Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
وجوب الوتر وبيان وقته
ج - ٦
عزوه إلى أبى داود وابن خزيمة والطبرانى والحاكم ما نصه: قال ابن القطان:
رجاله ثقات اهـ.
وحاصله أن النوم قبل الوتر لا ينبغي لمن لم يكن متيقظ القلب فى نومه، وأما من كان
متيقظا حال النوم أيضًا فلا، وفيه دليل على أن عمر رضى الله عنه کان یوتر آخر الليل ولم
" يثبت عنه خلافه، وهذا ما وعدنا بيانه سابقا.
هذا وقد ثبت بجميع ما ذكرنا من الأحاديث وجوب الوتر وبيان وقته، وقال
الشيخ أبو بكر بن العربى فى شرح الترمذى له: وقد ذكر الطحاوى أن وجوب الوتر
إجماع من الصحابة، وليس كما زعم، فقد ذكرنا الخلاف، والوجوب لا يكون إلا بقول
ثابت من الشارع أو بإجماع من أهل الشريعة اهـ (١٩٤:٢). قلت: قد ذكرنا الأقوال
الثابتة من الشارع فى وجوبه، وأما قول الطحاوى: إن وجوبه إجماع من الصحابة فلعل
مراده أنه قد ورد عن بعضهم التصريح بوجوبه ولم يرد عن الباقين ما ينافيه صراحة
وواظب عليه کلهم عملا فکان إجماعًا، وهذا مما لا يشك فيه، فإن كل من روى عنه
إنكار الوجوب من الصحابة يحتمل أنه أراد نفى وجوب كوجوب الفرائض دون
الوجوب مطلقا كما تقدمت الإشارة إليه.
واحتج القائلون بسنیة الوتر دون وجوبه بما رواه ابن المنذر فیما حكاه مجد الدين
ابن تيمية: "الوتر حق وليس بواجب" كذا فى "التلخيص" (١١٦:١) قلت: لم نقف
على سنده حتى ننظر فيه، وكلام ابن تيمية فى "المنتقى" يشعر بأن ابن المنذر رواه عن أبى
أيوب (٢٧٤:٢ مع النيل) وحديث أبى أيوب قد ذكرناه فى المتن، وأن الدار قطنى أخرجه
بسند رجاله ثقات وفيه: "الوتر حق واجب على كل مسلم" لا كما حكاه ابن تيمية:
"الوتر حق وليس بواجب". وقول الحافظ فيما حكاه مجد الدين ابن تيمية يشعر بأن
الحافظ لم يقف على سنده أيضا، ولم يجده فى كتب ابن المنذر وإنما وجده فيما حكاه ابن
تیمیة وحده، ومثله لا يحتج به، ولو صح فیمکن تأويله بأنه ليس بواجب كوجوب
المكتوبة.
وبما رواه الحاكم فى "صحيحه" عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه قال: "الوتر
حسن جميل عمل به النبى معَّ ◌ٍ ومن بعده وليس بواجب" ورواته ثقات قاله البيهقى اهـ
من "التلخيص" أيضًا (١١٦:١) قلت: أما قوله: "الوتر حسن جميل عمل به النبى معَّ يه

٢٢
وجوب الوتر وبيان وقته
إعلاء السنن
ومن بعده" فكقول ابن عمر: "أوتر النبى معَّ له وأوتر المسلمون"، وهذا لا ينفى الوجوب.
بل ربما يفيده لما فيه من مواظبة النبى معَّله ومن بعده عليه، والحسن الجميل يطلق على كل
مشروع فرضا كان أو واجبا أو سنة، وقوله: "ليس بواجب" معناه نفى وجوب كوجوب
المكتوبة، بدليل ما رواه المخدجى عنه قال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله مر ◌ّ
يقول: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد إلخ)) وقد تقدم، وهذا يشعر بمراده صريحًا
أنه إنما أراد أن الفرائض من الصلاة خمس فحسب لا ست، وهذا لا يضرنا كما لا يخفى.
وبما رواه الترمذى عن على رضى الله عنه قال: ((الوتر ليس بحتم كصلاتكم
المكتوبة ولكن سنة سنها رسول الله مَّ له)) وقد مر الجواب عنه مفصلا.
وبما رواه ابن حبان فى "صحيحه" فى النوع التاسع والستين من القسم الخامس
كما فى "نصب الرابة" (٢٧٦:١) عن جابر رضى الله عنه ((أنه عليه السلام قام بهم فى
رمضان ثمان ركعات وأوتر، ثم انتظروه من القابلة فلم يخرج إليهم فسألوه، فقال:
خشيت أن يكتب عليكم الوتر اهـ) وأجاب عنه المحقق فى "الفتح" بأنه يجوز كونه قبل
وجوب الوتر، أو المراد المجموع من صلاة الليل المختتمة بوتر، ونحن نقول بعدم وجوبه
وذلك أنهم كانوا يطلقون (الوتر) على صلاة الليل كذلك وذلك لأن المجموع حينئذ فرد
وذلك وتر لا شفع اهـ (٣٧:١).
قلت: ويؤيد الجواب الثانى لفظ البخارى كما مر فى باب الحائل بين الإمام والمأموم
ونصه: "إنى خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل اه".
وبما رواه أبو داود عن أبى عبيدة عن عبد الله عن النبى مرّ له بمعنى حديث على
(قال: (إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)) ابن ماجه) زاد: فقال أُعرابى (حين
حدث عبد الله بالحديث): ما تقول؟ (وعند ابن ماجة: ما يقول رسول الله عليه؟) قال:
(أى عبد الله): ليس لك ولأصحابك اهـ (٢: ٣٢١) مع بذل المجهود) قالوا: فلو كان الوتر
واجبا لكان وجوبه عاما، وقول عبد الله يشعر بأنه ليس للأعرابى ولأصحابه. قلنا: قوله
عَظّ: ((فأوتروا يا أهل القرآن)) حجة لنا، كما مر، وتأويل ابن مسعود أهل القرآن بالحفاظ
والقراء لا يضرنا، فإن تأويل الصحابى الحديث بمعنى لا يمنع العمل به بتأويل آخر، وأيضا

٢٣
ج - ٦
وجوب الوتر وبيان وقته
فقد حكى ابن بطال وجوب الوتر على أهل القرآن عن ابن مسعود كما تقدم، وهذا يضر
الخصم؛ فإنه لا يقول بالوجوب أصلا، فلا حجة له فى قول ابن مسعود للأعرابى: "ليس
لك؛ ولأصحابك". وأيضا: فقد مر فى المتن عن ابن مسعود مرفوعًا: ((الوتر واجب على
کل مسلم، وفيه جابر الجعفى مختلف فيه، فالحديث حسن، وهو بمعنى قوله: "فأوتروا يا
أهل القرآن" ومفسر له، والمرفوع لا يقاومه قول الصحابى، فافهم.
وبما رواه الشيخان من حديث طلحة بن عبيد الله قال: ((جاء رجل إلى رسول الله
مَّه من أهل نجد)) الحديث وفيه: ((فقال رسول الله مَّ له: خمس صلوات فى اليوم
والليلة، قال: هل على غيرها قال: لا إلا أن تطوع)). وروى الشيخان أيضًا من حديث ابن .
عباس: ((أن النبى معَِّ بعث معاذًا إلى اليمن)، الحديث. وفيه: (فأعلمهم أن الله افترض
عليهم خمس صلوات فى اليوم والليلة)). قال الشوكانى فى "النيل": وهذا من أحسن ما
يستدل به، لأن بعث معاذ كان قبل وفاته مَّ له بيسير اهـ (٢٧٦:٢).
وقالوا: إن زيادة الوتر على الخمس نسخ لها، لأن الخمس قبل الزيادة كانت كل
وظيفة اليوم والليلة، وبعد الزيادة تصير بعض الوظيفة فينسخ وصف الكلية بها، ولا يجوز
نسخ الكتاب والمشاهير من الأحاديث بالآحاد.
والجواب عن الكل: أن الوتر ليس بخارج عن الخمس بل هو داخل فى العشاء تابع
لها، وأيضًا: فليس فى حديث طلحة بن عبيد الله ولا حديث معاذ ذكر صدقة الفطر مع
كون الزكاة مذكورةً فيهما، وصدقة الفطر فريضة عند مالك والشافعى والجمهور كما فى
"رحمة الأمة" (ص-٤٣) وواجبة عندنا، فما هو جوابكم عن ذلك فهو جوابنا. فإن
قلتم: إن وفود الرجل من أهل نجد كان قبل فرضية صدقة الفطر. نقول مثل ذلك فى
الوتر، لأن وجوب الوتر متأخر عن الخمس بدليل قوله مَ له: ((إن الله زادكم صلاة)). وإن
قالوا فيه وفى حديث معاذ: إن صدقة الفطر تابعة للزكاة فلذا لم تذكر على حدة، فهو
جوابنا عن الوتر أيضًا، والوتر عندنا ليس بفرض الليل هو واجب، وإذا لم يكن فرضًا لم
تصر الفرائض الخمس ستا بزيادة الوتر عليها، فلا يلزم نسخ الكتاب والمشاهير من
الأحاديث بخبر الآحاد، لأن الخمس بقيت بعد الزيادة كل وظيفة اليوم والليلة فرضًاً، كذا

٢٤
وجوب الوتر وبيان وقته
إعلاء السنن
فى "البدائع" (٢٧١:١) بمعناه.
واحتجوا أيضًا بما رواه البخارى عن سعيد بن يسار أنه قال: «كنت أسير مع عبد
الله بن عمر بطريق مكة فقال سعيد: فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت ثم لحقته، فقال
عبد الله بن عمر: أين كنت؟ فقلت: خشيت الصبح فنزلت فأوترت، فقال عبد الله: أما لك
فى رسول الله مَّ الله أسوة حسنة؟ فقلت: بلى! قال: فإن رسول الله عَّ ه كان يوتر
على البعير)).
وبطريق نافع عن ابن عمر قال: ((كان النبى عرّة يصلى فى السفر على راحلته
حيث توجهت به يؤمى إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته أهـ)). قال الحافظ.
فی "الفتح": وروی محمد بن نصر من طريق ابن جريج قال: ثنا نافع أن ابن عمر كان
یوتر على دابته، قال ابن جريج: وأخبرنى موسى بن عقبة عن نافع: أن ابن عمر كان يخبر
أن النبى ما كان يفعل ذلك، وروى عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عمر: أنه كان
يوتر على راحلته وربما نزل فأوتر بالأرض اهـ (٤٠٧:٢). قالوا: والإيتار على الدابة ينافى
وجوبه کما لا يخفى.
وأجاب المحقق فى "الفتح" عن إيتار النبى مرّ على البعير: بأنه واقعة حال لا عموم
لها، فيجوز كون ذلك كان لعذر، والاتفاق على أن الفرض يصلى على الدابة لعذر الطين
والمطر ونحوه اهـ (٣٧١:١). وقول ابن عمر لسعيد بن يسار: ((أما لك فى رسول الله
عرّطّ أسوة حسنة؟ وإن رسول الله سطر كان يوتر على البعير)) معناه كان يوتر على البعير
فى مثل هذه الحالة التى أنت فيها، وكانت حالة العذر، وليس معناه أن الوتر يجوز على
الدابة مطلقًا، وقرينة ذلك نزول سعيد على الأرض وإيتاره بها، فإنه يشعر بأن عدم جواز
الوتر على الدابة كان مقررا عنده.
ولكن يعكر على هذا الجواب رواية البخارى الثانية بطريق نافع، فإنها تشعر بأنه.
مَ ظله كان يصلى صلاة الليل والوتر على الراحلة دون الفرائض، فلو كان إيتاره على الدابة.
لعذر لصلى الفرائض أيضًا عليها، فلما نزل للفرائض ولم ينزل للوتر دل ذلك على نفى
العذر، وعلى كون الوتر ملحقا بالسنن دون الفرائض، ويمكن الجواب بأن نزوله بالأرض

ج - ٦
وجوب الوتر وبيان وقته
٢٥
للفرائض دون الوتر لا ينفى العذر مطلقًا، بل يدل على نفى العذر فى الفرائض خاصةً،
لكونها تؤدى بجماعة وفى النهار وأوائل الليل وأما الوتر فكان مَّ يجعله آخر صلاة
بالليل، فیحتمل وجود العذر من العدو وغيره إذ ذاك لكونه یؤدی بغیر جماعة وفی آخر
الليل، وقرينة ذلك ما ورد عنه مرّ ت أنه كان يصلى على راحلته ويوتر بالأرض، كما
سنذكره وورد مثل ذلك عن ابن عمر أیضاً، نعم! لو لم يثبت عنه مێ النزول للوتر دائما
لكان ذلك دليلا على لحوقه بالسنن دون الفرائض، ولما ثبت أنه ربما أوتر على الدابة وربما
نزل وأوتر بالأرض فلا، بل يحمل عدم نزوله للوتر على العذر.
. أخرج الطحاوى فى "معانى الآثار" له عن نافع عن ابن عمر أنه كان يصلى على
راحلته ويوتر بالأرض ويزعم أن رسول الله ما كان يفعل كذلك اهـ (٣٤٩:١). قال
العينى فى "العمدة": إسناد صحيح (٣: ٤١٦).
وأخرج محمد فى "الموطأ": أخبرنا عمر بن ذر الهمدانى عن مجاهد: ((أن ابن عمر
كان لا يزيد على المكتوبة فى السفر على الركعتين لا يصلى قبلها ولا بعدها، ويحيى الليل
على ظهر البعير أينما كان وجهه، ينزل قبيل الفجر فيوتر بالأرض))، وهذا سند صحيح،
قال: وأخبرنا محمد بن أبان عن حماد بن أبى سليمان عن مجاهد قال: ((صحبت عبد الله
بن عمر مكة إلى المدينة فكان يصلى الصلوات كلها على الدابة إلا المكتوبة والوتر فإنه
کان ینزل لهما، فسألته عن ذلك، فقال: كان رسول الله مپے یفعله اهـ). وهذا سند حسن
(ص-١٣١) فحديث ابن عمر برواية الطحاوى ومحمد يدل على شيئين: أحدهما: فعل
ابن عمر أنه كان يوتر بالأرض.
والثانى: أنه روی أن النبى مګے کان يفعل كذلك، وحديثه برواية البخارى كذلك
يدل على الشيئين خلافهما، فلا يتم الاستدلال للطائفتين بهذين الحديثين غير أن لنا أن
نقول: إن ابن عمر یحتمل أنه کان لا یری بوجوب الوتر و کان الوتر عنده كسائر
التطوعات فيجوز فعله على الدابة وعلى الأرض، ويحتمل أنه كان ربما يوتر على الدابة
لعذر، وإنما زجر سعيد بن يسار لنزوله، والحالة حالة العذر، وكذا إيتاره مَّظّ على الراحلة
يحتمل هذين الأمرين، ويجوز أيضًا أن يكون ذلك قبل أن يغلظ أمر الوتر ثم أحكم من

٢٦
وجوب الوتر وبيان وقته
إعلاء السنن
بعد ولم یرخص فی تر که، فالتحق بالواجبات فى هذا الأمر بالأحاديث التى ذكرناها عن
جماعة من الصحابة، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.
ولكن وجه النظر والقياس يؤيد القول بعدم جواز الوتر على الراحلة، وهو ما قاله
الطحاوى: إنا قد رأينا الأصل المجتمع عليه أن الصلاة المفروضة ليس للرجل أن يصليها
قاعدًا وهو يطيق القيام، وليس له أن يصليها فى سفره على الراحلة وهو يطيق القيام
والنزول، ورأيناه يصلى التطوع على الأرض قاعدًا ويصليه فى سفره على راحلته، فكان
الذى يصليه قاعدا وهو يطيق القيام هو الذى يصليه فى السفر على الراحلة، والذى لا
يصليه قاعدا وهو يطيق القيام هو الذى لا يصليه فى السفر على راحلته، هكذا الأصول
المتفق عليها، ثم كان الوتر باتفاقهم لا يصليه الرجل على الأرض قاعدا وهو يطيق القيام،
فالنظر على ذلك أن لا يصليه فى سفره على الراحلة وهو يطيق النزول، فمن هذه الجهة
ثبت نسخ الوتر على الراحلة عندى اهـ (٢٥٠:١).
فائدة:
أخرج البخارى فى "صحيحه" عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: (( كان النبى
سرّ يصلى وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظنى فأوترت اهـ). قال
الحافظ فى "الفتح": واستدل به على وجوب الوتر لكونه منێ سلك به مسلك الواجب
حیث لم يدعها نائمة وأيقظها للتهجد، وتعقب بأنه لايلزم من ذلك الوجوب، نعما يدل
على تأكد الوتر وأنه فوق غيره من النوافل الليلية اهـ (٢: ٤٠٦).
قلت: ولكن فيه زيادة عند الطحاوى تؤيد الاستدلال به على الوجوب، قال:
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدثنی عمی عبد الله بن وهب قال: حدثنى
موسى بن أيوب الغافقى عن عمه إياس بن عامر عن على رضى الله عنه بن أبى طالب: ((أن
رسول الله عليه كان يصلى من الليل وعائشة رضى الله عنها معترضة بين يديه، فإذا أراد
أُن یوتر أُومی إلیها أن تنخی، وقال: هذه صلاة زدتموها اه» (١: ٢٥٠) وهذا سند حسن
رجاله ثقات وإن تكلم فى بعضهم، أما أحمد بن عبد الرحمن الطحاوى فهو من رجال
مسلم روى عنه فى "صحيحه" وابن خزيمة وأبو حاتم وابن جرير وغيرهم، قال ابن أبى

٢٧
وجوب الوتر وبيان وقته
ج - ٦
حاتم: سألت محمد بن عبيد الله بن عبد الحكم عنه فقال: ثقة ما رأينا إلا خيرا: قلت:
سمع من عمه؟ قال: أى والله! وأيضًا: سمعت أبى يقول: سمعت عبد الملك بن شعيب بن
الليث يقول: أبو عبيد الله ابن أخى بن وهب ثقة وتكلم فيه آخرون اهـ، ملخصًا من
"التهذيب" (٥٤:١)، وعمه عبد الله بن وهب لا يسأل عن مثله، وموسی بن أيوب روی
عنه الليث وابن المبارك وابن لهيعة وابن وهب وعبد الله بن يزيد المقرئ وغيره، قال
إسحاق بن منصور وعباس الدوری عن ابن معین وأبی داود: ثقة، وذكره ابن حبان فى
الثقات اهـ من "التهذيب" (٣٣٦:١٠)، وذكره العقيلى فى الضعفاء فهو حسن الحديث،
وعمه إياس بن عامر الغَافقى قال العجلى: لا بأس به، وذكره ابن حبان فى الثقات،
وصحح له ابن خزيمة، ومن خط الذهبى فى تلخيص المستدرك: ليس بالقوى اهـ من
"التهذيب" أيضًا (٣٨٩:١).
قلت: ليس بالقوى تليين هين فهو حسن الحديث أيضًا، وفيه قوله مّ له: ((هذه
صلاة زدتموها)) وهو فى معنى قوله: «إن الله زاد کم صلاة إلى صلاتكم هى الوتر)) وقد مر
وجه دلالته على الوجوب مفصلا فتذكر، وبالجملة فإيقاظ النبى موظّ إياها مع قوله: هذه
صلاة فد زدتموها)) يدل على وجوب الوتر ظاهرا.
فائدة:
قد روى الإمام أحمد والدارقطنى والحاكم والبيهقى من حديث ابن عباس رضى
الله عنهما (مرفوعا): ((ثلاث هن على فرائض ولكم تطوع، النحر، والوتر، وركعتا
الضحى)). يلفظ أحمد وضعفه هو والبيهقى وابن الصلاح وابن الجوزى والنووى
وغيرهم، كما فى "التلخيص الحبير" (١١٧:١) قلت: احتج به بعض الشافعية وغيرهم
على عدم وجوب الوتر للأمة وأن وجوبه كان مختصا بالنبى معَّ له، ولكن الحديث ضعيف
ضعفه أئمة الحديث كما عرفت، قال الذهبى فى "تلخيص المستدرك": قلت: ما تكلم
عليه الحاكم وهو غريب منكر، ويحيى ضعفه النسائى والدار قطنى اهـ. (٣٠٠٠١) على أن
الحديث مضطرب المتن أيضًا، فقد أخرجه الطيرانى فى "الأوسط" والبيهقى فى "سننه"
عن عائشة بلفظ: ((ثلاثة هن على فرائض ولكن سنة، الوتر، والسواك، وقيام الليل))، ولفظ

٢٨
إعلاء السنن
باب الإیتار بثلاث موصولة و عدم الفصل
بینیین بالسلام، ووجوب القعدة على الر کعتین عنها
والنهى عن الإيتار بركعة فردة، وذكر القراءة فى الوتر
١٦٥٢- عن: عائشة رضى الله عنها ((أن رسول الله ◌َّ له كان لا يسلم
أحمد عن ابن عباس قد ذكرناه، وأخرجه الحاكم والدارقطنى عن ابن عباس بلفظ: ((ثلاث
هن على فرائض ولكم تطوع، النحر والوتر، وركعتا الفجر))، وفيه ركعتا الفجر يدل
ركعتى الضحى، أخرج أحمد والطبرانى من وجه ثالث عن ابن عباس بلفظ: ((ثلاث على
فريضة وهن لكم تطوع، الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى))، كذا فى "الخصائص
الکبری " للسیوطی (٢٢٩:٢) ولیس فیه ذکر النحر، وأخرج الدیامی پسند فيه نوح بن
أبى مريم عن ابن عباس مرفوعًا: ((الوتر على فريضة وهو لكم تطوع، والأضحى على
فريضة، وهى لكم تطوع، والغسل يوم الجمعة على فريضة، وهو لكم تطوع))، كما فى
"الخصائص" أيضا (-٢٣٠) وهذا اضطراب يوجب سقوط الاحتجاج بالحديث ولو كان
رجاله ثقات، فكيف ولم يسلم عن الضعفاء والمتروكين؟ وأيضا: يعارض الاستدلال به
على وجوب الوتر فى حق النبى مُّ ه خاصة استدلالهم على سنيته بما ورد فى
"الصحيح": أنه مَّ أوتر على البعير، فلو كان واجبا عليه لم يجز فعله على الراحلة،
وهل هذا إلا التهافت: قال الحافظ فى "الفتح": وأما قول بعضهم: "إنه كان من خصائصه
أيضًا أن يوقعه على الراحلة مع كونه واجبا عليه" فهى دعوى لا دليل لها، (فإن
الخصوصية لا تثبت إلا بدلیل واضح) لأنه لم يثبت دلیل وجوبه علیه حتى يحتاج إلى
تكلف هذا الجمع اهـ (٤٠٧:٢) وهذا يفيد أن كل ما ورد فيه من وجوب الوتر عليه معد له
خاصةً ضعيف غير ثابت، فافهم.
باب الإيتار بثلاث موصولة، وعدم الفصل
بینیهن بالسلام، ووجوب القعدة علی الر کعتین منها
والنهى عن الإيتار بركعة فردة، وذكر القراءة فى الوتر
قوله: "عن عائشة" وقوله: "عنها إلخ". قلت: فيهما دلالة على الجزئين الأولين من

٢٩
ج - ٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة
فى ركعتى الوتر)). رواه النسائى (٢٤٨:١) وسكت عنه، وفى "آثار السنن"
(١١:٢): إسناده صحيح)، أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٢٠٤:١) بلفظ:
((قالت: كان رسول الله عَّ لا يسلم فى الركعتين الأوليين من الوتر))، وقال:
هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وأقره عليه الذهبى فى "تلخيصه"))
وقال: على شرطهما اهـ.
الباب ظاهرة (١) ويعارضه ما فى البخارى: ((أن عبد الله بن عمر كان يسلم بين الركعة
والركعتين فى الوتر حتى يأمر ببعض حاجته اهـ)) قال الحافظ فى "الفتح" (٢: ٤٠١):
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزنى قال:
(صلى ابن عمر ركعتين ثم قال: يا غلام! ارحل لنا، ثم قام فأوتر بركعة)). وروى
الطحاوى من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه: ((أنه كان يفصل بين شفعه ووتره
بتسليمة، وأخبر أن النبى مَّ كان يفعله))، وإسناده قوى اهـ قلت: لا دلالة فيه على أن
ابن عمر كان يوتر بواحدة فردة، بل غاية ما فيه أنه کان یوتر بثلاث ویری جواز بناء
الأخيرة على الأوليين بعد الفصل بينهن بسلام وكلام عند الحاجة، كما قال الحافظ فى
"الفتح": إن ظاهره أنه كان يصلى الوتر موصولا فإن عرضت له حاجة فصلى ثم بنى على
ما مضى اهـ (٢٠١:٢) وهذه مسألة مستقلة أن البناء على الصلاة يجوز بعد تخلل السلام
والكلام بينها أم لا؟ واتفقوا على عدم جوازه فى المكتوبة وسائر النوافل، واختلف أقوال
الصحابة فى الوتر، فكان ابن عمر وبعض الصحابة يرون جواز البناء فى الوتر بعد الكلام
والسلام، بل وبعد الحدث والنوم أيضا، كما يدل عليه مسألة نقضٍ الوتر وشفعه بركعة من
(١) (تنبيه) حديث عائشة الأول بلفظ: كان لا يسلم فى ركعتى الوتر، اتفق النسائى والحاكم على لفظ لا يسلم فيه،
وكذا هو فى نسخة تلخيص المستدرك للذهبى، وحديثها الثانى بلفظ كان يوتر بثلاث ولا يسلم إلا فى آخرهن
اختلف فيه نسخ المستدرك، والنسخة التى هى بأيدينا من طبع دائرة المعارف بحيدر آباد وقع فيها لفظ: "لا يسلم"
فى متن المستدرك، ولفظة: "لا يقعد" فى نسخة تلخيصه للذهبى، ونقله الزيلعى فى "نصب الراية" بلفظ: "لا
يسلم " وتبعه الحافظ فى "الدراية" ولم يتعقبه بشىء، فاعتمدنا عليه واندحض بذلك كلام مؤلف التعليق (المغنى
١٧٣:١) فإنه جزم بلفظة لا يقعد فيه وأنكر صحة لا يسلم رأسًا، وهل هذا إلا تحكم محض، كيف؟ والنسخة
المطبوعة فيها لفظ "لا يسلم" فى متن المستدرك، وكذا نقله الزيلعى وعزاه إلى الحاكم، وتبعه الحافظ ولم يتكلم
عليه، فلو كان ذلك غلطا كما ادعاه هذا الرجل لصاح الحافظ ولم يسكت قط مؤلف.

٣٠
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة
إعلاء السنن
١٦٥٣- وعنها: قالت: ((كان رسول الله عَ ◌ّ يوتر بثلاث، لا يسلم إلا
فى آخرهن)) خرجه الحاكم (٢٠٤:١) واستشهد به وقال: وهذا وتر أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وعنه أخذه أهل المدينة، وسكت عنه
الذهبی فی "تلخيصه"، فهو حسن، و کذا نقله الزيلعى (٢٧٧:١) فى "نصب
الراية" بلفظ: "لا يسلم"، وكذا نقله الحافظ فى "الدراية" (١١٤) بلفظ: ((لا
يسلم إلا فى آخرهن))، وكلاهما عزاه إلى الحاكم.
آخر الليل كما سيأتى، وقد قدمنا فى أبواب الحدث فى الصلاة أن الكلام مفسد للصلاة
معلقا قليلا كان أو كثيرا خطأ كان أو عمداً، وأن شرط جواز البناء فى الصلاة عدم تخلل
الكلام بينها، وأثبتنا كل ذلك بالأحاديث القولية المرفوعة الصحيحة، وهى نصوص عامة
لم تفصل بين صلاة وصلاة وترا كان أو غيره، فلزم الاعتماد عليها والتأويل فى أقوال
هؤلاء الصحابة وأفعالهم، وكذا حديث: ((لا وتران فى ليلة)) ينفى جواز نقض الوتر، كما
سنذكره.
فالحاصل: أن ابن عمر رضى الله عنهما كان يوتر بثلاث موصولة، ولكن الكلام
والسلام على رأس الركعتين منها كان لا يمنع بناء الثالثة عليهما عنده، ولم يكن رضى الله
عنه يعده قاطعا للتحريمة الأولى، فقد اتفق عنه فى الوتر أنه ثلاث، يدل على ذلك ما سيأتى.
عن عقبة بن مسلم قال: سألت ابن عمر عن الوتر، فقال: أتعرف وتر النهار؟ قلت: نعم!
صلاة المغرب، قال: صدقت أو أحسنت اهــ أفلا ترى أنه لما سئل عن الوتر قال: أتعرف
وتر النهار أى هو كهو، وفى ذلك ما ينبئك أن الوتر كان عند ابن عمر ثلاثا كصلاة
المغرب، وهذا هو قولنا، وبينا وجه تركنا مذهبه فى كون الكلام والسلام على الركعتين لا
يمنعان البناء هذا جوابنا عن فعله.
وأما ما رواه الطحاوى عنه مرفوعا: ((أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة
وأخبر أن النبى معَِّ كان يفعله)) ورواه أحمد وغيره بلفظ: ((كان رسول الله مَ له يفصل
بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها))، كما فى "التلخيص الحبير" (١١٧:١) فالجواب
عنه أنه لم يذكر الفصل فى الوتر عنه مرّ ته مرفوعًا غير ابن عمر فيما علمنا، وخالفه فى
ذلك جماعة من الصحابة فقد روت عائشة: ((أنه مرّطّ كان لا يسلم فى ركعتى الوتر))، فى

٣١
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة
ج - ٦
لفظ لها: ((كان يوتر بثلاث لا يسلم فى ركعتى الوتر)»، وفى لفظ لها: «كان يوتر بثلاث لا
يسلم إلا فى آخرهن)). وإسنادهما صحيح وحسن، وفى لفظ لها عند أحمد: ((ثم أوتر
بثلاث لا يفصل بينهن)). وإسناده حسن وافقها على ذلك أبی بن كعب، فقال: ((ولا يسلم
إلا فى آخرهن))، وسنده صحيح، وأنس بن مالك حیث أوتر بثلاث وسلم فى آخرهن،
وقال: ((أخذت ذلك عن رسول الله مَّ ◌ُّه)، وروى ابن مسعود مرفوعا: ((قال رسول الله
عَّ ◌ُله: وتر الليل ثلاث كوتر النهار صلاة المغرب)). وإسناده حسن كما سيأتى، وهو يفيد
عدم الفصل بينهن كما أن صلاة المغرب لا فصل بينها، فلم نأخذ برواية ابن عمر فى ذلك
وأخذنا برواية الجماعة لترجيحها على الأولى روايةً ودرايةً.
أما من جهة الرواية فظاهر، لأن العدد الكثير أولى من الواحد، ولأن عائشة رضى
الله عنها كانت ترى وتره مګ أکثر مما يراه ابن عمر، لأنه مګے کان یوتر فی بیته دائما
وفى آخر الليل غالبا، ولا يحضره ابن عمر فى مثل هذا الوقت ولا فى بيته بعد العشاء،
و کذا أنس رضى الله عنه کان یحضر منه مآګآر ما لا يحضره غيره من الرجال لكونه من
خواص خدمه. وأما درايةً فلأن الفصل بين الشفع والوتر مما لا نظير له فى المكتوبة ولا فى
"التطوع، فما رواه الجماعة موافق للقياس دون ما رواه ابن عمر، وقد قال الحازمى فى كتابه
"الناسخ والمنسوخ": الوجه الثانى والعشرون من الترجيحات أن يكون أحد الحديثين
موافقا للقياس دون الآخر، فيكون العدول عن الثانى إلى الأول متعينًا. كذا فى "نصب
الراية" (٢٧٨:١) ولهذا قال الحسن البصرى لما قيل له: إن ابن عمر كان يسلم فى
الركعتين من الوتر: ((كان عمر أفقه منه كان ينهض فى الثالثة بالتكبير»: (أى بعد القعود
على الركعتين) أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (٣٠٤:١) وسكت عنه هو والذهبى
كلاهما، فسلك الحسن رضى الله عنه مسلك الترجيح ورجح فعل عمر على فعل ابنه
وأشار إلى أن فعل عمر أوفق بالفقه. هذا.
وقد أشكل حديث ابن عمر على بعض الناس فقال: والإنصاف أن الجواب عنه
مشكل، والأسهل أن يقال: إن كل ما صح فى الباب حق وجائز، ولكن المجتهد قد اختار
ما ترجح عنده بذوقه أو بقرائن أخرى. قلت: قاتله الله من مدع سعة النظر فى العلم، فو
١

٣٢
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة
إعلاء السنن
١٦٥٤- عن: عبد الله بن أبى قيس، قال: ((سألت عائشة رضى الله عنها
بكم كان رسول الله مَّ له يوتر؟ قالت: بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان
وثلاث، وعشرة وثلاث، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ولا أنقص من
سبع)). رواه أحمد وأبو داود والطحاوى وإسناده حسن "آثار السنن" (١١:٢).
الله لا يقول بمثل هذا القول إلا من قصر نظره فى علم الحديث، وأما من فتح الله عليه الباب
ورزقه سعة النظر فى العلم فلا يحتاج إلى الإحالة على ذوق المجتهد أصلا، بل يرى ترجيح
ما اختاره الإمام فى المسألة على ما اختاره غيره عیانا کالشمس ليس دونها حجاب، ولما
ثبت ترجيح ما رواه الجماعة على رواية ابن عمر فلا بد من التأويل فيما رواه، والأسهل أن
يقال: إن ذلك كان قبل النهى عن نقض الوتر وعن ضم الركعة الفردة إلى ما صلاه
منفصلا عنها قبل، كما يدل عليه حديث ((لا وتران فى ليلة)) فإنه لا شك أن بعض
الصحابة كان يوتر أول الليل ثم ينقض وتره بضم ركعة إليه فى آخر الليل، وهذا مما لا
يدرك بالرأى لما فيه من انعطاف حكم صلاة على الأخرى بعد السلام والحدث والنوم
وطول الفصل، فلا بد أن يكون ذلك جائزا فى الابتداء سماعا من النبى مرّ له، وهذا كما
يقتضى جواز البناء على الوتر وضم ركعة إليه مع تخلل النوم والحدث بينهما، كذلك
يقتضى جواز بناء الركعة الثالثة منه على الأوليين أيضاً مع تخلل السلام والكلام بينهما،
لعدم الفرق بين ضم الثالثة والرابعة فى ذلك، ثم لما نهى رسول الله مَ ◌ّر عن الوترين فى
ليلة ومنع عن نقض الوتر ونهى عن البتيراء بطل حكم انعطاف صلاة على الأخرى بعد
السلام والحدث وطول الفصل بالكلية، ولكن ابن عمر ومثله من الصحابة لم يبلغهم النهى
المذكور فبقوا على بناء ركعة على الركعتين بعد السلام ونحوه، كما بقوا على نقض
الوتر، والله أعلم. لا يقال: فيه دعوى النسخ بلا دليل، لأن الحاظر والمبيح إذا اجتمعا يجعل
الحاظر متأخرا كى لا يلزم النسخ مرتين، وقد ذكرنا ذلك فى "المقدمة".
قوله: "عن عبد الله بن أبى قيس إلخ". قلت: دلالته على الجزء الأول من الباب أى
الإيتار بثلاث موصولة ظاهرة، وإلا فلو كان ◌َّ يسلم على الركعتين من الوتر لكان حق
العبارة أن يقال: كان يوتر بست وواحدة، وثمان وواحدة، وعشرة وواحدة، واثنتى عشر
وواحدة كما لا يخفى، فلما جمعت الثلاث فى لفظة دل على كونها موصولة، وأما ما

---- -
ج- ٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
٣٣
١٦٥٥- عن: عمرة عن عائشة رضى الله عنها: ((أن رسول الله مَّ له كان
يوتر بثلاث، يقرأ فى الركعة الأولى ب﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وفى الثانية:
﴿قل يا أيها الكافرون﴾، وفى الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾ و ﴿قل أعوذ برب
الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ برب الناس))). رواه الدار قطنى والطحاوى والحاكم
وصححه "آثار السنن" (١٢:٢) وقال الحافظ فى "التلخيص الحبير"
(١١٨:٣): قال العقيلى: إسناده صالح ولكن حديث ابن عباس وأبي بن كعب
روته الجماعة إلا الترمذى عن عائشة قالت: ((كان رسول الله مَ له يصلى ما بين أن يفرغ
من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر
بواحدة))، الحديث.
ذكره فى "النيل" (٢٧٩:٢) فمعناه يتشهد بين كل ركعتين، وإطلاق التسليم على
التشهد شائع فى الأحاديث كما لا يخفى على من مارسها، ولو حملناه على تسليم
التحليل فمعناه کان یسلم بین کل ر کعتین سوی ر کعتی الوتر، لما سبق عنها أول الباب
صريحا برواية النسائى والحاکم: أنه مێ (( کان لا يسلم بین ر کعتی الوتر))، وفى طريق
أخرى: ((كان يوتر بثلاث لا يسلم إلا فى آخرهن))، وسيجيئ من طريق أخرى عند أحمد:
((أوتر بثلاث لا يفصل بينهن))، والمفسر قاض على المجمل، فإن قولها: ((يسلم بين كل
ركعتين)) فى رواية الجماعة ليس بصريح فى التسليم على ركعتى. الوتر، بل يحتمل الذى
قلنا حملا للكلام على التغليب، ولفظها عند النسائى والحاكم وأحمد صريح فى نفى
التسليم على ركعتى الوتر وفى كون الثلاث موصولة بتسليمة واحدة، على أن حديث
التسليم بين كل ركعتين إنما هو من رواية عروة عن عائشة رضى الله عنها، روايته عنها فى
هذا الباب مضطربة كما سنبينه، فلا حجة بها علينا، ولا يصح معارضة الأحاديث
الصحيحة الغير المضطربة بها، وقولها: ((ثم أوتر بواحدة)) معناه أوتر بواحدة مضمومة إلى
الشفع، ولكن لما كان الإيتار حاصلا بالواحدة الأخيرة حقيقةً قالت: ثم أوتر بواحدة،
لكونها موترة لما قبلها.
قوله: "عن عمرة إلخ". قلت: قولها: "كان يوتر بثلاث" ظاهر فى كون الثلاث
موصولة بتسليمة واحدة.

٣٤
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
بإسقاط المعوذتين أصح، وقال ابن الجوزى: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة
المعوذتين اهـ.
١٦٥٦- حدثنا: أبو النضر ثنا محمد یعنی ابن راشد عن يزيد بن يعفر
عن الحسن (البصرى) عن سعد بن هشام عن عائشة (رضى الله عنها): ((أن
رسول الله عّ لّه كان إذا صلى العشاء دخل المنزل ثم صلى ركعتين، ثم صلى
بعدهما ركعتين أطول منهما، ثم أوتر بثلاث لا يفصل بينهن)). رواه أحمد
وإسناده يعتبر به "آثار السنن" (ص-١١). قلت: أما أبو النضر فلا يسأل عنه فإن
شیوخ أحمد ثقات کلهم، ومحمد بن راشد متكلم فيه وقد وثق، ویزید بن
يعفر قال الدارقطنى: يعتبر به، وذكره ابن حبان فى الثقات، وقال الذهبى فى
"الميزان": ليس بحجة "تعجيل المنفعة" (ص-٤٥٥) وهذا تلیین هین، فالإسناد
حسن وذكره الحافظ فى "التلخيص" (١١٦:١) أيضًا وسكت عنه.
١٦٥٧- عن: أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة رضى الله عنها
كيف كانت صلاة (أى التهجد) رسول الله عَّ ◌ُله فى رمضان؟ فقالت: ((ما كان
رسول الله عَ ليه يزيد فى رمضان ولا فى غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلى
أربعا فلا تسئل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلى أربعا فلا تسئل عن حسنهن
وطولهن، ثم يصلى ثلاثا)). الحديث رواه البخارى (١٥٤:١)
ومسلم (٢٥٤:١).
قوله: "حدثنا أبو النضر إلخ". قلت: فيه دلالة ظاهرة صريحة على كون الثلاث
موصولة و عدم الفصل بينهن بسلام.
قوله: "عن أبى سلمة إلخ". قلت: قولها: ((يصلى أربعا ثم يصلى أربعا ثم يصلى
ثلاثا)) يدل على ما دل عليه الأحاديث قبله، فثبت بمجموع الروايات عن عائشة (رضى الله
عنها) أن الوتر ثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وأما ما رواه مسلم عنها قالت: ((كان
رسول الله مَّ يصلى من الليل ثلاث عشرة ركعةً يوتر من ذلك بخمس لا يجلس فى
شىء إلا فى آخرها اهـ) (٢٥٤:١) فهو من رواية هشام بن عروة عن أبيه، ورواية عروة

ج - ٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
٣٥
عن عائشة فى هذا الباب مضطربة، فقد روى ابن شهاب عن عروة عنها: ((أنه مرَ ◌ّ كان
يضلى بالليل إحدى عشرة ركعةً يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه
الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلى ركعتين خفيفتين)). وهذه رواية مالك عن الزهرى، وتابعه
عمرو بن الحارث ويونس عنه عند مسلم (١: ٢٥٤) والطحاوى، وابن أبى ذئب عند
الطحاوى وحده (١٦٧:١). وزاد: ((يصلى فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر
ويسلم بين كل ركعتين)). ففى هذا الحديث أن جميع صلاة بالليل بعد العشاء إلى طلوع
الفجر كانت إحدى عشرة ركعة والوتر بواحدة.
وروى مالك عند الطحاوى عن هشام بن عروة عن أبيه عنها: ((أنه مرّ ات. كان يصلى
بالليل ثلاث عشرة ركعة ثم يصلى إذا سمع النداء ركعتين خفيفتين اهـ)) (١٦٧:١)، ففيه
أن صلاته فى الليل كانت ثلاث عشرة ركعة سوى ركعتى الفجر، وليس فيه دليل على
وتره كيف كان. وروى عبد الله بن نمير عن هشام عن أبيه عنها: «أنه کان یصلی ثلاث
عشرة ركعة يوتر منها بخمس لايجلس فى شىء إلا فى آخرها))، رواه مسلم كما مر
والطحاوى أيضًا (ص-أيضًاً) وليس فيه ما يدل على أن ثلاث عشرة هذه كانت مع
ركعتى الفجر أو بدونها، وزاد ((أنه كان يوتر بخمس)) خلاف ما رواه الزهرى من الإيتار
بواحدة، وقال: ((لا يجلس فى شىء إلا فى آخرها»، وروى الزهرى أنه كان يسلم بين كل
ركعتين.
قال الطحاوى: فلما اضطرب ما روى عن عروة فى هذا عن عائشة من صفة وتر
رسول الله عَّ (صلاة فى الليل) لم يكن فيما روى عنها ذلك حجة، ورجعنا إلى ما روى
عنها غيره إلى أن قال بعد سرد روايات غيره عنها: فثبت بذلك أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا
فى آخرهن، غير أن ما رواه هشام عن أبيه فى ذلك: ((أن النبى معَّ كان يوتر بخمس لا
يجلس إلا فى آخرهن)) لم نجد له معنى، وقد جاءت العامة عن أبيه وعن غيره عن عائشة
بخلاف ذلك، فما روته العامة أولى مما رواه هو وحده وانفرد به اهـ (١) (١٦٩:١).
(١) فإن قلت: لم ينفرد به هشام وحده بل تابعه عليه محمد بن جعفر بن الزبير أحد الثقات عند الطحاوى فرواه عن
عروة عنها نحو ما رواه هشام (١٦٧:١) قلت: متابعة محمد بن جعفر رواها محمد بن إسحاق عنه وهو مدلس
وقد عنعن، فلعل لأجل هذه العلة لم يعرج الطحاوى عليها، وإن سلمنا صحة هذه المتابعة فلا يرتفع بها
الاضطراب عن حديث عروة بل يتقوى، لأن ما رواه الزهرى عنه من الإيتار بواحدة وزيادة التسليم بين كل
ركعتين معارض ومخالف لما رواه هشام ومحمد بن جعفر عن عروة، فلو كان هشام منفردا بالمخالفة لارتفع
الاضطراب ورجحنا روابة الزمرى على روايته لكونه أحفظ وأتقن وأثبت من هشام، ولما توبع عليها لم يكن لما
رواه أحدهما بترجيح على رواية الآخر وهذا هو الاضطراب بعينه مؤلف.

٦٠
٣٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
قلت: وكذلك حديث أم سلمة قالت: ((كان النبى مرّ يوتر بخمس وبسبع لا
يفصل بينها بسلام ولا بكلام)) مضطرب الإسناد، كما أن حديث عروة عن عائشة
مضطرب المتن، فقد أخرجه -أی حديث أم سلمة- النسائی بطريق جرير عن منصور عن
الحكم عن مقسم عن أم سلمة مرفوعا، وخالفه إسرائيل فرواه عن منصور عن الحكم عن
مقسم عن ابن عباس عن أم سلمة مرفوعا، وخالفهما يزيد فرواه عن سفيان بن الحسين عن
الحكم عن مقسم، قال: "الوتر سبع فلا أقل من خمس" (قال الحكم): فذكرت ذلك
لإبراهيم (النخعى) فقال: عمن ذكره؟ قلت: لا أدرى! قال الحكم: فحججت فلقيت
مقسما فقلت له: عمن؟ قال: عن الثقة عن عائشة وعن ميمونة، كذا فى "المجتبى"
(٢٥٠:١) فجعله مقسم فى الثالثة عن الثقة عن عائشة وميمونة ولم يذكر أنهما رفعتاه إلى
النبى مَّالِ أم لا؟ فلا حجة به، وإن سلمنا صحته فهو محمول على نفى الكلام والسلام
جهرا، وعلی أنه ینبغی تقديم تطوع إما ركعتين أو أربع ركعات أو أكثرمن ذلك على
ثلاث الوتر، ولا ينبغى الاقتصار على الثلاث وحدها احترازا عن التشبيه بالمغرب.
وهذا هو محمل ما رواه أبو سلمة وعبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة مرفوعًا:
((لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس أو بسبع ولا تشبهوا بصلاة المغرب))، رواه الدار قطنى
والحاكم والبيهقى، وقال الحافظ: إسناده على شرط الشيخین، وأخرجه محمد بن نصر
المروزى وابن حبان والحاكم عن عراك بن مالك عن أبى هريرة مرفوعا بلفظ: ((لا توتروا
بثلاث تشبهوا بصلاة المغرب، ولكن أوتروا بخمس أو بسبع أو بإحدى عشرة أو أكثرمن
ذلك))، وقال العراقى: إسناده صحيح. وأخرج محمد بن نصر والطحاوى عن ابن عباس
قال: ((الوتر سبع أو خمس ولا نحب ثلاثا تبراء». وصححه العراقى. وعن عائشة قالت:
((الوتر سبع أو خمس وأنى لأكره أن يكون ثلاثا تبراء)). رواه محمد بن نصر والطحاوى
وصححه العراقى أيضا، كذا فى "آثار السنن" (٦:٢) فليس معناه النهى عن الإيتار
بالثلاث مطلقا. كيف؟ وقد ثبت ذلك عن النبى مّ قولا وفعلا واتفق عليه جمهور
الصحابة كما سيجيئ، وأجمع الأئمة الأربعة المقتدى بهم فى الدين على جواز الإيتار
بالثلاث وإن اختلفوا فيما دونه وأكثر منه، بل معناه ما قلنا: إن المراد النهى على الاقتصار
١

ج-٦
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
٣٧
على ثلاث الوتر، أى وينبغى أن يتقدمه تطوع إما ركعتان أو أربع ركعات أو أكثر
من ذلك.
وقد جمع الحافظ فى "الفتح" بین أحاديث الإیتار بثلاث موصولة وبین النهى عنها
لأجل التشبيه بالمغرب يحمل النهى على صلاة الثلاث بتشهدين، وقال بعضهم: هو جمع
حسن، وقال القسطلانى: ثم الوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين فرقا بينه وبين المغرب.
قلت: هذا الجمع سخيف جدا بعيد غاية البعد، لا يذهب إليه ذهن ذاهن أصلا بل هو غلط
صريحا، لأن قوله: ((لا توتروا بثلاث ولكن أوتروا بخمس أو بسبع أو بتسع) يدل دلالةً
صريحةً على إرادة عدد الركعات وهو المتبادر منه، وأما وحدة التشهد أو تعدده فلا دلالة
لهذه الآثار عليها لا مطابقة ولا تضمنا ولا التزامًا، فالمعنى ما قلنا: إنه كره ترك التطوع قبل
الإيتار بثلاث فرقا بينه وبين المغرب، كذا فى "التعليق الحسن" (١٣:٢) بمعناه.
قلت: والجمع بالوجه الذى ذكره النيموى مأخوذ من قول الطحاوى رحمه الله فى
"معانى الآثار" له (١٦٩:١) ولا يصح استدلال من ذهب إلى الإيتار بواحدة على النهى
عن الإيتار بثلاث بهذه الآثار أصلا، لأنه ليس فيها ذكر الإيتار بركعة أيضًا، بل فيها أمر
الإيتار بخمس أو بسبع أو بأكثرمن ذلك بعد النهى عن الثلاث، فيلزمهم أن يقولوا
بأفضلية الإيتار بأكثر من ثلاث بل بوجوبه، ولا يقول به أحد منهم، فعادت الآثار عليهم
بالنقض، ولا حجة لهم فيما روى محمد بن نصر بإسناد صححه العراقى عن سليمان بن
يسار: أنه سئل عن الوتر بثلاث فكره الثلاث، وقال: لا تشبه التطوع بالفرضية أوتر بركعة
أو بخمس أو بسبع. كذا فى "النيل" (٢٨١:٢). لأن سليمان بن يسار تابعى ولا يحتج
بأقوال التابعين عندهم مطلقا، وكذلك عندنا إذا عارضها الآثار المرفوعة وأقوال الصحابة،
وههنا کذلك کما ستعرفه، هذا.
وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة بلفظ: «ثم أوتر بخمس لا یجلس فی
شىء إلا فى آخرها))، بعد تسليم صحته محمول أيضًا على ما قبل تقرر الوتر بثلاث
و کذا حديث ابن عباس: (ثم أوتر بخمس ولم یجلس بينهن))، رواه أبو داود بإسناد فيه
لين كما فى "آثار السنن" (٥:٢)، وسيأتى معنى قولهما: ولم يجلس إلا فى آخرها ولم

٣٨
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
١٦٥٨- عن: ابن عباس: ((أنه رقد عند رسول الله مَّ له، فاستيقظ فتسوك
وتوضأ وهو يقول: ﴿إن فى خلق السموات والأرض﴾ حتى ختم السورة، ثم
يجلس بينهن، ولا حجة للخصم فيما رواه الأربعة، وآخرون إلا الترمذى عن أبى أيوب
رضى الله عنه الأنصارى قال: قال النبى معَّ ◌ُله: ((الوتر حق واجب على كل مسلم، فمن
أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر
بواحدة فليفعل)، كما فى "آثار السنن" (٧:٢)، لأن الخصم لا يصححه مرفوعًا، بل
الصواب عنده الوقف، كما قال الحافظ فى "التلخيص": صحح أبو حاتم والذهلى
والدارقطنى فى العلل والبيهقى وغير واحد وقفه، وهو الصواب اهـ (١١٦:١)، وهو
عندنا محمول على ما قبل تقرر الوتر بثلاث، فقد تقدم أن الوتر بواحدة كان جائزا فى
الابتداء، ثم ورد النهى عن البتيراء وعن الوترين فى ليلة، وكذا الوتر بخمس بتسليمة
واحدة، لعله كان جائزا فى بدء الأمر ثم تقرر على الثلاث بفعله مَّ له وبقوله: ((الوتر ثلاث
كصلاة المغرب))، وعليه اتفاق جمهور الصحابة كما سيأتى، وهذا إذا حملنا قوله: ((من
أحب أن يوتر بخمس)) على كونها موصولة بتحريمة واحدة، ويحتمل أن يكون محمولا
على الفصل بأن يوتر بثلاث ويتطوع بركعتين قبله أو بعده، فيكون المجموع وترا، والله
أعلم.
قوله: "عن ابن عباس إلخ". قلت: هذا الحديث من رواية حصين عن حبيب بن أبى
ثابت، وهی مما استدر كه الدارقطنی علی مسلم مخالفتها لباقى الروايات فى عدد الركعات،
ففيهما ست ركعات، وفى غيرها من الروايات ثلاث عشرة ركعة، كذا قاله النووى
(٢٦١:١). ثم اعتذر عن ذلك بأن مسلما لم يذكره فى الأصول بل فى المتابعات،
ويحتمل فيها ما لا يحتمل فى الأصول، وأجاب القاضی عیاض یامكان الجمع بينه وبين
باقی الروایات.
قلت: لم ينفرد به حبیب بن أبی ثابت بل تابعه یونس بن أبى إسحاق، فرواه عن
المنهال بن عمرو عن على بن عبد الله بن عباس عن أبيه مثله عند الطحاوى بسند صحيح
(١٦٩:١) ولم ينفرد به محمد بن على بل تابعه منهال بن عمرو، فرواه عن على بن عبد
الله نحوه، ولم ینفرد به علی بن عبد الله بل تابعه کریب مولی ابن عباس، فرواه عن ابن

٣٥
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراء : .
إعلاء السنن
قام فصلى ركعتين فأطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى
نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات ست ركعات كل ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ
هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلث)) الحديث رواه مسلم بطريق على بن عبد الله بن
عباس عنه (٢٦١:١).
عباس بلفظ: ((فصلى رسول الله عَ ليه ركعتين بعد العشاء ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين
ثم أوتر بثلاث))، كذا فى "معانى الآثار" (١٧٠:١) ففيه أن صلاته بالليل كانت تسع
ركعات سوى الركعتين بعد العشاء، وهذا هو بعينه ما فى رواية على بن عبد الله، وتابعه
أيضًا سعيد بن جبير عند الطحاوى (١٦٩:١) بسند صحيح، فرواه عن عبد الله بن عباس
قال: (بت فى بيت خالتى ميمونة، فصلى رسول الله مرّطلّ العشاء، ثم جاء فصلى أربعا، ثم
قام فصلى خمس ركعات، ثم صلى ركعتين، ثم نام حتى سمعت غطيطه أو خطيطه، ثم
خرج إلى الصلاة اهـ)). ففيه أيضًا أن صلاته مَّه بالليل كانت تسع ركعات سوى سنة
العشاء وركعتى الفجر، فالحديث صحيح سالم من العلة، وفيه أنه أوتر بثلاث، وهذا يدل
بظاهره على كونها موصولة، فما رواه كريب عنه بلفظ: «ثم أوتر بركعة، عند الطحاوى
(١٧٠:١) معناه أوتر بواحدة مع ثنتين قد تقدمتها، فتكونان مع هذه الواحدة ثلاثًا،
ليستوى معنى هذا الحديث ومعنى حديث على بن عبد الله وسعيد بن جبير. كيف؟ وقد
مر عن كريب نفسه قوله: ((ثم أوتر بثلاث)) وقد روى يحيى الجزار أيضًا عن ابن عباس:
(أن رسول الله عَّ ◌ٍ كان يوتر بثلاث ركعات)) عند النسائى (٢٤٩:١) والطحاوى
(١٧٠:١). وسنده صحيح.
ولا يعارضه ما رواه البخارى فى المناقب (٥٣:١): عن ابن أبي مليكة قال: «أوتر
معاوية بعد العشاء بر کعة وعنده مولی لابن عباس، فأتی ابن عباس فقال: دعه فإنه قد
صحب رسول الله عَّ)، وفى لفظ له: ((قيل لابن عباس: هل لك فى أمير المؤمنين معاوية؟
فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: أصاب، إنه فقيه اهـ)). فليس فيه ما يدل على أن الوتر
بواحدة كان جائزا عند ابن عباس، ولو كان كذلك لعلمه أصحابه ولم ينكروا على معاوية
أشد الإنكار، بل فيه ما يشعر بأن أهل مكة من أصحاب ابن عباس لم يكونوا يعرفون الوتر
بواحدة أصلا، وأما قوله: ((دعه فإنه قد صحب)) وقوله: ((أصاب، إنه فقيه)) معناه أصاب

٤٠
الإيتار بثلاث والنهى عن الإيتار بركعة فردة وذكر القراءة فيه
إعلاء السنن
فى زعمه لأنه مجتهد، وأراد بذلك زجر التابعين الصغار عن الإنكار على الصحابة الكبار
لا سيما على الفقهاء المجتهدين منهم، فإن كل مجتهد مصيب فی زعمه، وهو يستحق
الأجر على اجتهاده وإن كان مخطئا فى نفس الأمر، ويدل على إرادة الزجر قوله:
(دعه فإنه قد صحب))، وأصرح منه لفظ الطحاوى بسند حسن عن عطاء قال: قال
رجل لابن عباس: هل لك فى معاوية أوتر بواحدة؟ وهو يريد أن يعيب معاوية، فقال ابن
عباس: أصاب معاوية اهـ (١: ١٧٠).
ففيه أنه إنما صوب ذلك زجرا لمن أراد عيب معاوية، ويدل على عدم إرادته
التصويب فى نفس الأمر ما ذكرناه فى المتن عن ابن عباس أنه هو نفسه أنكر على معاوية
ذلك وسيأتى، وهذا أولى من قول الطحاوى رحمه الله: وقد يجوز أن يكون قول ابن
عباس أصاب معاوية على التقية له، أى أصاب فى شىء آخر، لأنه كان فى زمنه، ولا
يجوز عليه عندنا أن يكون ما خالف فعل رسول الله مطّ الذى قد علمه عنده صوابا، وقد
روی عن ابن عباس فی الوتر أنه ثلاث، ثم ذكر بسنده عن أبى منصور قال: سألت عبد
الله بن عباس عن الوتر فقال: ثلاث اهـ (١٧١:١). قلت: نعم، لا يجوز عليه أن يكون ما
خالف علمه وفتواه صوابا عنده، ولكن يجوز عليه أن يصوب فعل أحد بحسب زعم
الفاعل لكونه مجتهدا عسى أن يكون قد تمسك بدلیل لاح له، ويكون معنى قوله "أصاب
معاوية" أنه أصاب فى زعمه لا أنه أصاب عند ابن عباس فى علمه.
وأما ما كتب عليه بعض الناس: أن هذا التأويل أی تأويل الطحاوى ر كيك، ويدل
على العصبية أيضا، وليس ذلك من دأب المحصلین اهـ فمردود عليه بأن تأويله بالتقية لیس
بمستعد ولا ركيك ولا فيه عصبية، فإن التقية بالمعنى الذى أراده الطحاوى ليس بحرام
مطلقا بل جائزة فى بعض الأحوال، أو لم يعلم هذا المعترض بأن ابن عباس من خواص
أصحاب على رضى الله عنه من الذين كانوا ينكرون على معاوية رضى الله عنه أشد
الإنكار ويبغضونه ويقاتلونه فى حياة على، ثم بايعوه بعد تقيةً غالبًا ورضاءً به نادرًا، وكذا
بايعوا ابنه يزيد من بعده كذلك، اللهم إلا أن تأويل قول ابن عباس بما أولناه به أولى مما قاله
الطحاوى رحمه الله مع كونه محتملا غير مستبعد، فافهم، وقال الشيخ عبد الحق فى