Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
ج - ٦
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
١٦٩٦- عن: حفص بن سليمان عن أبان بن أبی عیاش عن إبراهيم عن
علقمة عن عبد الله قال: ((أرسلت أمى ليلةً لتبيت عند النبى عّ لّ فتنظر كيف
يوتر، فصلى ما شاء الله أن يصلى، حتى إذا كان آخر الليل وأراد الوتر قرأ بسبح
اسم ربك الأعلى فى الركعة الأولى، وقرأ فى الثانية قل يا أيها الكافرون، ثم قعد
الميزان": مشهور فى زمن الدارقطنى صحيح السماع اهـ.
قلت: وتكلم فيه بعضهم لأجل الاعتزال، ولعله اشتبه عليه بطلحة بن محمد
البصرى البغدادى وراق بن الشاهد، وهو معتزلى لم يوثقه أحد، فلعله هو المتهم بالاعتزال
دون طلحة بن محمد الشاهد العدل، وأما الحافظ ابن حجر فلم يفرق بينهما فى "اللسان"
وظنهما واحدا، والعلم عند الله، وأيضًا: فإن أبان بن أبى عياش مع ما أساء فيه شعبة وغيره
من القول قد أثنى عليه بعض المحدثين، وجملة الكلام فيه أنه لم يكن متقنًا ولا كذابا بل
صالحا بلى بسوء الحفظ، قال أبو حاتم: وكان رجلا صالحاً ولكنه بلى بسوء الحفظ: وقال
ابن أبى حاتم: سئل أبو زرعة عنه فقال: ترك حديثه، فقيل له: كان يتعمد الكذب؟ قال لا!
کان یسمع الحديث من أنس ومن شهر ومن الحسن فلا يميز بينهم، وقال ابن عدى: عامة
ما يرويه لا يتابع عليه، وهو بين الأمر فى الضعف، وأرجو أنه لا يتعمد الكذب إلا أنه
يشتبه عليه ويغلط، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق، وقال مالك بن دينار: أبان بن
أبى عياش طاوس القراء، وقال أيوب: ما زلنا نعرفه بالخير منذ دهر، وقال الساجى: كان
رجلا صالحاً سخيا فيه غفلة يهم فى الحديث ويخطئ فيه، كذا فى "التهذيب" (٩٩:١).
وحديث مثل هذا لا يحكم عليه بالوضع، بل غاية ما يقال فيه: إنه ضعيف، وإن
وجد لما رواه شاهد أو متابع ارتقى إلى درجة الحسن، ولعل الحافظ طلحة بن محمد إنما
حسن الحدیث لأجل ذلك، فقد عرفت أن قنوته مێ فى الوتر قبل الركوع رواه غير
واحد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبى مرّ كما رواه أبان عنه، ولكنهم نقموا
عليه زيادة أم عبد فى الإسناد، فإن الجماعة روته عن عبد الله عن النبى ملآ بلا واسطة،
وجعله أبان عن عبد الله عن أمه: ((أنها باتت عند النبى مرّ فرأته قنت فى وتره قبل
الركوع)). قاله الترمذى فى "علله" (٢٣٦:٢)، وعندى أن هذا مما لا ينقم على أبان لأن
الدارقطنى أخرجه فى "سننه" هكذا: حدثنا الحسين بن يحيى بن عياش ثنا الحسن بن

٨٢
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
ثم قام ولم يفصل بينهما بالسلام، ثم قرأ بقل هو الله أحد، حتى إذا فرغ كبر، ثم
قنت فدعا بما شاء الله أن يدعو، ثم كبر وركع)) اهـ. أخرجه الحافظ ابن عبد البر
فی "الاستیغاب" (٧٩٩:٢) له ولم یتکلم علیه بشىء، بل قال: ويعرف ببا (أى
محمد الزعفرانى ثنا يزيد بن هارون أنا أبان بن أبى عياش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد
الله، قال: ((بت مع رسول الله مرّةٍ لأنظر كيف يقنت فى وتره، فقنت قبل الركوع ثم
بعثت أمى أم عبد، فقلت: تبيتى مع نسائه وانظرى كيف يقنت فى وتره؟ فأتتنى فأخبرتنى
أنه قنت قبل الركوع اهـ)) (١: ١٧٥).
فهذا كما تراه رواه أبان عن عبد الله عن النبى مَ ◌ٍّ أولا وفق ما روته الجماعة، ثم
رواه عن عبد الله عن أمه وليس ذلك من المخالفة فى شىء، وأما زيادة التكبير للقنوت وبيان
عدد الركعات وأنه صلى الوتر بثلاث موصولات من غير فصل فلكل منهما شاهد من
فعل ابن مسعود کما سیأتی بعضه، وقد مر بعضه وعدد ركعات الوتر ووصلهما قد ثبت
مرفوعا أيضًا كما تقدم، والراوى السىء الحفط متی توبع بمعتبر كأن يكون مثله أو دونه
وكذا المختلط الذى لا يتميز والمستور والإسناد المرسل وكذا المدلس صار حديثهم حسنا لا
لذاته بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابع، صرح به الحافظ فى شرح
النخبة له (ص-٧٤).
وقد ذكرنا فى "المقدمة" أن استدلال المجتهد بحديث وعمله به تصحیح له،
وحديث أبان هذا رواه أبو حنيفة وسفيان وغيرهما عنه وعملوا به، فهذه وجوه عدة
تقتضى الحكم بتحسین ما رواه أبان فى هذا الباب.
وبهذا كله اندحض ما أورده العلامة أبو الطيب فى تعليقه المغنى على المحدث على
القارئ بما نصه: والعجب كل العجب عن الشيخ على القارئ أنه أورد هذا الحديث
الموضوع (أى حديث أبان برواية حفص بن سليمان عنه وهو الحديث الثامن فى المتن ١٢)
فى سند الإمام شرح مسند الإمام انتصارا لمذهبه، ثم كيف سكت عن كشف حاله مع
كون الحديث موضوعا قطعًا؟ أ لم يعرف أن فيه أبان بن أبى عياش أحد المتروكين
والكذابين إلى آخر ما قال وأطال (١٧٣:١).
قلت: لم يرم أبانًا بالكذب أحد سوى شعبة ومع ذلك لم يصبر عن حديثه فى

٨٣
ج - ٦
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
بأم عبد) حديث أم ابن مسعود يرويه حفص بن سليمان اهـ. وهذا يشعر بكون
هذا الحديث معروفا عنها، وأعله الحافظ ابن حجر وضعفه فى "الإصابة"
(٢٥٧:٨) من أجل أبان، وسنذكر الجواب عنه فى الحاشية.
القنوت، قال الذهبى فى "الميزان": قال يزيد بن هارون: قال شعبة: دارى وحمارى فى
المساکین صدقة إن لم یکن أبان یکذب فى الحدیث، قلت له: فلم سمعت منه؟ قال: ومن
يصبر عن ذا الحديث؟ يعنى حديثه عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن أمه أنها قالت:
((رأيت رسول الله مَ له قنت فى الوتر قبل الركوع اهـ)) (٧:١). وهذا يشعر يكون هذا
الحديث صالحا للقبول غير موضوع عند شعبة وإلا لصبر عنه ورغب عن سماعه، وقد
أخرج عبد الرزاق فى "مصنفه" عن الثورى عن أبان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله
مرفوعا حديث القنوت قبل الركوع، ثم قال عبد الرزاق: وبه نأخذ. كذا فى "فوائد
السراج البلقينى" على " كتاب الأم" للشافعى (١٢٦:١)، وعبد الرزاق إمام فى الحديث
حجة أحد الأعلام وأخذه بحديث واحتجاجه به دلیل صلاحیته للقبول، وقد مر عن ابى
زرعة أنه سئل عن أبان هل كان يتعمد الكذب؟ قال: لا! وعن ابن عدى أنه قال: أرجو أنه
لا يتعمد الكذب إلا أنه يشبه عليه ويغلط. وفى "الميزان" عنه قال: أرجو أنه لا يتعمد
الكذب وعامة ما أتى به من جهة الرواة عنه اهـ. وقد وصفه أبو حاتم وأيوب والساجى
بالصلاح والعبادة والخبر. فالرجل ليس بكذاب ولا وضاع، بل قد بلى بسوء الحفظ،
فالحكم على حديثه بالوضع بالقطع كما فعله الشيخ أبو الطيب جسارة عظيمة وجرأة
جسيمة، لا سيما ولما رواه شواهد وطرق متكثرة.
هذا وحفص بن سليمان لعله الأسدى أبو عمر البزاز الكوفى القارى، ويقال له
الغاضرى، كان ثبتا فى القراءة، تكلم فيه المحدثون لأنه كان لا يتقن الحديث ويتقن القرآن
ويجوده وإلا فهو فى نفسه صادق، كذا فى "الميزان" للذهبى (٢٦١:١). وعن عبد الله
بن أحمد عن أبيه: صالح، وقال حنبل عن أحمد مرة: لا بأس به، وقال أبو عمرو الدانى،
قال و کیع: كان ثقة، وجرحه آخرون، كما فى "التهذيب" (٤٠١:٢).
وبالجملة: فهو محتلف فيه، وحديث مثله حسن كما ذكرناه فى "المقدمة"، وإن
كان هو المنقرى فهو ثقة من السابعة كما فى "التقريب" (ص-٤٣)، وهذا هو الظاهر

٨٤
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
١٦٩٧- عن: عطاء (الخفاف) بن مسلم عن العلاء بن المسيب عن حبيب
بن أبى ثابت عن ابن عباس، قال: ((أوتر النبى عّ لّره بثلاث فقنت فيها قبل
الركوع)). أخرجه أبو نعيم فى "الحلية" وقال: غريب تفرد به عطاء بن مسلم
اهـ. (الزيلعى ٢٧٩:١)، ورواه البيهقى بطريق عطاء بن مسلم أيضاً فضعفه،
وأجاب عنه فى "الجوهر النقى" (٢١٣:١): حكى صاحب الكمال عن ابن
معين أنه ثقة، وفى "الكامل" لابن عدى: ثنا محمد بن يوسف الفربرى ثنا على
بن حزم سمعت الفضل بن موسى ووكيعا يقولان: عطاء بن مسلم ثقة، فهؤلاء
ثلاثة أکابر وثقوه فأقل أحواله أن تكون روايته شاهدةً لما تقدم من حديث أبى
وابن مسعود اهـ.
١٦٩٨- عن: ابن عمر رضى الله عنه: ((أن النبى مرّ ت كان يوتر بثلاث
ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع)). رواه الطبرانى فى "الأوسط" وفيه سهل
بن العباس الترمذى، قال الدارقطنى: ليس بثقة، كذا فى "مجمع الزوائد"
(١٩٧:١). قلت: ذكرناه اعتضادًا.
١٦٩٩- عن: الأسود عن عبد الله (هو ابن مسعود): ((أنه كان يقرأ فى
آخر ركعة من الوتر قل هو الله أحد، ثم يرفع يديه فيقنت قبل الركعة)). رواه
الإمام البخارى فى "جزء رفع اليدين" له وقال: صحيح (ص-٢٨).
لكون الحافظ ابن حجر أعل الحدیث بأبان وحده ولم يتكلم فی حفص بن سليمان بشىء،
فلو کان هو الأسدی الیزاز الکوفی ما سكت عنه بل صاح به لكونه متروك الحديث عنده،
كما فى "التقريب" (ص-٤٣). فسكوته عن حفص بن سليمان يدل على أنه ثقة عنده
وليس هو إلا المنقرى.
قوله: "عن عطاء بن مسلم إلخ". قلت: فيه تقوية لما رواه أبى وابن مسعود عن
النبی مګێ: (أنه کان یقنت فی الوتر قبل الر کوع)). و کذا فی حدیث ابن عمر بعده،
وهو وإن كان ضعيفا فقد تأيد بشواهد صحيحة وبذلك انجبر ضعفه.
قوله: "عن الأسود إلخ". قلت: فیه ثبوت رفع الیدین للقنوت فى الوتر، وكذا فى

٨٥
ج - ٦
وجوب القنوت فى جميع السنة ومحله قبل الركوع
١٧٠٠- عن: أبی عثمان: « کان عمر رضی الله تعالی عنه یرفع یدیه فی
القنوت)). أخرجه البخارى أيضًا فى الجزء المذكور وصححه، وعنه أيضًا بإسناد
صحیح قال: « کنا وعمر يؤم الناس ثم يقنت بنا عند الر کوع یرفع يديه حتى
يبدو كفاه ويخرج ضبعيه)). أخرجه البخارى أيضاً فى الجزء المذكور.
١٧٠١- محمد: أنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: ((أن ابن مسعود
كان يقنت السنة كلها فى الوتر قبل الركوع))، أخرجه محمد فى "الآثار".
(ص-٣٧) وهذا مرسل جید.
١٧٠٢- عن: عبد الله (هو ابن مسعود رضى الله عنه): ((أنه كان يكبر
حين يفرغ من القراءة، فإذا فرغ من القنوت كبر فركع))، رواه الطبرانى فى
"الكبير"، وفيه ليث بن أبى سليم وهو ثقة ولكنه مدلس " مجمع الزوائد
(١٩٧:١). قلت: أخرج له مسلم واستشهد به البخارى فهو حسن الحديث.
أثر عمر بعده، ولكنه مطلق عن الوتر وغيره، فإن حمله أحد على قنوت النازلة فى الفجر
فقنوت الوتر قياس عليه، فاندحض بذلك ما زعمه بعض أهل العلم أن رفع اليدين للقنوت
فی الوتر لم يثبت فیه أثر صحیح عن تابعی جلیل فضلا عن صحابی وفضلا عن حديث
صحیح اهـ.
قوله: "محمد أخبرنا أبو حنيفة إلخ. فيه مواظبة ابن مسعود على القنوت فى السنة
كلها، وهو المذهب عندنا، وقد مر ثبوت ذلك فى حديثه وحديث أبى مرفوعًا أيضًا.
قوله: "عن عبد الله إلخ". قلت: فيه ثبوت التكبير للقنوت فی الوتر من فعل ابن
مسعود، لأنه لم یکن یقنت إلا فیه، وقد تقدم التکبیر له فى حديث أبان عن إبراهيم عن
علقمة عن عبد الله عن أمه مرفوعًا أيضًا، وقد مر أن شعبة لم يصبر عن حديث أبان فى
قنوت الوتر، وأن عبد الرزاق قال: وبه نأخذ. وهذا يدل على صلاحية الحديث للقبول
عندهما لا سيما وقد تأيد المرفوع بالموقوف، وقد عرفت أن إسناد الموقوف حسن، فانجبر
بذلك ما كان فى المرفوع من ضعف أبان، لما ذكرنا فى "المقدمة" أن المرسل ضعيف عند
الشافعى ولكن إذا عضده قول صحابى يصير حجةً، فكذا مرفوع أبان عضده أثر ابن

٨٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
١٧٠٣- عن: طارق بن شهاب قال: ((صليت خلف عمر صلاة الصبح
فلما فرغ من القراءة فى الركعة الثانية كبر ثم قنت ثم كبر فركع)). أخرجه
الطحاوى وإسناده صحيح "آثار السنن" (١٩:٢).
مسعود هذا فينبغى أن يصير حجة.
وبهذا اندحض قول الإمام المزنى فى "مختصره": إن من قال: من يقنت قبل
الركوع يأمره أن يكبر قائما تُم يدعو وإنما حكم من يكبر بعد القيام إنما هو الركوع، فهذه
تكبيرة زائدة فى الصلاة لم تثبت بأصل ولا قياس كذا فى "الأم" (١٢٦:١). قلت:
والعجب منه کیف یقول ذلك؟ وقد ثبت تکبیر فیه عن ابن مسعود لما عرف أنه كان لا
يقنت إلا فى الوتر، فلا يمكن حمل التكبير للقنوت عنه إلا على قنوت الوتر، وأيضًا فقد
صح عن عمر: ((أنه كبر للقنوت فى الصبح قبل الركوع)»، وهذا يرد على المزنى قوله: وإنما
حكم من يكبر بعد القيام إنما هو للركوع، وإذا ثبت عنه التكبير لقنوت الفجر قبل الركوع
فقنوت الوتر قياس عليه، فكيف يقول المزنى: إن هذه تكبيرة زائدة فى الصلاة لم تثبت
بأصل ولا قياس؟.
فأقول - يرحمك الله- وأى قياس أجلى من قياس قنوت الوتر على قنوت الفجر،
فإنك أول من قاسه عليه، فقد قلت فى "مختصرك": ولا أعلم الشافعى ذكر موضع
القنوت من الوتر، ويشبه قوله بعد الركوع كما قال فى قنوت الصبح اهـ. (١٠٩:١) مع
"كتاب الأم") ففيه قياس قنوت الوتر فى الموضع على محل قنوت الفجر، وأول راض
سيرة من يسيرها، فأى لوم على من قاس تكبيره على تكبيره أيضًا، وقد روى الحارث عن
على: ((أنه كان يفتتح القنوت بالتكبير)). أخرجه ابن أبى شيبة كما فى كنز العمال"
(٤: ٢٠٠). وفيه أيضًا عن أبى عبد الرحمن(١) السلمى: أن عليا كبر حين قنت الفجر
وكبر حین ركع اهـ. ولم أقف على سندهما وإنما ذكرتهما اعتضادا.
(١) أخرجه فى المدونة برواية وكيع عن سفيان عن عبد الأعلى الثعلبى عن أبى عبد الرحمن السلمى بلفظه سواء
(١٠٠:١) وسنده حسن وقد تكلم فى عبد الأعلى بن عامر قال الدار قطنى: يعتبر به وقال يعقوب بن سفيان:
فى حديثه لين وهو ثقة صحح له الطبرى حديثا وحسن له الترمذى وصحح له الحاكم وهو من تساهله كذا
فى "التهذيب" (٩٥:٦)، والله أعلم.

ج - ٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
٨٧
١٧٠٤- محمد: أنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم: ((أن القنوت فى
الوتر واجب فى رمضان وغيره قبل الركوع، وإذا أردت أن تقنت فكبر، وإذا
وفى "المغنى" للحافظ ابن قدامة الحنبلى فى باب الوتر: قال أبو عبد الله: ((إذا قنت
قبل الركوع كبر ثم أخذ فى القنوت)). وقد روى عن عمر رضى الله عنه: ((أنه كان إذا
فرغ من القراءة کبر ثم قنت ثم کبر حین یر کع». وروى ذلك عن على وابن مسعود
والبراء وهو قول الثورى ولا نعلم فيه خلافًا إهـ (٨٠١:١).
قلت: فلهذه التكبيرة التى زعمها المزنى زائدة فى الصلاة أصل من أفعال أربعة من
الصحابة، ويزيدها قوةً قول أحمد: لا نعلم فيه خلافًا، فافهم. وقال صاحب "الهداية"
فى وجه التكبير لقنوت الوتر ما نصه: وإذا أراد أن يقنت كبر لأن الحالة قد اختلفت أهـ.
أى من القراءة إلى الدعاء، والتكبيرات شرعت عند اختلاف الحالات كالقيام والركوع
والسجود، لا يقال: التكبير مشروع عند اختلافها أفعالا كالخفض والرفع لا أقوالا، ألا
يرى أنه لا يكبر عند الانتقال من الاستفتاح إلى القراءة. لأنا نقول: الاستفتاح متصل
بالتكبيرة الأولى وكلاهما متجانسان، لأن الكل ثناء فكان ملتحقا بها تبعا لها لأنه سنة،
بخلاف القنوت فإنه واجب ومخالف للقراءة فلا یکون تبعًا له، وأيضًا: فقد ثبت عن ابن
مسعود كما تقدم: ((أنه كان يرفع يديه للقنوت فى الوتر))، ورفعها بدون التكبير غير
مشروع فى الصلاة، كذا فى "العناية" و"فتح القدير" بمعناهما (٣٧٨:١).
فهذه عدة وجوه قياسية ما عدا الوجوه النقلية المذكورة فى المتن مفيدة لمشروعية
التكبير فى قنوت الوتر قبل الركوع لو عفرها الإمام المزنى لم يقل ما قال، هذا. وقد أورد
بعض الناس لوقاحته على الوجه الذى ذكره صاحب "الهداية": بأن هذا ضعيف جدا،
فإنه يلزم منه أن يكبر عند التسليم أيضًا، فإن الحالة قد اختلفت ولا قائل به على ما علمت
اهـ. قلت: وهل علمت أو فهمت شيئا منذ خرجت من بطن أمك؟ وإنما تورد كل ما تورد
على الحنفية بسوء فهمك وسخافة رأيك، فإن حالة التسليم ليس من الأحوال التى تختلف
فى الصلاة بل هى حالة الخروج عنها ومراد صاحب "الهداية" أن التكبير شرع عند
اختلاف الأحوال فى وسط الصلاة وداخلها، فافهم.
قوله: "محمد أخبرنا أبو حنيفة إلخ". قلت: فيه دلالة صريحة على وجوب

٨٨
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الر کوع
إعلاء السنن
أردت أن تركع فكبر أيضًا)). أخرجه محمد فى "كتاب الحجج والآثار"
(ص-٣٧) وإسناده صحيح ("آثار السنن" ١٧:٢).
١٧٠٥- عن: أبى الحوراء قال: قال الحسن بن على: ((علمنى رسول الله
ګ کلمات أقولهن فی الوتر فی القنوت، قال: قل: اللهم اهدنی فیمن هديت)
الحديث. أخرجه النسائى (٢٥٢:١)، وسكت عنه، وقال النووى فى
"الخلاصة": وإسناده صحيح أو حسن، كذا فى "نصب الراية" (٢٨١:١)،
القنوت فى الوتر وثبوت التكبير له، فعرف به عدم تفرد إمامنا فى القول بوجوبه، وأن له
سلفًا فى ذلك من أجلة التابعين، وقد مر غير مرة أن قول إبراهيم حجة عندنا لكونه لسان
ابن مسعود وأصحابه، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن أبى الحوراء قال: قال الحسن بن على إلخ". قال شيخنا فى "الثواب
الحلى " حاشية "الترمذى" له تحت حديث الحسن هذا: قلت: مطلق فى السنة كلها اهـ
(ص- ١٨). وفى "الجوهر النقى": وتعليمه عليه السلام للحسين كلمات يقولهن فى الوتر
يشمل وتر جميع السنة اهـ (٢٠٩:١).
وقال الترمذى: هذا حديث حسن، ولا نعرف عن النبى مآ فى القنوت شیئا
أحسن من هذا، واختلف أهل العلم فى القنوت فى الوتر فرأى عبد الله بن مسعود القنوت
فى الوتر فى السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه
يقول سفيان الثورى وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة، وقد روى عن على بن أبى طالب
أنه کان لا یقنت إلا فی النصف الآخر من رمضان و کان یقنت قبل الركوع، وقد ذهب
بعض أهل العلم إلى هذا وبه يقول الشافعى وأحمد اهـ (٦١:١).
قلت: أثر على ضعيف كما يشعر به لفظ الترمذى فإنه لم يذكره بصيغة الجزم،
وذكر رأى ابن مسعود واختياره بلفظ الجزم وفيه إشعار بصحته وهو كذلك ما عرفته بما
ذكرناه فى المتن، وقد ورد فى ذلك عن أنس مرفوعا أيضًا. ((كان عليه السلام يقنت فى
النصف من رمضان))، إلى آخره. أخرجه ابن عدى فى "الكامل"، ولكنه واه فيه غسان بن
عبيد وأبو عاتكة وكلاهما ضعيفان، كما ذكره فى "الجوهر النقى" (٢٠٩:١).

٨٩
ج + ٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
ولفظ الحاكم فى "مستدركه": ((علمنى رسول الله مَّظل هؤلاء الكلمات فى
الوتر)» إلخ. ولفظ أبى بكر أحمد بن الحسين بن مهران الإصبهانى فى تخريج
الحاكم له: ((علمنى رسول الله مطل أن أقول فى الوتر قبل الركوع)) اهـ. كذا فى
"التليخص الحبير" (٩٤:١)، وكلام الحافظ يدل على صحته.
واعلم أن حديث الحسن بن على هذا أخرجه الحاكم فى "مستدركه" (١٧٣:٣)
بلفظ: ((علمنى رسول الله مَّ فى وترى إذا رفعت رأسى ولم يبق إلا السجود: اللهم
اهدنی فیمن هديت)» إلخ. ولكنه من رواية إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى
بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن على، وخالفه محمد بن
جعفر بن أبى كثير فى إسناده، فرواه عن موسى بن عقبة عن أبى إسحاق عن بريد بن أبى
مريم عن أبى الحوراء عن الحسن بن على، وحديث محمد بن جعفر أرجح. فقد تابعه
أبو الأحوص عند النسائى (١٥٣:١). فرواه عن أبى إسحاق عن بريد بن أبى مريم عن أبى
الحوراء بنحو ما رواه جعفر بن محمد عن موسى بن عقبة سندا ومتنا. وليس فيه من
الزيادة ما أتى به إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه. وأيضًا: فمحمد بن جعفر لم
يضعفه أحد، وإسماعيل مختلف فيه ضعفه الأزدى والساجى، وذكره ابن المدينى فى
الطبقة السادسة من أصحاب نافع، كما فى "تهذيب التهذيب" (٢٧٣:١). على أن رواية
موسى بن عقبة فى قنوت الحسن بن على مضطربة الإسناد جدا. قال الحافظ فى "التلخيص
الحبير": قد اختلف فيه على موسى بن عقبة فى إسناده، فروى عنه شيخ ابن وهب هكذا
(أى عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن على عن الحسن بن على عند النسائى)، ورواه
محمد بن جعفر بن كثير، فذكر الاختلاف بينه وبين إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة فى
إسناده بنحو ما ذكرناه آنفا ثم قال: فقد اختلف فيه على موسى بن عقبة كما تری اهـ.
قلت: والمضطرب ليس بحجة ما لم يرتفع الاضطراب وطريق رفعه ترجيح إحدى
الطرق على الأخرى، ولا ترجيح هناك إلا بطريق محمد بن جعفر بن كثير لما ذكرنا فهو
المحفوظ، وما عداه منكر ساقط الاعتبار، فلا حجة فى الزيادة التى أتى بها إسماعيل بن
إبراهيم فى حديثه لا سيما وقد اختلف عليه أيضًا فيها، فرواها الحاكم عنه فى "المستدرك"
هكذا بلفظ: "إذا رفعت رأسى ولم يبق إلا السجود"، وقال الحافظ فى "التلخيص

٩٠
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
إعلاء السنن
١٧٠٦- عن: أنس رضى الله عنه: ((أن رسول الله مطل٣ قنت حتى مات،
وأبو بكر حتى مات، وعمر حتى مات)). رواه البزار ورجاله موثقون "مجمع
الزوائد" (١٩٧:١).
الحبير": ينبغى أن يتأمل قوله فى هذا الطريق: ((إذا رفعت رأسى ولم يبق إلا السجود))، فقد
رأيت فى الجزء الثانى من فوائد أبى بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهانى
تخريج الحاكم له قال: ثنا محمد بن يونس المقرئ قال: ثنا الفضل بن محمد البيهقى
ثنا أبو بكر بن شيبة المدنى الحزامى ثنا ابن أبى فديك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة.
بسنده، ولفظه: «علمنی رسول الله مێ ان اقول فی الوتر قبل الركوع))، فذكره، وزاد
فى آخره ((لا منجا منك إلا إليك)) اهـ (٩٤:١).
قلت: وكلام الحافظ مشعر بثقة رجال الأصبهانی وصحة سنده، فإن الصحيح لا
يتأمل فيه إلا بمعارضة صحيح مثله إياه، وأيضًا: فإن رجال سند الأصبهانى كلهم رجال
الحاكم ما خلا محمد بن يونس المقرئ شيخه، والظاهر أنه ثقة لما ذكرنا، ولأن المستخرج
على الصحيح لا یکون إلا بسند صحيح، هذا.
وإنما أطلنا الكلام فى هذا المقام لاغترار بعض الناس بما فى رواية الحاكم من الزيادة
المذكورة واستدلاله بها على كون القنوت فى الوتر بعد الركوع، قال: والذى يظهر أن
قنوت الوتر أيضًا كقنوت النوازل، قد كان قبل الركوع وبعده ولا مضر عنه ولا حاجة
إليه فإن الجميع شريعة وسنة اهـ. وهذا كله بناء الفاسد على الفاسد، فإن قنوت الوتر لم
یثبت محله بعد الركوع فى رواية غير ما فى رواية الحاكم من الزيادة فيما علمنا، وقد
عرفت حالها، فالحق ما عليه أصحابنا الحنفية أن محله فى الوتر قبل الركوع متعين يلزم
سجدة السهو بالتأخير عنه، والله أعلم.
قوله: "عن أنس إلخ". قلت: الظاهر أن المراد به قنوت الوتر لما سيأتى عنه أنه كان
لا يواظب على القنوت فى الفجر، وكذا لم يواظب النبى معَّ ه عليه ولا أبو بكر ولا عمر،
وقد مر عن البراء أنه قال فى القنوت فى الوتر: إنه سنة ماضية، فهو المراد فى قول أنس
هذا، ودلالته على مواظبة النبى مّ له عليه والخليفتين بعده ظاهرة.

٩١
ج - ٦
وجوب القنوت فی جمیع السنة ومحله قبل الركوع
١٧٠٧- عن: عاصم قال: ((سألت أنس بن مالك عن القنوت؟ فقال: قد
كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإن فلانًا أخبرنى
عنك أنك قلت: بعد الركوع، فقال: كذب (أى أخطأ)، إنما قنت رسول الله
عَّه بعد الركوع شهرا، أراه كان بعث قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا
إلى قوم المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله عّ لّ عهد، فقنت
رسول الله ◌َّ لر شهرا يدعو عليهم)). رواه البخارى (١٣٦:١).
١٧٠٨- عن: ابن عمر قال: ((أرأيتم قيامكم عند فراغ الإمام من السورة
هذا القنوت؟ والله إنه لبدعة، ما فعله رسول الله مرّ له غير شهر ثم تركه، أرأيتم
رفعكم أيديكم فى الصلاة؟ والله إنه لبدعة، ما زاد رسول الله على هذا قط فرفع
یدیه حيال منكبيه)). رواه الطبرانى فى "الكبير"، وفيه بشر بن حرب ضعفه
أحمد وابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائى، ووثقه أيوب وابن عدى
"مجمع الزوائد" (١٩٦:١). قلت: فالحدیث حسن.
قوله: "عن عاصم إلخ". قلت: فيه دلالة على أن محل قنوت الوتر قبل الركوع، لما
سيأتى أن قنوت الفجر لم يكن إلا بعد الركوع ولم يكن إلا شهرا، فقوله: ((قد كان
القنوت))، ثم قوله فى بيان موضعه: (إنه كان قبل الركوع)) لا يصح حمله على قنوت
الفجر بل لا بد من حمله على قنوت الوتر.
قوله: "عن ابن عمر إلخ". قلت: فيه دلالة على ما قلنا أولا: إن القنوت فى الفجر
لم يكن إلا شهرا واحدا، ثم تركه النبى مرّله ولم يقنت فيه، وأما قوله: ((أرأيتم رفعكم
أيديكم فى الصلاة؟ والله إنه لبدعة))، ففيه دليل على كراهة إطالة رفع اليدين فى القنوت
كما ترفعان فى الدعاء خارج الصلاة، وليس معناه أن مطلق رفع اليدين للقنوت بدعة، لأن
قوله: ((ما زاد رسول الله مطهر على هذا قط، فرفع يديه حيال منكبيه)» يفيد سنية رفعهما له
فى الجملة، ولا بد من التغاير والرفع الذى جعله بدعة، والذى أثبته، فالظاهر أنه كره إطالة
رفعهما كما ترفعان فى الدعاء خارج الصلاة، وأثبت رفعهما حيال المنكبين سنة، ليس هو
إلا الرفع القصير الذى يكون قبل القنوت، فإن الرفع الطويل فى الدعاء لا يكون بحيال
المنكبيه، بل إنما هو بحذاء الوجه أو الصدر كما مر فى بابه، هذا. وقد تقدم أن نفس رفع

٩٢
إعلاء السنن
باب إخفاء القنوت فى الوتر، وذكر ألفاظه
وأن القنوت فى الفجر لم يكن إلا للنازلة
١٧٠٩- عن: محمد قال: ((قلت لأنس هل قنت رسول الله عَّ له فى
صلاة الصبح؟ قال: نعم! بعد الركوع يسيرًا)). رواه الشيخان "آثار السنن"
(١٩:٢).
١٧١٠- عن: أبى مجلز عن أنس بن مالك، قال: ((قنت رسول الله مَ له
شهرا بعد الركوع فى صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان، ويقول: عصية
عصيت الله ورسوله)). رواه الشيخان (نفس المرجع).
١٧١١ - عن: عاصم عن أنس: ((إنما قنت رسول الله مَّ له (أى فى الفجر)
شهرا يدعو على أناس قتلوا أناسا من أصحابه يقال لهم القراء)). رواه الشيخان
(نفس المرجع) مختصرا، ورواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن
سليمان، قلنا لأنس: إن قومًا يزعمون أن النبى مرّ له لم يزل يقنت فى الفجر،
فقال: کذبوا إنما قنت شهرا واحدا يدعو علی حی من أحياء المشر کین). وقیس
اليدين للقنوت ثابت عن عمر فى الفجر، وعن ابن مسعود فى الوتر، فيبعد عن ابن عمر
جعله بدعة، فالظاهر أنه أراد ما قلنا: إن إطالة الرفع بدعة، والحديث يفيد بمفهومه ثبوت
رفع اليدين للقنوت عن النبى مّيٍ مرفوعًا، والله تعالى أعلم.
باب إخفاء القنوت، وذكر ألفاظه
وأن القنوت فى الفجر لم يكن إلا للنازلة
قوله: "عن محمد إلى قوله: عن عبد العزيز بن صهيب إلخ". قلت: أحاديث أنس
المخرجة فى الصحاح كلها تدل على تخصيص القنوت بالنازلة، وأنه كان موقتًا بشهر،
وأن بدأ القنوت كان فى وقعة القراء حیث غدر بهم رعل وذکوان، ولم يكن رسول الله
مطلآ يقنت قبل ذلك، وما قنت له إلا شهرا واحدا، ودلالته على الجزء الثالث من الباب
ظاهرة. وعارضوها بما رواه عبد الرزاق عن أبى جعفر الرازى عن عاصم عن أنس قال:

٩٣
ج - ٦
إخفاء القنوت فی الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
وإن كان ضعيفا لكنه لم يتهم بكذب اهـ. كذا فى "التلخيص الحبير"
(٩٣:١) وقال ابن القيم فى "زاد المعاد" (٧٢:١): وقيس وإن كان يحيى ضعفه
فقد وثقه غيره اهـ. قلت: فهو حسن الحديث.
((قنت رسول الله مَِّ فى الصبح بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب، وكان قنوته
قبل ذلك وبعده قبل الركوع)). أخرجه الحازمى فى "الاعتبار" (ص-٩٦). وقال: إسناده
متصل ورواته ثقات أهـ. قلت: فيه أبو جعفر الرازى متكلم فيه، قال فيه عبد الله بن
أحمد (عن أبيه): ليس بالقوى، وقال على(١) بن المدينى: إنه يخلط، وقال أبو زرعة:
يهم كثيرا، وقال عمرو بن على الفلاس: صدوق سيئ الحفظ، وقال ابن معين: ثقة
ولكنه يخطئ، وقال الدوری: ثقة ولکنه یغلط، وحکی الساجی أنه قال: صدوق ليس
بالمتقن، وقد وثقه غير واحد اهـ. من "نيل الأوطار" (٢٤٢:٢).
قلت: وقال النسائى: ليس بالقوى، وقال ابن خراش: صدوق سيئ الحفظ، وقال
ابن حبان: كان ينفرد عن المشاهير بالمناكير، لا يعجبنى الاحتجاج بحديثه إلا فيما وافق
الثقات، وقال العجلى: ليس بالقوى، كذا فى "التهذيب" (٨: ١٧٠) فکیف یحتج بما
انفرد به لا سيما وقد خالف فيه الثقات الأثبات؟ فقد عرفت أن الشيخين أخرجا عن عبد
العزيز بن صهيب عن أنس: ((أن رسول الله مر ◌ّ دعا فى صلاة الغداة شهرا. وذلك بدأ
القنوت وما كنا نقنت))، وروی عكرمة عن ابن عباس، قال: «قنت رسول الله مٹے شهرا
متابعا فی دبر كل صلاة يدعو على رعل وذکوان وعصية ويؤمن من خلفه)). رواه أبو
داود، وأحمد وزاد: قال عكرمة: ((كان هذا مفتاح القنوت))، قال الشوكانى فى "النيل":
ولیس فی إسناده مطعن إلا هلال بن خباب فإن فيه مقالا، وقد وثقه أحمد وابن معين
وغيرهما اهـ (٢٤٦:٢). فكيف يصح قول أبى جعفر الرازى فى روايته: «وكان قنوته
قبل ذلك وبعده قبل الركوع))، وقد صرح أنس فى رواية الصحيح وعكرمة فى رواية
أحمد: أن مفتاح القنوت وبدأه كان فى وقعة القراء ولم يكونوا يقنتون (القنوت المتنازع
فيه) قبل ذلك أصلا، اللهم إلا أن يحمل قول أنس فى رواية أبى جعفر على طول القيام فى
(١) ولا يغتر بما فى "التهذيب" (٥٧:١٢) عن على بن المدينى: كان ثقة عندنا، فإنه من رواية محمد بن عثمان بن أبى
شيبة عنه، وهو ضعيف فرواية عبد الله بن على عن أبيه أولى كما فى "التلخيص الحبير" (مؤلف).

٩٤
إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
١٧١٢- عن: أنس ابن سيرين عن أنس بن مالك: ((أن رسول الله عَ ◌ّه
قنت شهرا بعد الركوع فى صلاة الفجر يدعو على بنى عصية)). رواه مسلم
"آثار السنن" (٩١:٢).
١٧١٣- عن: قتادة عن أنس: ((أن رسول الله مَ ◌ّه قنت شهرًا يدعو على
أحياء من العرب ثم تركه)) رواه مسلم (نفس المرجع) وفى."التلخيص الحبير"
(٩٣:١): متفق عليه وللبخارى مثله عن عمر ولمسلم عن خفاف بن إيماء اهـ.
الصلاة، فيصح، وأما حمله على القنوت بالدعاء المعروف وهو: اللهم اهدنى فيمن هديت
إلخ. فلا دليل عليه، وكيف يصح الحمل عليه والخصم لا يقول بأن محله فى الفجر قبل
الر کوع؟ بل محله عنده بعد الركوع كما سيأتى.
وأيضًا فرواية أبى جعفر هذا وما رواه عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك رضى
الله عنه قال: (ما زال رسول الله مَّ يقنت فى الفجر حتى فارق الدنيا)). رواه عبد الرزاق
فى "مصنفه" والحاكم أبو عبد الله فى "كتاب القنوت" له كما فى "الزيلعي"
(٢٨٢:١) عارضهما ما رواه قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان، قال: ((قلنا لأنس بن
مالك: إن قوما يزعمون أن النبى مرّ له لم يزل يقنت بالفجر، قال: كذبوا وإنما قنت رسول
الله مثّ شهرا واحدا يدعو علی حی من أحياء المشر کین). وقیس لیس بدون أبى جعفر
الرازى، فکیف یکون أبو جعفر حجة فى قوله: «لم یزل یقنت حتی فارق الدنيا»، وقیس
ليس بحجة فى هذا الحديث وهو أوثق منه أو مثله؟ قاله الحافظ ابن القيم فى
"زاد المعاد" (٨٢:١).
قلت: قال الحافظ فى "التهذيب" فى ترجمة قيس هذا: قال أبو داود الطيالسى عن
شعبة: سمعت أبا حصين يثنى على قيس بن الربيع، وقال لنا شعبة: أدركوا قيسا قبل أن
يموت، وعن معاذ بن معاذ قال لى شعبة: ألا ترى إلى يحيى بن سعيد يقع فى قيس؟ لا والله
ما إلى ذلك سبیل. وقال عبيد الله بن معاذ عن أبيه: سمعت يحيى بن سعيد بنقص قيسا
عند شعبة فزجره ونهاه، وقال عفان: قلت ليحيى بن سعيد: هل سمعت من سفيان يقول
فيه: يغلطه أو يتكلم فيه بشىء؟ قال: لا، قلت ليحيى: أفتتهمه بكذب؟ قال: لا، قال
عفان: فما جاء فيه بحجة، وقال حاتم بن الليث عن عفان: قيس ثقة يوثقه الثورى وشعبة،

٩٥
ج - ٦
إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
١٧١٤ - وعنه: عن أنس: ((أن النبى ◌ّ ◌ُلّه كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو
دعا على قوم)). رواه ابن خزيمة فى "صحيحه" كما فى "فتح البارى"
(٤٠٨:٢) بإسناد صحیح کما فيه أيضاً، وصححه الحاكم فى جزء له مفرد فى
القنوت كما فى "التلخيص" (٩٣:١)، وعزاه الزيلعى (٢٨٢:١) إلى كتاب
القنوت للخطيب البغدادى، وعزاه إلى صحيح ابن حبان أيضًا.
وعن أبى الولید: کان قیس ثقة حسن الحدیث، قال أبو نعيم: سمعت سفیان إذا ذکر قیسا
اثنی علیه، وقال قراد اُبو نوح عن شعبة: ما أتینا شیخًا بالكوفة إلا وجدنا قیسا قد سبقنا
إليه، وكان يسمى قيس الجوال، وقال عمرو بن على: سمعت معاذ بن معاذ يحسن الثناء
عليه، قال: وقلت لأبى داود: تحدثنا عن قيس؟ قال: نعم، وقال سريج بن يونس عن ابن
عيينة: ما رأيت الكوفة أجود حديثا منه، وقال أحمد بن صالح: قلت أى نعيم: فى
نفسك من قیس شیء؟ قال: لا، وقال ابن أبى حاتم: سألت أبا زرعة عنه فقال: فیه لین،
وقال: سئل أبى عنه، فقال: عهدى به ولا ينشط الناس فى الرواية عنه، وأما الآن فأراه
أحلى ومحله الصدق وليس بالقوى، وقال يعقوب بن أبى شيبة: هو عند جميع أصحابنا
صدوق و كتابه صالح، وهو روى الحفظ جدا، وقال ابن عدى: عامة رواياته مستقيمة،
· والقول فيه ما قال شعبة، وأنه لا بأس به، وقال ابن خزيمة: سمعت محمد بن يحيى يقول:
سمعت أبا الوليد يقول: كتبت عن قيس بن الربيع ستة آلاف حديث هى أحب إلى من
ستة آلاف درهم اهـ ملخصا (٣٩٢:٨ و٣٩٥).
قلت: وضعفه ابن معین، وتنکب عن حديثه يحيى وعبد الرحمن، وكان وكيع
يضعفه وكذا ابن المدينى والنسائى، وتكلم فيه بعضهم لأجل ابنه، قالوا: هو آفته وظنوا أنه
غيّر عليه كتبه، وذكره الذهبى فى "تذكرة الحفاظ" فقال: قيس بن الربيع الحافظ أبو
محمد الأسدى الكوفى أحد الأعلام على ضعف فيه، قال: وقال محمد بن عبيد
الطنافسى: لم يكن قيس عندنا بدون الثورى، وإنما ولى شيئا فأقام على رجل حدا فمات،
قال: فطفى أمره، قال الذهبى: وقد كان قيس من أوعية العلم وأرى الأئمة تكلموا فيه
لظلمه اهـ ملخصا. (٢١٠:١). قلت: ويمكن أن الذى عدوه من ظلمه لم يكن ذلك ظلما
عنده فی رأيه.
٠٠

٩٦
إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
١٧١٥- ولكن لفظ ابن حبان عن أبى هريرة: ((كان رسول الله عَّ
يقنت فى الصبح إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم))، ثم قال: قال صاحب
"التنقيح": سند هذين الحديثين صحيح، وهما نص فى أن القنوت (أى فى
الفجر) مختص بالنازلة اهـ.
وبالجملة: فالقول فيه ما قال ابن القيم: ((إنه ليس بدون أبى جعفر الرازى بل هو
أو ثق منه أو مثله))، وتخطئة بعض الناس ابن القيم فى قوله هذا مردود عليه، فإن ترجمتهما
شاهد صدق على صحة قوله، فإن قيسا روى عنه الأجلة كشعبة والثورى، وأثنوا عليه
ووثقوه، ورد شعبة على من تكلم فيه، وهذا تعديل مفسر لا يقبل معه جرح مبهم، ولم
نجد مثل ذلك لأبى جعفر، فإن لمیکن قیس فوقه فلا أقل من أن یکون مثله.
وأيضًا: فإن ما رواه قيس فى هذا الباب ليس بشاذ ولا منكر، بل لما رواه شواهد
صحيحة، منها حديث قتادة عند مسلم عن أنس: ((أن رسول الله مَ له قنت شهرا ثم
تر که)). وما رواه عاصم عن أنس عندهما: «إنما قنت رسول الله مێ شهرا واحدا)، وهذا
لفظ الحصر أى لم يقنت فیما سواه، وما رواه عبد العزيز بن صهيب عنه عندهما (دعا
رسول الله عَّ شهراً فى صلاة الغداة وذلك بدأ القنوت وما كنا نقنت)).
وما رواه قتادة عن أنس عند ابن خزيمة: ((أن النبى معَّ كان لا يقنت إلا إذا دعا
لقوم أودعا على قوم))، ومثله عن أبى هريرة عند ابن حبان وكلاهما صحيح، وما رواه
إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود: ((أن النبى معَّ ◌ُّ لم يقنت فى الفجر قط إلا شهرا
واحدًا لم ير قبل ذلك ولا بعده)). ورواية أبى جعفر الرازى شاذة تفرد بما رواه، فكيف
يكون حديثه حجة ولا يكون حديث قيس حجةً؟ ولذا قال الحافظ فى "التلخيص الحبير"
بعد ذكره رواية أبى جعفر أولا ما نصه: ويعكر على هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس
بن الربيع فذكره إلخ (٩٣:١). فلو لم يكن حديث قيس حجة ولم يكن هو مثل أبى
جعفر لم يعكر روايته على روايته كما لا يخفى، وفيه تقوية لما قاله ابن القيم، واندحض به
قول بعض الناس رأسا وأساسا.
وأيضًا: فقد روى غالب بن فرقد الطحان عند الطبرانى: ((أنه كان عند أنس بن
مالك شهرين فلم يقنت فى صلاة الغداة))، فإن كان القنوت فى الفجر سنة مستمرة ما زال .

٩٧
ج - ٦
إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
١٧١٦- وعن: عبد العزيز بن صهيب عن أنس، قال: ((بعث رسول الله
عَدٍَّ سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بنى سليم، رعل
وذكوان، فقتلوهم، فدعا رسول الله عَ ليه شهرا فى صلاة الغداة، فذلك بدأ
عليها النبى مرّ حتى فارق الدنيا، كما رواه أبو جعفر لم يتركها أنس شهرين متتابعين،
هذا.
ولو سلمنا صحة ما رواه أبو جعفر لوجب حمله على معنی یتوافق به مع جميع ما
روى عن أنس رضى الله عنه فى الأحاديث الصحيحة المخرجة فى الصحيحين، وأولی ما
يحمل عليه عندنا أن معناه لم يزل رسول الله مَّبله قانتًا فى الفجر عند النوازل حتى فاوق
الدنيا، ومراده بذلك أن قنوت النوازل لم ينسخ بل هو مشروع إذا نزل بالمسلمين نازلة أن
يقنت الإمام فى الفجر، ويمكن أن يحمل القنوت فيه على إطالة القيام للقراءة الذى قال فيه
النبى معَّهِ: ((أفضل الصلاة طول القنوت)). فهذا هو القنوت الذى ما زال عليها حتى فارق
الدنيا، فإنه كان يطيل صلاة الفجر أزيد من سائر الصلوات، ويقرأ فيها بالستين إلى المائة.
1
قال ابن القيم فى "الهدى": فنحن لم نشك ولا نرتاب أنه لم يزل يقنت فى الفجر
حتى فارق الدنيا، وهذا أى طول القيام قنوت منه بلا ريب، ولما صار القنوت فى لسان
الفقهاء، وأكثر الناس هو هذا الدعاء المعروف اللهم اهدنى فيمن هديت إلى آخره، وسمعوا
أنه لم يزل يقنت فى الفجر حتى فارق الدنيا، وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من
الصحابة، حملوا القنوت فى لفظ الصحابة على القنوت فى اصطلاحهم، ونشأ من
لا يعرف غير ذلك، فلم يشك أن رسول الله مرّ وأصحابه كانوا مداومين عليه كل غداة،
وهذا هو الذى نازعهم فيه جمهور العلماء، وقالوا: لم يكن هذا من فعله الراتب، بل ولا
يثبت عنه أنه فعله، وغاية ما روى عنه أنه علمه لحسن بن على كما فى المسند والسنن
الأربع عنه، قال: «علمنی رسول الله مێ کلمات أقولهن فی قنوت الوتر اللهم اهدنی
فیمن هدیت» إلخ (٧٤:١).
وقال الحازمى وغيره من الشافعية فى الجمع بين الأحاديث كلها: إن قوله: ((لم
يقنت إلا شهرا واحدا لم يقنت قبله ولا بعده) محمول على معنی ما روی أنه قنٹ شهرا
يدعو على رعل وذكوان وعصية، فلما نهى الله عز وجل عن الدعاء عليهم بقوله: ((ليس

٩٨
إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
القنوت وما كنا نقنت)). أخرجه الشيخان كذا فى "زاد المعاد" (٢٨٢:١) وهو
فى الصحيح فى باب غزوة الرجيع (٢: ٥٨٦).
لك من الأمر شئ)) انتهى وترك ذلك، وما رواه محمول على الدعاء والثناء على الله عز
وجل، والعمل بدليلين أولى من العمل بدليل واحد، وحاصله أن ما ورد فى الروايات عن
أنس وغيره من تقييد القنوت بشهر واحد محمول على القنوت الذى فيه الدعاء على أقوام
معينين، وقول أنس فى الحديث ((ثم تركه)) محمول على الدعاء على الكفار أيضًا، كذا فى
"الاعتبار" (ص-٩٣ و ٩٥).
قلت: وهذا التأويل لا يتمشى فيما رواه قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان: ((قلنا
لأنس: إن قوما يزعمون أن النبى مّظلّ لم يزل يقنت فى الفجر، قال: كذبوا، إنما قنت
شهرا واحدًا يدعو على حى من المشركين))، فلو كان مَِّ مداوما على القنوت بمعنى
الدعاء للمسلمين والثناء على الله عز وجل لم يقل: كذبوا. بل قال: نعم! لم يزل قانتا فى
الفجر بالدعاء للمسلمين والثناء على الله تعالى، ولم يقنت بالدعاء على المشركين إلا شهرا
واحدا.
ولا يتمشى أيضاً فيما رواه عبد العزيز بن صهيب عنه عند البخارى: ((بعث رسول
الله مَّ سبعين رجلا لحاجة فعرض لهم رعل وذكوان فقتلوهم، فدعا رسول الله مێ.
شهرا فى صلاة الغداة، فذلك بدأ القنوت وما كنا نقنت)). فإنه صريح فى أنه مرآة ما كان
يقنت، قبل ذلك أضلا، خلاف ما فى رواية أبى جعفر بلفظ: ((وكان قنوته قبل ذلك وبعده
قبل الركوع)).
وأيضًا: ما رواه قتادة عن أنس: ((أن النبى ◌ّ ◌ُّه كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا
على قوم)، يدل على عدم مواظبته على القنوت بكلا المعنيين، وعلى أنه إنما كان يقنت إذا
عرض له عارض، وأما بدونه فلا، وكذا ما روى ابن حبان عن أبى هريرة: (( كان رسول
الله عَّ لا يقنت فى الصبح إلا أن يدعو لقوم أو يدعو على قوم)، فلو كان مّ مواظبا
على القنوت بمعنى الدعاء للمسلمين لم يكن حق العبارة هكذا كما لا يخفى على من له
أدنى دربة باللسان، فالجمع بما قلنا أولى.

ج - ٦
إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
٩٩
١٧١٧ - عن: أبى هريرة رضى الله عنه: ((أن رسول الله مَّ لّه كان إذا أراد
أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد قنت بعد الركوع، فربما قال إذا قال: سمع الله
لمن حمده: اللهم ربنا لك الحمد اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام،
وعیاش بن ربيعة، اللهم اشدد وطأتك علی مضر، واجعلها سنین کسنی يوسف،
يجهر بذلك حتى أنزل الله: ليس لك من الأمر شىء)). رواه البخارى "آثار
السنن" (٢٠:٢). وفى رواية عند الشيخين: قال أبو هريرة: ((وأصبح ذات يوم
فلم يدع لهم، فذكرت له ذلك، فقال: أو ما تراهم قد قدموا)) كذا فى "زاد
المعاد" (٧٣:١):
١٧١٨- عن: أبی مالك قال: ((قلت لأبى: يا أبت! إنك قد صليت خلف
رسول الله عَّ ◌ٍ وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى رضى الله تعالى عنهم ههنا
بالكوفة نحوا من خمس سنين، أ كانوا يقنتون؟ قال: أى بنى! محدث)). رواه
الترمذى (٥٣:١) وقال: حسن صحيح، وعند ابن ماجه (ص-٨٩) فى هذا
قوله: "عن أبى هريرة إلخ". قلت: دلالته على كون القنوت مختصا بالنوازل
وعروض عارض من الدعاء لقوم أو الدعاء على قوم ظاهرة، ولا يصح معارضته بما روى
البخارى من طريق أبى سلمة عنه، قال: ((لأقربن صلاة رسول الله مَّه، فكان أبو هريرة
يقنت فى الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعد ما يقول:
سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار اهـ. فإن فيه حكاية لصلاة النبى مد له
التى كانت عند النوازل، بدليل قوله: ((ويلعن الكفار)) والقنوت بلعن الكفار لم يكن راتبا
لما فی حدیث المتن قال أبو هريرة: «أصبح رسول الله مێ ذات يوم فلم يدع لهم، فذكرت
له ذلك، فقال: أو ما تراهم قد قدموا اهـ). وقد تقدم فى كلام الحازمى أن القنوب باللعن
على الكفار لا يقول الشافعى بدوامه أيضًا، فلزم حمل حديث أبى سلمة عن أبى هريرة
على حكاية الصلاة عند النوازل فحسب.
قوله: "عن أبى مالك إلخ". قلت: دلالته على كون القنوت فى الفجر محدثا
ظاهرة، ومعناه أن الدوام عليه محدث، قاله السندى فى حاشية النسائى (١٦٤:١) لثبوت
القنوت عنهم عند النوازل، فقد روى عن أبى بكر أنه قنت عند محاربة مسيلمة، وكذلك

٠١٠٠
إعلاء السنن إخفاء القنوت فى الوتر وألفاظه وحكم القنوت فى الفجر
الحديث: ((فكانوا يقنتون فى الفجر؟ فقال: أى بنى! محدث))، اهـ. وقال الحافظ
فى "التلخيص": إسناده حسن (٩٣:١) اهـ.
١٧١٩- عن: الأسود: ((أن عمر رضى الله عنه كان لا يقنت فى صلاة
الصبح)). رواه الطحاوى، وإسناده صحيح، "آثار السنن" (٢٠:١).
١٧٢٠- وعنه: أنه صحب عمر رضى الله عنه بن الخطاب سنين فى
السفر والحضر فلم يره قانتًا فى الفجر حتى فارقه)). رواه محمد بن الحسن فى
" كتاب الآثار" وإسناده حسن "آثار السنن" (٢٥:٢).
١٧٢١- وعنه: قال: «کان عمر رضى الله عنه إذا حارب قنت (أی فی
غير الوتر أيضا). وإذا لم يحارب لم يقنت)). رواه الطحاوى وإسناده حسن
"آثار السنن" (٢٠:٢).
١٧٢٢- عن: عقلمة والأسود ومسروق أنهم قالوا: (( كنا نصلى خلف
عمر الفجر فلم يقنت)). رواه الطحاوى وإسناده صحيح، ("آثار
السنن" (٢٠:٢).
قنت عمر، وكذلك على ومعاوية عند تحاربهما كما سيأتى. وبهذا ظهر خطأ الحازمى فى
حكاية القنوت فى الفجر عن الخلفاء الأربعة فى تأييد مذهبه، فإن الثابت عنهم أنهم فعلوا.
وتركوا، وكان تركهم له أكثر كما يشعر به قول أبى مالك: ((أى بنى! محدث)). ولفظ
النسائی: ثم قال: يا بنى! إنها بدعة. (١٦٤:١).
قوله: "عن الأسود إلى قوله: عن علقمة والأسود ومسروق إلخ". قلت: دلالة
الآثار على عدم مواظبة عمر رضى الله عنه على القنوت فى الفجر وأنه إنما كان يقنت إذا
حارب لا دائما ظاهرة، وهذا هو عين مذهبنا والجمهور خلافا للشافعى ومالك. ولا
يعارضه ما مر عن طارق بن شهاب فى الباب السابق، قال: ((صليت خلف عمر الصبح،
فلما فرغ من القراءة فى الركعة الثانية كبر ثم قنت إلخ)). ولا ما رواه عبد الرحمن بن أبزى
عنه قال: ((صليت خلف عمر الصبح، فلما فرغ من السورة فى الركعة الثانية قال قبل
الركوع: اللهم إنا نستعينك إلخ)). فإنه حكاية لصلاته عند النوازل.