Indexed OCR Text
Pages 161-180
11 إعلاء السنن ١٦١ ١٨٧٦- عن: عمرو بن دينار، عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما، قال: ((سجدتا السهو بعد السلام)). رواه الطحاوى وإسناده حسن "آثار السنن" (٥٩:٢). باب التشهد بعد سجود السهو ١٨٧٧- عن: عمران بن حصين: ((أن النبى عَّه صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم)). رواه الترمذى (٥٢:١) وقال: حسن غريب، وأبو فى الأولوية. وفى "الخلاصة": لو سجد قبل السلام لا تجب إعادتها بعد السلام اهـ. فهذا وجه الترجيح لسجود السهو بعد السلام فافهم. والأمر واسع، ودلالة أثر أنس وابن عباس على أن سجود السهو بعد السلام ظاهرة. قال بعض الناس: ويشهد لمالك حديث أيضًا ولكنه ضعيف، ففى "مجمع الزوائد" (٢٧٣:١)، عن عائشة رضى الله عنها: ((أن النبى عّ لّ سها قبل التمام فسجد سجدتی السهو قبل أن يسلم، وقال: من سها قبل التمام سجد سجدتى السهو قبل أن يسلم، وإذا سها بعد التمام سجد سجدتى السهو بعد أن يسلم)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" هكذا، وفيه عيسى بن ميمون واختلف فى الاحتجاج به، وضعفه الأكثر اهـ. قلت: ولا حجة له فيه، فإن قوله: ((من سها قبل التمام)) يعم كل سهو كان قبل تمام الصلاة، سواء كان بالزيادة أو النقصان فيسجد له قبل السلام، وإنما يسجد بعد السلام إذا كان السهو بعد تمام الصلاة، هذا لم يقل له مالك بل ولا أحد من الأئمة، فإن السهو بعد تمام الصلاة لا يتصور عندهم، ومعناه عندنا أن من حصل له السهو وتذكره قبل تمام الصلاة سجد له قبل السلام الذى هو تحليل الصلاة، وإذا حصل له السهو بعد تمام الصلاة بأن قضى الأركان كلها وسلم للتحليل ثم تذكر أن عليه سهوا سجد له بعد تمام سلام التحليل أيضًا، فإن السلام بنية التحليل لا يقطع صلاة من عليه السهو، كما ذكره علمائنا، فالحديث حجة لنا لا علينا فافهم. باب التشهد بعد سجود السهو قوله: "عن عمران بن حصين رضى الله عنه إلخ". قال المؤلف: وفى "فتح البارى" بين سند الحديث هكذا: من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد ١٦٢ التشهد بعد سجود السهو ج - ٧ داود (٤٠١:١) وسكت عنه، وفی "فتح الباری" (٧٩:٢): رواه ابن حبان فى "صحيحه" والحاكم فى "مستدركه" وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. الحذاء، عن أبى قلابة، عن أبى المهلب، عن عمران، فذكر المتن. ثم قال الحافظ: وضعفه البيهقى وابن عبد البر وغيرهما، ووهموا رواية أشعث لمخالفته غيره من الحفاظ عن ابن سيرين، فإن المحفوظ عن ابن سيرين فى حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، وروى السراج من طريق سلمة بن علقمة أيضًا فى هذه القصة (أى المذكورة فى البخارى): قلت لابن سيرين: فالتشهد؟ قال: لم أسمع فى التشهد شيئًا، وقد تقدم فى باب تشبيك الأصابع (أى من صحيح البخارى) من طريق ابن عون عن ابن سيرين، قال: "نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم"، وكذا المحفوظ عن خالد الحذاء بهذا الإسناد فى حديث عمران ليس فيه ذكر التشهد، كما أخرجه مسلم، فصارت زيادة أشعث شاذة، وهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد فی سجود السهو یثبت، لکن قد ورد فی التشهد فی سجود السهو عن ابن مسعود عند أبى داود والنسائى(١) وعن المغيرة عند البيهقى، وفى إسنادهما ضعف، فقد يقال: إن الأحاديث الثلاثة فى التشهد باجتماعها ترتقى إلى درجة الحسن، قال العلائى: وليس ذلك ببعيد، وقد صح ذلك عن ابن مسعود رضى الله عنه من قوله، أخرجه ابن أبى شيبة اهـ. قلت: حديث ابن مسعود رضى الله عنه عند أبى داود هكذا (٣٩٤:١): حدثنا النفیلی، نا محمد بن سلمة، عن خصیف، عن أبى عبيدة بن عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله عَّهِ، قال: ((إذا كنت فى صلاة فشككت فى ثلاث أو أربع وأكبر ظنك على أربع. تشهدت ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضًا، ثم تسلم)). قال أبو داود: رواه عبد الواحد عن خصيف لم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا سفيان وشریك وإسرائیل، واختلفوا فى الكلام فی متن الحديث ولم یسندوہ اهـ وفى "عون المعبود": وقال البهقى فى "المعرفة": وهذا الحديث مختلف فى رفعه (١) لم أقف عليه فى الصغرى له، وإن عزاه إلى النسائى الحافظ والشوكانى والزيلعى، وعزاه المنذرى فى مختصره إلى. الكبرى له، هذا يتحصل من "عون المعبود" (٣٩٥:١ و٥٤٥:٤) والله تعالى أعلم. ١٦٣ · التشهد بعد سجود السهو إعلاء السنن ومتنه، وخصيف غير قوى، وأبو عبيدة عن أبيه مرسل اهـ. قلت: قد تقدم غير مرة أن حديثه عن أبيه صحیح، قد صحح الدار قطنى عدة أحاديث من حديثه عن أبيه، ومحمد بن سلمة أخرج له مسلم كما فى "التقريب" (ص-١٨٣) وزيادة الثقة إذا كانت غير منافية لمن هو أوثق منه مقبولة. فيرجح الرفع، وخصيف ضعفه أحمد ووثقه ابن معين وأبو زرعة، كما فى "عون المعبود" عن "الخلاصة"، وقال ابن عدى: لخصيف أحاديث كثيرة، وإذا حدث عنه ثقة فلا بأس بحديثه ورواياته، إلا أن يروى عنه عبد العزيز بن عبد الرحمان. فإن رواياته عنه بواطيل، والبلأ من عبد العزيز لا من خصيف. وقال ابن سعد: كان ثقة وتكلم فيه آخرون، كما فى "التهذيب" (١٤٤:٣) وبالجملة فالحديث حسن، فإنه ليس من رواية عبد العزيز عن خصيف، بل من رواية محمد بن سلمة عنه. وحديث المغيرة رضى الله عنه ذكره فى "النيل" (٣٧٣:٢) عن البيهقى بلفظ: ((أن النبى معَّ تشهد بعد أن رفع رأسه من سجدتى السهو))، قال البيهقى: تفرد به محمد بن عبد الرحمان بن أبى ليلى، عن الشعبى، ولا يفرح بما تفرد به، وقال فى "المعرفة": لا حجة فيما تفرد به لسوء حفظه و كثرة خطائه فى الروايات انتهى. قلت: حسن له الترمذى واحتج به غير واحد، وليس ما رواه بمنكر بل له شواهد متعددة، فلا ينزل من درجة الحسن، ولا أقل من أن يكون المجموع حسنا كما قاله الحافظ. وأما الجواب عن شذوذ رواية أشعث، فما ذكره فى "الجوهر النقى" (١٨٦:١): قلت: أشعث الحمرانى ثقة، أخرج له البخارى فى المتابعات -فى باب يخوف الله عباده بالكسوف- ووثقه ابن معين وغيره، وقال يحيى بن سعيد: ثقة مأمون، وعنه أيضًا قال: لم أدرك أحدًا من أصحابنا هو أثبت عندى منه، ولا أدركت من أصحاب ابن سيرين بعد ابن عون أثبت منه، وإذا كان كذلك فلا يضره تفرده بذلك، ولا یصیر سكوت من سكت عن ذكره حجة من ذكره وحفظه لأنه زيادة ثقة اهـ. وفى "التقريب" فى ترجمة أشعث (ص-١٨): ثقة فقيه اهـ. وأما الجواب عن معارضة قول ابن سيرين: "لم أسمع فى التشهد شيئًا" حديثه الذى صححه الأئمة فهو أن مراده بقوله هذا هو نفى السماع فى حديث أبى هريرة، فإن الحديث رواه البخارى من طريق أبى هريرة، وفيه أيضًا عن سلمة بن علقمة، قال: قلت ١٦٤ ج - ٧ التشهد بعد سجود السهو ١٨٧٨- وكيع: عن سفيان الثورى، عن خصيف، عن أبى عبيدة، قال: قال عبد الله بن مسعود رضى الله عنه: ((إذا قام أحدكم فى قعود، أو قعد فى قیام، أو سلم فى الر کعتين، فلیتم ثم ليسلم ثم لیسجد سجدتین یتشهد فيهما ويسلم)). أخرجه سحنون فى "المدونة الكبرى" له (١٢٨:١)، ورجاله أشهر من أن يثنى عليهم غير خصيف، وهو حسن الحديث إذا روى عنه ثقة، وأيما رجل أوثق من سفيان، فالأثر حسن جيد. لمحمد (هو ابن سيرين): فى سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس فى حديث أبى هريرة اهـ. وقال الحافظ: وفى رواية أبى نعيم (فى مستخرجه) فقال: لم أحفظ فيه عن أبى هريرة رضى الله عنه شيئًا، أحب إلى أن يتشهد، وقد يفهم من قوله: "ليس فى حديث أبى هريرة رضی الله عنه" أنه ورد فى حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، ثم ساق رواية المتن (٧٨:٣-٧٩). قوله: "وكيع عن سفيان إلخ". قلت: فيه ثبوت التشهد بعد سجود السهو عن ابن مسعود من قوله، وفيه تصريح بكون السجود بعد التسليم خلاف ما فى رواية أبى داود المار ذكرها فيما تقدم، وقد عرف فى الأصول أنه إذا وقع التعارض بين رواية الراوى وفتواه وعمله يؤخذ بفتواه وعمله عندنا، ويكون ذلك جرحا فى روايته إذا لم يمكن الجمع بينهما، ولنا أن نقول: إن قوله فى رواية أبى داود: ((ثم سجدت سجدتين قبل أن تسلم)) معناه قبل أن تسلم تسليم التحليل، فلا تعارض، وأيضًا: فرواية أبى داود هذه مخالفة لما فى البخارى عن ابن مسعود مرفوعًا: ((فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتین)) وقد مر ذكره ولا شك فى ترجيح رواية البخارى، فلا بد من التأويل فى قوله: ((قبل السلام)) عند أبى داود فافهم. وفيه دلالة أيضا على وجوب سجود السهو إذا قعد فى موضع القيام، وبه علم أن الاختلاف فى متن هذا الأثر الذى رواه خصيف عن أبى عبيدة ليس بشديد، بل هو ممكن لتوفيق كما تراه. فسقط قول بعض الناس: لم أقف على اختلاف المتن تفصيلا. فلا أعلم أنه ممكن التوفيق أم لا؟ فلا حجة فيه اهـ. فيا لها من جرأة ووقاحة! كيف يرد الحديث ويقول: لا حجة فيه بمجرد جهله؟ وهل جهله عن شئ حجة يصلح رد الأحاديث به؟ أو ١٦٥ التشهد بعد سجود السهو إعلاء السنن لم يكفك قول الحافظ: قد يقال: إن الأحاديث الثلاثة فى التشهيد باجتماعها ترتقى إلى درجة الحسن، قال العلائى: وليس ذلك ببعيد اهـ. فإن كان اختلاف متنه بحيث يسقط الحديث عن درجة الاعتبار لم يقل الحافظ ما قال. ثم قال بعض الناس: هذا الكلام(١) قد كان فى التشهد بعد سجود السهو، وأما قبله فلم أقف فيه على حديث ثابت صريح، نعم ظاهر لفظ حديث ابن بحينة فى حاشية الباب السابق: ((فلما قضى صلاته ونظرنا تسلمية كبر)) يدل عليه اهــ أى لأن انتظار التسليم لا يكون إلا بعد التشهد. قلت: ويدل على ذلك أيضًا حديث ابن مسعود المذكور فى متن الباب السابق مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسلم اهـ). ومن المعلوم أنه لا إتمام بدون التشهد، وكذا ما فى أثر خصيف هذا من قول عبد الله: (إذا قام أحد كم فى قعود أو قعد فى قيام، أو سلم فى الركعتين فليتم ثم ليسلم)). وكذا ما فى حديث المغيرة بن شعبة مرفوعًا: ((صلى بنا رسول الله عّ لّ فسها، فنهض فى الركعتين فسبحنا به فمضى، فلما أتم الصلاة وسلم سجد سجدتين اهـ)). ففى كل ذلك دلالة على أن السلام للسهو بعد إتمام الصلاة، وقد تقرر أنه لا إتمام إلا بالتشهد، والله أعلم. وفى "البحر الرائق" تحت قول كنز الدقائق: يجب بعد السلام سجدتان بتشهد وتسليم بترك واجب، ما نصه: وأطلق المصنف(٢) فى السلام فانصرف إلى المعهود فى (١) انظر ر کا کة هذا الكلام وضعف تر کیبه. (١) قوله: أطلق المصنف فى السلام إلخ. أقول: لم يرد التصريح بكون سجود السهو بعد تسليمة أو تسلیمتین فی نص، ولا فى كلام الأئمة من المجتهدين، وإنما هو اجتهاد من المشائخ الذين بعدهم، فقال بعضهم: سجود السهو بعد التسليمتين، وقالوا: معنى قوله: ((من شك فى صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم)) أنه يسجد بعد ما يسلم تسليمتين للسهو لأن السلام المطلق منصرف إلى السلام المعهود، وهو تسليمتان، ولو كان المراد غير المعهود بينه النبى معٍَّ والأئمة، ومعنى قوله: ((ليسجد سجدتين قبل أن يسلم)) أنه يسجد للسهو سجدتين بعد التسليم لسجود السهو، وقبل التسليم للفراغ من الصلاة وقال آخرون: سجود السهو بعد تسليمة واحدة لأن التسليم موضوع للخروج من الصلاة والتكميل لا يتصور إلا بفعل منها، فلو لم يرد النص لقلنا بعدم كفاية السجود بعد السلام فى جبر النقصان، وقلنا بوجوب الإعادة ولكن لما ورد النص قلنا به، ولم يرد نص بتسلميتين، فنقول بالتسليمة الواحدة للجمع بين النص والقياس، ويمكن الجمع بين الأحاديث، بأن ما ورد فى السجود بعد السلام يحمل على التسلمية الواحدة وما ورد فى السجود قبل السلام يحمل على التسليمتين، فيكون الحاصل أنه يسجد بعد السلام الواحد من ١٦٦ ج - ١٧ التشهد بعد سجود السهو الصلاة، وهو تسليمتان كما هو فى الحديث، وصححه فى "الظهيرية" و"الهداية"، وذكر فى "التجنيس" أنه المختار (٢: ١٠٠) وفى تعليقه عن "شرح المنية". ثم قيل: يسلم تسليمة غير أن يسلم سلامًا معهودًا وهو التسليمتان، والتأويل الذى قاله الأولون ليس بمتعين، فإن قال الأولون: تأويل قوله = (بعد أن يسلم) بالسلام الغير المعهود خلاف الظاهر، قال الآخرون: تأويلكم قوله ((قبل أن يسلم)) خلاف الظاهر أيضًا، لأن الظاهر أن المراد أنه يسجد من غير أن يسلم قبله، لأنه لو لم يرد قوله: ((بعد أن يسلم) لم يفهم أحد إلا ما قلنا، فلا فرق بيننا وبينكم فى القول بخلاف الظاهر فى الجملة، وليس تأويلكم بأرجح من تأويلنا، بل تأويلنا أرجح لأن فيه مخالفة للقياس من كل الوجوه، وتأويلنا ليس بمخالف للقياس إلا من وجه. ثم إذا سلم الإمام تسلميتين ولا يعلم المقتدون أنه يسجد للسهو لا يبعد أن يفعلوا فعلا مفسدا للصلاة فتفسد الصلاة عليهم، وليس هذا الاحتمال فى السلام الواحد فهو أرجح أيضًا من هذه الجهة، فينبغى أن يكون قولنا أصح من قولكم، هذا هو تحقيق الخلاف فى التسليمة والتسليمتين. ثم وقع الخلاف فيما بين قائلين بالتسليمة الواحدة، فقال عامتهم: إنه يسلم عن يمينه، وقال فخر الإسلام يسلم تلقاء وجهه، وحجة العامة أن السلام عن اليمين هو المعهود فيكون هو المراد، ولم أقف على حجة لفخر الإسلام، ويمكن أن يقال فى توجيهه: إن السلام تلقاء وجهه قد ورد فى بعض الأحاديث فيكون مشروعًا فى الجملة، فيعمل به فى مقام السهو تنبيها للمقتدين من أول الأمر على أنه ليس للخروج عن الصلاة، بل للسهو، ويجاب عنه بأنه صرف للسلام عن المتعارف المعهود لهذا التنبيه الغير الضرورى، لأن هذا المقصود يحصل من سلام واحد: ثم قال فى "الدر المختار" عليه (أى القول بتسليمة واحدة) لو أتى بتسلميتين سقط عنه السجود، وقال فى رد المحتار: هذا جعله فى "البحر" قولا رابعًا، واستظهره فى "النهر" أنه مفرع على القول بالواحدة وتبعه الشارع اهـ. قلت: لا منافاة بين أن يكون قولا رابعًا أحدثه بعضهم على وجه التفريع على القول بالواحدة، وقوله يؤيده ما وجهوا القول بالواحدة من أن السلام الأول لشيئين، للتحليل والتحية والسلام الثانى للتحية فقط، أي تحية بقية القوم لأن التحليل لا يتكرر، ومنها سقط معنى التحية عن السلام، لأنه يقطع الإحرام فكان ضم الثانى إليه عبثا ولو فعله فاعل لقطع الإحرام اهـ. غير كاف للتأييد لأنه يحتمل أن يكون هذا تعليلا عند القائلين بالسقوط فقط دون القائلين بالواحدة كلهم، فلا دليل فيه على أنه قول الكل، ثم ما وجه به هؤلاء القائلون غير صحيح، لأن السلام ليس بمحلل إلا لأنه مناف للصلاة، وليس بمناف للصلاة إلا لكونه تحية. فمعنى التحليل لا ينفك عن معنى التحية، فالقول بالانفكاك قول غير صحيح. ثم ليس معنى التحليل إلا قطع الإحرام، فالقول بأن السلام الأول محلل غیر قاطع للإحرام لا معنى له، والصحيح أن الثانی کالأول فی کونه تحية، ومعنى التحية فى الأول ليس بمانع من السجود فكذا لا يكون فى الثانى، فإن قيل: إن الثانى منقطع الإحرام بالكلية، فإنه لا يبقى بعده فعل من أفعال الصلاة بخلاف الأول، فإنه يبقى بعده فعل من أفعالها وهو السلام الثانى. قلنا: هذا فى غير السهو مسلم وأما فى السهو فلا، لأن سجود السهو والتشهد والسلام باق بعد السلام الثانى. وهى من أفعال الصلاة. فالسلام الثانى فى هذا كالسلام الأول، فالقول بسقوط السهو بالسلام الثانى غير صحيح، والخلاف بين الفريقين فى الترجيح دون سقوط السهو وعدمه، ووجه الترجيح، هو ما ذكرنا لا ما ذكر فى "رد المحتار"، فاعرف ذلك، والله أعلم (حبيب أحمد الكيرانوى). ١٦٧ ج - ٧ باب سقوط سجود السهو عن المؤتم بسهوه ولزومه عليه بسهو إمامه ١٨٧٩- حدثنا: على بن الحسن بن هارون بن رستم السقطى، ثنا محمد واحدة ويسجد للسهو، وهو قول الجمهور اهـ. وفى "البحر" أيضًا: والذى ينبغى الاعتماد عليه تصحيح المجتبى أنه يسلم عن يمينه فقط، لأن السلام عن اليمين معهود وبه يحصل التحليل، فلا حاجة إلى غيره، الثالث فيما يفعله(١) بين السجدتين فذكر أنه التشهد والسلام، والظاهر وجوبهما كما صرح به فى "المجتبى"، ولما فى "الحاوى القدسى": إن كان قعدة فى الصلاة غير الأخيرة فهى واجبة، ولم يذكر تكبير السجود وتسبيحه ثلاثا للعلم به، وكل منهما مسنون كما فى "المحيط" وغيره اهـ (١٠٠:٢). قلت: يدل على التكبير ما رواه البخارى فى باب يكبر فى سجدتي السهو من فعله عليه أفضل الصلاة والسلام: ((سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم وضع رأسه فكبر فسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر اهـ)). وفى "البحر" أيضًا: ولم يذكر حكم الصلاة على رسول الله عَّه فى القعدتين والأدعية للاختلاف، فصحح فى "البدائع" و"الهداية" أنه يأتى بالصلاة والدعاء فى قعدة السهو، لأن الدعاء موضعه آخر الصلاة، ونسبة الأول إلى عامة المشائخ بما وراء النهر، وقال فخر الإسلام: إنه اختيار عامة أهل النظر من مشائخنا، وهو المختار عندنا، واختار الطحاوى أنه يأتى بهما فيهما، وذكر قاضى خان وظهير الدين أنه الأحوط، وجزم به فى "منية المصلى" فى الصلاة، ونقل الاختلاف فى الدعاء (٢: ١٠١) قلت: فما ورد فى رواية الشيخين المارة آنفًا من قوله: ((فلما أتم صلاته سجد سجدتين)) يؤوله عامة المشائخ بإتمام الأركان، والطحاوى بإتمام الأركان والسنن، ولكل وجهة وقول الطحاوى هو الراجح عندى. باب سقوط سجود السهو عن المؤتم بسهوه ولزومه عليه بسهو إمامه قوله: "حدثنا على إلخ". قال المؤلف: وفى "التلخيص الحبير" بعد نقل هذا. الحديث ما نصه: وفيه خارجة بن مصعب وهو ضعيف، وفى الباب عن ابن عباس، رواه (١) أى بعدهما (المؤلف). ١٦٨ سقوط سجدة السهو عن المؤتم بسهوه لا بسهو إمامه إعلاء السنن بن سعيد أبو يحيى العطار، ثنا شبابة، ثنا خارجة بن مصعب، عن أبى الحسين المدينى، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر، عن النبى عدّ ◌ُلّه، قال: (ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سهى الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سهى من خلف الإمام فليس عليه سهو والإمام كافيه)) رواه الدار قطنى (١٤٥:١). ١٨٨٠- عن: عبد الله ابن بحينة: ((أن النبى معَّ لّه صلى فقام فى الركعتين، فسبحوا به فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)). رواه النسائى وزاد الترمذى: ((وسجدهما الناس مكان ما نسى من الجلوس)) كذا فى (النيل ٣٧٠:٢). قلت: وقال الترمذى: حديث ابن بحينة حديث حسن اهـ (٥١:١). أحمد بن عدى فى ترجمة عمر بن عمرو العسقلانى وهو متروك (١١٣:١). قلت: خارجة وإن کان ضعيفًا عند الحافظ لكنه مختلف فیه، قال مسلم: سمعت یحیی بن یحیی وسئل عن خارجة فقال: مستقيم الحديث عندنا اهـ. من "التهذيب" (٧٧:٣). وعمر العسقلانی ذکره ابن حبان فى الثقات، كما فى "اللسان" (٤٢٠:٤). فإن لم يكن كل من الأثرين بانفراده حسنا فلا أقل من أن يكون المجموع حسنا، وأيضًا: فالحديث لما لم يعارضه أقوى منه وكان معمولا به عند الكل كما فى "رحمة الأمة" (ص: ٢٢): لو سها خلف الإمام لم يسجد بالاتفاق اهـ نقلناه اعتضادًا. وفى "المغنى" لابن قدامة: إن المأموم إذا سها دون إمامه فلا سجود عليه فى قول عامة أهل العلم لقول رسول الله عَّ ◌ُّه: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا سجد فاسجدوا))، ولحديث ابن عمر الذى رويناه، وإذا كان المأموم مسبوقًا فسها إمامه فيما لم يدركه فعليه متابعته فى السجود، روى هذا عن عطاء، والحسن، والنخعى، والشعبى، وأبى ثور، وأصحاب الرأى، لقول النبى عّ لّه: ((فإذا سجد فاسجدوا))، وقوله فى حديث ابن عمر: ((فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه اهـ) ملخصًاً (٦٩٩:١). قوله: "عن عبد الله بن بحينة إلخ". قلت: وفى زيادة الترمذى فائدة: أن المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الإمام، ويؤيده ما فى الصحيح: (إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه))، وصرح بلزومه على المأموم أيضًا فى حديث ابن عمر المذكور آنفًا. قال ابن ١٦٩ ج - ٧ باب من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة ١٨٨١- عن: أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن النبى معَّ له صلى بهم صلاة العصر أو الظهر، فقام فى ركعتين فسبحوا له فمضى فى صلاته، فلما قضى الصلاة سجد سجدتين ثم سلم)). رواه البزار ورجاله ثقات "مجمع الزوائد" (٢٠٢:١). ١٨٨٢- حديث: ((أن أنسا رضى الله عنه تحرك للقيام فى الركعتين من العصر، فسبحوا به فجلس ثم سجد للسهو)) البيهقى والدار قطنى فى "العلل" بإسناده، وأشار أن فى بعض الطرق زيادة فيه أنه قال: هذا السنة، تفرد بذلك سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن أنس رضى الله عنه، ورجاله ثقات "التلخيص الحبير" (١١٣:١). قلت: وأخرجه محمد بن الحسن الإمام فى "موطأه" (ص-١٠٥) عن يحيى بن سعيد: أن أنس بن مالك صلى بهم فى سفر کان معه فیه، فصلی سجدتین ثم ناء للقیام، فسبح بعض أصحابه فرجع، ثم قدامة فى "المغنى": وإذا سها الإمام فعلى المأموم متابعته فى السجود، سواء ههنا معه أو انفرد الإمام بالسهو، وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على ذلك، وذكر إسحاق: أنه إجماع أهل العلم اهـ (٦٩٩:١). باب من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة قوله: "عن أبى هريرة إلى آخر الباب". قلت: حديث أبى هريرة وسعد بن أبى وقاص فيه حكم من سهى عن القعدة الأولى واستتم قائما فإنه هو المتبادر من قوله: ((فقام فى ركعتين)) وحديث أنس فيه حكم من سهى عن القعدة الأخيرة ثم عاد إلى الجلوس قبل زيادة ركعة كاملة على صلاته، وفيه أنه عاد إلى القعدة قبل أن يستتم قائما، ولكن لم يتبين منه أنه عاد وهو إلى القعود أقرب أو إلى القيام، فظاهر لفظ "التلخيص" أنه كان إلى القعود أقرب، ولفظ "محمد" يحتمل كلا الأمرين، وحديث المغيرة بن شعبة نص فى الباب، وهو حديث قولى يفيد حكما ضابطًا إن من سهى عن القعدة الأولى فإن لم يستتم قائمًا فليجلس وليس عليه سجدتان، وإن استوى قائمًا فلا يجلس وليمض فى صلاته وليسجد سجدتين، وقوله: ((لم يستتم قائما)) معناه أن يكون إلى الجلوس أقرب فيجلس، ١٧٠ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة إعلاء السنن لما قضى صلاته سجد سجدتين، قال: لا أدرى أقبل التسليم أم بعده)). وهذا سند صحيح. ١٨٨٣- عن: قيس بن أبى حازم، قال: ((صلى بنا سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه(١)، فنهض فى الركعتين فسبحنا له، فاستتم قائمًا، قال: فمضى فى قيامه حتى فرغ، قال: أ كنتم ترون أن أجلس؟ إنما صنعت كما رأيت رسول الله عَ ظُلِّ يصنع)). قال أبو عثمان عمرو بن محمد الناقد: لم نسمع أحدا يرفع هذا الحديث غير أبى معاوية، رواه أبو يعلى والبزار ورجاله رجال الصحيح، وعن قيس بن أبى حازم، قال: صلى بنا سعد بن مالك قال: فذكر نحوا من حديث أبى معاوية، ولم يذكر النبى عّ لّه، رواه أبو يعلى أيضًا، ورجاله رجال الصحيح "مجمع الزوائد" (٢٠٢:١). قوله: ((إن استوى قائمًا)) أى كان إلى القيام أقرب فلا يجلس، لأن ما يقرب من الشئ يأخذ حكمه، وهذا هو قول علمائنا معشر الحنفية. قال فى "الهداية": ومن سهى عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى حالة القعود أقرب عاد وقعد وتشهد، لأن ما يقرب من الشئ يأخذ حكمه، ثم قيل: يسجد للسهو للتأخير، والأصح أنه لا يسجد كما إذا لم يقم، ولو كان إلى القيام أقرب لم يعد لأنه کالقائم معنی، ویسجد للسهو لأنه ترك الواجب اهـ (٣٩:١). قلت: ويشهد لما يقابل الأصح ظاهر حديث أنس، فإنه تحرك للقيام فى الركعتين فسبحوا به فجلس، ثم سجد للسهو، وقال: ((هذا السنة)) وأنت خبير بما فيه لكونه محتملا أنه تحرك للقيام حتى صار بعيدًا عن الجلوس، ويقرب هذا الاحتمال لفظ محمد: ((ثم ناء للقيام فسبح بعض أصحابه فرجع)). ودليل الأصح حديث المغيرة بن شعبة، ولا يخفى أنه حديث صريح يفيد عدم وجوب السجدتين إذا عاد قبل أن يستتم قائما. وحديث المغيرة هذا أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والدار قطنى، والبيهقى، بلفظ: (إذا قام الإمام فى الركعتين فإن ذكر قبل أن يستوى قائمًا فليجلس، أو استوى قائمًا فلا (١) اسمه مالك، التقريب. ١٧١ ج - ٧ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة ١٨٨٤- حدثنا: ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر (١)، عن إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبى حازم، قال: ((صلى بنا المغيرة بن شعبة، فقام من الركعتين قائمًا، فقلنا: سبحان الله، فأومى وقال سبحان الله، فمضى فى صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: صلى بنا رسول الله مّ فاستوى قائمًا من جلوسه، فمضى فى صلاته، فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، ثم قال: إذا صلى أحدكم فقام من الجلوس يجلس ويسجد سجدتى السهو)). وللدار قطنى فى رواية: ((إذا شك أحدكم فقام فى الركعتين فاستتم قائمًا فليمض ويسجد سجدتين، وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه)). قال الحافظ: ومداره على جابر الجعفى وهو ضعيف جدًا، وقد قال أبو داود: لم أخرج عنه فى كتابى غير هذا، كذا فى "التلخيص الحبير" (١١٢:١). واعتبر بعض الناس بقول الحافظ هذا، فحكم بضعف هذا الحديث جداً، وقد غفل الحافظ رحمه الله عن طريق الطحاوى التى ذكرناها فى المتن. ولو رآها لم يقل: إن مداره على جابر الجعفى، فإن سند الطحاوى برئ منه، فقد أخرجه أولا بطريق شعبة، عن جابر، عن قيس بن أبى حازم، عن المغيرة مختصرًا، ثم أخرجه بطريق قيس بن الربيع، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبى حازم عنه، وبطريق إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس، عنه مفصلا. فاندحض توهم انفراد جابر به، بل تابعه على ذلك المغيرة بن شبيل، وهو ثقة لم نر فيه جرحًا لأحد، فسلم الحديث من العلة ولله الحمد. هذا هو الجواب عن قول الحافظ. ٠ وأما الجواب عن قول بعض الناس، فأقول: لو سلمنا أن مداره على جابر لم يكن له تضعيف الحديث التبة، فإن جابرًا مختلف فيه، وثقه شعبة، والثورى، وناهيك بهما، وقال و کیع: مهما شککتم فی شئ فلا تشكوا فی أن جابرًا ثقة، حدثنا عنه مسعر، وسفيان، وشعبة، وحسن بن صالح، كما فى "تهذيب التهذيب" (٤٧:٢) والاختلاف فى التوثيق لا يضر عنده كما ملأ كتابه بذكر هذا الأصل مرة غير مرة، فكان عليه تحسين الحديث مع كون جابر منفردا به أيضًا على أصله، ولكنه لا يشعر بما يخرج عن رأسه، فيؤصل أصلا (١) هو العقدى. ١٧٢ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة إعلاء السنن فإن لم یستتم قائما فليجلس، ولیس علیه سجدتان، فإن استوی قائما فليمض فى صلاته وليسجد سجدتين وهو جالس؛ أخرجه الطحاوى، وسنده صحيح، رجاله من رجال الجماعة إلا ابن مرزوق فمن رجال النسائى ثقة، وإلا المغيرة بن شبيل، فمن رجال الأربعة ثقة من الرابعة، كما فى "التقريب" (٢١٣:١١). مرةً وينقضه أخرى، ولا يريد بذلك إلا الرد على الحنفية وتوهين أدلتهم كيفما أمكن، ولو بنقض الأصول التى أصلها، ورد التحقیق الأنیق الذی یعجب به فالله يهديه ويصلح باله. بقى ذكر الحد الذى يستتم به الرجل قائما، ويكون أقرب إلى القيام، فقال مالك: إن فارقت إليتاه الأرض مضى، وقال حسان بن عطية: إذا تجافت ركبتاه الأرض مضى، كذا فى "المغنى" (٦٨١:١). وفى "رد المحتار" عن "الكافى": إن استوى النصف الأسفل وظهره بعد منحن فهو أقرب إلى القيام، وإن لم يستو فهو أقرب إلى القعود اهـ (٧٧٨:١). ومذهب أحمد أنه ذكر قبل اعتداله قائمًا رجع وإن كان أقرب إلى القيام، وإن ذكره بعد اعتداله قائمًا لم يرجع، واستدل بظاهر حديث المغيرة بن شعبة: ((إذا قام أحدكم فى الركعتين فلم يستتم قائمًا فليجلس، فإذا استتم قائمًا فلا يجلس)). ولأنه أخل بواجب ذكره قبل الشروع فى ركن مقصود فلزمه الإتيان به، كما لو لم تفارق إليتاه الأرض اهـ. كذا فى "المغنى" (ص-مذكور) صرح فى "الدر" بموافقة مذهب الحنفية لقول أحمد، هذا خلاف صرح به فى "الهداية" من اعتبار قرب القيام والقعود عندهم. قال فى "الدر": سها عن القعود الأول من الفرض ولو عمليا (كالوتر، شامى) ثم تذكره عاد إليه وتشهد، ولا سهو عليه فى الأصح ما لم يستقم قائمًا فى ظاهر المذهب، وهو الأصح "فتح"، وإلا أى وإن استقام قائمًا لا يعود لاشتغاله بفرض القيام، وسجد للسهو لترك الواجب اهــ قال الشامى: قوله: "فى ظاهر المذهب" مقابله فى "الهداية": إن كان إلى القعود أقرب عاد ولا سهو عليه فى الأصح، ولو إلى القيام أقرب فلا وعليه السهو، وهو مروى عن أبى يوسف، واختاره مشائخ بخارا وأصحاب المتون كـ"الكنز" وغيره. ومشى فى "نور الإيضاح" على الأول كالمصنف تبعا لمواهب الرحمان وشرحه "البرهان" اهـ (٧٧٨:١). قلت: بل اختار فى "نور الإيضاح" التفصيل، فبنى المضى فى القيام وتركه على ج - ٧ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة ١٧٣ : الاستواء قائما وعدمه على القرب من القيام وبعده عنه، ونصه: ومن سهى إماما كان أو منفردا عن القعود الأول من الفرض عاد إليه وجوبا ما لم يستو قائمًا فى ظاهر الرواية، وهو الأصح، لصريح قوله معّ له (فذكر حديث المغيرة بنحو ما ذكرناه) فإن عاد وهو إلى القيام أقرب بأن استوى النصف الأسفل مع انحناء الظهر سجد للسهو لترك الواجب، وإن كان إلى القعود أقرب لا سجود سهو عليه فى الأصح، وعليه الأكثر اهـ. قال الطحطاوى فى حاشيته: ظاهره أنه إن لم يستو قائمًا يجب عليه العود ثم يفصل فى سجود السهو، فإن كان إلى القيام أقرب سجد له، وإن كان إلى القعود أقرب لا، وحكم السجود متعلق بالقرب وعدمه، وحكم العود متعلق بالاستواء وعدمه، والذى فى كلام غيره أنهما متعلقان بالاستواء وعدمه، أو بالقرب من القيام وعدمه اهـ (ص- ٢٧٠). قلت: ولعل الشرنبلالى إنما اختار هذا التفصيل لتعارض الخبرين عنده حديث أنس، وحديث المغيرة، فى وجوب سجود السهو وعدمه إذا عاد إلى القعود ولم يستتم قائما، فأنس تحرك للقيام فسبحوا به فرجع ثم سجد للسهو، وقال: "هذا السنة"، وهو ظاهر فى عوده قبل أن يستتم قائمًا، ومع ذلك سجد للسهو وجعله سنة، وفى حديث المغيرة: ((وإن لم يستتم قائمًا فليجلس ولا سهو عليه))، وهذا يعم قربه من القيام وعدمه إذا لم يستو قائمًا، وإذا تعارض الخبران لزم المصير إلى الترجيح بالدليل القياسى، والقياس يرجح حديث أنس فى حكم السجود، وحديث المغيرة فى حكم العود. والجواب عنه على ظاهر الرواية أنه لا تعارض بينهما أصلا، فحديث المغيرة نص صريح فى بناء المضى والسجود وكليهما على استتمام القيام وعدمهما على عدمه، ولا يعارضه حديث أنس لاحتمال أن يكون سجد للسهو باجتهاده، ويكون قوله: "هذا السنة" راجعًا إلى عوده إلى الجلوس قبل استتمامه قائمًاً، وتسبيح القوم له لما تحرك للقيام فقط. وأما صاحب "الهداية" وغيره فقد فسروا استتمام القيام وعدمه فى حديث المغيرة بالقرب منه والبعد، لأن القريب من الشئ يأخذ حكمه كما مر، وبهذا يظهر لك غاية مراعاة الحنفية لدلالات الأحاديث، فللّه درهم من أئمة الهدى. وأما إذا عاد إلى القعود بعد ما استوى قائما، ففى قول أكثر العلماء لا يفسد صلاتِه، إلا ما ذكر ابن أبى زيد أن سحنون أنه قال: أفسد الصلاة رجوعه، والصواب قول ١٧٤ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة إعلاء السنن الجماعة، كذا فى "العمدة" للعينى (٧٣٩:٣) قلت: ويشهد للجمهور ما رواه الأجرى عن عقبة بن عامر: ((أنه قام وعليه جلوس، فسبحوا به فمضى، ولما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس، وقال: إنى سمعتكم تقولون: سبحان الله لكيما أجلس، فليست تلك السنة، إنما السنة التى صنعت)). ذكره ابن قدامة فى "المغنى" مختصرًا (٦٨٢:١)، والهيثمى فى "مجمع الزوائد" مطولا، وعزاه إلى الطبرانى فى "الكبير" من رواية الزهرى، عن عقبة بن عامر، ولم يسمع منه، وفيه عبد الله بن صالح وهو مختلف فى الاحتجاج به اهـ (٢٠٣:١). قلت: عبد الله حسن الحديث، والانقطاع لا يضر عندنا، وفيه أن عقبة بن عامر جعل الجلوس بعد القيام خلاف السنة فقط، ولم يقل: إنه يبطل الصلاة، وكذلك قد تقدم عن النبى مګ أنه نهض فى الر کعتین وسبحوا به، فمضی وسجد سجدتین مكان ما نسى من الجلوس، ولم يقل: إن الجلوس والحال هذه مبطل، ولو كان لبينه، والله أعلم. نعم! لا شك فى كراهة العود إلى الجلوس بعد الاستواء قائماً، لورود النهى عنه فى حديث المغيرة وقد مر. قال الطحطاوى: ثم لو عاد بعد القيام قيل: يتشهد لأنه عاد إلى ما كان من حقه أن يفعله، والصحيح أنه لا يتشهد، بل يقوم فى الحال ولا ينتقض قيامه بعود لم يؤمر به، كما فى "القهستانى" وفى "القنية": لو عاد الإمام لا يعود معه القوم تحقيقًا للمخالفة فى غير المأمور به اهـ (ص-٢٧١). قلت: وهذا هو مذهب أحمد كما فى "المغنى": ولو رجع أى الإمام إلى التشهد بعد شروعه فى القراءة لم يكن لهم متابعته فى ذلك لأنه أخطأ اهـ (٦٨٣:١). وإلى هنا تم البحث عن السهو عن القعدة الأولى. وأما إذا سهى عن القعدة الأخيرة حتى قام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد، وألغى الخامسة وسجد للسهو، وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه، وتحولت صلاته نفلا، فيضم إليها ركعة سادسة، ولو لم يضم لا شئ عليه، كذا فى "الهداية" (١٣٩:١). وممن قال ببطلان الصلاة فى هذه الصورة حماد بن أبى سليمان شيخ الإمام كما فى "المغنى" (٦٨٩:١). ووجه بطلان الفريضة ما فى "البدائع": أنه وجد فعل كامل من أفعال الصلاة وقد انعقد نفلا (لقوله عّ لّه: «فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة ج - ٧ من سها عن القعدة الأولى أو الأخيرة ١٧٥ والسجدتان))، وقد تقدم) فصار خارجاً من الفرض ضرورة حصوله فى النفل لاستحالة كونه فيهما، وقد بقى عليه فرض وهو القعدة الأخيرة وكونها فرضا مجمع عليه كما مر والخروج من الصلاة مع بقاء فرض من فرائضها يوجب فساد الصلاة اهـ (١٧٩:١). وقال الشافعى، وأحمد، ومالك، لا يفسد صلاته، ويعود إلى القعدة، ويخرج عن الفرض بلفظ السلام بعد ذلك، وصلاته تامة، واحتجوا بما رواه البخاری فی باب إذا صلى خمسًا عن عبد الله (هو ابن مسعودٍ): ((أن رسول الله مَّه صلى الظهر خمسًا، فقيل له: أ زيد فى الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قال: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم اهـ)). قالوا: فهذا النبى ◌ّ صلى الظهر خمسًا ولم ينقل أنه كان قعد فى الرابعة، ولا أنه أعاد صلاته وأجاب عنه العينى فى "العمدة" بأن الظاهر من حال النبى عّ لّل أنه قعد على الرابعة لأن حمل فعله على الصواب أحسن من حمله على غيره، وهو اللائق بحاله، على أن المذكور فيه (أنه) صلى الظهر خمسًا، والظهر اسم للصلاة المعهودة فى وقتها بجميع أركانها (٣- ٧٤٢) وحاصله أن فعله عرّ محتمل لأمرين أن يكون قائما إلى الخامسة بعد القعدة اهـ أو قبلها، والنظر القياسى يقتضى فساد الصلاة إذا قام إلى الخامسة قبل القعدة وسجد لها كما مر، فهذا يرجح كونه قام إليها بعد القعدة بظن أن هذه القعدة هى القعدة الأولى، لا سيما والظهر والعصر ونحوهما اسم لجميع أركانها، ومنها القعدة، وحمله على الخالية عن ركن من الأركان مجاز لا يصار إليه إلا بدليل ناهض ولم يوجد، فلزم الحمل على ما قلنا، فاندحض قولهم، ولم ينقل أنه كان قعد بعد الرابعة. قال العينى: فإن قلت: لم يرجع النبى عَّه من الخامسة ولم يشفعها. قلت: لا يضرنا ذلك، لأنا لا نلزمه بضم الركعة السادسة على طريق الوجوب، حتى قال صاحب "الهداية": ولو لم يضم لا شئ عليه لأنه مظنون (أى فيجوز إلغاء الخامسة، ولا يمنع إبطالها، لأنه لم يشرع فيها قصداً بل يظن أنها الرابعة، وإنما يحرم الإبطال إذا شرع فى العمل قصداً). وقال صاحب "البدائع": والأولى أن يضيف إليها ركعةً ليصير نفلا إلا فى العصر اهـ (ص- مذكور) قلت: ووجه عدم رجوعه عَّ كونه لم يذكر زيادة الخامسة إلا ١٧٦ إعلاء السنن باب حكم الشك فى عدد ركعات الصلاة ١٨٨٥- عن: عبادة بن الصامت: ((أن رسول الله عَ لّه سئل عن رجل سها فى صلاته فلم يدر كم صلى؟ فقال: ليعد صلاته، ويسجد سجدتين بعد السلام، كما هو ظاهر سياق الحديث، فلم يتصور الرجوع قبل السجدة لها، ولعله لم يشفعها بالسادسة للشك فى الزيادة وعدم التيقن بها، وإنما سجد سجدتين احتياطًا، ونحن إنما نقول بالتشفيع إذا غلب على ظنه أنه زاد فى الصلاة ركعةً أو تيقن به فافهم. قال بعض الناس: وليس للضم دلیل قوى. قلت: دلیله النهى عن البتيراء وقول ابن مسعود: "والله ما أجزأت ركعة واحدة قط"، وقد تقدم فى باب الوتر، وقال قتادة، والأوزاعى فيمن صلى المغرب أربعًا: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان تطوعًا، (ذكره ابن قدامة فى "المغنى" (٦٨٩:١). وهو حجة فى النفل) وكيلا يكون المغرب شفعا قاله فى "رحمة الأمة" (ص-٢٠١). فلما تيقن الرجل بكونه زاد فى الصلاة ركعة، وثبت بالنص فى حديث أبى سعيد كونها نافلة، والتنفل بالركعة الواحدة ممنوع قصدا، فيكون ذلك خلاف الأولى ظنا، فالأولى أن يشفعها بركعة أخرى، ولعلك قد عرفت بكل ما ذكرنا لك الجواب عن قول ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين فى حديث ابن مسعود (على قولهم: يكون سجود السهو بعد السلام) لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلى فى الرابعة مقدار التشهد أضاف إلى الخامسة سادسة ثم سلم وسجد للسهو، وإن لم يجلس فى الرابعة لم تصح صلاته، ولم ينقل فى حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولا بد من أحدهما عندهم، قال: يحرم على العالم أن يخالف السنة بعد علمه بها اهـ. من "فتح البارى" (٧٥:٤). قلت: وكذا يحرم على العالم أن يطعن العلماء بمخالفة السنة قبل المعرفة بأقوالهم ودلائلها. باب حكم الشك فى عدد ركعات الصلاة قلت: دلالة حديث عبادة وميمونة بنت سعد على وجوب إعادة الصلاة إذا شك فی عدد ركعاتها ظاهرة، وهما إن لم يبلغا درجة الحسن بالانفراد لكون بعض رواتهما مستوراً فلا أقل من أن يكون مجموعهما حسنا، فإن تعدد الطرق يورث للضعيف قوة، لا سیما وقد قال الحافظ فى "لسان الميزان" فی حدیث عبيد الله بن رماجس، عن زياد بن 12 ج - ٧ حکم الشك فى عدد ركعات الصلوة ١٧٧ قاعدًا)). أخرجه الطبرانى فى "الكبير"، وهو من رواية إسحاق بن يحيى بن عبادة بن الصامت، قال العراقى: لم يسمع عن جده عبادة اهـ. كذا فى "نيل الأوطار" (٣٦٥:٢). قلت: قال البخارى: أحاديثه معروفة، وذكره ابن حبان فى الثقات فى التابعين، كما فى "التهذيب" (٢٥٦:١)، وسكوت العراقى عن بقية الرواة يشعر بأن كلهم ثقات، والانقطاع فى القرون الثلاثة لا يضر عندنا. ١٨٨٦- عن: ميمونة بنت سعد، أنها قالت: أفتنا يا رسول الله! فى رجل سھا فی صلاته، فلا یدری کم صلی؟ قال: (ینصرف ثم یقوم فی صلاته حتى يعلم كم صلى، فإنما ذلك الوسواس يعرض فيسهيه عن صلاته)). أخرجه الطبرانى أيضًا. وفى إسناده عثمان بن عبد الرحمن الطرائفى الجزرى مختلف فيه. وفى إسناده أيضًا عبد الحميد بن يزيد وهو مجهول، كما قال العراقى اهـ. "نيل الأوطار" (٣٦٥:٢). قلت: عثمان صدوق فى نفسه، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأنكر على البخارى إدخاله فى الضعفاء، ووثقه ابن شاهين، وابن عدى طارق، عن زهير بن صرد، أنه أنشد النبى معدّ ل قصيدته: فإنك المرء نرجوه وننتظر. امنن علينا رسول الله فى كرم مع کرم راوییه زیاد وزهیر مجهولین، ما نصه: فالحدیث حسن الإسناد، لأن راوییه مستوران لم يتحقق أهليتهما ولم يجرحا، ولحديثهما شاهد قوى اهـ (١٠٠:٤). فثبت بذلك أن رواية المستور لا تنزل عن الحسن لا سيما إذا كان لها شاهد مثلها، أؤ أيدها أقوال الصحابة والتابعين وعملهم بمعناها، فقد عرفت أن الضعيف إذا تأید بقول صاحب أو فتوى عالم صار حجة، كما قاله الإمام الشافعى فى المرسل، وهو. عنده ضعيف، فتأمل هداك الله، ولا تعجل فى رد أحاديث الرسول عّ لّه بمجرد رأيك، فإن حديث الإعادة فى صورة الشك صالح للاحتجاج به حتمًا، وليس بضعيف بالمرة كما زعمه بعضهم. فإن قلت: هب أنه صالح للاحتجاج، ولكن ليس بمثابة حديث أبى سعيد الخدرى، قال: قال رسول الله عَّه: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعًا، فليطرح الشك ولیین علی ما استیقن، ثم يسجد سجدتین)). رواه مسلم، فإنه يفيد لزوم البناء على اليقين مطلقًا، فلا يجوز تخصيصه بما لا يصلح لمعارضته. قلنا: قد بطل إطلاقه أو ١٧٨ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة إعلاء السنن وغيرهم، ولكنه أكثر عن الضعفاء والمجهولين، لأجل ذلك تكلم فيه من تكلم كما فى "التهذيب" (١٣٤:٧) وعبد الحميد بن يزيد روى عنه عثمان البتى وحده مستور الحال، وحديث مثله مقبول عندنا وعند بعض المحدثين، كما نذ کره، فالحدیث حسن لا سيما وله شاهد قد تقدم. ١٨٨٧- عن: سعید بن جبير، عن ابن عمر، أنه قال فی الذی لا یدری كم صلى أ ثلاثا أو أربعا، قال: ((يعيد حتى يحفظ)). وفى لفظ عن ابن سيرين، عنه: ((أما أنا إذا لم أدر كم صليت فإنى أعيد)). أخرجه ابن أبى شيبة فى "مصنفه"، كذا فى "البناية" (٩٢١:١) وسكت عنه الحافظ فى "الدراية" (ص-٢٦). وقال: وأخرج أى ابن أبى شيبة نحوه عن سعيد بن جبير وشريح وابن الحنفية اهـ. وفى "نيل الأوطار" (٤:٢ و٥): وهو مروى عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة، وإليه ذهب عطاء، والأوزاعى، والشعبى، وأبو حنيفة اهـ. عمومه بحديث ابن مسعود معارضًا له مرفوعًا: ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم يسجد سجدتين)). رواه مسلم أيضًا، فإنه يفيد لزوم البناء على أكبر الظن دون اليقين، فاضطروا للجمع بينهما إلى حمل حديث ابن مسعود على الإمام، وحديث أبى سعيد على المنفرد، قاله أحمد. وقال بعضهم: حديث ابن مسعود فيمن لا يدرى ما صلى فعليه أن يبنى على الأغلب عنده، وحديث أبى سعيد فيمن يشك فى الثلاث أو الأربع، فعليه أن يلغى الشك. وقال بعضهم: التحرى (فى حديث ابن مسعود) لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى، فيبنى على غلبة ظنه، أى والبناء (فى حديث أبى سعيد) لمن لا يعتريه الشك كذلك، فعليه أن يلغى الشك ويبنى على اليقين، ذكر محصله الحافظ فى "الفتح" (٧٦:٣). وجمع الحنفية بينهما بحهل أحدهما على من له رأی وظن، و ثانیہما علی من لیس له شئ من ذلك، ويعارضهما حديث أبى هريرة مرفوعًا: ((إذا لم يدر أحدكم كم صلى ثلاثا أو أربعًا فليسجد سجدتين وهو جالس)). رواه الجماعة، وظاهره أنه لا يبنى على اليقين . ولا أكبر الظن بل تكفيه السجدتان، وإلى ذلك ذهب الحسن وطائفة من السلف، وروى ١٧٩ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة ج - ٧ ١٨٨٨- محمد: أخبرنا أبو حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، فيمن نسى الفريضة فلا يدرى أربعا صلى أم ثلاثا، قال: ((إن كان أول نسيانه أعاد الصلاة، وإن كان يكثر النسيان يتحرى الصواب، وإن كان أكبر رأيه أنه أتم الصلاة ذلك عن أنس وأبى هريرة كما فى "النيل" (٣٦٩:٢) وجمع الحافظ بينه وبينهما فى "الفتح" بحمل حديث أبى هريرة على من طرأ عليه الشك وقد فرغ قبل أن يسلم، فيكون قوله "وهو جالس" متعلقًا بقوله: ((إذا شك)) دون قوله: "سجد" فحينئذ لا يلتفت إلى ذلك الشك ويسجد للسهو كمن طرأ عليه بعد أن يسلم، فلو طرأ عليه قبل ذلك بنى على اليقين كما فى حديث أبى سعيد، (أو على غالب الظن كما فى حديث ابن مسعود اهـ، ٨٤:٣). وبالجملة فحديثا أبى سعيد وابن مسعود ليسا على عمومهما وإطلاقهما، بل كل منهما مختص بصورة بعينها، وإذا جرى التخصيص والتقييد فى العام والمطلق مرة يجوز. تخصيصه وتقييده بالقياس أخرى، كما تقرر فى الأصول، فبالحديث الحسن أو الضعيف. بالأولی، فإن الحدیث ولو ضعيفاً مقدم على القیاس عندنا. وأيضًا: إذا حملنا حديثا أبى سعيد وابن مسعود على صورة بعينها ولم يبق شئ منهما على عمومه وإطلاقه، فحينئذ لا يكون حديث الاستقبال معارضًا لهما البتة، لجواز: حمله على صورة أخرى غير ما فيهما، فنقول: قد حمل أصحابنا حديث الاستقبال على الشك فى أول أمره، والمراد به أن لا يكون الشك عادةً له (هذا قول شمس الأئمة السرخسى، واختاره فى "البدائع"، ونص فى "الذخيرة" على أنه الأشبه، قال فى "الحلية": وهو كذلك اهـ الشامى ٧٨٨:١). لأنه لا جرح عليه فيه (وقيل: إنما يجب الاستئناف على من لم يشك فى صلاة قط بعد بلوغه، وعليه أكثر المشائخ- ص السابق). ويؤيده ما فى "نيل الأوطار": روى عن عطاء ومالك أنهما قالا: يعيد مرة، وعن طاوس كذلك، وعن بعضهم يعيد ثلاث مرات اهـ (٣٦٥:٢). وفيه أيضاً (٣٦٤:٢): وذهب عطاء، والأوزاعى، والشعبی، وأبو حنيفة، وهو مروی عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة إلى أن من شك فى ركعة وهو مبتدأ بالشك لا مبتلى به أعاد، هكذا فى "البحر"، وحكى العراقى فى شرح الترمذى عن عبد الله بن ١٨٠ حكم الشك فى عدد ركعات الصلوة إعلاء السنن سجد سجدتی السهو، وإن كان أكبر رأيه أنه صلى ثلاثا أضاف إليها واحدة، ثم سجد سجدتى السهو)). أخرجه فى "كتاب الآثار" (ص-٣٢) وسنده صحيح. عمر، وسعيد بن جبير، وشريح القاضى، ومحمد بن الحنفية، ومیمون بن مهران، وعبد الكريم الجزرى، والشعبى، والأوزاعى، أنهم يقولون بوجوب الإعادة مرة بعد أخرى حتى يستيقن، ولم يرو عنهم الفرق بين المبتدأ والمبتلى اهـ. قلت: لا بد من الفرق بينهما لما فى الإعادة كل مرة من الجرح الشديد، ولما فيه من لزوم إبطال الحديثين الصحيحين، حديثى أبى سعيد، وابن مسعود، فالحق ما ذكره فى "البحر" عنهم: أن من شك وهو مبتدأ به لا مبتلى أعاد، نعم! ظاهر الآثار المروية عنهم يؤيد القول بأن معنى المبتدأ بالشك أن لا يكون الشك عادةً له، فإنهم لم يصرحوا بأن الاستئناف إنما يجب أول مرة لا بعده إلا عطاء ومالكًا وطاوسًا، فقد ورد عنهم التصريح بذلك كما مر عن "النيل"، وذكره العينى فى "البناية" عنهم مسنداً مفصلا (٩٢١:٢) وحملوا حديث ابن مسعود على ما إذا كان يعرض له الشك كثيرًا وله رأى، لأن فى الاستئناف فى كل مرة حرجًا بينًا. وفى البناء على اليقين احتمال خلط النافلة بالفرض قبل تمامه، وحملوا حديث أبى سعيد على من تكرر له الشك وليس له ظن وترجيح كذا فى البناية" للعينى. (٩٢١:١). ثم حكى عن النووى أنه قال: قال أبو حنيفة: إن حصل له الشك أول مرة بطلت صلاته، ثم قال: قال أبو حامل(١): قال الشافعى فى القديم: ما رأيت قولا أقبح من قول أبى حنيفة هذا ولا أبعد من السنة اهـ. قلت: أو ما يستحيى النووى من نسبة هذا القول الذى يشعر بكون قائله غير عارف بأنواع الحديث ولا بأقوال السلف الصالحين من الصحابة والتابعين، إلى إمامه الذى هو سيد الفقهاء والمحدثين فى زمانه؟ مع كونه قد صرح فى شرح مسلم بما نصه: وقال الشعبى والأوزاعى وجماعة كثيرة من السلف: إذا لم يدر كم صلى لزمه أن يعيد مرة بعد أخرى حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا شك فى الرابعة (١) هكذا فى الأصل، ولعله أبو حامد.