى حديثه وهم. وفى
الضعفاء لابن الجوزى: إبراهيم بن ميمون الصائغ لا يحتج به. قاله أبو حاتم اهـ. قلت: كلاهما
مختلف فيه وحديث مثلهما حسن، ولكنه لا يصلح معارضا لحديث ابن عباس المتفق على صحته.
قال صاحب "الجوهر النقى": وفى "الإشراف" لابن المنذر: أجمع كل من يحفظ قوله من
أهل العلم على أن للرجل منع زوجته من الخروج إلى الحج التطوع، واختلفوا فى منعه إياها حجة
الإسلام، فقال إبراهيم النخعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأى: ليس له منعها من
حجة الإسلام، وقال الشافعى: إن أهلت بغير إذنه ففيه قولان: أحدهما: أن تكون كمن أحصر
فتذبح وتقصر وتحل، والآخر: أن عليه تخليتها. قال: وأصح مذهبيه الذى يوافق سائر العلماء، ولا
أعلمهم يختلفون أنه ليس له أن يمنعها من صوم ولا صلاة واجب اهـ (٢٥٨:١).
وفيه أيضا: قال البيهقى: باب المرأة يلزمها الحج بوجود السبيل إليه وكانت مع ثقة من
النساء فى طريق آمنة. قلت: هذا مخالف لظاهر الحديث الذى ذكره فى الباب الذى بعد هذا، وهو
قوله مَ ◌ّهِ: ((لا تسافر المرأة ثلاثا)) الحديث. وكما شرط جميع العلماء الصحة وإن كان لا ذكر لها
فى الآية، وفسر البيهقى الاستطاعة بالزاد والراحلة بحديث ضعفه هو فيما تقدم، فلغيره أن يفسر
الاستطاعة فى حق المرأة بالمحرم بحديث متفق على صحته، وذهب الحسن، والنخعى، وأبو حنيفة
وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أن المحرم أو الزوج من السبيل، فإن لم تجدهما فلا حج
عليها. وفى "المعالم" للخطابى: المرأة التى وصفها الشافعى لا تكون ذا حرمة، وقد خطر (النبى)
مَِّ أن تسافر إلا معها ذو محرم، فإباحة الخروج مع عدمه خلاف السنة، وشبهها أصحاب
الشافعى بالكافرة تسلم فى دار الحرب، والأسيرة من المسلمين تخلص من الكفار تهاجر إلى
المسلمين بلا محرم؛ لأنه سفر واجب فكذا الحج، ولو كانا سواء لجاز لها أن تحج وحدها بلا محرم
أو امرأة ثقة، فلما لم يبح لها إلا مع امرأة ثقة دل على الفرق بينهما.
وقال ابن المنذر: أغفل قوم القول بظاهر هذا الحديث، يعنى حديث اشتراط المحرم فى سفر

١٦
اشتراط المجرم أو الزوج لوجوب أداء الحج على المرأة
إعلاء السنن
المرأة، وشرط كل منهم شرطا لا حجة لهم فيما اشترطوه، فقال مالك: تخرج مع جماعة النساء.
وقال الشافعى: تخرج مع ثقة حرة مسلمة. وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين. وقال
الأوزاعى: تخرج مع قوم عدول، وتتخذ سلما تصعد عليه وتنزل، ولا يقربها الرجل إلا أنه يأخذ
برأس البعير، ويضع رجله على ذراعه قال ابن المنذر: وظاهر الحديث أولى، ولا نعلم مع هؤلاء
حجة توجب ما قالوا.
ثم ذكر البيهقى حديث ابن عمر: من استطاع إليه سبيلا الزاد والراحلة. وليس فى هذا
الحديث ولا فى هذا الباب اشتراط الثقة من النساء، ولا أمن الطريق. وقال أبو بكر الرازى: أسقط
الشافعى اشتراط المحرم وهو منصوص عليه، وشرط المرأة ولا ذكر لها، ثم ذكر البيهقى حديث
عدى فى خروج المرأة من الحيرة إلى مكة. قلت: هذا خبر منه عليه السلام أن ذلك يقع بعده، ولم
يقل: إن ذلك يجوز أو لا، وقد قال عّ لّ فى "الصحيح": ((لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر
الرجل فيقول: يا ليتنى مكانه)) وهذا وإن كان فيه تمنى الموت المنهى عنه لكنه خبر منه عّ لّ أن ذلك
سيكون. من غير تعرض منه معدّ لجوازه. ثم عقد البيهقى: باب الاختيار لوليها أن يخرج معها.
ذكر فيه حديث: ((انطلق فاحجج امرأتك)) قلت: هذا الحديث يرد على البيهقى فى جواز خروجها
مع ثقة (من النساء) إذ لو جاز لها ذلك لقال عليه السلام: امض أنت فيما اكتتبت فيه. فلا حاجة
لها إليك ثم قال: باب المرأة تنهى عن كل سفر لا يلزمها بغير محرم. قلت: أحاديث هذا الباب
تشتمل السفر لما يلزمها ولما لا يلزمها، (فتخصيصها بما لا يلزمها لا دليل عليه) وبهذا تبين أن المحرم
للمرأة من جملة الاستطاعة كما قررناه اهـ (٣٥٩:١ و٣٦٠) وبهذا تبين غاية اتباع الحنفية للآثار.
وتجنبهم عن القياس بمعرض النصوص، والله تعالى أعلم.
فائدة:
ذكر الجصاص فى "أحكام القرآن" له: حدثنا عبد الباقى بن قائع، ثنا بشير بن موسى، ثنا
يحيى بن إسحاق، ثنا يحيى بن أيوب، عن حرام بن عثمان، عن ابنى جابر، عن أبيهما، قال: قال
رسول الله عَ ◌ّه: ((لو أن صبيا حج عشر حجج ثم بلغ لكانت عليه حجة إن استطاع إليه سبيلا ولو
أن أعرابيا حج عشر حجج ثم هاجر لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا، ولو أن مملوكا حج
عشر حجج ثم أعتق لكانت عليه حجة إن استطاع إليها سبيلا)) اهـ (٢٦:٢) والحديث ذكره
صاحب "الهداية" هكذا، فقال الحافظ فى "الدراية": لم أجده بذكر عشر حجج فى الصبى اهـ.

2
ج - ١٠
١٧
باب المواقيت وأنه لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام لمن أراد دخول مكة
٢٥٦١- عن ابن عباس، قال: وقت رسول الله عَّ لأهل المدينة ذا الحليفة،
ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم، قال: فهن لهن ولمن
أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة، فمن كان دونهن فمهله من أهله،
وكذلك حتى أهل مكة يهلون منها. متفق عليه. "نيل الأوطار" (٤-١٧٥).
٢٥٦٢- عن عائشة رضى الله تعالى عنها: أن النبى معَّه وقت لأهل العراق ذات
عرق. رواه أبو داود والنسائى، وسكت عنه أبو داود والمنذرى، قال الحافظ فى
"التلخيص": هو من رواية القاسم عنها، تفرد به المعافى بن عمران عن أفلح عنه،
والمعافى ثقة اهـ. "نيل الأوطار" (٤-١٧٧).
٢٥٦٣- عن أبى الزبير: أنه سمع جابرا سئل عن المهل، فقال: سمعت أحسبه رفع
(١٨٢) وقد وجدناه فلله الحمد، ولكن فيه حرام بن عثمان الأنصارى المدنى، وقال الشافعى
وغيره: الرواية عن حرام حرام، كذا فى "اللسان" (١٨٢:٢).
باب المواقيت وأنه لا يجوز مجاوزتها بغير إحرام لمن أراد دخول مكة
قوله: "عن ابن عباس" إلخ، دلالته على المواقيت ظاهرة.
قوله: "عن عائشة" إلخ، قلت: سنده صحیح صالح للاحتجاج به.
قوله: "عن أبى الزبير" إلخ: قلت: أخرجه مسلم على الشك فى رفعه كما تراه، وجزم
برفعه أحمد وابن ماجة، لكن فى إسناد أحمد ابن لهيعة، وفيه مقال، وفى إسناد ابن ماجة إبراهيم.
ابن يزيد الجوزى وهو غير محتج به، (عند الكثير من المحدثين وإن حسن له الترمذى)، قال
الشوكانى فى "النيل": وفى الباب عن الحارث بن عمر والسهمى عند أبى داود، وعن أنس عند
الطحاوى، وعن ابن عباس عند ابن عبد البر، وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد، وفى إسناده
الحجاج بن أرطاة، وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا، وبها يرد على ابن خزيمة حيث قال: فى ذات
عرق أخبار لا يثبت منها شىء عند أهل الحديث، وعلى ابن المنذر حيث يقول: لم نجد فى ذات
عرق حديثا يثبت قال فى "الفتح": لعل من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، أو رأى ضعف الحديث
باعتبار أن كل طريق منها لا يخلو عن مقال. قال: لكن الحديث بمجموع الطرق يقوى، وممن قال:

١٨
لا يجوز مجاوزة المواقيت بغير إحرام لمن أراد دخول مكة
إعلاء السنن
إلى النبى معَ ◌ّه قال: ((مهل أهل المدينة من ذى الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل
أهل العراق ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن يلملم)). رواه مسلم
وكذلك أحمد وابن ماجه، ورفعا من غير شك، كذا فى "النيل" (١-١٧٧).
٢٥٦٤- حدثنا عبد السلام بن حرب، عن خصیف، عن سعيد بن جبير، عن ابن
عباس: أن النبى معَّه قال: ((لا تجاوزوا المواقيت إلا بإحرام)). رواه ابن أبى شيبة فى
"مصنفه"، "زيلعى" (١-٤٧٣). قال الحافظ فى "الدراية": وفيه خصيف اهـ. قلت:
بأنه غير منصوص وإِنما أجمع عليه الناس (فى زمن عمر رضى الله عنه) طاوس، وبه قطع الغزالى،
والرافعى فى "شرح المسند" والنووى فى "شرح مسلم"، وكذا وقع فى "المدونة" لما لك، وممن
قال بأنه منصوص عليه الحنيفة، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعى فى "الشرح الصغير"،
والنووى فى "شرح المهذب" (١٧٧:٤).
قلت: ولا يعارضه ما رواه أحمد وأبو داود والترمذى من طريق يزيد بن أبى زياد، عن
محمد بن على بن عبد الله بن عباس، عن ابن عباس: أن النبى معَّ له وقت لأهل المشرق العقيق. قال
الترمذى: حسن، فإن العقيق واد يدفق ماءه فى غورى تهامة. قال الأزهرى: هو حذاه ذات عرق
على أن للحديث علة قال مسلم فى الكنى: لا يعلم له أى لمحمد بن على سماع من جده كذا فى
التلخيص (٢٠٥:١) وإن صح الأثر فهو مؤيد لمن قال يكون مهل أهل العراق منصوصا عليه. فإن .
العقیق و ذات عرق(١) متحدان متحاذیان، فافهم.
ولا ما رواه البخارى عن ابن عمر، قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر بن الخطاب، فقالوا:
يا أمير المؤمنين، إن رسول الله مَّ له حد لأهل نجد قرنا وأنه جور عن طريقنا، أردنا أن نأتى وما شق
علينا، قال: فانظروا حذوها من طريقكم. قال: فحد لهم ذات عرق اه؛ لأنه يمكن أن يكون عمر
لم يبلغه توقيت النبى معَ له، ثم ظهر موافقة ما حده لهم برأيه لتوقيت النبى معَ له.
قوله: " حدثنا عبد السلام إلى آخر الباب، قلت: دلالتهما على كراهة مجاورة الميقات بغير
إحرام ظاهرة. ويعارضه ما روى جابر عند مسلم والنسائى: أن النبى مّ ◌ُّه دخل يوم فتح مكة وعليه
(١) وقد روى الطحاوى فى "أحكام القرآن" بسنده عن أنس: أنه سمع رسول الله عزّ وقت لأهل البصرة ذات عرق، ولأهل
المدائن العقيق. كذا فى "الجوهر النقى" (٣٣٤:١) فحصل منه وجه آخر للجمع بين مختلف الحديث أن العقيق ميقات لبعض
العراقين، وذات عرق ميقات لأهل البصرة، وقد عزا الشوكانى فى "النيل" حديث أنس هذا إلى الطبرانى، وقال: إسناده
ضعيف (١٧٨:٤) ولا ضير فإن الجمع بين مختلف الحديث يجوز بالرأى أيضا فيا الحديث الضعيف بالأولى.

١٩
لا يجوز مجاوزة المواقيت بغير إحرام لمن أراد دخول مكة
ج - ١٠
فما له؟ وهو حسن الحديث على الأصل الذى أصلناه غير مرة، قال ابن معين: لا بأس
به. وقال مرة: ثقة. وقال ابن سعيد: كان ثقة. كذا فى "التهذيب" (٣-١٤٤،١٤٣)
وأخرجه البيهقى بلفظ: ((لا يدخل أحد مكة إلا محرما)). قال الحافظ: وإسناده جيد اهـ.
"نيل الأوطار" (٤-١٨١).
عمامة سوداء بغير إحرام، وأنس عند أحمد والبخارى: أن النبى مّ ◌ُلّه دخل مكة عام الفتح وعلى
رأسه المغفر. وفيه دلالة على جواز دخول مكة للحرب بغير إحرام. والجواب عنه أن القتال فى مكة
خاص بالنبى ◌ّ؛ لما ثبت فى "الصحيح" أن النبى معَ ◌ّه قال: ((فإن ترخص أحد لقتال رسول الله
مَ طفلٍ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله مّ لّه ولم يأذن لكم)). فدل على عدم جواز قياس غيره عليه.
لا يقال: إن غاية ما فى هذا الحديث اختصاص القتال به عرّه، وأما جواز المجاوزة فلا؛ لأن
جواز القتال يستدعى جواز المجاورة بلا إحرام، للمنافاة الظاهرة بين القتال والإحرام؛ لقوله تعالى:
!٠٠
((فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج)). وأيضا فإن المحرم ممنوع عن لبس
المخيط من القميص والدرع ونحوهما، مأمور بكشف الرأس والوجه، كما سيأتى، والمقاتل محتاج
إلى لبس الدروع وتغطية الرأس ونحوها كما لا يخفى، فلما جوز الله القتال بمكة لرسول الله مرّ له.
وأصحابه ساعة من النهار، جوز لهم مجاوة الميقات بغير إحرام أيضا. فاندحض بذلك ما قاله
الشوكانى وغيره فى هذا المقام، والعلم عند الله الملك العلام.
وقال محمد فى "الموطأ": إن النبى معَّه دخل مكة حين فتحها غير محرم، ولذلك دخل
وعلى رأسه المغفر، وقد بلغنا أنه حين أحرم من حنين قال: ((هذه العمرة لدخولنا مكة بغير إحرام)).
يعنى يوم الفتح، فكذلك الأمر عندنا من دخل مكة بغير إحرام فلا بد له من أن يخرج فيهل
بعمرة أو بحجة؛ لدخوله مكة بغير إحرام، وهو قول أبى حنيفة والعامة من فقهائنا اهـ (٣٣٦)
قلت: وبلاغات المجتهد حجة لا سيما عند أصحابه وأتباعه، فهذا خاتمة الكلام قاطعة
العرق النزاع والسلام.
قال الشوكانى: وقد كان المسلمون فى عصره ◌ّظلّ يختلفون إلى مكة لحوائجهم، ولم ينقل
أنه أمر أحدا منهم بإحرام، كقصة الحجاج بن علاط، وكذلك قصة أبى قتادة لما عقر حمار الوحش
داخل الميقات وهو حلال، فجاوز الميقات لا بنية الحج ولا العمرة، فقرره عَ لهاهـ.
قلت: إن أراد اختلاف من هو داخل الميقات إلى مكة لحوائجهم فلا يرد علينا؛ لجواز

٢٠
إعلاء السنن
لا يجوز مجاوزة المواقيت بغير إحرام لمن أراد دخول مكة
٢٥٦٥- أخبرنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبى الشعشاء: وأنه رأى ابن عباس يرد
من جاوز الميقات غير محرم. أخرجه الإمام الشافعى رحمه الله فى "مسنده". "زيلعى"
(١-١٧٣). وفى "الدراية": إسناده صحيح (١٨٤).
دخولهم مكة بلا إحرام عندنا، وإن أراد اختلاف من هو خارج الميقات فغير مسلم؛ فإن المواقيت
بعيدة عن مكة بمراحل، ولا تتعلق الحوائج الإنسانية ولا المدنية إلا بمصر قريب، وتعلقها بالمصر
البعيد نادر. وأما قصة الحجاج بن علاط وإتيانه مكة بعد فتح خيبر لجمع أمواله، ففيها ما يدل على
أنه لم يدخل مكة مظهرا إسلامه بأمان من أهلها، بل وإنما دخل إليهم على أنه منهم كاتما إسلامه،
وقد استأذن رسول الله عَّةٍ أن يقول فيه وفى أصحابه، فأذن له أن يقول، فلم يكن الحجاج قادرا
على أداء النسك على طريقة الإسلام، ولو أحرم من الميقات لفعل فى عمرته ما يفعله المشركون،
ولهتف بما كانوا يهتفون به من كلمات الشرك والكفر، ولا يخفى أن التكلم بالكفر أشد من
مجاوزة الميقات بلا إحرام، فلما ابتلى ببليتين اختار أعونهما، والقصة ذكرها ابن هشام فى
"السيرة" (١٩١:٢) ومحمد فى "السير الكبير" والسرخسى فى "شرحه" (٣٨٤:٤).
ويحتمل أن تكون قصة الحجاج قبل توقيت المواقيت، فقد عرفت اختلال أهل السير فى
وقت فرض الحج، قال بعضهم: فرض سنة تسع، وقيل: ست. ومن قال: فرض سنة ست، لم يقم
دليلا على أنه كان قبل فتح خيبر أو بعده.
وأُما قصة أبی قتادة فقد ثبت أنه لم يخرج مع رسول الله مێ قاصدا بمكة، بل كان النبى
ێ بعثه على الصدقة. وخرج عليه السلام وأصحابه وهم محرمون حتى نزلوا عسفان، وجاء أبو
قتادة وهو حل، الحديث أخرجه الطحاوى فى "شرح الآثار" بسند لا بأس به. "الجوهر النقي"
(٣٥٢:١) فمن أدعى خروج أبى قتادة من المدينة مريدا دخول مكة فليأت ببرهان؛ فإن الظاهر
خروجه إلى موضع الصدقة، ثم التحق بالنبى مّّ لما سمع بخروجه، فكان له مجاوزة الميقات
بغير إحرام لعدم إرادته دخول مكة قبل لحوقه بالنبى معَّهِ، والله تعالى أعلم. وقد نص ابن القيم على
أن قصة أبى قتادة كانت سنة ست عام الحديبية، ووهم الطبرى(١) حيث ذكرها فى حجة الوداع.
"زاد المعاد" (٢٠٤:١) ولم يكن إذ ذاك توقيت المواقيت ولا فرض الحج، بل كان كل ذلك بعده.
(١) قلت: وقد وافق الطبرى ابن الهمام منا كما سيأتى فى أبواب جزاء الصيد.