Indexed OCR Text
Pages 121-134
١٢١ ج - ٦ أحكام القنوت النازلة من الفاتحة ليس عندنا إلا سرّاً، كما مرّ فى بابه، فكذا فيما سواه لكون التأمين عند الفاتحة مأمورا به، وورود الجهر به فی کثیر من الأحاديث، فلما رجحنا الإسرار فيه لكونه دعاء فترجيح الإسرار به فيما سوى ذلك المحل أظهر. وأما السادس: فلم أر فقهائنا تعرضوا له خصوصًا، نعم! مقتضى إطلاقهم أن من محال الرفع القنوت وهو يعم قنوت النوازل أيضًا أن يرفع يديه عنده، ولكن الدليل الذى استدل به الحنفية للرفع فى قنوت الوتر لا يعم غيره، بل يختص به، وهو أثر إبراهيم النخعى بسند صحيح عند الطحاوى، قال: ((ترفع الأيدى فى سبع مواطن، فى افتتاح الصلاة وفى التكبير للقنوت فى الوتر)) إلخ. وعن الأسود عن عبد الله: ((أنه كان يقرأ فى آخر ركعة من الوتر قل هو الله، ثم یرفع یدیه ویقنت قبل الر کعة)). أخرجه البخاری فی " جزء رفع اليدين" له كما تقدم كل ذلك فى الباب الماضى، والذی يقتضیه النظر أنه یرفع إن قنت فى الفجر قبل الركوع قياسا له على قنوت الوتر، ولا یرفع إذا قنت بعده وسیأتی و جهه قریبا. وأما السابع: فقد قال الحموى تحت قول "الأشباه": إذا نزل بالمسلمين نازلة قنت الإمام فى صلاة الفجر اهـ ما نصه: وينبغى أن يكون القنوت قبل الركوع فى الركعة الأخيرة ويكبر له اهـ (ص-٣٩٩). وهل يكبر له إذا قنت بعد الركوع؟ لم أر من تعرض له، ومقتضى النظر أن لا يكبر له حينئذ، لأن التكبير له إذا فعله قبل الركوع، إنما هو للفصل عن القراءة، ولأجل الانتقال من حال إلى حال، ولا كذلك بعد الركوع، فإن التسميع هناك كاف للفضل، قلت: وهذا هو الوجه فى عدم رفع اليدين إذا قنت بعد الر کوع، فإن الرفع للإعلام وهناك قیامه برفع الرأس عن الر کوع کاف له، ولم نجد فى أثر ما عن أحد من الصحابة أنه كبر للقنوت فى الفجر بعد الركوع، نعم، ثبت عن عمر رضى الله عنه أنه کېر له لما قنت قبل الركوع كما مر. وأخرج البيهقى من حديث أنس بسند جيد فى قصة قتل القراء: ((ولقد رأيت رسول الله في كلما صلى الغداة رفع يديه يدعو عليهم))، كذا فى "تخريج الإحياء" للعراقى (١٥٩:١)، ولا شك أن ذلك إنما كان بعد الركوع كما تفيده أحاديث أنس المخرجة فى الصحيحين، وتقدم عن عمر أيضًا بسند جيد أنه رفع يديه لما قنت بعد ١٢٢ أحكام القنوت النازلة إعلاء السنن : الركوع، فالأمر فى رفع اليدين واسع سواء قنت قبل الركوع أو بعده، وإن كان مقتضى النظر عدمه إذا قنت بعده، قال فى "رحمة الأمة": والسنة أن يقنت فى الصبح، وكان مالك لا يرفع يديه فى القنوت واستحبه الشافعى اهـ (١: ١٠٠). وأما الثامن: فحكمه ما ذكره الطحطاوى فى حاشيته على "مراقى الفلاح" تحت قول الماتن: ويسن وضع الرجل يده اليمنى على اليسرى، بما نصه: ولابد فى ذلك القيام أن يكون فيه ذكر مسنون وما لا فلا ما لم يطل، فحينئذ يضع كما فى "السراج" وغيره. وقال محمد: لا يضع حتى يشرع فى القراءة، فهو عندهما (أى الشيخين) سنة قيام فيه ذكر مسنون، وعنده سنة للقراءة فيرسل عنده حالة الثناء والقنوت وفى صلاة الجنازة، وعندهما يعتمد فى الكل، وأجمعوا على أنه يرسل فى القومة بين الركوع والسجود وبين تكبيرات العيدين لعدم الذكر والقراءة فى هذه المواضع، فإن قيل: فى القومة من الركوع ذكر مشروع وهو التسبيح والتحميد فينبغى فيها على قولهما. أجيب: بأن المراد قيام له قرار وهذا لا قرار له اهـ. وهل يضع فيها فى صلاة التسبيح لكون القيام له قرار فيه ذكر مشروع يراجع اهـ (ص- ١٥٠). وقال فى "رد المحتار": ومقضتاه أن يعتمد (فى القومة) فى النافلة ولم أر من صرح به تأمل، لكنه مقتضى إطلاق الأصلين المارين ومقتضاه أن يعتمد فى صلاة التسبيح أيضًا اهـ (١: ٥٠٩). والحاصل: أنه يضع عند الشيخين فى القنوت سواء كان قبل الركوع أو بعده، وعند محمد يرسل ولا يرفع يديه فى خلال القنوت حذاء الوجه أو الصدر كرفعهما فى الدعاء خارج الصلاة عندهم اتفاقًا، فإن المشروع عندهم بعد رفعهما فى افتتاح الصلاة أو عند القنوت، إما الوضع وإما الإرسال لا إبقائهما مرفوعتين، ويؤيده ما مر عن ابن عمر فى آخر الباب السابق أنه قال فى فع اليدين للقنوت: ((أرأيتم رفعكم أيديكم فى الصلاة؟ والله إنه لبدعة ما زاد رسول الله مێے على هذا فرفع یدیه حیال منکبیه اهـ)). ففيه دلالة ظاهرة على كراهة إطالة رفع الیدین فی دعاء القنوت كما قدمنا وجهه، بقی أنه لا دليل فیه ولا فى أثر غيره على أنه مّبتر كان يضع يديه بعد رفعهما حيال منكبيه أو يرسلهما، فمن أين قال أبو حنيفة وأبو يوسف بالوضع فى القنوت بعده؟ ج - ٦ أحكام القنوت النازلة ١٢٣ والجواب: أن الوضع والإرسال بعد الرفع مسكوت عنهما فى الأحاديث، فجری محمد على الأصل وهو الإرسال، لأن الوضع عمل حادث يحتاج إلى الدليل، وأخذ الشيخان بالقياس وقالا: إن إرسال اليدين زمانا طويلا ينافى الخشوع، وإنما السنة أن نقول وضع الكف على الكف تحت السرة كما مر فى باب صفة الصلاة، وكان مقتضى ذلك أن نقول بالوضع فى القومة بين الركوع والسجدة أيضًا، لكن فى الوضع للقيام اليسير وتر که معا حرج، فقلنا بأن الوضع سنة قیام فیه ذکر مسنون طويل، فيضع یدیه فى القنوت النازلة أيضًا، لكونه ذكرا طويلا، ولا يرفعهما حذاء الوجه، فقد روى مسلم عن حصين عن عمارة رضى الله عنه بن رويية: ((رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه، فقال: قبح الله هاتين اليدين، لقد رأيت رسول الله عطيه ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة اهـ)) (٢٨٧:١). فلما أنكر على الرفع فى حال الخطبة التى هى مشابهة بالصلاة فكيف فى عين الصلاة؟ فما ورد عن النبى مرّ أنه رفع يديه يدعو فى القنوت للنازلة، وما ورد عن عمر مثله محمول على الرفع القصير الذى يكون قبل القنوت وهذا هو الأمر التاسع، فافهم. وقال الطحاوى: حدثنا ابن أبى عمران حدثنا فرج مولى أبى يوسف، قال: رأيت مولاى أبا يوسف إذا دخل فى القنوت للوتر رفع يديه فى الدعاء، قال الطحاوى: قال لنا ابن أبى عمران: لم يحدثنا بهذا عن أبى يوسف غير فرج وكان ثقة، كذا فى "الجواهر المضيئة" (٤٠٥:١). وهذا يفيد الرفع فى دعاء القنوت كمثل الرفع فى الدعاء خارج الصلاة، کما یشعر به قول ابن أبى عمران: لم یحدثنا بهذا عن أبی یوسف غير فرج، ولا يخفى أن رفع اليدين قبل القنوت حيال الأذنين مشهور عن أئمتنا فى ظاهر الرواية، فالرفع الذى ذكره فرج غير هذا الرفع، وقد تفرد هو بذكره، والمشهور عن أبى يوسف إنما هو وضع الیدین فیه کقول أبى حنيفة، قال ابن الهمام فى "الفتح": ووجه ما رواه فرج عموم دليل الرفع للدعاء، ويجاب بأنه مخصوص بما ليس فى الصلاة للإجماع على أنه لا رفع فى دعاء التشهد (أى فى الدعاء بعد التشهد اهـ) (٣٧٥:١). قلت: وعلى هذه الرواية الشاذة عن أبى يوسف يجوز رفع اليدين حذاء الوجه فى القنوت للنازلة أيضًا عنده لكونه دعاءً، وعليه عمل الشافعية، والله أعلم. ١٢٤ إعلاء السنن باب لا وتران فى ليلة، واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر ١٧٤٦- عن: طلق رضى الله عنه بن على قال: سمعت رسول الله مرّ له یقول: ((لا وترا (١) فی لیلة)). رواه الترمذى (٦٢:١)، وقال حسن غريب، وفى "بلوغ المرام" (٦٨:١): وصححه ابن حبان اهـ. باب لا وتران فى ليلة، واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر قوله: "عن طلق رضى الله عنه بن على إلخ". دلالته على الجزء الأول من الباب ظاهرة، وقد روى عن على رضى الله عنه بن أبى طالب وعن ابن عمر رضى الله عنه خلاف ذلك، فأما على فقد روى عنه الشافعى رحمه الله فى "مسنده" (ص-٢١٦): أخبرنا ابن علية عن أبى هارون الغنوى عن حطان بن عبد الله، قال على رضى الله عنه: ((الوتر ثلاثة أنواع، فمن شاء أن يوتر من أول الليل أوتر، ثم إن استيقظ فشاء أن يشفعها بر کعة ویصلی ر کعتین ر کعتین حتی یصبح ثم یوتر فعل، وإن شاء صلى ركعتين ركعتين حتى يصبح، وإن شاء أوتر آخر الليل اهـ)). هذا سند صحيح، فأبو هارون أخرج له البخارى، وحطان أخرج له مسلم، وابن علية من رجال الجماعة. وأما ابن عمر: فقد روى عنه الإمام أحمد فى "مسنده" كما فى "نيل الأوطار" (٢٩١:٢) أنه كان إذا سئل عن الوتر قال: أما أنا فلو أوترت قبل أن أنام ثم أردت أن أصلى باللیل شفعت بواحدة ما مضی من وتری، ثم صلیت مثنی مثنی، فإذا قضیت صلاتی أوترت بواحدة، لأن رسول الله مَ طّ أمرنا أن نجعل آخر صلاة الليل الوتر، قال فى "مجمع الزوائد": فيه ابن إسحاق، وهو مدلس وهو ثقة، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ. أخرج الطحاوى عنه مثله، ثم قال: حدثنا أبو بكرة، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا زهير بن معاوية، قال: ثنا أبو إسحاق عن مسروق قال: قال ابن عمر: ((شىء أفعله برأيى لا أرويه))، ثم ذكر نحو ذلك، قال مسروق: و کان أصحاب ابن مسعود رضى الله عنه یتعجبون من صنیع ابن عمر رضى الله عنهما اهـ (٢٠١:١). والاعتذار عنہم بأنهم لم يبلغهم الحدیث حديث طلق بن على، قال فى "النيل": وقد احتج به على أنه لا يجوز نقض الوتر، ومن جملة (١) قال السيوطى: هذا جاء على لغة بنى حارث الذين ينصبون المثنى بالألف، عون المعبود. ج - ٦ لا وتران فی لیلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر ١٢٥ ١٧٤٧- عن: ابن عمر رضى الله عنه عن النبى مرّ له، قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا)) متفق عليه كذا فى "بلوغ المرام" (٦٨:١). المحتجين به على ذلك طلق بن على الذى رواه كما قال العراقى، قال: وإلى ذلك ذهب أكثر العلماء. وحكاه القاضى عياض عن كافة أهل الفتيا، وقالوا: إن من أوتر وأراد الصلاة بعد ذلك لا ينقض وتره ويصلى شفعا شفعا حتى يصبح أهـ (٢: ٢٩١). وفيه أيضًا قالوا: لأن الرجل إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك، ثم قام وتوضأ وصلی ر کعة أخرى فهذه صلاة غير تلك الصلاة، وغير جائز فى النظر أن تتصل هذه الركعة بالركعة الأولى التى صلاها فى أول الليل، فلا يصيران صلاة واحدة وبينهما نوم وحدث ووضوء وكلام فى الغالب، وإنما هما صلاتان متاباينتان كل واحدة غير الأولى، ومن فعل ذلك فقد أوتر مرتين، ثم إذا هو أوتر أيضًا فى آخر صلاته فصار موترا بثلاث مرات، وقد روى عن النبى ميّ أنه قال: ((اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا))، وهذا قد جعل الوتر فى مواضع من صلاة الليل، وأيضًا: قال مرّة: ((لا وتران فى ليلة))، قد أوتر ثلاث مرات اهـ (٢٩٢:١). وقال إمامنا محمد فى "موطائه": لا نرى أن يشفع إلى الوتر بعد الفراغ من صلاة الوتر، ولكنه يصلى بعد وتره ما أحب ولا ينقض وتره، وهو قول أبى حنيفة رحمه الله اهـ (ص-١٤٤). حكم الركعتين بعد الوتر: قوله: "عن ابن عمر إلخ. الحدیث فيه دلالة على الجزء الثانى من الباب، وقد ورد ما يخالفه أيضاً، ففى "صحيح مسلم" فى حديث طويل (٢٥٦:١): ثم يصلى (النبى مرّظليه بعد الوتر) ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد اهـ. وأخرج الدارقطنى فى "سننه" عن أم سلمة رضى الله عنها: ((أن النبى مرّ ة كان يصلى ركعتين خفيفتين بعد الوتر وهو جالس)) (١٧٧:١). وفى "النيل" (٢٩٢:٢): أما حديث أم سلمة: فصححه الدار قطنى فی "سنته" ثبت ذلك فى رواية محمد بن عبد الملك بن بشران عنه، وليس فى رواية أبى طاهر عن الدارقطز، تصحيح له، كذا قال العراقى أهـ. جزء ـارم ير 1 4 2 ١٢٦ إعلاء السنن لا وتران فى ليلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر قلت: فيه میمون بن موسی المرئی مختلف فيه، قال أحمد: لا بأس به، كذا فى "التعليق المغنى"، وفى "التقريب": صدوق مدلس (ص-٢١٩). فالحديث حسن لا صحيح، وأخرج الدارمى والطحاوى والدارقطنى واللفظ لهما عن ثوبان مولى رسول الله مَ ◌ّه، قال: كنا مع رسول الله مَّ فى سفر فقال: ((إن السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين فإن استيقظ وإلا كانتا له اهـ). وفى "التعليق المغنى": إسناده جيد اهـ (١٧٧:١). وفى "آثار السنن": إسناده حسن اهـ (٢٢:٢). ولفظ الدارمى: ((إن السهر جهد وثق اهـ)) (ص-١٤٤). وعزاه فى "كنز العمال" (٨٩:٤) بلفظ الدار قطنى إلى صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان والدارمى والطحاوى والنسائى والدارقطنى والطبرانى والبيهقى وسعيد بن منصور اهـ. وأخرج الطحاوى عن أبى أمامة: ((أن النبى مَ طِّ كان يصليهما بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما ﴿إذا زلزلت﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ اهـ)) (٢٠٢:١). وإسناده.سن. والتطبيق بينها وبين حديث الباب بوجوه، منها ما ذكره الحافظ فى "الفتح" بما نصه: وقد ذهب إليه (أى إلى مشروعية التنفل بعد الوتر) بعض أهل العلم وجعلوا الأمر فى قوله: اجعلوا آخر صلاتكم من الليل وترا: مختصا بمن أوتر آخر الليل اهـ (٢٩٩:٢). وقال العبد الضعيف: معناه أوتروا فى الليل مرة لا مرتين لتكون آخر صلاتكم بالليل وترا، فإن من أوتر مرتين فقد جعل آخر صلاته بالليل شفعا، يؤيده ما أخرجه الطحاوى: حدثنا أبو بكرة ثنا عبد الله حمران ثنا عبد الحميد بن جعفر عن عمران بن أبى أنس عن عمر بن الحكم أن أبا هريرة قال ((لو جئت بثلاثة أبعرة فأنختها ثم جئت ببعيرين فأنختها أ ليس(١) كان يكون ذلك وترا؟ قال: وكان يضربه مثلا لنقض الوتر اهـ)) (٢٠٣:١). رجاله رجال مسلم إلا أبا بكرة شيخ الطحاوى وهو ثقة كما مر غير مرة. وحمل بعضهم حديث الركعتين بعد الوتر على الجواز، وأمر الإيتار آخر الليل على الاستحباب، قال النووى فى ((شرح مسلم)): هذا الحديث (أى حديث الركعتين بعد الوتر) (١) يعنى فلا يكون التنفل بعد الوتر مخالفا لقوله مه: ((اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا»، فإن من أوتر ولو فى أى جزء من اللیل فقد جعل آخر صلاته فيه وترا. ج - ٦ لا وتراب فی لیلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتز ١٢٧ أخذ بظاهره الأوزاعى وأحمد فيما حكاه القاضى عنهما، فأباحا ركعتين بعد الوتر جالسا، وقال أحمد: لا أفعله ولا أمنع من فعله، قال: وأنكره مالك، قلت: والصواب أن هاتين الركعتين فعلهما عنّ له بعد الوتر جالسا لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل جالسا ولم يواظب على ذلك بل فعله مرة أو مرتين أو مرات قليلة، وإنما تأولنا حديث الركعتين جالسا لأن الروايات المشهورة فى الصحيحين وغيرهما عن عائشة مع رواية خلائق من الصحابة فى الصحيحين مصرحة بأن آخر صلاته مّ فى الليل كان وترا، وفى الصحيحين أحاديث كثيرة مشهورة بالأمر بجعل آخر صلاة الليل وترا، فكيف يظن به عزّ مع هذه الأحاديث وأشباهها أنه يداوم على ركعتين بعد الوتر ويجعلهما آخر صلاة الليل؟ وإنما معناه ما قدمناه من بيان الجواز، وهذا الجواب هو الصواب. وأما ما أشار إليه القاضى عياض من ترجيح الأحاديث المشهورة ورد رواية الركعتين جالسا، فليس بصواب؛ لأن الأحاديث إذا صحت وأمكن الجمع بينها تعين وقد جمعنا بينها، ولله الحمد اهـ ملخصا (٢٥٤:١). قلت: وهذا التأويل إنما يتمشى فى حديث عائشة الذى فيه حكاية الفعل، ولا يتمشى فى حديث ثوبان القولى، وفيه: ((فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له اهـ)). فحمله على بيان الجواز بعيد بل لا يصح لما قيه من الأمر المفيد للاستحباب والندب، فلعل الصواب فى أحد الجوابين الذين ذكرناهما أولا، ويقال على الجواب الأول: إن حديث ثوبان خاص بأصحاب الغرر الذين لا يطمعون فى الانتباه آخر الليل، فينبغى لهم أن يوتروا أول الليل ويتنفلوا بعد الوتر، وقال الشيخ ابن القيم فى زاد المعاد" (٨٩:١): والصواب أن يقال: إن هاتين الركعتين تجرى مجرى السنة وتكميل الوتر فإن الوتر عبادة مستقلة، ولا سيما إن قیل بوجوبه، فتجری الركعتان بعده مجرى سنة المغرب، فإنها وتر النهار والركعتان بعدها تكميل لها فكذلك الركعتان بعد وتر الليل، والله أعلم اهـ. وحاصله أن قوله مّ له: ((صلاة المغرب أو ترت صلاة النهار، فأوتروا صلاة الليل)) وسنده صحيح كما مر فى باب وجوب الوتر يفيد أن مقصود الشارع أن تكون صلاة ١٢٨ إعلاء السنن لا وتران فى ليلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر النهار وترا وصلاة الليل وترا مثلها، ومع ذلك سن الشارع ركعتين بعد المغرب ولم يكن ذلك ناقضا لوتر النهار لكونهما تبعا له لا استقلالا، فكذلك الركعتان بعد وتر الليل لا تكونان ناقضتين لوتر الليل لهذه العلة بعينها، وهذا الجواب أوفق بمذهب الحنفية كما لا يخفى لكون الوتر عبادة مستقلة واجبا عندهم. فائدة: وفى "الترغيب" للحافظ المنذرى (١٠٣:١): عن إياس بن معاوية المزنى رحمه الله أن رسول الله مَ ◌ّه قال: ((لا بد من صلاة بليل ولو حلبة شاة، وما كان بعد العشاء فهو من الليل)). رواه الطبرانى، ورواته ثقات إلا محمد بن إسحاق اهـ. قلت: وقد مر أنه حسن الحديث، وسيأتى لهذا الحديث مزيد تحقيق فى باب النوافل، إن شاء الله تعالى. فائدة: قال فى "نزل الأبرار" ناقلا عن الأذكار للنووى: وإن قنت بما جاء عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كان حسنا، وهو أنه قنت فى الصبح بعد الركوع، فقال: ((اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفرك ونؤمن بك، ونخلع من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلی ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم عذب الكفرة الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك ويقاتلون أوليائك، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات وأصلح ذات بينهم وألف بين قلوبهم، واجعل فى قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك عدّ له، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذى عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم، إله الحق واجعلنا منهم اهـ) (ص-٩٠). قلت: وهذا قنوت النازلة يستحب أن يقرأ به الإمام فى صلاة الفجر إذا نزلت بالمسلمين نازلة - والعياذ بالله تعالى- والأثر رواه البيهقى من حديث عطاء عن عبيد بن عمير عن عمر بطوله، لكن فيه تقديم قوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات إلى آخره على قوله: اللهم إنا نستعينك، وقال: بسم الله الرحمن الرحيم قبل قوله: اللهم إنا نستعينك، ج - ٦ لا وتران فی لیلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر ١٢٩ ١٧٤٨- عن: ابن المسيب: ((أن أبا بكر وعمر تذاكر الوتر عند رسول الله مرّ له، فقال أبو بكر: أما أنا فأصلى ثم أنام على وتر، فإذا استيقظت صليت شفعًا حتى الصباح، فقال عمر: لكنى أنام على شفع ثم أوتر من آخر السحر، فقال. رسول الله ◌ُ له لأبى بكر: حذر هذا، وقال لعمر: قوى هذا. رواه الطحاوى والخطابى، وبقى بن مخلد وإسناده مرسل قوى، "آثار السنن" (٢٢:٢) قلت: ومراسيل ابن المسيب صحاح عندهم. وقبل قوله: اللهم إياك نعبد. قال البيهقى: هذا عن عمر صحيح موصول كذا فى "التلخيص الحبير" (١٢٠:١). قوله: "عن ابن المسيب إلخ". قال الطحاوى (٢٠٢:١): فدل قول رسول الله مرّةٍ: ((لا وتران فى ليلة)) على نفى إعادة الوتر، ووافق ذلك قول أبى بكر رضى الله عنه: أما أنا فأوتر أول الليل فإذا استيقظت صلیت شفعًا حتى الصباح، وترك رسول الله ےګێ. النكير عليه دليل على أن حكم ذلك كما كان يفعل، وأن الوتر لا ينقضه النوافل التى يتتفل بها بعده، وقد روى ذلك أيضًا عن جماعة من أصحاب النبى منظّ، ثم ذكر أثر ابن عباس المذكور فى المتن وأثر عائشة، ودلالتهما على معنى الباب ظاهرة. فائدة: قال الحافظ ابن قدامة فى "المغنى" فى الركعتين بعد الوتر: إن ظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب فعلهما وإن فعلهما إنسان جاز، قال الأثرم: وسمعت أبا عبد الله يسأل عن الركعتين بعد الوتر، قيل له: قد روى عن النبى مد ظله من وجوه فما ترى فيهما؟ فقال: أرجو إن فعله إنسان لا يضيق عليه، ولكن يكون وهو جالس كما جاء الحديث، قلت: تفعله أنت؟ قال: لا، ما أفعله. وعدهما أبو الحسن الآمدى من السنن الراتبة، والصحيح أنهما ليستا بسنة، لأن أكثر من وصف تهجد النبى معَّ ◌ُّه لم يذكرهما إلا عائشة فى رواية سعد بن هشام وأبى سلمة عنها فقط، ولم يذكرهما عروة وعبد الله بن شفيق والقاسم عنها، وأكثر الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم على تركهما اهـ، ملخصا بمعناه (١: ٧٧٠ و٧٧١). ١٣٠ لا وتران فى ليلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر إعلاء السنن ١٧٤٩- عن: أبى جمرة قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: ((إذا أوترت أول الليل فلا توتر آخره، وإذا أوترت آخره فلا توتر أوله، قال: وسألت عائد بن عمرو، فقال مثله))، رواه الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن (٢٢:٢) ١٧٥٠- عن: سعيد بن جبير قال: ذكر عند عائشة رضى الله عنها نقض الوتر، فقالت: ((لا وتران فى ليلة)). رواه الطحاوى وإسناده قوى مرسل "آثار السنن (٢٢:٢). قلت: وفى قول أحمد: ولكن يكون وهو جالس كما جاء الحديث اهـ. دلالة على استحباب الجلوس فى هاتين الركعتين، وعليه عمل العامتسحض أهل العلم فى زماننا، والمحققون من أكابرنا على أن إتيانهما قياما أفضل لحديث عمران بن حصين عند البخارى قال: سألت النبى ◌ّ له عن صلاة الرجل وهو قاعد، فقال: ((من صلى قائما فهو أفضل، ومن صلى قاعدا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائما فله نصف أجر القاعد) اهـ، فهذا بعمومه يفيد أن التطوع قائما أفضل من الصلاة جالسا مادام يستطيع القيام وهو يعم التنفل بعد الوتر أيضًا، فالأفضل فيه القيام، ويستثنى من عمومه النبى من له، فإن صلاته قاعدا لا ينقص أجرها عن صلاته قائما، لحديث عبد الله بن عمرو قال: بلغنى أن النبى عرّ له قال: (صلاة الرجل قاعدا على نصف الصلاة، فأتيته فوجدته يصلى جالسا فوضعت يدى على رأسى، فقال: ما لك يا عبد الله؟ فأخبرته، فقال: أجل! ولكنى لست كأحد منكم)). أخرجه مسلم وأبو داود والنسائى، وقد عد الشافعية فى خصائصه مّ لّ هذه المسألة، وقال عیاض فی الکلام على تنفله مګلے قاعدا: قد علله فى حديث عبد الله بن عمرو بقوله: (لست كأحد منكم)، فيكون هذا ما قد خص به، قال: ولعله أشار بذلك إلى من لا عذر له فكأنه قال: إنى ذو عذر، وقد رد النووى هذا الاحتمال، قال: وهو ضعيف أو باطل، كذا فى "فتح البارى" (٤٨٢:٢). قلت: وأيا ما كان فجلوسه مّ له فى الركعتين بعد الوتر أو مواظبته عليهما جالسا لو ثبت لا يفيد أفضلية الجلوس فيهما على القيام مطلقا، لكونه مخصوصا به مر ◌ٍّ أو فعله لعذر، والله تعالى أعلم وعلمه أتم وأحكم. ج - ٦ لا وتران فى ليلة واحدة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر ١٣١ هذا وقد تم هنالك - والحمد لله على ذلك- الجزء السادس من " إعلاء السنن. ويتلوه الجزء السابع منه إن شاء الله ذو الطول والمنن، وكان ذلك فى ظل العارف بالله سيدى الشيخ حكيم الأمة كاشف الغمة ذى الفضائل الجمة متع الله المسلمين بطول بقائه ورزقنا بركات توجهه إلينا برضائه ويرحم الله عبدا قال آمينا. كتبه بقلمه أسير وصمة ذنبه وألمه ظفر أحمد خادم الإفتاء والتأليف بالخانقاه الإمدادية بتهانه بهون، عفا الله عنه، وغفر له ذنوبه وستر عيوبه، ووفقه للتزود لغد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله تعالى وسلم على سيد المرسلين سيدنا ونبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. إعلاء السنن - ١٣٢ - ج -٦ فهرس الجزء السادس من إعلاء السنن الموضوع أبواب الوتر ٣ . ٣ باب وجوب الوتر وبيان وقته من لم یوتر فليس منا ٤ لا تتم إلا على الوتر . ٥ صلاة هی خیر لكم من حمر النعم ١٠ وقت الوتر من العشاء إلى صلاة الفجر ١١ صلاة الوتر واجب ١٣ إن الله وتر يحب الوتر . ١٤ الوتر واجب على كل مسلم ١٥ توقیت الوتر مع التأکید ١٧ صلاة المغرب وتر النهار إلخ ١٧ وقت الوتر لمن نسیه کل اللیل وقت لصلاة الوتر ١٨ ٢١ احتجاج القائلین بسنیة الوتر ٢٦ حديث: ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع ٢٧ إيقاظ النبى معَّ الله عائشة لصلاة الوتر. ٢٨ الإيتار بثلاث موصولة وعدم الفصل بينهن بالسلام دلالة مجموعة الروايات عن عائشة على أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة ٢٩ ٣٨ رواية ابن عباس تدل على أن الوتر ثلاث ٣٩ معارضة حدیث ابن أبى ملیکة، والجواب عنه اندحاض ما قال الإمام الرافعی فی شرح الوجيز الصفحة ٤ ٤١ ج - ٦ لم يسلم إلا فى آخرهن ٤٢ وتر النهار صلاة المغرب ٤٣ صلاة الوتر مثل صلاة المغرب. ٤٥ ٤٦ إثبات عمر بن عبد العزيز الوتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن بقول فقهاء أهل المدينة أهون ما یکون الوتر ثلاث ركعات ٤٧ الآثار عن أبى حنيفة وإسماعيل بن إبراهيم ٤٨ وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب. ٤٩ إجماع المسلمین علی أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن ٥٠ وجوب القعدة الأولی فی الوتر بحديث عائشة رضى الله عنها ٥١ ٥٢ وجوب القعود والتشهد علی رأس کل ركعتين. ٥٢ ٥٦ صلاة الليل لا تكون أقل من اثنین بحديث ((صلاة الليل مثنى مثنى)). ٥٦ بيان خيانة بعض الناس فى النقل والجواب عن جرحه فى الطحاوى بقول ابن تيمية وقاحة بعض الناس ٦١ ر کعة ما أجزأت قط لا فی الوتر ولا فى غيره ٦٢ نهی النبی مګے عن البتیراء ٦٥ محمد بن كعب القرظى يورث قوة بتعدد الطرق ٦٧ الرد على ما رواه الإمام البخارى عن ابن عمر رضى الله عنهما ٦٥ الرد على ما روى عن عثمان بن عفان فى شرح الآثار. ٦٧ باب وجوب القنوت فى جميع السنة كلها ٦٩ القنوت فى الوتر سنة ماضية. ٦٩ القنوت قبل الركوع ٧٠ كلام أبى داود وجواب مفصل على حديث ((القنوت فى الوتر قبل الركوع)) ٧١ مواظبة الصحابة على قنوت الوتر قبل الركوع. ٧٨ ٧٩ ثبوت محل القنوت فی الوتر. ٨٠ اندحاض ما أورده العلامة أبو الطيب على المحدث على القارئ ٨٢ لم یرم أبانا بالكذب أحد سوى شعبة ٨٢ رواية عن أبى حنيفة فى باب القنوت - ١٣٣ - إعلاء السنن الجواب للرواية الأخرى عن عائشة رضى الله عنها. ج -٦ - ١٣٤ - : إعلاء السنن. ثبوت رفع اليدين للقنوت ٨٤ ثبوت التكبير للقنوت فى الوتر من فعل ابن مسعود. ٨٥ دلیل صاحب الهداية فى وجه التكبير لقنوت الوتر .. ٨٧ باب إخفاء القنوت وذكر ألفاظه وأن القنوت فى الفجر لم يكن إلا النازلة ٩٢ أنس بن مالك لا يقنت فى صلاة الغداة مستمرة. ٩٦ محل قنوت النوازل يكون بعد الركوع ٩٨ ثبوت كون القنوت فى الفجر محدثا برواية أبى مالك ٩٩ أكثر الصحابة كانوا لا يقنتون فى الفجر ١٠١ قنوت أهل العراق ١٠٢ إيراد بعض الناس على صاحب "الجوهر النقى"، والجواب عنه ١٠٣ لم يقنت النبى عّ لّه فى الفجر قط إلا شهرا واحدا ١٠٥ تعيين ألفاظ القنوت برواية ابن وهب .. ١٠٦ الآثار المختلفة لتعبين ألفاظ القنوت فى الوتر. ١٠٨ ثبوت كون القنوت خفيا بالروايات المختلفة ١١١ تتمة فى بقية أحكام قنوت النازلة . ١١٣ هل القنوت عند النازلة مشروع عندنا أم لا؟ ١١٣ قنوت النازلة بعد الركوع أم قبله؟ ١١٥ هل يقنتون المؤتمون أو يؤمنون؟ ١٢ التأمين سرًا أم جهرًا؟ ١٢١ هل ترفع الأيدى قبل القنوت أم لا؟ ١٢١ کیفیة وضع الیدین حال قراءة القنوت هل ترفع اليدين حال قراءة القنوت كرفعهما فى الدعاء خارج الصلاة؟ ١٢٣ لا وتران فی لیلة واستحباب ختم صلاة الليل بالوتر . ١٢٤ ١٢٥ حكم الركعتين بعد الوتر . التطبيق بين الروايات المختلفة فى الركعتين بعد الوتر ١٢٦ عمل أبى بكر وعمر وابن عباس على وتر واحد ١٢٩ ١٢٠ التکبیر للقنوت. ١٢٢