Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
باب المغمى عليه
ج - ٧
الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) أخرجه الدار قطنى (١٩٥:١) والسدى هو
إسماعيل بن عبد الرحمن مختلف فيه، كان ابن معين يضعفه، و کان يحيى بن
سعيد وابن مهدى لا يريان به بأسًا، كما فى "التعليق المغنى"، قلت: والمجهول
فى القرون الثلاثة لا يضرنا، فهو مرسل حسن.
١٩٣٦- أخبرنا: أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: ((أنه سأله عن
المريض يغمى عليه فيدع الصلاة، قال: إذا كان اليوم الواحد فإنى أحب أن
معاذة: ((إن امرأة قالت لعائشة: أتجرى(١) إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية
أنت؟ كنا نحيض مع النبى عَّ له فلا يأمرنا به، أو قالت: فلا نفعله اهـ)). من البخارى مع
"الفتح" (٣٥٨:١) أنكرت عليه السؤال عن القضاء، ولو كان مندوبا لقالت: إنه ليس
بواجب ولكنه يستحب لها، وأيضًا فلا معنى للقضاء بدون الوجوب، فإن القضاء هو
تسليم مثل الواجب، ويجب بما يجب به الأداء عند المحققين، فلا يتحقق القضاء بدون
الوجوب، فإنه لا يجرى شرعًا فى المندوب والمباح.
قال الآمدى فى "إحكام الأحكام" له: واتفقوا على أن ما لم يجب ولم ينعقد سبب
وجوبه فى الأوقات المقدرة له ففعله بعد ذلك لا يكون قضاءً لا حقيقةً ولا مجازا،
كفوائت الصلوات فى حالة الصبى والجنون اهـ (١٥٦:١). وأيضًا: فلفظ الأثر: ((فأفاق
نصف الليل فصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء)) يأبى عن حمله على الندب، فإن
الظهر والعصر ونحوهما لا يطلق إلا على الواجب شرعًا كما لا يخفى، فاندحض ما
ذكره البيهقى فى "المعرفة" عن الإمام الشافعى قال: هذا ليس بثابت عن عمار، ولو ثبت
فمحمول على الاستحباب اهـ. من "الزيلعى" (٣٠٥:١).
واحتج الشافعى رحمه الله على عدم وجوب القضاء مطلقًا بما أخرجه البيهقى فى
"
سننه": عن عبد الرحمان بن أبى الزناد، أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين
ينتهى إلى قولهم يعنى من تابعى أهل المدينة يقولون، فذكر أحكاما وفيها: "المغمى عليه لا
يقضى الصلاة إلا أن يفيق وهو فى وقت صلاة فليصلها، وهو يقضى الصوم، والذى يغمى
عليه فيفيق قبل غروب الشمس يصلى الظهر والعصر، وإن أفاق قبل طلوع الفجر صلى
(١) أى أ تقضى.

٢٢٢
باب المغمى عليه
إعلاء السنن
يقضيه، وإن كان أكثر من ذلك فإنه فى عذر إن شاء الله تعالى)). أخرجه محمد
فى "الآثار" (ص-٣١) وهو موقوف صحيح.
المغرب والعشاء، قالوا: وكذلك تفعل الحائض إذا طهرت قبل غروب الشمس أو طلوع
الفجر اهـ" (٣٨٨:١). وهذا لا حجة فيه، فإن أقوال التابعين إذا عارضت أقوال الصحابة
کان قول الصحابة اولی بالأخذ به.
وقال ابن قدامة فى "المغنى": إن المغمى عليه حكمه حكم النائم، لا يسقط عنه
قضاء شئ من الواجبات التى يجب على النائم قضاؤها، كالصلاة والصيام، وقال مالك
والشافعى، لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق فى جزء من وقتها، لأن(١) عائشة سألت
رسول الله عَّه عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة، فقال رسول الله عَّ له: ((ليس من
ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق فى وقتها فيصليها)). قال أبو حنيفة: إن أغمى عليه
خمس صلوات قضاها، وإن زادت سقط فرض القضاء فى الكل، لأن ذلك يدخل فى
التكرار فأسقط القضاء كالجنون، ولنا ما روى «أن عمارا أغشى عليه أياما لا يصلى،
فاستيقظ ثم استفاق بعد ثلاث، فقال: هل صليت؟ فقيل: ما صليت منذ ثلاث! فقال:
أعطونى وضوء، فتوضأ ثم صلى تلك الليلة))، وروى أبو مجلز أن سمرة بن جندب قال:
((المغمى عليه يترك الصلاة يصلى مع كل صلاة صلاة مثلها)) قال: قال عمران: زعم ولكن
ليصليبهن جميعاً، روى الأثرم هذين الحديثين فى "سننه" وهذا فعل الصحابة وقولهم،
ولا يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا اهـ (٤١٦:١). قلت: وأين الإجماع وقد خالفهم
ابن عمر فقال: ((لا يقضى)) كما بيناه، وأقر بذلك ابن أخى ابن قدامة في "شرح المقنع
فقال: وروى عن ابن عمر، وطاوس، والحسن والزهرى، قالوا: لا يقضى الصلاة اهـ
(٣٨١:١). وأيضًا فإن عمارًا إنما أغمى عليه فترك ثلاثا من الصلوات ثم استفاق نصف
الليل فقضاهن، وهذا لا يخالف ما ذهبنا إليه، وأما إنه أغمى عليه ثلاثة أيام فقضى صلواتها
فلم نسمعه إلا عن الأثرم، فلا حجة فيه ما لم ننظر فى سنده، وأثر عمران وسمرة غير
صريحين فى وجوب قضاء ما زاد على الخمس، بل يمكن حملها على الخمس أو ما كان
أقل منها، والله تعالى أعلم.
(١) قال ابن قدامة: هذا حديث باطل، يرويه الحكم بن سعد، وقد نهى أحمد رحمه الله عن حديثه، وضعفه ابن المبارك،
وقال البخارى: تركوه، وفيه خارجة بن مصعب وهو ضعيف أيضًا اهـ (٤١٦:١). قلت: والحديث أخرجه
البيهقى أيضًا فى "سننه" (٣٨٨:١) وضعفه أيضًا والله أعلم.

٢٢٣
ج - ٧
باب سجود التلاوة وما يتعلق به
١٩٣٧- عن: أبى هريرة مرفوعًا: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل
الشيطان يبكى يقول: يا ويلتى أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت
بالسجود وأبيت فلى النار)). أخرجه مسلم فى كتاب الإيمان من "الصحيح"
(٦١:١) كذا فى "الزيلعي" (٣٠٥:١) و"جمع الفوائد" (٩٨:١).
باب سجود التلاوة وما يتعلق به
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". استدل به أصحابنا على وجوب سجدة التلاوة، قال
فى "البدائع": والأصل أن الحكيم متى حكى عن غير الحكيم أمرا ولم يعقبه بالنكير يدل
ذلك على أنه صواب، فكان فى الحديث دليل على كون ابن آدم مأمورا بالسجود، ومطلق
الأمر للوجوب، وعن عثمان، وعلى، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر - رضى الله
عنهم - أنهم قالوا: "السجدة على من تلاها، وعلى من سمعها، وعلى من جلس لها" على
اختلاف ألفاظهم، وعلى كلمة إيجاب اهـ (١٨٠:١). قلت: وسيأتى بعض هذه الآثار عن
قریب فانتظر.
وأيضًا: فإنه سجود يفعل فى الصلاة، فكان واجبًا كسجود الصلاة وسجود
السهو، لأن أداء زيادة سجدة فى الصلاة وهى تطوع يوجب الفساد عند الخصم إذا كان
عمدًا، وعندنا يكره، كذا فى "البناية" (٩٤٢:١) كما سيأتى عن الشافعى أنه منع عن
سجدة سورة ص فى الصلاة لكونها سجدة شكر، وقول ابن قدامة فى "المغنى" : إن
قياسهم ينتقض بسجود السهو، فإنه عندهم غير واجب اهـ. ليس بشديد، فإن سجود
السهو عندنا واجب كما صرح به علماؤنا فى كتبهم، وذهب أحمد، ومالك،
والأوزاعى، والليث، والشافعى إلى أن سجود التلاوة سنة مؤكدة وليس بواجب،
واحتجوا بما روى زيد بن ثابت قال: ((قرأت على النبى مَّ ل النجم فلم يسجد منا أحد))
متفق علیه، کذا فى "المغنى" (٢٥٦:١). وأخرج ابن أبى شيبة من رواية ابن عجلان عن
زيد بن أسلم: ((أن غلامًا قرأ عند النبى معَِّ السجدة، فانتظر الغلام النبى مَّ يِ أن يسجد،
فلما لم يسجد قال: يا رسول الله! أليس فى هذه السجدة سجود؟ قال: بلى! ولكنك
كنت إمامنا فيها، ولو سجدت لسجدنا)). رجاله ثقات إلا أنه مرسل كذا فى "فتح

٢٢٤
سجود التلاوة وما يتعلق به
- إعلاء السنن
البارى" (٢- ٤٥٧) وفيه أيضا بعده بسطرين: وجوز الشافعى أن يكون القارئ المذكور
هو زيد بن ثابت، لأنه يحكى أنه قرأ عند النبى معَّ خليه فلم يسجد، ولأن عطاء بن يسار روى
الحدیثین المذ کورین انتهى.
الجواب عما احتج به الخصم على عدم وجوب سجدة التلاوة:
قلنا: ليس فيه ما ينفى الوجوب بل غاية ما فيه أن الرجل إذا قرأ آية السجدة ومعه.
قوم فسمعوها فينبغى أن لا یسبقوه بالسجدة، بل يسجدون معه، ونحن قائلون به كما
سيأتى، فلما لم يسجد زيد لم يسجد النبى عّ لٍّ ولا أحد ممن كان معه فى هذا المجلس،
وأظهر أن وجه عدم مسابقته بالسجود كون التالى إماما فيه، وأما إنبهم لم يسجدوا أصلا
فلا دلالة على ذلك، ومعنى قوله: ((كنت إمامنا)) إنك لو سجدت لسجدنا معك فى هذا
المجلس، ولما لم تسجد فنحن فى سعة من أدائه على التراخى، وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال.
واحتجوا أيضًا بما رواه البخارى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه: ((أنه قرأ يوم
الجمعة على المنبر بسورة النخل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا
كانت الجمعة القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس! إنا نمر بالسجود فمن
سجد فقد أصاب ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد له عمر)). وفى لفظ: ((إن الله لم
يفرض علينا السجود إلا أن نشاء اهـ)). وفى "الموطأ": ((فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا
اهـ)). قال الزرقانى: وفى عدم إنكار أحد من الصحابة عليه ذلك دليل على أنه ليس
بواجب وأنه إجماع اهـ (٣٧١:١).
قلنا: معنى قول عمر هذا: إن من سجد عقيب التلاوة والسماع على الفور فقد
أصاب، ومن لم يسجد كذلك فلا إثم عليه، يدل على ذلك قوله: ((إن الله لم يفرض علينا
السجود إلا أن نشاء)) أى وقت المشيئة، فإن حذف الظرف من المصدر شائع فى الكلام
كثيرا، وحذف غيره نادر، والأصل فى الاستثناء كونه متصلا لا منقطعًا، فكان معناه أن
السجود فرض وقت المشيئة، والخصم لا يقول بذلك، وتأويله(١) بأن المعنى لكن ذلك
(١) كما قال الحافظ فى " الفتح

15
ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
٢٢٥
موكول إلى مشيئة المرء بجعل الاستثناء منقطعًا، خلاف الظاهر والأصل، فهذا الأثر لا
يضرنا بل فيه دليل لقولنا بوجوب السجدة على التراخى لا على الفور، فإن قيل: إذا كان
من سجد عقيب التلاوة والسماع على الفور قد أصاب فلم منعهم عمر أن يسجدوا؟ قلنا:
إنما منعهم، لما فى سجودهم - والإمام يخطب- ترك الاستماع الواجب عليهم فى الوقت،
ولا يجوز ترك الواجب مثله بواجب على التراخى فافهم.
واحتجوا أيضًا بما علقه البخارى: قيل لعمران بن حصين: ((الرجل يسمع السجدة
ولم يجلس لها، قال: أرأيت لو قعد لها؟ كأنه لا يوجبه عليه)). قال الحافظ فى "الفتح":
وصله ابن أبى شيبة بمعناه من طريق مطرف، قال: ((سألت عمران بن حصين رضى الله عنه
عن الرجل لا يدرى أ سمع السجدة أولا؟ فقال: وسمعها أولا فماذا؟)) وروى عبد الرزاق
من وجه آخر عن مطرف: ((أن عمران رضى الله عنه مر بقاص، فقرأ القاص السجدة،
فمضى عمران ولم يسجد معه)) إسنادهما صحيح اهـ. قلنا: هذا يعارضه قول عثمان
وسیأتی، ولیس عمران بأولی من عثمان.
واحتجوا أيضًا بما علقه البخارى ووصله عبد الرزاق من طريق عبد الرحمان
السلمى، قال: ((مر سليمان على قوم قعود، فقرأوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس
لهذا غدونا)) وإسناده صحيح، وبما علقه البخارى، ووصله عبد الرزاق عن معمر، عن
الزهرى، عن ابن المسيب: ((أن عثمان مر بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال
عثمان: إنما السجود علی من استمع، ثم مضی ولم یسجد»، ورواه ابن وهب، عن يونس،
عن ابن شهاب بلفظ: ((إنما السجدة على من استمعها)) مختصرًا، وروى ابن أبى شيبة
وسعيد بن منصور، من طريق قتادة، عن سعيد بن المسيب، قال: قال عثمان: ((إنما السجدة
على من جلس لها واستمع)). والطريقان صحيحان كذا فى "الفتح" (٤٥٩:٢).
قلنا: أثر سليمان لا حجة فيه للخصم، فقوله: ((ليس لهذا غدونا))، يحتمل التأويل
بأنه لم يكن على طهر، لكونه لم يعد لسماع السجدة والسجود لها، وقول عثمان حجة
لنا لا علينا، لأن لفظة "على" للوجوب، ففيه دلالة على وجوبها على المستمع والجالس
لها، والخصم لا يقول بذلك، وأما إنه يدل على عدم وجوبها على السامع إذا لم يكن
مستمعًا وجالسًا لها، قلنا: يحتمل هذا ويحتمل أن يكون عثمان لم يسمع السجدة أصلا،

٢٢٦
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
وقوله: ((السجدة على من استمعها)) بمعنى سمعها، كما ورد فى طريق يونس، أو كان
سمعها ومعنى قوله: ((إنما السجدة على من استمعها وجلس لها)) أى السجود مع التالى(١)
إنما هو على المستمع الجالس لها، وليس على السامع الذى لم يستمع ولم يجلس لها أن
يسجد معه، وهذا لا يختلف فيه أحد وهذا هو معنى ما علقه البخارى جازمًا به عن
السائب بن يزيد: ((أنه كان لا يسجد لسجود القاص اهـ)). أى لكونه لم يجلس للسجود
فكان لا يسجد معه، أو لكون القاصين يريدون بقراءة السجدة فى قصصهم أن يأتم بهم
الناس صغيرهم وكبيرهم فى السجود، ويكونوا إماما لهم، فكان السائب لا يسجد مع
هؤلاء بسجودهم ردا على غرضهم الفاسد فى ذلك، وأما إنه كان لا يسجد أصلا فلا
دليل فيه على ذلك، ولعل سليمان وعثمان أيضًا لم يسجدا لقراءة القاص معه لذلك،
والله تعالى أعلم.
دليل وجوب السجدة على السامع مطلقًا:
إن حجة الله تعالى كما تلزمه بالتلاوة تلزمه بالسماع أيضًا، فيجب أن يخضع لحجة
الله بالسماع كما يخضع بالقراءة، فإن مواضع السجود فى القرآن منقسمة إلى أنواع، منها
ما هو أمر بالسجود وإلزام للوجوب، كما فى آخر سورة النجم، والعلق، ومنها ما هو
إخبار عن استكبار الكفرة عن السجود، فيجب علينا مخالفتهم بتحصيله، ومنها ما هو
إخبار عن خشوع المطيعين، فيجب علينا متابعتهم لقوله تعالى: ﴿أولئك الذين هدى الله
فبهداهم اقتده﴾. ولا يخفى أن الأمر والإخبار كما هو حجة على التالى حجة على
السامع أيضًا مطلقًا، سواء جلس له واستمع أولا، كما أن الاستماع والإنصات لقراءة
القرآن يجب على كل سامع، سواء جلس لها وقصد سماعها أولا، ومن ادعى الفرق بين
السماع والمستمع فلیات ببرهان، والآثار التى احتج بها الخصم لا حجة فيها لما ذكرنا.
وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن عمر موقوفًا: ((السجدة على من سمعها)» ولعبد الرزاق
(١) قال القارئ فى "المرقاة": قال أى ابن حجر: ويتأكد على المستمع أكثر لما صح عن عثمان وعمر أنهما قالا:
السجدة على من استمع، وعن ابن عباس أنه قال: السجدة على من جلس لها اهـ. والأظهر أنه يتأكد فورية عليه
لما فى تأخيره من ظهور المخالفة المذمومة (٥٢:٢).

ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
٢٢٧
مثله، ذكرهما الحافظ فى "الدراية" (ص-١٢٧)، وأثر عثمان بهذا اللفظ قد مر ذكره عن
"الفتح"، وسنده صحيح، وسكوت الحافظ عن أثر ابن عمرمشعر بحسنه أو صحته عنده،
فإنه أجل من أن يسكت عن شئ فيه علة.
وفى "العمدة" للعينى: روى ابن أبى شيبة، عن حفص، عن حجاج، عن إبراهيم،
ونافع، وسعيد بن جبير، أنهم قالوا: ((من سمع السجدة فعليه أن يسجد)»، وعن إبراهيم
بسند صحيح: ((إذا سمع الرجل السجدة وهو يصلى فليسجد(١) وعن الشعبى: ((كان
أصحاب عبد الله إذا سمعوا السجدة سجدوا فى صلاة كانوا أو غيرها))، وقال الحكم مثل
ذلك، وحدثنا هشيم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم: ((أنه كان يقول فى الجنب: إذا سمع
السجدة يغتسل ثم يقرؤها فيسجدها)) (رجاله ثقات). وحدثنا حفص، عن حجاج، عن
فضيل، عن إبراهيم، وعن حماد، وسعيد بن جبير، قالوا: (إذا سمع الجنب السجدة اغتسل
ثم سجد اهـ) (٣: ٥٠٥). قلت: هذا سند حسن، وهذه الآثار كلها تأييد لما ذهبنا إليه من
وجوب السجدة على السامع مطلقًا.
وفى "العمدة" أيضًا عن "المصنف": حدثنا عبيد الله بن موسى، عن أبان العطار،
عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، فى الحائض تسمع السجدة، قال: ((تؤمئ
برأسها، وتقول: اللهم لك سجدت اهـ) (نفس المرجع). قلت هذا سند صحيح، ومعناه أن
الحائض تتشبه بالساجدین بالإيماء ولا تسجد، وهذا دليل الوجوب على السامع حتی ندب
الحائض إلى التشبه به، فإن التشبه بالفاعل لا يستحب إلا فى الواجبات، وإنما ندبت الحائض
إلى التشبه لأنها من أهل الوجوب، فإن سجدة التلاوة إنما تجب على من هو أهل للصلاة
أداءً وقضاءً، والحائض والنفساء ليستا أهلا لها مطلقًا، كما فى "الطحطاوى" على "مراقى
الفلاح" (ص- ٢٨٠) بل لإدراك الفضيلة والأجر فقط.
واحتجوا أيضًا بحديث الأعرابى: ((هل على غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع))، أخرجه
الشيخان. قلنا: فيه بيان الواجب ابتداء لا ما يجب بسبب يوجد من العبد، ألا ترى أنه لم
(١) أى خارج الصلاة، فقوله: ((وهو يصلى) حال من سمع لا من فليسجد، وكذا قول الشعبى فى صلاة كانوا أو
غيرها ظرف لقوله: إذا سمعوا، لا لقوله: سجدوا، فافهم .

٢٢٨
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاءَ السنن
يذكر المنذور وهو واجب كذا فى "البدائع" (١٨٠:١).
واحتجوا أيضًا كما قاله بعض الناس بما روى ابن المنذر وغيره عن على(١) بن أبى
طالب بإسناد حسن: ((أن العزائم حم، والنجم، واقرأ، والم تنزيل)، كذا فى "فتح البارى"
(٢: ٤٥٦). وفى "العمدة" للعينى: روى ابن أبى شيبة عن هشيم، عن مغيرة، عن
إبراهيم، عن عبد الله: ((أن عزائم السجود خمس، الأعراف، وبنى إسرائيل، والنجم،
والانشقاق، واقرأ باسم ربك اهـ) (٥٠٦:٣). قلت: هذا سند صحيح مع إرساله،
ومراسيل النخعى صحاح لا سيما عن عبد الله كما مر غير مرة.
والجواب أن هذا لا يفيد الخصم، لدلالة الأثرين على وجوب بعض السجدات وهو
لا يقول به، ولا يضرنا لأنا نقول: إن الواجبات قد يكون بعضها أعلى من بعض وأولی،
كالفاتحة وضم السورة فى الصلاة، كلاهما واجبان عندنا لكن قراءة الفاتحة آكد، كما
صرح به الشامى فى "رد المحتار" (٥٦٠:١). فالمعنى أن سجود القرآن كلها واجب ولكن
هذه الأربع أو الخمس منها آكد من غيرها، وهذا هو الجواب عن قول ابن عباس فى
سجدة ص: ((إنها ليست من العزائم))، فإن العزائم عنده الأربع التى ذكرت فى قول على
رضى الله عنه، كما قاله الحافظ فى "الفتح" (٤٥٥:٢) فمعنى قوله: ((إن ص ليست من
عزائم السجود)) أى أنها ليست كهذه الأربع فى مزيد التأكيد، وهذا لا ينفى
الوجوب عن سجدة ص.
وهذا هو الجواب عن استدلال الطحاوى فى "مشكله" بأثر على رضى الله عنه
على عدم وجوب ما سواها من السجدات، فإنه لا دلالة فيه على ذلك أصلا، لما قلنا: إن
الواجبات بعضها قد يكون أولى من بعض، واحتج فى "معانى الآثار" له على ذلك
بالمعقول، قال: وهو النظر عندنا، لأنا رأيناهم لا يختلفون أن المسافر إذا قرأها وهو على
راحلته أومأ بها، ولم يكن عليه أن يسجدها على الأرض، فكانت هذه صفة التطوع لا
صفة الفرض، لأن الفرض لا يصلى إلا على الأرض، والتطوع يصلى على الراحلة، وكان
(١) قلت: رواه ابن أبى شيبة عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن عبد الله بن
عباس، عنه كما فى "العينى" (٣: ٥٠٦).

ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
٢٢٩
١٩٣٨- عن: ابن عمر رضى الله عنهما: ((كان رسول الله عَّ هه يقرأ
السورة التی فيها السجدة، فیسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا مكانا
لموضع جبهته فى غير وقت الصلاة)). أخرجه الشيخان وأبو داود
جمع الفوائد" (٩٥:١).
١٩٣٩- عن: أبى سعيد الخدرى أنه قال: ((قرأ رسول الله عَ ◌ّه -وهو
على المنبر-ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم
أبو حنيفة رحمه الله وأبو يوسف رحمه الله ومحمد رحمه الله يذهبون إلى خلاف ذلك،
ويقولون: هى واجبة اهـ (٤٠٨:١).
قلنا: إنما جاز أدائها على الدابة لأنه أداها كما وجبت، فإن تلاوتها على الدابة
مشروعة، فکان کأداء عصر اليوم عند الغروب، وقد تقرر فى الأصول أن سبب الوجوب
إذا كان ناقصا يجوز الأداء ناقصًا، وأيضًا: فقد ثبت عندنا وجوب السجدة بحديث أبى
هريرة: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكى إلخ)). فقلنا به، وثبت جواز أدائها
على الدابة بحديث ابن عمر وسیأتی فقلنا به وتر كنا القیاس الذی ذ کرته بالأثر استحسانا،
قاله(١) الشيخ كما ذكره بعض الناس فى "الإحياء".
قوله: "عن ابن عمر إلخ". وهو الثانى من الباب، قلت: قال الحاكم فى
"المستدرك": وسجود الصحابة بسجود رسول الله عّ لّ خارج الصلاة سنة عزيزة اهـ
(٢٢٢:١). أى فيه دلالة على سجود السامعين خارج الصلاة، وسياقه مشعر بأن ذلك
وقع مرارًا، ووقع فى رواية الطبرانى زيادة: ((حتى سجد الرجل على ظهر أخيه))، كما فى
"فتح البارى" وسكت عنه (٤٦٢:٢). ومثل هذا الاهتمام والاعتناء بشأنه يفيد الوجوب،
فإن السنة الزائدة، أو المستحب لا يقتضى مثله، ففيه ما يشعر بوجوب
السجدة على السامعين.
قوله: "عن ابن أبى سعيد إلخ". وهو الثالث من الباب. قلت: احتج به الشافعى
رحمه الله ومن وافقه على أن سجدة ص ليست من العزائم ولا من سجود التلاوة، لقوله:
(١) أى الجواب الثانى.

٢٣٠
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن(١) الناس للسجود، فقال رسول الله عّ لّه: إنما
هی توبة نبی، ولكنی رأيتكم تشزنتم للسجود فسجد وسجدوا)). رواه أبو داود
وسكت عنه هو والمنذرى، "عون المعبود" (٥٣٢:١)، وأخرجه الحاكم فى
"المستدرك" فى تفسير سورة ص (٤٣١:٢) وقال: صحيح على شرط
الشيخين، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه". وقال النووى فى "الخلاصة":
سنده صحيح على شرط البخارى، "زيلعى" (٣٠٧:١) وأخرجه ابن خزيمة
أيضًا فى "صحيحه" كما فى "فتح البارى" (٤٥١:٢).
١٩٤٠- عن: ابن عباس: ((أن النبى معَّ لّه سجد فى ص، وقال: سجدها
داود توبةً ونسجدها شکرًا(٢) رواه النسائى (١٨٢:١) وسكت عنه، وفى
"الدراية": رجاله ثقات اهـ (ص-١٢٨). وصححه ابن السكن كما فى
"التلخيص" (١١٤:١).
"إنها توبة نبى" أى أنها سجدة شكر من نبى عند توبة الله عليه، أى أنها ليست من عزائم
السجود، وإنما هى لمعنى كان ذلك للنبى دونهم، قلنا: يحتمل هذا، ويحتمل أن قوله: "إنما
توبة نبى" بيان لسبب السجود فى هذه الآية، فإن بقية الآيات التى فيها السجدة إما أمر
بها أو ذم عن إبائها أومدح لفاعليها، فبين أن هذه السجدة إنما هى توبة نبى، يعنى أنه
ممدوح بها، فينبغى أن نتبعه فيها، غير أنها لا تقتضى الفورية، ولكنى رأيتكم تهيأتم
للسجود فنزل وسجد. وترك الخطبة لأجلها يدل على أنها سجدة تلاوة، فإن سجود
الشكر لا يشرع للخطيب فى الخطبة، ومن ادعى فليأت ببرهان، وتركه فى الجمعة الثانية
لا يدل على أنها ليست بسجدة تلاوة، بل كان يريد التأخير وهى عندنا لا تجب على الفور
كما قدمنا اهــ من "المرقاة" (٥٨:٢) و"البدائع" (١٩٣:١) وإذا جاء الاحتمال بطل
الاستدلال.
قوله: "عن ابن عباس إلخ". وهو الرابع من الباب، احتج به الشافعى رحمه الله
(١) أى تهيأ (المؤلف).
(٢) قال السندى فى حاشيته على النسائى: وكون السجدة للشكر لا يستلزم عدم الوجوب كما أنه لا يستلزم
الوجوب فينبغى الرجوع فى معرفة أحد الأمرين إلى الخارج اهـ.

٢٣١
ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
١٩٤١- عن: أبى هريرة: ((أن النبى عّ لّر سجد فى ص))، أخرجه الدار
قطنى ورواته ثقات، كذا فى "الدراية" (ص-١٢٨).
أيضًا على أن سجدة ص ليست من سجود التلاوة، بل هى سجدة شكر، وفائدة الخلاف
أنه لو تلاها فى الصلاة لا يسجدها عنده وسجدها عندنا، وقال فى "المرقاة": لكن لا يلزم
من كونه شكرا أن لا يكون سجدة تلاوة، لأنها لا شك أنها تتعلق بقراءة تلك الآية
أوسماعها، وتقع السجدة عند ثبوتهما، وهذا معنى سجدة التلاوة، سواء يكون السبب
فيها أمرا أو شكرا أو غير ذلك اهـ (٢: ٥٨). قلت: ويؤيد ذلك أنه لم ينقل عن النبى معَ له.
ولا أحد من الصحابة أنه سجد عن ذكر قصة داود وتوبته عليه بدون تلاوتهم هذه الآية.
وأيضًا: فكم من آية فى القرآن ذكر فيها توبة الله على نبى من الأنبياء ولم يسجد
رسول الله عٍَّ ولا أحد من الصحابة عندها، كما فى قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه
كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم﴾. وقوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى. ثم
اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾. وقوله تعالى فى قصة موسى عليه السلام: ﴿رب إنى
ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم)، وقوله تعالى فى قصة يونس: ﴿ثم
اجتباه ربه وجعله من الصالحين﴾. فثبت أن سجدته فى سورة ص لم تكن لمحض الشكر
وإلا لم تکن توبة نبی أولی من توبة نبی آخر حتى يشكر لها ولا يشكر لغيرها، بل كانت
للتلاوة والشكر معًا وللاقتداء بداود على نبينا عليه السلام فى سجدته عند التوبة عليه
أيضًا، ولذا لم يسجد النبى معَّ هِ عند ذكر توبة الله على غيره من الأنبياء لعدم ذكره
سجودهم عندها.
قال فى "البدائع": وما تعلق به الشافعى فهو من دلائلنا، فإنا نقول: نحن نسجد
ذلك شكرا لما أنعم الله على داود بالغفران والوعد بالزلفى وحسن المآب، ولهذا لا يسجد
عندنا عقيب قوله: "وأناب". بل عقيب قوله: "مآب"، وهذه نعمة عظيمة فى حقنا، فإنه
يطمعنا فى إقالة عثراتنا وزلاتنا، فكانت سجدة تلاوة، لأن سجدة التلاوة ما كان سببها
التلاوة، وسبب هذه السجدة تلاوة هذه الآية اهـ (١٩٣:١).
وأيضًا: فابن عباس الذى روى قوله مبآم: ((ونسجدها شكرا)) قد عد نفسه سجدة
ص من سجود التلاوة كما سيأتى، والراوى أعرف بمعنى روايته، فثبت أن كونها للشكر
لا ينفى كونها من سجود التلاوة.

٢٣٢
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
قال المحقق فى "الفتح": غاية ما فيه أنه عَّه بين السبب فى حق داود، والسبب فى
حقنا، وكونه الشكر لا ينافى الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكرا لتوالى
النعم اهـ (١ : ٤٦٤). ونظر فيه بعض الناس بأن هذا شكر خاص، فتكون سجدته سجدة
شكر وهى مستحبة، ولا تؤدى فى الصلاة، فما أحسن ما ذكره الحافظ فى "الفتح"،
استدل الشافعى بقوله شكرا على أنه لا يسجد فيها فى الصلاة، لأن سجود الشاكر لا
يشرع داخل الصلاة اهـ (٢ : ٤٥٦).
قلت: يرده عد ابن عباس إياها من سجود القرآن كما سيأتى، وسجود القرآن
يشرع داخل الصلاة وخارجها جميعًا، وأيضًا: فقد روى عن عثمان رضى الله عنه: أنه
سجدها فى الصلاة، أخرج ابن مردويه عن السائب بن يزيد، قال: ((صليت خلف عثمان
الفجر، فقرأ بسورة ص فسجد فيها، ثم قام فقرأ ما بقى منها ثم ركع، فقال له بعض
القوم: يا أمير المؤمنين! أ من عزائم السجود؟ قال: سجد بها رسول الله عَ لّه). كذا فى
"كنز العمال" (٢١٦:٤) ونحوه فى "الدر المنثور"، لكن فيه: ((صلیت خلف عمر)) بدل
عثمان، وفيه أيضًا: أخرج ابن أبى شيبة عن ابن مريم، قال: ((لما قدم عمر الشام أتى محراب
داود عليه السلام، فصلى فيه فقرأ سورة ص، فلما انتهى إلى السجدة سجد اهـ))
(٣٠٥:٥). والأثران لم أقف على إسنادهما، ولكن تعدد الطرق قد أفاد قوةً، فلا بأس
وأخرج الطحاوى فى "مشكله" أثر السائب بن يزيد مختصراً فقال: حدثنا عبيد
:
بذ کرهما للاعتضاد.
ابن رجال، ثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر، عن الزهرى. وثنا إبراهيم بن
سعيد، عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد: ((أنه رأى عمر يسجد فى ص)). وحدثنا روح
ابن الفرج أبو مروان العثمانى، ثنا إبراهيم بن سعيد، ثم ذكر بإسناده مثله اهـ (٣٤:٤).
والسندان مختلان، قد وقع فيهما تصحيف من الناسخين وتغيير، ولكن الطحاوى سرد له.
طريقًا ثالثًا عن سعيد بن جبير، وتعدد الطرق يرفع الضعيف إلى الحسن.
وأما ما روى البخاری فی باب سجدة ص عن ابن عباس، قال: ((ليس ص من
عزائم السجود، وقد رأيت النبى معَ ◌ّم يسجد فيها اهـ)). فقد ذكرنا الجواب عنه، وأيضًا:
فهو رأيه فلا يعارض الحديث المرفوع الذى ثبت به الوجوب على الإطلاق، وهو الذى

ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
٢٣٣
بدأنا به الباب، وأيضًا: فقد قال فى "المعتصر من المختصر من مشكل الآثار" للطحاوى: قد
اختلفت الروايات فيها عن ابن عباس رضى الله عنهما، فعنه أنها من عزائم السجود، وعنه
أنها ليست منها اهـ (٥٤:١). فلا حجة فى قوله وهو متعارض بقوله الآخر، والله أعلم.
وقال مالك فى "الموطأ": الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة، وعد
منها ص، كما فى "شرح الزرقانى" على "المؤطأ" (٣٧٢:١) وقال فى رواية ابن بكير
وغيره: الأمر المجتمع علیه عندنا إلخ. كما فى مقدمات ابن رشد (١١٧:١) وفيه إشعار
بأن سجدة ص مما اجمتع أهل المدينة على كونه من العزائم.
وقال ابن قدامة فى "المغنى" بعد حكايته قول مالك هذا: إن عزائم السجود إحدى
عشرة، ما نصه: قال ابن عبد البر: هذا قول ابن عمر، وابن عباس(1)، وسعيد بن جبير،
وسعيد بن المسيب، والحسن، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، ومالك، وطائفة من
أهل المدينة لأن أبا الدرداء قال: ((سجدت مع النبى معَّ ◌ُّ إحدى عشرة ليس فيها من
المفصل)). رواه ابن ماجه اهـ (٦٥٢:١). وسيأتى رواية أبى الدرداء هذه مفصلة، وفيها
ذكر سجدة ص أيضًا، هذا.
وقال الحافظ فى "التلخيص": حديث ابن عباس: ((أن النبی مێے سجد فی ص،
وقال: سجدها داود توبة ونسجدها شكرًا))، الشافعى فى "الأم" عن ابن عيينة، عن أيوب،
عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبى معَّ ◌ُلِّ، أنه سجدها يعنى ص، ورواه فى القديم عن
سفیان، عن عمر بن ذر، عن أبيه، قال: سجدها داود توبة ونسجدها نحن شكرًا)). قال
البيهقى: وروی من وجه آخر عن عمر بن ذر، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
موصولا، ولیس بالقوى، قلت: رواه النسائى من حديث حجاج بن محمد عن عمر بن ذر
موصولا، ورواه الدار قطنی من حديث عبد الله بن بزیع عن عمر بن ذر نحوه، وأعله ابن
الجوزی به، وقد توبع وصححه ابن السكن اهـ (١١٤:١).
قلت: قال محمد فى "الآثار": أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، ((أنه لم
(١) فيه دلالة على ما قاله الطحاوى: إن الروايات عن ابن عباس مختلفة، فعنه أنها من عزائم السجود، ووجه الدلالة أن
ابن عبد البر جعل قول ابن عباس كقول مالك، وقد تقدم أن مالكا قد عد ص من العزائم.
:

٢٣٤
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
١٩٤٢- عن: العوام قال: سألت مجاهدا عن سجدة ص؟ فقال: سألت
ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ و
﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، فكان داود ممن أمر نبيكم أن يقتدى
به، فسجدها رسول الله عَّ ◌َّم. أخرجه البخارى (٧٠:٢).
يكن يسجد فى ص))، وعن عبد الله(١) بن مسعود رضى الله عنه: ((أنه لم يكن يسجد
فیها))، قال محمد: ولكنا نرى السجود بها، ونأخذ بالحديث الذى روى عن رسول الله
◌َ ◌ّهِ، أخبرنا عمر بن ذر الهمدانى، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبى
عَّ ◌ُّه، أنه قال فى سجدة ص: ((سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرا))، وهو قول أبى
حنيفة اهـ (ص-٣٧). ودلالة حديث أبى هريرة على هذا المعنى ظاهرة.
قوله: "عن العوام إلخ". وهو السادس من الباب، قلت: قال الإمام أبو بكر الرازى
فى "أحكام القرآن" له: وقول ابن عباس فى رواية سعيد بن جبير إن النبى عّ لّ فعلها
اقتداء بداود لقوله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ يدل على أنه رأى فعلها واجبًا، لأن الأمر على
الوجوب(٢) وهو خلاف رواية عكرمة عنه، أنها ليست من العزائم، ولما سجد النبى معدّ لة.
فيها کما سجد فى غيرها من مواضع السجود، دل على أنه لا فرق بينها وبين سائر
مواضع السجود، وأما قول عبد الله: أنها ليست بسجدة لأنها توبة نبى، فإن كثيرا من
مواضع السجود إنما هو حكايات عن قوم مدحوا بالسجود، نحو قوله تعالى: ﴿إِن الذین
عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون﴾، وهو موضع السجود
للناس بالاتفاق، وقوله تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون
للأذقان سجدا﴾، ونحوها من الآيات التى فيها حكاية سجود قوم، فكانت مواضع
السجود اهـ. (أی فلیس کونها توبة نبی ینافی کونها سجدة، بل هى آكد من غيرها من
حيثية المتابعة الواردة فى الاقتداء بسير الأنبياء، ولم يرد مثلها فى متابعة غيرهم، وقد سجد
(١) رواه الشافعى رحمه الله فى "مسنده" (ص-٢١٨) بسند رجاله رجال الصحيحين عن ابن مسعود رضى الله عنه،
(أنه کان لا یسجد فی ص، ويقول: إنما هی توبة نبی)) اهـ.
(٢) يؤيده ما فى رواية الطحاوى بطريق العوام أيضًا قال: سألت مجاهدا عن السجود فى ص، فقال: سألت عنها ابن
عباس، فقال: اسجد فى ص، فتلا على هذه الآيات من الأنعام، فذكرها فكان داود ممن أمر نبيكم صل أن يقتدى
به اهـ (٢١٢:١). فقوله: اسجد فى ص، يدل على الوجوب ظاهرًا .

ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
٠ ٢٣٥
١٩٤٣- حدثنا: عفان(١)، ثنا يزيد يعنى ابن ذريع، ثنا حميد(٢)، قال:
حدثنى بكر(٣) أنه أخبره: ((أن أبا سعيد الخدرى رضى الله عنه رأى رؤيا أنه
يكتب ص، فلما بلغ إلى سجدتها قال: رأى الدواة والقلم وكل شئ بحضرته
داود عند توبته كما صرح به القرآن، فيلزمنا اتباعه، والله تعالى أعلم).
قال الرازى: وقوله تعالى: ﴿وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون﴾، يقتضى لزوم
فعله عند سماع القرآن، فلو خلينا والظاهر أوجبناه فى سائر القرآن، فمتى اختلفنا فى
موضع منه فإن الظاهر يقتضى وجوب فعله إلا أن تقوم الدلالة على غيره إهـ (٣: ٣٨٠).
وفى "الدر المنثور": وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن، قال: كان رسول الله
◌ّظٍّ لا يسجد فى ص حتى نزلت: ﴿أولئك الذين هدی الله فبهداهم اقتده﴾، فسجد فيها
رسول الله عد اهـ (٣٠٥:٥). ولم أقف له علی سند، ولكن ظاهر حديث ابن عباس
المذكور فى المتن بطريق العوام عن مجاهد عنه يؤيده، فإن قوله: ((فكان داود ممن أمر نبيكم
أن يقتدى به فسجدها رسول الله عَّه)) يدل على أن سجوده مع طّه كان اقتداء بداود لقوله
تعالى: ﴿ فبهداهم اقتده﴾، فالظاهر أنه كان لا يسجد بالمواظبة والعزيمة قبل نزول هذه
الآية، ثم واظب على السجود بعد نزول الآية، والله أعلم.
قوله: "حدثنا عفان إلخ". وهو السابع من الباب، قلت: الحديث صحيح على
شرط الشيخين، فقد أخرجا جميعًا لرواته واحتجا به ولا يضر عفان ما فى "التقريب"
(ص-١٤٦) فى ترجمته: عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلى أبو عثمان الصفار البصرى
ثقة ثبت. قال ابن المدینی: کان إذا شك فی حرف من الحدیث تر که، وربما وهم (فإن
يسير الوهم لم يخل عنه أحد، ومع ذلك فعفان كان إذا شك فى حرف من الحديث تر که،
وهذا غاية فى التثبت) وقال ابن معين: أنكرناه فى سفر سنة تسع عشرة ومات بعدها بيسير
اهـ. وهذا لا يضره أيضًا، فقد قال الذهبى فى "الميزان": قال أبو خيثمة: أنكرنا عفان قبل
موته بأيام، قلت: هذا التغير هو من تغير مرض الموت، وما ضره لأنه ما حدث
(١) ابن مسلم.
(٢) الطويل.
(٣) هو ابن عبد الله المزنى قاله الزيلغى.

٢٣٦
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
انقلب ساجدًا، قال: فقصها على النبى عبٍّ فلم يزل يسجد بها بعد)). رواه
الإمام أحمد فى "مسنده" (٧٨:٢) ورجاله ثقات من رجال الجماعة، وأخرجه
المنذرى فى "الترغيب" (٢٥٣:١) وقال: رواته رواة الصحيح.
فيه بخطأ اهـ (٢٠٣:٢). ولو كان شئ من ذلك ضره وقدح فى ثقته لم يصفه الحافظ فى
"التقريب" بالثقة الثبت، ولم يحتج به الشيخان فى "صحيحيهما".
وقد رد الذهبى فى "الميزان" على كل من تكلم فيه، وقال: عفان بن مسلم الصفار
الحافظ الثبت الذى يقول فيه يحيى القطان: وما أدراك ما يحيى القطان، إذا وافقنى عفان
لا أبالی من خالفنى، فأذی ابن عدى نفسه بذكره له فى "كامله"، وأجاد بن الجوزى فى
حذفه إلخ. ولا يضرنا ما فى "نصب الراية" بعد ذكر الحديث: وذكر الدار قطنى فى
"علله" اختلافًا أهـ (٣٧٧:١). فإن مجرد الاختلاف لا يضر، قال ابن التركمانى فى
"الجوهر النقى" (٤٠:١): إذا أقام ثقة إسنادا اعتمد ولم يبال بالاختلاف، وكثير من
أحاديث الصحيحين لم تسلم من مثل هذا الاختلاف، وقد فعل البيهقى مثل هذا فى أول
الكتاب فى حديث: ((هو الطهور ماؤه))، حيث بين الاختلاف الواقع فيه، ثم قال: ألا إن
الذى أقام إسناده ثقة أودعه مالك فى "الموطأ"، وأخرجه أبو داود فى "السنن" اهـ. لا
سيما وقد قال الحافظ فى "التلخيص الحبير" تحت حديث ابن عباس: ((أنه عّ لّ كان يقول
فى سجود القرآن: اللهم اكتب لى بها عندك أجرا، واجعلها لى عندك ذخرا، وضع عنى
بنها وزرا، وتقبلها منى كما تقبلت من عبدك داود)) ما نصه: وفى الباب عن أبى سعيد
الخدرى، رواه البيهقى، واختلف فى وصله وإرساله وصوب الدار قطنى فى السنن رواية
حماد، عن حميد، عن بكر: ((أن أبا سعيد رأى فيما يرى النائم الحديث)) اهـ (١١٥:١).
ورواية حماد عن حميد عن بكر هى هذه الرواية التى أخرجها أحمد، وذكرناها
فى المتن، وقد صوبها الدار قطنى، وأخرجها الحاكم فى "المستدرك" وصححها الذهبى
على شرط مسلم (٤٣٢:٢) وصححها المنذرى فى "الترغيب" كما ذكرناه فى المتن،
والرواية التى رواها البيهقى واختلف فى وصله وإرساله لعله ما ذكره المنذرى فى
"الترغيب"، وعزاه إلى أبى يعلى والطبرانى عن أبى سعيد الخدرى، قال: ((رأيت فيما يرى
النائم كأنى تحت شجرة وكان الشجرة تقرأ ص، فلما أتت على السجدة سجدت. فقالت
فى سجودها: اللّهم اغفر لى بها، اللّهم حط عنى بها وزرًا، واحدث لى بها شكرا،

٢٣٧
ج - ٧
سجود التلاوة وما يتعلق به
١٩٤٤- عن: أبى رافع، قال: ((صليت مع أبى هريرة رضى الله عنه
العتمة، فقرأ ﴿إِذا السماء انشقت﴾ فسجد، فقلت: ما هذه؟ قال: سجدت
بها خلف أبى القاسم عَّه، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه))، رواه
البخارى (١٤٧:١).
وتقبلها منی کما تقبلت من عبدك داود سجدته، فغدوت علی رسول الله مګ فأخبرته،
فقال: أ سجدت يا أبا سعيد؟
قلت: لا! قال: فأنت أحق بالسجود من الشجرة، ثم قرأ رسول الله عدّ له سورة
ص، ثم أتى على السجدة فسجد، وقال فى سجوده ما قالت الشجرة فى سجودها)) قال
المنذرى: وفى إسناده يمان(١) بن نصر لا أعرفه اهـ (ص٢٥٤).
وبالجملة فالاختلاف فى الوصل والإرسال إنما هو فى حديث أبى سعيد الذى فيه
ذکر الدعاء فى السجود، وأما حديث حماد بن حميد، عن بکر، عنه، فليس فيه اختلاف،
كما يشعر به سياق كلام الحافظ فى "التلخيص"، وتصويب الدار قطنى إياه، وتصحيح
المنذرى والذهبى له على شرط الصحيح، فبطل ما زعمه بعض الناس مغترا لقول الزيلعى:
وذكر الدار قطنى فى علله اختلافًا، وبقول الحافظ: رواه البيهقى واختلف فى وصله
وإرساله، أن الحديث لا حجة فيه ونسى ما ذكره فى "إحيائه" (ص١٦) إن الثقة إذا أقام
إسنادًا اعتمد ولم يبال بالاختلاف، واعترف ههنا بكون رواة الحديث رواة الصحيح،
وعرف تصويب الدار قطنى إياه، فمن أين له أن يقول: لا حجة فيه؟ بل هو حجة
صحیحة، وصح ما قاله ابن الهمام فى "فتح القدير" بناء على هذا الحديث، ونصه: فأفاد
· أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان قد لا يعزم
عليها اهـ (١ : ٤٦٤).
قوله: "عن أبی رافع إلخ
(١) قلت: ذكره الحافظ فى "اللسان" وقال: مجهول بيض له انتهى، وذكره ابن حبان فى الثقات، فقال الكعبى: من
أهل البصرة، يروى عن شيخ عن محمد بن المنكدر، روى عنه يعقوب بن سفيان، وذكر ابن أبى حاتم فى الرواة
عنه محمد بن مرزوق والجراح بن مليح، وكناه أبا نصر، ويقال له صاحب الدقيق اهـ (٣١٧:٦). قلت: وليس
بمجهول من روى عنه الثلاثة والله أعلم.

٢٣٨
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
١٩٤٥- عن: عبد الله، قال: ((قرأ النبى معَّ لّه النجم بمكة، فسجد فيها
وسجد من معه غير شيخ أخذ كفا من حصى أوتراب فرفعه إلى جبهته، وقال:
يكفى هذا، فرأيته بعد قتل كافرًا))، رواه البخارى (١٤٦:١).
١٩٤٦٠- عن: أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن النبى عَّ له كتبت عنده
سورة النجم، فلما بلغ السجدة سجد وسجدنا معه، وسجدت الدوات والقلم))،
رواه البزار بإسناد جيد، كذا فى "الترغيب" للمنذرى (٢٥٤:١).
قوله: "عن عبد الله إلخ". وهو الثامن والتاسع من الباب، دلالتهما على ما فيها
ظاهرة، وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن الأسود بن يزيد بن عمر رضى الله
عنهما: ((أنه سجد فى ﴿إذا السماء انشقت﴾)). وروى الطبری بإسناد صحيح عن عبد
الرحمان بن أبزى عن عمر رضى الله عنه: ((أنه قرأ النجم فى الصلاة فسجد فيها، ثم قام
فقرأ ﴿إذا زلزلت) اهـ)) من "فتح البارى" (٤٥٨:٢).
وقد ثبت بهذه الأحاديث السجود فى المفصل، ویعارضه ما رواه البخاری عن زيد
ابن ثابت رضى الله عنه: ((أنه قرأ على النبى مرّ ◌ُلِّ والنجم فلم يسجد فيها اهـ)). وقد ذكرنا
أنه لا حجة فيه لاحتمال أن يكون آخرها لبيان أن الوجوب على التراخى، وقال الحافظ فى
"الفتح" (٤٥٨:٢): ترك السجود فيها فى هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقًا، لاحتمال
أن يكون السبب فى الترك إذ ذاك إما لكونه كان بلا وضوء، أو لكون الوقت كان وقت
كراهة، أو لكون القارئ كان لم يسجد، أو ترك حينئذ لبيان الجواز، وهذا أرجح
الاحتمالات، وبه جزم الشافعى، لأنه لو كان واجبًا لأمره بالسجود ولو بعد ذلك اهـ.
قلت: ليس ذلك بأرجح، فإن لقائلى الوجوب أن يقولوا: إن الوجوب كان معلوماً عنده،
وقوله: لكون القارئ إلخ: ينتهض على أصل الشافعى وسيأتى بيانه.
وما رواه أبو داود وسكت عنه من طريق أبى قدامة (الحارث بن عبيد) عن مطر
الوراق عن عكرمة، عن ابن عباس رضى الله عنهما: ((أن رسول الله مرّ له لم يسجد فى
شئ من المفصل منذ تحول إلى المدينة)) (٥٣٠:١)، ومن هذا الوجه أخرجه أبو على بن
السكن فى "صحيحه" كما فى "التلخيص الحبير"، وفيه أيضًا: وأبو قدامة ومطر من
رجال مسلم مضعفان اهـ (١ : ١١٤).

٢٣٩
سجود التلاوة وما يتعلق به
ج - ٧
١٩٤٧- وعنه: قال: ((سجدنا مع النبى معَّه فى إذا السماء انشقت، واقراً
باسم ربك)). رواه مسلم (٢١٥:١) وقال أبو داود (١) (٢٠٦:١): أسلم أبو
هريرة فى سنة ست عام خيبر، وهذا السجود من رسول الله عَّ له آخر فعله اهـ.
قال بعض الناس نقلا عن "تنسيق النظام فى مسند الإمام": وفى "إرشاد السارى"
(شرح صحيح البخارى للقسطلانى) أن المضعف ما لم يجمع على ضعفه بل فى متنه أو
سنده تضعيف لبعضهم وتقوية لبعض الآخر، وهو أعلى من الضعيف، وفى البخارى منه
اهـ (ص-٦٩). قال: ومطر من رجال مسلم حسن الحديث، كما فى "الميزان"
(١٧٦:٣) وأبو قدامة قال فيه ابن مهدى: كان من شيوخنا، وما رأيت إلا جيدا، وقال
النسائى: صالح، وقال أيضًا: ليس بذاك القوى (فهو حسن الحديث عنده) وضعفه أحمد،
وابن معين، وأبو حاتم، وابن حبان، والساجى، كما فى "التهذيب" (١٤٩:٢). قال: وقد
علمت أن ابن السكن أورد الحدیث فى "صحيحه"، وسكت عنه أبو داود فالحديث حجة
انتہی کلامه.
قلت: يا للعجب! كيف يسعى لتصحيح هذا الحديث لكونه موافقًا لغرضه،
ويجعله حجة لمجرد إيراد ابن السكن إياه فى صحيحه، وسكوت أبى داود عنه؟ وقد ضعف
قبل ذلك حديث أبى سعيد الذى أخرجه أحمد وصرح المنذرى بكون رواته رواة
الصحیح، وصوبه الدار قطنى، وصححه الحاكم والذهبی على شرط مسلم، بمجرد ما فى
الزيلعى أن الدار قطنى ذكر فى علله اختلافًا، وجعل يحط على ابن الهمام فى استدلاله به
على أن الأمر صار إلى المواظبة على سجدة فى ص، وهل هذا إلا تحكم بارد، فكأن أزمة
الحديث بيده كلها، يصحح منه ما شاء، ويضعف ما يريد، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
والجواب عن ذلك الحديث أى حديث أبى داود بطريق أبى قدامة أن معناه أنه مرّ له.
لم يسجد على الفور، أو يقال: إن ابن عباس لم يره مرّ له يسجد فيها، ومن رآه يقدم، فإن
المثبت مقدم على النافى، مع أن أحاديث الإثبات أقوى سندا منه، قد اتفق الشيخان على
إخراجها.
(١) فى بعض نسخ السنن.

٢٤٠
سجود التلاوة وما يتعلق به
إعلاء السنن
وهذا هو الجواب عما أخرجه الطحاوى، وقال: حدثنا ابن أبى داود، ثنا أحمد (١)
ابن الحسین اللھبی، ثنی ابن أبی فدیك، ثنی داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن
يسار، (أنه سأل أبى بن كعب، هل فى المفصل سجدة؟ قال: لا اهـ)) (٢٠٨:١). لم أعرف
اللهبى هذا والباقون ثقات معروفون، قال الطحاوى: ولاحجة له (أى للخصم) فى هذا
(أى فى حديث أبى بن كعب) لأنه قد يحتمل أن يكون النبى ګ ترك ذلك فيه (أى
السجود فى المفصل) لمعنى من المعانى التى ذكرناها فى الفصل الأول (وهى كونه سرّله
على غير وضوء، أو كان فى وقت لا يحل فيه السجود، وغير ذلك مما قدمه).
قال: وقد خالف أبى بن كعب فيما ذهب إليه من ذلك جماعة من أصحاب النبى
مَّ ◌ُلّه، ثم روى بأسانيد صحاح وحسان عن على، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله
ابن مسعود، وابن عمر، وعمار، وأبى هريرة، أنهم سجدوا فى المفصل، وروى عن أبى
حبيان بسند حسن قال: قال لى ابن عباس: ((أى قراءة تقرأ؟ قلت: القراءة الأولى قراءة ابن
أم عبد فقال: هى القراءة الآخرة إن رسول الله عٍَّ يعرض عليه القرآن فى كل عام، قال:
أراه قال: فى كل شهر رمضان، فلما كان العام الذى مات فيه عرضه عليه مرتين، فشهد
عبد الله ما نسخ وما بدل))، قال الطحاوى: فهدا ابن عباس قد أخبر أن عبد الله بن مسعود
حضر قراءة رسول الله مَّ ةٍ مرتين فى العام الذى قبض فيه، فعلم ما نسخ وما بدل، فإن
کان فى قراءة رسول الله معبّ على أبى بن کعب ما قد دل على أن أبيا قد علم ما فيه من
السجود من القرآن حتى صار قوله: لا سجود فى المفصل (٢) دليلا على أنه كذلك كان
عند رسول الله عَّه، فإن حضور ابن مسعود قراءة رسول الله مرّ ه القرآن مرتين دليل على
أنه قد علم ما فيه من السجود من القرآن، فصار قوله: إن فى المفصل من السجود ما رويناه
عنه حجة.
(١) لم أعرف حاله، واللهبى نسبة إلى قبيلة من الأزد، تعرف بالقيافة والزجر، وفيها يقول كثير:
تيممت لهبا ابتغى العلم فهم
وقد صار علم القائفین إلی لھب
اهـ. كذا فى "الأنساب" للسمعانی.
(٢) كما قاله الإمام الشافعى رحمه الله فى قوله القديم، ذكره الزرقانى فى شرح "الموطأ" (٣٧٢:١).