Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
ج - ٩
تعليق الصوم برؤية الهلال وكذا إفطاره
القوم: هو ابن ثلاث، وقال بعض القوم: هو ابن ليلتين. فقال: أى ليلة رأيتموه؟
قال: قلنا: ليلة كذا وكذا فقال: إن رسول الله عَّ الله مده للرؤية فهو لليلة رأيتموه
(رواه مسلم ١- ٣٤٨).
والحساب التى لم تكلف بها، فاعتباره يستلزم التكليف بها، وهو منتف بالحديث فينفى
الملزوم.
وفى "الدر المختار": و"رؤيته بالنهار لليلة الآتية مطلقا على المذهب" ذكره
الحدادی.
وفى "رد المحتار": أى سواء رؤى قبل الزوال أو بعده، وقوله على المذهب أى الذى
هو قول أبى حنيفة ومحمد.
قال فى البدائع: فلا يكون ذلك اليوم من رمضان عندهما.
وقال أبو يوسف: إن كان بعد الزوال فكذلك، وإن كان قبله فهو لليلة الماضية
ويكون اليوم من رمضان، وعلى هذا الاختلاف هلال شوال، فعندنا يكون للمستقبلة
مطلقا، ويكون اليوم من رمضان، وعنده لو قبل الزوال يكون للماضية، ويكون اليوم يوم
الفطر، لأنه لا يرى قبل الزوال عادة إلا أن لليلتين فيجب فى هلال رمضان كون اليوم من
رمضان، وفى هلال شوال كونه يوم الفطر، والأصل عندهما أنه لا تعتبر رؤيته نهارا، وإنما
العبرة لرؤيته بعد غروب الشمس بقوله عّ ي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". أمر بالصوم
والفطر بعد الروية، ففيما قاله أبو يوسف مخالفة النص اهـ (٢: ١٥٢).
وفى "التلخيص الحبير" حديث شقيق بن سلمة "أتانا كتاب عمر بن الخطاب،
ونحن بخالقين: أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى
تمسوا، وفى رواية "فإذا رأيتم من أول النهار فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه
بالأمس" رواه الدار قطنى والبيهقى بإسناد صحيح باللفظين المذكورين، وزاد فى آخر
الأول: إلا أن يشهد شاهدان رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية (١: ١٩٨).
وأما ما فيه خلاف ذلك، ونصه: قال عبد الرزاق: أخبرنا الثورى عن مغيرة عن
شباك عن إبراهيم قال: كتب عمر إلى عتبة بن فرقد: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول
الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا.
وأخرجه ابن أبى شيبة من حديث الحارث عن على مثله (١: ١٩٨).

١٢٢
إعلاء السنن
باب النهى عن صوم يوم الشك(١)
٢٤٦٤- قال: صلة: عن عمار من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم
مَ ◌ّله . رواه البخارى. وقد وصله أبو داود والترمذى والنسائى وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم من طريق عمرو بن قيس عن أبى إسحاق عنه، ولفظه عندهم
"كنا عند عمار بن ياسر فأتى بشاة مصلية فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال:
إنى صائم فقال عمار: من صام يوم الشك"، وفى رواية ابن خزيمة وغيره "من
صام اليوم الذى يشك فيه". وله متابع بإسناد حسن. أخرجه ابن أبى شيبة من
طريق منصور عن ربعى أن عمارًا وناسًا معه أتوهم يسألونهم في اليوم الذى
يشك فيه فاعتزلهم رجل فقال له عمار: تعال فكل فقال: إنى صائم، فقال له
عمار: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل. (فتح البارى ٤-١٠٢).
فالجواب عنه إن صح عنهما أن الأول الصحيح يرجح على رواية عبد الرزاق بما فيه
من الانقطاع بين إبراهيم وعمر، وعلى رواية ابن أبى شيبة لما فيه من الحارث، ورواية الدار
قطنى والبيهقى صحيحة، فيترجح الصحيح عليهما، وهذا ترجيح رواية، وأما دراية: فبأن
رواية الدار قطنى والبيهقى محرمة للإفطار إذا رأى الهلال قبل الزوال، ورواية عبد الرزاق
وابن أبى شيبة مبيحة له، والمحرم يترجح على المبيح، ولموافقته المشاهدة فإن الهلال لدقته لا
يرى فى أول النهار فافهم.
, باب النهى عن صوم يوم الشك
قوله: "قال صلة" إلخ قال المؤلف: وقد استدل صاحب الهداية بأول حديث الباب
أن من رأى هلال رمضان وحده صام، وإن لم يقبل الإمام شهادته لأنه قد رأى
ظاهرا (١: ١٩٥).
وفى "فتح البارى" أيضا: قال ابن عبد البر: هو سند عندهم لا يختلفون فى ذلك،
(١) فإن قلت: الشك يتحقق فى اليوم الثلاثين من شعبان، وكذلك فى اليوم الثلاثين من رمضان أيضا، وقد حملتم
الحديث على الأول دون الثانى قلت: إن الأول كونهم من شعبان أصلا أفطر إليه، فإن الأصل ما لم يتحقق الرؤية
: كون ذلك اليوم من شعبان فيكون الصوم فيه هو الصوم قبل رمضان بيوم، وقد نهى عنه بخلاف الثانى فإن الأصل
فيه أنه من رمضان فلا مواصلة بينه وبين غيره فافهم، على أن ذلك الحمل بالإجماع منه.

ج - ٩
النهى عن صوم يوم الشك
١٢٣
٢٤٦٥ - عن: أبى هريرة عن النبى عّ لّه قال: لا يتقدمن أحدكم رمضان
بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك (رواه
البخارى ١-٢٥٦).
وخالفهم الجوهرى المالكى فقال: هو موقوف الجواب أنه موقوف لفظا مرفوع حكما
(١٠٢:٤) ودلالته على الباب ظاهرة، ولكن من كان يقع فى هذا اليوم صوم العادة له فهو
مستثنی کما فی الذی بعده.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ دلالته على أن التقدم بصوم أو صومين برمضان ممنوع
عنه إلا للمعتاد، وللعادة أعم من أن تراد بها عادة الصوم فى تلك الأيام من كل شهر أو من
ابتداء شعبان إلى تلك الأيام أى شعبان كله.
وفى "الدر المختار": والتنفل أحب فيه أى أفضل اتفاقا إن وافق صوما يعتاده أو صام
من آخر شعبان ثلاثة فأكثر لا أقل لحديث "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين" اهـ
(٢: ١٤١) مع "رد المحتار" ..
قال المؤلف: ولا يرد على قول الدر المختار "أو صام من آخر شعبان ثلاثة إلخ" أن
مفهوم العدد غير معتبر عند الأصوليين فإنه محمول على عدم القرينة المعارضة، وكذلك
أكثر الكليات، وقد وجدت هنا قرينتان على اعتبار مفهوم العدد الأولى منهما كون الصوم
عبادة فلا يكره إلا بدليل قوى، والأخرى أنه منقول عن فعل النبى معَ لّه فأخرج البخارى
عن عائشة قالت: لم يكن النبى عّ لّ يصوم شهرا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان
كله إلخ (١: ٢٦٤).
وفى "فتح البارى": زاد ابن أبى سلمة عن عائشة عند "مسلم": كان يصوم شعبان
إلا قليلا اهـ (٤: ١٨٦) فهذا مفسر لرواية البخارى كان يصوم شعبان كله.
وفى "فتح البارى" تحت شرح الحديث: وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا
كان لأجل الاحتياط، فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز، وقيل: يمتد المنع لما قبل ذلك،
وبه قطع كثير من الشافعية، وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقديم بالصوم فحيث وجد
منع، وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا: أمد المنع من أول
السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة مرفوعا "إذا

١٢٤
النهي عن صوم يوم الشك
إعلاء السنن
انتصف شعبان فلا تصوموا" أخرجه أصحاب السنن، وصحح ابن حبان وغيره ثم قال:
قال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد
فيه، وقال أحمد وابن معين: إنه منكر. وقد استدل البيهقى بحديث الباب على ضعفه
فقال: الرخصة فى ذلك بما هو أصح من حديث العلاء وكذا صنع قبله الطحاوى ثم قال:
ثم جمع (أى الطحاوى) بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم،
وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وهو جمع حسن (٤: ١١٠).
وفى "عمدة القارى وفى المحيط": إن وافق يوما كان يصومه فالصوم أفضل، وإلا
فالفطر أفضل (٥- ١٨٤). وفى "الدر المختار": وإلا (أى إلا يوافق صوما يعتاده، ولم يصم
ثلاثة قبل رمضان. طحاوی) يصومه الخواص، ويفطر غیرهم بعد الزوال، وبه يفتی اهـ.
وإلا رأى إلا يوافق صوما يعتاده، ولم يصم ثلاثة قبل رمضان. طحطاوى) يصومه
الخواص، ویفطر غیرهم بعد الزوال، وبه یفتی. اهـ.
وفى "الطحطاوى": اختلف فى أفضلية صومه وفطره، والمختار ما فى المصنف من
التفصيل كما فى "الهندية، والبحر"، ونقل صاحب النهر عن السراج أن المفتى به التلوم
ثم الإفطار وإن كان من الخواص فراجعه متأملا (١: ٧١٢).
قال بعض الناس: حكم الأفضلية للخواص هو الاحتياط الثابت بالكليات الشرعية
يتحصلوا صوم رمضان يقينا، والمنع للعوام لئلا يظنوا أنه من رمضان، وهو الوجه فى النهى
عن التقدم المذكور فى حديث الباب، وقد شوهد أنهم يفهمون كذلك بل يترقى بعضهم
عليه فيقول إذا لم ير هلال شوال فى التاسع والعشرين الذى هو الثلاثون بحساب ذلك
الرجل: ما بال العلماء يصومون أحدا وثلاثين يوما؟ فهذه مفسدة عظيمة. والله تعالى أعلم.
وقد روى أبو داود، وسكت عنه فی حدیث طویل: فكان ابن عمر إذا كان شعبان
تسعا وعشرين نظر له فإن رأى فذاك، وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قترة
أصبح مفطرا فإن حال دون منظره سحاب أو قترة أصبح صائما قال: وكان ابن عمر يفطر
مع الناس، ولا يأخذ بهذا الحساب اهـ (١: ٣٢٤ و٣٢٥) فالظاهر أنه يتطوع به احتياطا.
والله تعالى أعلم.

ج - ٩
النهي عن صوم يوم الشك
١٢٥
وأيضا أورد الزيلعى حديثا رواه الشافعى: أخبرنا عبد العزيز بن محمد الدراوردى
عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن أمه فاطمة بنت حسين أن رجلا شهد عند
على رضى الله عنه على رؤية هلال رمضان فصام، وأحسبه قال: وأمر الناس أن يصوموا،
وقال: أصوم يوما من شعبان أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان اهـ (١: ٤٤٠).
قلت: ورجاله ثقات كلهم باختلاف فى بعضهم، ولا يضر فقبول على رضى الله
عنه شهادة الواحد دليل على كون اليوم ذات غيم، وقوله: "أصوم يوما" إلخ دليل على
ضعف بعض شرائط الشهادة فى الشاهد فکان یوم الشك، فثبت منه رضی الله عنه صومه،
ولم يثبت منه أمره الناس به، ولا من غيره من الصائمين يوم الشك أن أحدا أمر الناس به،
ولو أمر لنقل، وأمر على لهم فى تلك الرواية مشكوك فيه، فحصل به عند التأمل كونه
خاصا بالخواص، وكون يوم الشك هو الذى فيه غيم ونحوه نقله العينى عن "المبسوط،
والفوائد الظهيرية، والمجتبى" كذا فى " حاشية الهداية" (١: ١٩٣) ويحمل قوله عليه
السلام: "لا تتقدموا بيوم أو يومين" على غير يوم الشك، لأن الاحتياط مع عدم دليل
الشك توهم محض لا يعتبر فى الشرع.
وفى "النيل": وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه منهم: على وعائشة وعمر
وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبى بكر وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص
وغيرهم، وجماعة من التابعين منهم: مجاهد وطاوس وسالم بن عبد الله وميمون بن
مهران ومطرف بن الشخير وبكر بن عبد الله المزنى وأبو عثمان النهدي (٤: ٧٧) ثم
رأيت قول ابن عمر الذى يعارض بظاهره فعله هذا، وهو ما فى"فتح البارى" (٤:
١٠٣): روى الثورى فى جامعه عن عبد العزيز بن حكيم سمعت ابن عمر يقول: لو
صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذى يشك فيه اهــ والثورى إمام مشهور من رجال
الجماعة، وشيخه هذا مختلف فيه ففى"ميزان الاعتدال" (٢: ١٢٥): أورده العقيلى،
لا يعرف. قال ابن معين: ثقة وقال أبو حاتم: ليس بالقوى اهـ.
قلت: الأثر حسن على قاعدة الفتح لكن لا تعارض بين قوله وفعله كما يظهر عند
التأمل، فإنه يمكن حمل قوله على حفظ العوام كما يمكن أن يحمل فعله على أن العادة له

١٢٦
النهي عن صوم يوم الشك
إعلاء السنن
٢٤٦٦- عن: عمران بن حصين عن النبى عّ لّ أنه سأله أو سأل رجلا
اتفقت فى ذلك اليوم فصام، ولكن الأول أظهر فإن عادته رضى الله عنه الثابتة بصيغة كان
تدل على أن الصوم فى ذلك اليوم لم يكن اتفاقا فافهم اهـ.
قلت: تخصيص الخواص بالجواز ليس له دليل ناهض، أما أثر ابن عمر الفعلى
فلكونه معارضا لقوله، والقول أقوى من الفعل، والجمع بالتأويل الذى ذكره بعض الناس
يمجه الطبع السليم.
وأما أثر على ففيه أنه صام وأمر الناس بصومه فلم يكن يوم الشك أصلا فإن أمر
العوام بصومه لا يقوله أحد.
وأما قوله: "أصوم يوما من شعبان" إلخ لا يدل على كونه يوم الشك بل معناه دفع
ما عسى أن يكون قد اختلج فى نفس واحد من الحاضرين فى عدالة الشاهد، فأجابه بذلك
على التنزل.
وحاصله أن الشاهد عادل عندى، وإن لم يكن عادلا فى نفس الأمر فأصوم يوما من
شعبان بشهادته أحب إلى أن أفطر يوما من رمضان برد شهادته، وأما إذا لم يشهد برؤية
الهلال أحد، وكان يوم الشك فلا يصومه العوام ولا الخواص لورود النهى الصريح عنه.
والتعليل بمعرض النص باطل فالصحيح ما ذكره صاحب النهر عن السراج أن المفتى به
التلوم ثم الإفطار وإن كان من الخواص اهـ أى إلا إذا وافق صوما كان يصومه لكونه
مستثنی بالنص.
وأيضا ففى صوم الخواص وأفتاءهم العوام بالفطر فتنة أيضا فإن صومهم لا يكاد
يخفى بل يظهر الناس فيرتابون فى فتاوى العلماء، ويقولون: أمرونا بالإقطار، وأخذوا
لأنفسهم بالحوطة، فهل زمام الشريعة بأيديهم حيث حرموا الصوم علينا، وأحلوه
لأنفسهم؟ وفيه من الفساد ما لا يخفى، والفقيه من وقف على حال. أهل زمانه،
والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عمران" إلخ قال المؤلف: وفى حاشية "البخارى" عن العينى والكرمانى
ملتقطا منهما قوله: "سرر هذا الشهر" ضبطوه بفتح السين وكسرها، وحكى ضمها قال

١٢٧
ج - ٩
النهي عن صوم يوم الشك
وعمران يسمع فقال: يا أبا فلان! أما صمت سرر هذا الشهر؟ قال: أظنه قال:
يعنى رمضان قال الرجل: لا يا رسول الله! قال: فإذا أفطرت فصم يومين، لم يقل
الصلت: أظنه يعنى رمضان، وقال ثابت: عن مطرف عن عمران عن النبى عد له:
من سرر شعبان، قال أبو عبد الله: وشعبان أصح. (رواه البخارى ٢٢٦:١).
الجمهور: المراد به آخر الشهر، وعليه تبويب البخارى، وقيل: هو أوسطه، وقيل: هو أوله،
والحديث مقيد بشهر شعبان. اهـ.
وفيها أيضا: فإن قلت: هذا يعارض النهى بتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. قلت
أجابوا بأن هذا الرجل كان يعتاد الصوم آخر الشهر فتركه لجوفه من الدخول فى النهى
فبين له رسول الله عّ لّه أن الصوم المعتاد لا يدخل فى النهى، وإنما النهى عن غير
المعتاد اهـ (٢٢٦:١).
وهذا الحديث لا يدل بهذا التأويل على استحباب صوم سرر شعبان لكل أحد،
ويوضحه ما فى "فتح القدير"، ونصه: وعندنا هذا يفيد استحباب صومه لا وجوبه لأنه
معارض بنهى التقدم بصيام يوم أو يومين فيحمل على كون المراد بالتقدم بصوم رمضان
جمعا بين الأدلة، وهو واجب ما أمكن، ويصير حديث السرر للاستحباب، ولأن المعنى
الذى يعقل فيه هو أن يختم شعبان بالعبادة كما يستحب ذلك فى كل شهر فهو بيان أن
هذا الأمر وهو ختم الشهر بعبادة الصوم لا يختص بغير شعبان كما قد يتوهم بسبب
اتصال الصوم الواجب به، بخلاف حمل حديث التقدم على صوم النفل فيجعل هو
الممنوع، وصوم رمضان هو الواجب بحديث السرر فيكون منع النفل بسبب الإخلال
بالواجب المفاد بحديث السرر، لأنه يؤدى إلى فتح مفسدة ظن الزيادة فى رمضان عند
تكرره مع غلبة الجهل، وهو مكفر لأنه كذب على الله تعالى فيما شرع كما فعل أهل
الکتاب حیث زادوا فى مدة صومهم فیثبت بذلك ما ذهبنا إليه من حل صومه مخفیا عن
العوام اهـ (٢: ٢٤٥).

١٢٨
افتراض الصوم بشهادة مسلم واحد إذا كان بالسماء علة
إعلاء السنن
باب افتراض الصوم بشهادة مسلم واحد عدل أو مستور
إذا كان بالسماء علة
٢٤٦٧- عن: ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله
مَو ◌ُّمِ أنى رأيته فصام، وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود والدارمى قال ميرك
نقلا عن التصحيح: ورواه الحاكم، وقال: على شرط مسلم، ورواه البيهقى اهـ.
وصحح ابن حبان، وقال النووى: إسناده على شرط مسلم. (مرقاة ٢-٥٠٧).
باب افتراض الصوم بشهادة مسلم واحد عدل أو مستور
إذا كان بالسماء علة
قال المؤلف: دلالة الحديث الأول من فعله عَ ◌ّر أن شهادة المسلم الواحد العدل
تكفى لا يجب الصوم ظاهرة، وكون ابن عمر عدلا معلوما له عرّضّ غير خفى، والتقييد
بعلة فى السماء ليس مذكورا فى الحديث لكن الدليل عليه ما ذكره صاحب الهداية
ونصه: وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم
لأن التفرد بالرؤية فى مثل هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف فيه حتى يكون جمعا
كثيراً(١) بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق
للبعض النظر اهـ (١: ١٩٥ و١٩٦).
ذلك أن تستدل عليه بما رواه أبو داود وسكت عنه عن أبى هريرة ذكر النبى عد اله
فيه (أى فى حديث أيوب المذكور فى السنن قبل) قال: وفطر كم يوم تفطرون، وأضحاكم
يوم تضحون، وكل عرفة موقف، وكل منى منحر، وكل فجاج مكة منحر، وكل جمع
موقف اهـ (١: ٣٢٥).
وفى"سنن الترمذى": قال عبد الله:"الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون
والأضحى يوم تضحون" وفيه أيضا: غريب حسن، وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث
فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة معظم الناس ١هـ ( ** ٩٣) وتمريره أنه غذية
(١) مقدار القلة والكثرة مفوض إلى رقى الإمام ذكره في حاشية الهداية عن خلاصة الفتاوى (١١ ١٩١).
قلت: يكفى القاهر الذى يقع بين الطميطات القلب للصحة.

ج - ٩
افتراض الصوم بشهادة مسلم واحد إذا كان بالسماء علة
١٢٩
٢٤٦٨- حدثنا: محمد بن بكار بن الريان نا الوليد يعنى ابن أبى ثور، ح
وحدثنا الحسن بن على نا الحسين يعنى الجعفى عن زائدة المعنى عن سماك عن
عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابى إلى النبى عّ لّه فقال: إنى رأيت الهلال.
قال الحسن فى حديثه: يعنى رمضان فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم!
قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم! قال: يا بلال! أذن فى الناس
الصلاة والسلام أضاف الصوم والفطر والأضحية إلى الجماعة فى قوله "تصومون
وتفطرون وتضحون" فلا بد فى أصل الحكم من الجماعة الكثيرة أو جميع المسلمين
الموجودين فى بلدة مثلا فى هذه الأحكام إلا إذا عرض عارض ككون السماء مغيمة مثلا
فله حكم آخر ثابت بالشرع کحديث المتن، ولم يثبت قبول شهادة الواحد فى هلال شوال
فيبقى على العمومات فى "باب الشهادة" حيث لا تقبل لأقل من اثنين، وسيأتى
فی الباب الآتى.
والحديث الثانى يدل على أن من لم يظهر فسقه قبل شهادته فى صوم رمضان فإنه
عَ ◌ّه لم يفتش أمر العدالة فى الواقعة، وإن قال قائل أنه معرّ. لعله كان يعرفه فيجاب بأنه لو
كان كذلك لما فتش عن إسلامه، وباقى التقرير قدٍ مر فى تقرير الحديث الأول.
وفى "الدر المختار": قبل إلى أن قال: خبر عدل أو مستور على ما صححه البززى
على خلاف ظاهر الرواية لا فاسق اتفاقا. (١: ٧١٣ و٧١٤) مع الطحطاوى.
فإن قلت: هذان الحديثان واقعتان، ولا عموم للواقعة، وفى الباب ما يعارضه من
قوله عَّ وهو ما فى "النيل" عن عبد الرحمن(١) بن زيد بن خطاب أنه خطب فى اليوم
الذى شك فيه فقال: ألا أنى جالست أصحاب رسول الله عَّه، وسألتهم، وأنهم حدثونى
أن رسول الله عَ لَّه قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، وأنسكوا لها، فإن غم عليكم
فأتموا ثلاثين يوما فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا". رواه أحمد، ورواه
النسائى، ولم يقل فيه: مسلمان اهـ (٤: ٧٣).
(١) قال ابن سعد: مات النبى معَ ◌ّه وله ست سنين اهـ. قال ابن حبان فى الصحابة: ولد سنة هاجر النبى عَ ◌ّ إلى
المدينة، وقال العسكرى: لم يرو عن النبى معَّ ◌ُّه شيئا. انتهى ما فى تهذيب التهذيب ملخصا (٦: ١٨٠؛ وفى
"شرح الشرح" لنخبة الفكر: ومن رأه وهو لا يعقل إلى أن قال: كما إذا حمله شخص طفلا وأوثله إلى النبى معَ له
(ص: ٦٧) فثبت بهذا أن عبد الرحمان هذا صحابى.

١٣٠
إعلاء السنن
فليصوموا غدا. رواه أبو داود (١-٣٢٧) وسكت عنه، وعزاه فى المرقاة
(٢-٥٠٧) بنقص بعض الألفاظ إلى أبى داود والترمذى والنسائى وابن ماجة
والدارمى، ثم قال صاحب المرقاة، وصحح الحاكم. وذكر البيهقى أنه جاء من
طرق موصولا ومن طرق مرسلا، وإن كانت طرق الاتصال صحيحة.
باب اشتراط شاهدين عدلين فى الفطر عند العلة
ملاّ قال:
٢٤٦٩- عن: ربعى بن حراش عن رجل من أصحاب النبي عدبيه
اختلف الناس فى آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبى عّ لّه بالله
لأهلا الهلال أمس عشيةً فأمر رسول الله عَ ◌ّ أن يفطروا. رواه أحمد وأبو داود.
وزاد فى رواية: وأن يغدوا إلى مصلاهم الحدیث. سكت عنه أبو داود والمنذری
وفيه أيضا: ذكره الحافظ فى التلخيص، ولم يذكر فيه قدحا، وإسناده لا بأس به
على اختلاف فيه اهـ. (٤: ٧٣) فهذا يدل على اشتراط شاهدين فى الصوم والفطر.
وفى "النيل" أيضا: وعن أمير مكة الحارث بن حاطب قال: عهد إلينا رسول الله
ګ أن ننسك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما. رواه أبو داود
والدار قطنی وقال: هذا إسناد متصل صحیح، وفیه أیضا: سکت عنه أبو داود والمنذری،
ورجاله رجال الصحيح إلا الحسين بن الحارث الجدلى، وهو صدوق، وفيه أيضا: والحارث
ابن حاطب المذكور له صحبه (٤: ٧٣) وهذا يدل على اشتراط العدل.
قلت: التصريح فيهما بالاثنين والعدل غاية ما فيه المنع من قبول الواحد، ومن غير
العدل بالمفهوم، وحديثا الباب يدلان على قبول روايتهما، وإن كانا من فعله عّ لّه منطوقا،
والمنطوق يترجح على المفهوم فخص حكم الصوم بحديثى الباب من هذا القول، وبقى
حكم الفطر على ما ثبت بهذين الحديثين وسيأتى فى الباب الآتى بعد هذا.
وأما كون الواقعة خاصة فالقرائن حافة بكون حكمهما عاما ولذا لم يقل أحد
يكون هذا الحكم خاصا بهاتين القصتين فقط.
باب اشتراط شاهدين عدلين فى الفطر عند العلة
قوله: "عن ربعى" إلخ قال المؤلف: حديث الباب يدل على الباب من حيث أنه

١٣١
ج - ٩
ورجاله رجال الصحيح، وجهالة الصحابى غير قادحة (نيل الأوطار ١-٧٢)
وقد مر الحديثان القوليان فى الباب فى حاشية الباب السابق.
باب أول وقت الصوم وآخره
٢٤٧٠- عن: سمرة بن جندب قال: قال رسول الله عَّ له: لا يغرنكم من
سحور كم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا،
وحكاه حماد بيديه قال: يعنى معترضا. رواه مسلم (١- ٣٥٠).
ذكر فيه شاهدين ولم يرو خلافه، وأقل منه وإن كان ذلك واقعة حال لكن الحديثين
القولين قد دلا على ذلك أيضا كما مر عن قريب فهذا أيضا يحمل عليهما. نعم! ليس فى
الحديث الفعل ذكر العدالة والعلة، فاشتراط العلة مر تقريرها من الهداية فى حاشية الباب
السابق فاذكره، والعدالة ثبتت بالحديث القولى المار فى حاشيه الباب السابق منطوقا،
ومفهومه أن لا يقبل فيه قول غير العدل، وأما الجواب عن الحديث الفعلى حيث لم تذكر
فيه العدالة فعدم الذكر لا يستلزم منه عدم اشتراطها كيف؟ وقد ثبتت بالقولى فيقال: إنه
مّ له كان يعرفهما وعدالتهما، ولا بعد فيه.
باب أول وقت الصوم وآخره
قوله: "عن سمرة" إلخ قال المؤلف: دل الحديث على أن أول وقت الصوم الفحر
المستطير، وفى "العناية": قوله: ووقت الصوم من حين طلوع الفجر الثانى، قيل: العبرة
لأول طلوع الفجر الثانى أو لاستنارته وانتشاره. قال شمس الأئمة الحلوانى(١): الأول
أحوط والثانی أرفق (٢: ٢٥٣).
وفى "العالمكيرية": وقد اختلف فى أن العبرة لأول طلوع الفجر أو الاستطارته
وانتشاره قال شمس الأئمة الحلوانى: القول الأول أحوط، والثانى أوسع هكذا فى المحيط.
وإليه مال أكثر العلماء كذا فى "خزانة الفتاوى" فى كتاب الصلاة (١: ١٢٥)
قلت: والنص علق الحكم على التبين، ولا يكون إلا بالإنتشار، ولا يطلع على نفس
طلوع الفجر إلا واحد من المئين والحرج مدفوع بالنص، فالقوى ما مال إليه أكثر العلماء
وإن كان الأحوط الأول والله أعلم.
(١) ضبط بعضهم هكذا، وبعضهم بما فى العالمكيرية الحلوانى كما يتحصل من عمدة الرعاية.

١٣٢
أول وقت الصوم واخره
إعلاء السنن
٢٤٧١ - عن: ابن أبى أوفى قال: كنا مع رسول الله عَّ لّه فى سفر، فقال
لرجل: انزل فاجدح لى. قال: يا رسول الله! الشمس؟ قال: انزل فاجدح لى.
قال: يا رسول الله! الشمس(١) قال: انزل فاجدح لى. فنزل فجدح له فشرب ثم
رمى بيده ههنا ثم قال: إذا رأيتم الليل أقبل من ههنا فقد أفطر الصائم.
رواه البخارى (١- ٢٦٠).
٢٤٧٢- عن: عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله عَّ ◌ُله: إذا أقبل الليل
من ههنا وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم.
رواه البخارى (١-٢٦٢).
وفى "العالمكيرية" أيضا فى أوقات الصلاة: اختلف المشائخ فى أن العبرة لأول
طلوع الفجر الثانى أو لاستطارته وانتشاره؟ كذا فى المحيط، والثانى أوسع، وإليه مال أكثر
العلماء هكذا فى "مختار الفتوى" والأحوط فى الصوم والعشاء اعتبار الأول، وفى الفجر
اعتبار الثانى كذا فى "شرح النقاية" للشيخ أبى المكارم (١: ٣١).
قوله: "عن ابن أبى أومى" إلخ قال المؤلف: دلالته على آخر وقت الصوم ظاهرة.
قوله: "عن عمر" إلخ. قال المؤلف: وفى "فتح البارى": وذكر فى الحديث ثلاثة
أمور لأنها وإن كانت متلازمة فى الأصل لكنها قد تكون فى الظاهر غير متلازمة. فقد
يظن إقبال الليل من جهة المشرق ولا يكون إقباله حقيقة بل لوجود أمر يغطى ضوء
الشمس، وكذلك إدبار النهار فمن ثم قيد بقوله "وغربت الشمس" إشارة إلى إشتراط
تحقق الإقبال والإدبار، وأنهما بواسطة غروب الشمس لا بسبب آخر اهـ.
وفيه أيضا: وإنما ذكر الإقبال والإدبار معا لإمكان وجود أحدهما مع عدم تحقق
الغروب قاله القاضى عياض: وقال شيخنا فى "شرح الترمذى": الظاهر الاكتفاء بأحد
الثلاثة لأنه يعرف انقضاء النهار بأحدهما، ويؤيده الاقتصار فى رواية ابن أبى أوفى على
إقبال الليل اهـ (٤: ١٧١) ودلالته على آخر وقت الصوم ظاهرة.
(١) أى أثره وضوؤه لا قرصه وجرمه ..

ج - ٩
١٣٣
أبواب ما يوجب القضاء والكفارة
باب عدم القضاء والكفارة على من أكل أو شرب
أو جامع فى رمضان ناسيا
٢٤٧٣- عن: محمد بن عبد الله الأنصارى عن محمد بن عمرو عن أبى
سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى معَّ لّه قال: من أفطر فى رمضان ناسيا
فلا قضاء عليه ولا كفارة. رواه ابن حبان فى صحيحه، وابن خزيمة، ورواه
الحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ورواه
الدار قطنى ثم البيهقى قال البيهقى فى "المعرفة": تفرد به الأنصارى عن محمد
ابن عمرو كلهم ثقات. (زيلعى ١- ٤٤٠ و٤٤١) وقال الحافظ فى "بلوغ
المرام": وهو صحيح. (نيل ٤- ٩٠).
٢٤٧٤- عن: أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى عَ ◌ّ- قال: إذا نسى
فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. (رواه البخارى ١-٢٥٩).
باب عدم القضاء والكفارة على من أكل أو شرب
أو جامع فی رمضان ناسیا
قوله: "عن محمد" إلخ قال المؤلف: دلالته على الباب من عموم قوله: "من أفطر"
فإنه يشمل المفطرات الثلاثة وقد استدل به عليه بعض الشافعية كما
فى فتح البارى (١٣٥:٤).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ قال المؤلف: دلالته على الجزئين الأولين من الباب
ظاهرة حيث قال: فليتم صومه ولم يقل: فليقض وليكفر.
وأيضا لما قال: فإنما أطعمه الله إلخ علم ذلك بأن الفعل لم يضف إليه بل إلى صاحب
الحق وهو الله تعالى.

١٣٤
إعلاء السنن
باب أن الاحتلام والحجامة غير مفطر
٢٤٧٥- حدثنا: محمد بن كثير أنا سفيان عن زيد بن أسلم عن رجل من
أصحابه عن رجل من أصحاب النبى معَّه قال: قال رسول الله عَّ له: لا يفطر
من قاء، ولا من احتلم، ولا من احتجم.
رواه أبو داود (١- ٣٣٠) وسكت عنه. وجعل صاحب التنقيح رفعه
محفوظًا والدار قطنى صوابًا كما فى الزيلعى (١-٤٤٢).
٢٤٧٦- عن: أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله
مَ له: ثلاث لا يفطر الصائم الحجامة والقيئ والاحتلام رواه الترمذى (٩٥:١).
٢٤٧٧- عن: ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى معَّ ◌ُلّه احتجم وهو
محرم واحتجم وهو صائم. أخرجه البخارى (١- ٢٦٠).
باب أن الاحتلام والحجامة غير مفطر
قوله: "حدثنا محمد" إلخ قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة وسيأتى حكم
القیء. وسکوت أبى داود علیه مع کون أحد الرواة مجهولا إما لأنه عرفه وإن لم یذکر
لمصلحة أو وجد له متابعا، وحسبنا سكوته على قاعدته.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قال المؤلف: قال الترمذى: حديث أبى سعيد الخدرى
غير محفوظ، وقد روى عبد الله بن زيد بن أسلم وعبد العزيز بن محمد وغير واحد هذا
الحدیث عن زيد بن أسلم مرسلا، ولم یذ کروا فیه عن أبی سعید، وعبد الرحمن بن زيد
ابن أسلم يضعف فى الحديث، سمعت أبا داود السجزى يقول: سألت أحمد بن حنبل عن
عبد الرحمان بن زيد بن أسلم فقال: أخوه عبد الله بن زيد لا بأس به، وسمعت محمدا
يذكر عن على بن عبد الله قال: عبد الله بن زيد بن أسلم ثقة وعبد الرحمان بن زيد بن
أسلم ضعيف قال محمد: ولا أروى عنه شيئا (١: ٩٥).
قلت: المرسل حجة عندنا على أن الدار قطنى فى سننه رواه موصولا من غير طريق
عبد الرحمن (٢٣٩:١) وفيه هشام بن سعد، فقال فيه العلامة الزيلعى: وإن تكلم فيه غير
واحد فقد احتج به مسلم واستشهد به البخارى إلخ (١: ٤٤١) ودلالته على الباب ظاهرة.
قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.

ج - ٩
الاحتلام والحجامة غير مفطر
١٣٥
٢٤٧٨- حدثنا: آدم بن أبى أياس ثنا شعبة قال: سمعت ثابت البنانى
قال: سئل أنس بن مالك أ كنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من
أجل الضعف، وزاد شبابة: ثنا شعبة على عهد النبى عدٍّ.
أخرجه البخارى (٢٦٠:١).
٢٤٧٩- عن: عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن
رجل من أصحاب رسول الله عَ ليه قال: نهى النبي عّ لّه عن الحجامة للصائم
وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه. رواه عبد الرزاق وأبو داود
وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابى لا تضر، وقوله: "إبقاء على أصحابه"
يتعلق بقوله: "نهى" وقد رواه ابن أبى شيبة عن وكيع عن الثورى بإسناده هذا
ولفظه: عن أصحاب محمد عّ لّه قالوا: إنما نهى النبى عّلّه عن الحجامة للصائم،
وكرهها للضعيف أى لئلا يضعف. (فتح البارى ٤-١٥٥ و١٥٦).
٢٤٨٠- عن: أبى سعيد أرخص النبى معَّ فى الحجامة للصائم. أخرجه
وفى "فتح البارى": قال ابن عبد البر وغيره: فيه دليل على أن حديث ((أفطر(١) الحاجم
والمحجوم)) منسوخ لأنه جاء فى بعض طرقه أن ذلك كان فى حجة الوداع وسبق إلى ذلك
الشافعی (٤: ١٥٥).
قوله: "عن ثابت" إلخ دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، وكرهه لئلا
يضعف فيعجز عن الصوم أو يشق ذاك عليه؛ وهى أيضا مختصة لمن احتمل ذاك فيه
فليست الكراهة لقوى.
قوله: "عن عبد الرحمان" إلخ قال المؤلف: دلالته على ما دل عليه ما قبله ظاهرة.
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ قال المؤلف: دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة.
(١) فائدة: فى "فتح البارى": قال ابن حزم: صح حديث أفطر الحاجم والمحجوم بلا ريب (٤: ١٥٥) وفى "الزيلعى":
قال صاحب التنقیح: وقد ضعف یحیی بن معین هذا الحدیث وقال: إنه حدیث مضطرب ليس فيه حدیث یثبت،
قال: ولما بلغ أحمد بن حنبل هذا الكلام قال: إن هذا مجازفة. وقال إسحاق بن راهويه: ثابت من خمسة أوجه،
وقال بعض الحفاظ: إنه متواتر قال: وليس ما قاله ببعيد، ومن أراد معرفة ذلك فلينظر مسند أحمد ومعجم
الطیرانی و السنن الكبرى للنسائى (١: ٤٥٩ و ٤٦٠).

١٣٦
إعلاء السنن
النسائى وابن خزيمة والدارقطنى، ورجاله ثقات، ولكن اختلف فى رفعه ووقفه.
(فتح البارى ٤-١٥٥).
باب أنه لا بأس بالا کتحال فی الصوم
٢٤٨١- عن: محمد بن عبد الله بن أبی رافع عن أبيه عن جده أن رسول
الله عَِّّ كان يكتحل وهو صائم. رواه البيهقى، وقال ابن أبى حاتم عن أبيه:
هذا حديث منكر. وقال فى محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البخارى.
٢٤٨٢- ورواه ابن حبان فى الضعفاء من حديث ابن عمر ورواه ابن
عاصم فى كتاب الصيام له من حديث ابن عمر أيضا، ولفظه: خرج علينا رسول
الله عَّ له وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك فى رمضان وهو صائم. وفى الباب
عن بريرة مولاة عائشة فى الأوسط للطبرانى، ومن ابن عباس فى شعب الإيمان
للبيهقى بإسناد جيد. (التلخيص الحبير ١-١٨٩).
٢٤٨٣- عن: أنس بن مالك أنه كان يكتحل وهو صائم. رواه أبو داود،
قال فى "التنقيح": إسناده مقارب (زيلعى ١- ٤٤٦).
وفى "فتح البارى" وقال ابن حزم: صح حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب
لكن وجدنا من حديث أبى سعيد أرخص النبى معَّ طلّه فى الحجامة للصائم، وإسناده صحيح
فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على نسخ الفطر بالحجامة سواء
كان حاجما أو محجوما (٤: ١٥٥).
قلت: والحديث يدل بصيغة أرخص على أن ترك الحجامة فى الصوم أولى.
باب أنه لا بأس بالا کتحال فی الصوم
قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة. أما قوله فى محمد: منكر الحديث.
قلت: وثقه الحاكم كما فى "الجوهر النقى" (١: ٣١١) والاختلاف غير مضر.
وأما ما روى عن النبى معَّ أنه أمر بالإثمد المروح عند النوم، وقال: ليتقه الصائم. فرواه
. أبو داود وقال: قال لى يحيى بن معين: هو منكر (١: ٣٣٠) فلا يعارض أحاديث الباب
فلا حاجة إلى التطبيق أو هو محمول على التنزه.

ج - ٩
١٣٧
باب أنه لا بأس بالقبلة والمباشرة للصائم
إذا أمن على نفسه الجماع والإنزال
٢٤٨٤- عن: عائشة رضى الله عنها قالت: كان النبى عدَّةٍ يقبل
ويباشر(١) وهو صائم، وكان أملككم لمآربه. (أخرجه البخارى ١-٢٥٨).
وفى "نيل الأوطار": واستدل ابن شبرمة وابن أبى ليلى بما أخرجه البخارى تعليقا،
ووصله البيهقى والدار قطنى وابن أبى شيبة من حديث ابن عباس بلفظ "الفطر مما دخل،
والوضوء مما خرج قال: وإذا وجد طعمه فقد دخل". ويجاب بأن فى إسناده الفضل بن
المختار، وهو ضعيف جدا، وفيه أيضا شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف.
وقال ابن عدى: الأصل فى هذا الحديث أنه موقوف إلخ (٤: ٨٩) ثم معنى
الحديث أن الشىء الذى ثبت كونه مفطرا إنما هو لكونه داخلا فلا يدل على أن كل داخل
مفطر كيف؟ والماء يدخل فى المضمضة والاستنشاق فى الفم والأنف ولا فرق بينهما وبين
العين. وإن توهم دخول الكحل فى الدماغ فهو من المسام لا من المنفذ كالماء يدخل من
المسام فى الغسل ولم يقل أحد بكونه مفطراً فقط.
باب أنه لا بأس بالقبلة والمباشرة للصائم
إذا أمن على نفسه الجماع والإنزال
قوله: "عن عائشة رضى الله عنها" إلخ قال المؤلف: دل على أن التقبيل والمباشرة
كانا منه ◌ّ لكونه مأمونا عن المحظور أى الجماع والإنزال وهو جماع حكمى ففى
الهداية: "ولو أنزل بقبلة أو لمس فعليه القضاء دون الكفارة لوجود معنى الجماع، ووجود
المنافى صورة أو معنى يكفى لإيجاب القضاء احتياطا أما الكفارة فتفتقر إلى كمال الجنابة
لأنها تندرئ بالشبهات كالحدود" (١: ١٩٧).
وفيها أيضا: والمباشرة الفاحشة مثل التقبيل فى ظاهر الرواية، وعن محمد أنه كره
المباشرة الفاحشة لأنها قلما تخلو عن الفتنة اهـ (١: ١٩٧ و١٩٨).
(١) ما دون الجماع.

١٣٨
إعلاء السنن
٢٤٨٥- عن: أبى هريرة أن رجلا سأل النبى عرّ عن المباشرة للصائم
فرخص له وأتاه آخر فنهاه، فإذا الذى رخص له شيخ وإذا الذى نهاه شاب. رواه
أبو داود وسكت عنه، والمنذرى والحافظ فى "التلخيص" وفى إسناده أبو العنبس
الحارث بن عبيد سكتوا عنه وقال فى التقريب: مقبول. (نيل الأوطار ٤-٩٤)
وفی "فتح القدير" (٢-٢٥٧): رواه أبو داود بإسناد جيد.
باب عدم وجوب قضاء الصوم عند ذرع القىء
ووجوبه عند الاستقاء
٢٤٨٦- عن: أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى عَ لّم قال: من ذرعه
القىء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض. (رواه الترمذى ١-٩٥)
فائدة:
فى "التلخيص الحبير": وفى رواية لأبى داود " كان يقبلنى وهو صائم، ويمص
لسانى وهو صائم" وفى إسناده أبو يحيى المعرقب وهو ضعيف، وقد وثقه العجلی قال ابن
الأعرابى: بلغنى عن أبى داود أنه قال: هذه الرواية ليست بصحيحة. ولابن حبان فى
صحيحه عنها (أى عن عائشة): كان يقبل بعض نسائه وهو صائم فى الفريضة والتطوع.
ثم ساق باسناده أنه مێے کان لا يمس شيئا من وجهها وهى صائمة ثم ساق بإسناده وقال:
ليس بين الخبرين تضاد لأنه كان يملك إربه، ونبه بفعله ذلك على جواز هذا الفعل لمن
هو بمثل حاله وترك استعماله إذا كانت المرأة صائمة علما منه بما ركب فى
النساء من الضعف (١: ١٩٠ و١٩١).
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ قال المؤلف: دل الحديث على أن من لم يخف منه
الدخول فى الجماع تجوز له المباشرة فى الصوم وإلا فلا فإنه نهى عنه للشاب وهو ممن
يخاف منه الدخول فى المحظور وأجاز الشيخ وهو ليس كذلك.
باب عدم وجوب قضاء الصوم عند ذرع القىء
ووجوبه عند الاستقاء
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ قال المؤلف: قال الترمذى بعد قوله حسن غريب: لا

ج - ٩
١٣٩
وقال: حسن غریب. وفی "الزیلعی" (١ - ٤٢ ٤) ورواه ابن حبان فى صحيحه،
والحاكم فى المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ورواه
الدار قطنى فى سننه وقال: رواته كله ثقات.
باب وجوب الكفارة والقضاء
إذا أفطر فى رمضان بعد الصيام بغير عذر
٢٤٨٧- عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبى
نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبى مّبّ إلا من حديث عيسى
ابن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظا. قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث من غير
وجه عن أبى هريرة عن النبى عّ لّه، ولا يصح إسناده (يريد به الصحة الاصطلاحية دون
الثبوت فإنه حسن السند المذكور بنفسه) وروى عن أبى الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد
أن النبى معَّه قاء فأفطر، وإنما معنى هذا الحديث أن النبى عَّه كان صائما متطوعا فقاء
فضعف فأفطر لذلك هكذا روى فى بعض الحديث مفسرا، والعمل عند أهل العلم على
حديث أبى هريرة عن النبى معَ ◌ّ إلخ (١: ٩٥)، ودلالته على الباب ظاهرة، ويمكن أن يراد
بلفظ "قاء" استقاء فإنه ورد فى بعض الأحاديث وهو فى كنز العمال برواية عبد الرزاق
بسند صحيح عن أبى الدرداء: استقاء رسول الله عَّ خلّ فأفطر وأتى بماء فتوضأ (٣٢٧:٤).
قلت: وهذا التوجيه أولى مما اختاره الترمذى لكون سند هذا الحديث صحيحا
وكون سند حديث الترمذى غير معلوم، ويمكن حملهما على تعدد الواقعة.
وفى "الهداية": فإن ذرعه القىء لم يفطر فإن استقاء عمدا ملأ فيه فعليه القضاء وإن
كان أقل من ملأ الفم فكذلك عند محمد لإطلاق الحديث. وعند أبى يوسف لا يفسد
لعدم الخروج حكما اهـ مختصرا. وفى الحاشية صححه (أى قول أبى يوسف) الزيلعى فى
شرح الكنز (ص: ١٩٨).
قلت: وأشار أبو يوسف إلى وجه الجواب عن الحديث بقوله "لعدم الخروج".
قلت: ويقوى بجواب عدم انتقاض الوضوء بما لم يملأ الفم فكأنه غير خارج ولذا
لم يعتبر خارجا فى الوضوء فكذا ينبغى أن يكون فى الصوم.
باب وجوب الكفارة والقضاء
إذا أفطر فى رمضان بعد الصيام بغير عذر
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ قال المؤلف: دلالته على وجوب الكفارة على المجامع

١٤٠
إعلاء السنن وجوب الكفارة والقضاء إذا أفطر صوم رمضان بغير عذر
عَّه إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله مَّ له! هلكت، قال: مالك؟ قال: وقعت
على امرأتى وأنا صائم، فقال رسول الله عَّ له: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا،
قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين
مسكينا؟ قال: لا، قال: فمكث النبى عرّ ◌ُله فبينا نحن على ذلك، أتى النبى معَ لّه
بعرق فيها تمر -والعرق المكتل- قال: أين السائل؟ فقال: أنا، قال: خذ هذا
فتصدق به، فقال الرجل أ على أفقر منى يا رسول الله؟! فو الله ما بين لابيتها
- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتى، فضحك رسول الله عَ له حتى
بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك. (رواه البخارى ١-٢٥٩ و٢٦٠) وفى رواية
أبى داود "كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله". وسكت أبو داود عنه
(٩-٣٣٢). وفى موطأ مالك (٩١٠) مرسلا "كله وصم يوماً".
عمدا ظاهرة. وكون هذا الجماع نهارا دل عليه قوله: " وأنا صائم" لأن الصوم لا يكون
إلا بالنهار، وهذه القصة مغائرة لقصة المظاهر فى رمضان لأن جماع المظاهر كان ليلا كما
وقع فى سنن أبى داود باب الظهار، ولفظه: "فبينما هى تخدمنى ذات ليلة إذ تكشف لی
منها شىء فلم ألبث أن نزوت عليها" الحديث، وسكت عليها أبو داود (١: ٣٠٨).
وأما ما فى أبى داود بعد حديث أبى هريرة: كله أنت وأهل بيتك.
فالجواب عنه أنه زاد الزهرى: وإنما كان هذا رخصة له خاصة فلو أن رجلا فعل
ذلك اليوم لم یکن له بد من التكفير. وسكت أبو داود عن سنده (ص٣٣٤) وفى "فتح
القدير: وجمهور العلماء على قول الزهرى (٢: ٢٦٥).
فإن قيل: الخصائص لا تثبت بالاحتال وقد احتج من قال بسقوط الكفارة عند
العجز المذكور مذهبه فى الليل (١٠٠:٤) بأنه عرّ ليه لما أمر المفطر بأن يطعمه هو وعياله
ولم يأمره بالإخراج فى ثانى الحال ولم يقل قولا يدل على التخصيص علم أن العاجز
تسقط عنه الكفارة.
وفى "الزيلعى" وقال المنذرى فى حواشيه: وقول الزهرى: إنما كان هذا
رخصة له خاصة دعوى لم يقم له عليها برهان، وقال غيره: إنه منسوخ،
وهو أيضا دعوى (٤٤٤:١).