Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
سنية تسوية الصف
إعلاء السنن
محمد فى موطائه (ص: ٨٦) وسنده صحيح. وأخرجه مالك الإمام (ص: ٥٥) عن
نافع أن عمر بن الخطاب إلخ وهو منقطع كما فى التهذيب (٤١٤:١٠) ولكنه
موصول عند محمد کما ترى.
١٣٢٧- أخبرنا: مالك أخبرنا أبو سهيل(١) بن مالك، وأبو النضر مولى
عمر بن عبيد الله عن مالك ابن أبى عامر الأنصارى(٣) أن عثمان بن عفان كان
يقول فى خطبته: إذا قامت الصلاة فاعدلوا الصفوف، وحاذوا بالمناكب(٣) فإن
اعتدال الصفوف من تمام الصلاة. ثم لا يكبر حتى يأتيه رجال قد وكلهم
بتسوية الصفوف، فيخبرونه أن قد استوت، فيكبر". أخرجه محمد فى موطائه
(ص: ٨٦) ورجاله رجال الجماعة غير محمد وهو ثقة إمام، وأخرجه مالك فى
موطائه (ص: ٥٥) بغير هذا اللفظ.
١٣٢٨ - عن: عمرو بن ميمون قال: "شهدت عمر رضى الله عنه يوم
وعلى أن لا يكبر الإمام حتى يعلم باستوائها ظاهرة، وقد سبق ذلك فى حديث نعمان بن
بشير عند أبى داود عن النبى ◌ّ له فى قوله ((فإذا استوينا كبر)) وقال ابن الملك (فى
شرحه): يدل على أن السنة للإمام أن يسوى الصفوف ثم يكبر كذا فى المرقاة (عون
المعبود ١: ٢٥١) لا يقال: هذا مخالف لما اشتهر عند الحنفية أن السنة تكبير الإمام عند
قول المؤذن: قد قامت الصلاة. لأنا نقول: ذلك إذا استوت الصفوف قبل قول المؤذن
هذا، وهو الذى ينبغى أن يفعل كما قال محمد فى الموطأ: ينبغى للقوم إذا قال المؤذن:
حى على الفلاح أن يقوموا إلى الصلاة، فيصفوا ويسووا الصفوف، ويحاذوا بين
المناكب، فإذا أقام المؤذن الصلاة (أى قال: قد قامت الصلاة) كبر الإمام، وهو قول أبى
حنيفة رحمه الله ا هـ (ص: ٨٧) وإذا لم تستو عند إقامة المؤذن، فالسنة أن يسوى
الصفوف ثم یکبر.
(١) هو عم الإمام مالك، وثقة أحمد وأبو حاتم والنسائي.
(٢) هو جد الإمام مالك ، من كبار التابعين ، ثقة ، روى له الجماعة.
(٣) أى قابلوها بأن لا يكون بعضها متقدما ومتأخراً.

ج - ٤
٣٦٢
طعن فما منعنى أن أكون فى الصف المقدم إلا هيبته، وكان رجلا مهيبا،
فكنت فى الصف الذى يليه، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم
بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الذى
منعنى منه" الحديث رواه ابن سعد والحارث وأبو نعيم واللالكائى فى السنة
وصحح، كذا فى كنز العمال (٣٠٩:٦).
١٣٢٩- وقال الحافظ فى الفتح (١٧٥:٢): صح عن عمر أنه ضرب قدم
أبى عثمان النهدى لإقامة الصف.
١٣٣٠- وصح عن سويد بن غفلة قال: كان بلال يسوى مناكبنا،
ويضرب أقدامنا فى الصلاة اهـ.
باب سنیة إکمال الصف الأول فالأول
١٣٣١- عن: أنس رضى الله عنه أن رسول الله منّ الله قال: أتموا الصف
المقدم ثم الذى يليه، فما كان من نقص فليكن فى الصف المؤخر" أخرجه أبو
داود (٢٠٢:١)، هو عند أبى داود من طريق محمد بن سليمان الأنبارى وهو
قوله: "عن عمرو بن ميمون" إلخ دلالته على ما دل عليه الأثران السابقان وهو
شدة الاعتناء بتسوية الصفوف ظاهرة، ولا يصح الاستدلال بضرب عمر وبلال القوم
على ذلك على وجوبها لما مر عن الحافظ من جواز رؤيتهما التعزير على ترك السنة أيضا.
باب سنية إكمال الصف الأول فالأول
قوله: "عن أنس" إلخ قلت: دل الحديث على جعل النقصان فى الصف الأخير
وهو السنة عندنا وعند الجمهور، لكن لم يظهر منه موقف الصف الناقص، فظاهر حديث
أبى هريرة "وسطوا الإمام" رواه أبو داود وسكت عنه أن يقف أهل الصف الناقص خلف

٣٦٣
إعلاء السنن
صدوق، وفى النيل (٦٦:٣): وبقية رجاله رجال الصحيح.
باب كراهة التأخر عن الصف المقدم
بلا و جه شرعی
١٣٣٢ - عن: عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ماظلِّ:
((لا يزال قوم يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله فى النار)). أخرجه
أبو داود (٢٠٢:١ مع العون) وسكت عنه. وفى رواية لابن خزيمة فى صحيحه
وابن حبان: "حتى يخلفهم الله فى النار" كذا فى الزواجر (١٢٤:١) لابن حجر
الإمام، ثم عن يمينه وعن شماله، والله أعلم.
باب كراهة التأخر عن الصف المقدم بلا وجه شرعی
قوله: "عن عائشة" إلخ قلت: هذا وعيد شديد، ومقتضاه فى الظاهر وجوب
التقدم إلى الصف الأول، كما زعمه بعض الناس ولكن لم يقل به أحد من الأئمة،
والمذهب استحباب ذلك، كما فى الهندية عن القنية، والقيام فى الصف الأول أفضل من
الثانى، وفى الثانى أفضل من الثالث ا هـ (١: ٥٦). والذى ظهر لى فى معنى الحديث أن
الوعيد ليس على التأخر من الصف الأول بخصوصه، كما يتبادر من ظاهر لفظه، بل
الوعيد على منشأ هذا التأخر الذى هو أمر باطنى وهو تقاعد باطن المرء عن السبقة إلى
الخيرات والمبرات، واعتياده لذلك حتى يظهر أثره فى التأخر عن الصف الأول أيضا، ولا
يخفى أن المسارعة إلى الخيرات، وطلب السبقة فيها بالقلب واجب شرعا لقوله تعالى:
"فاستبقوا الخيرات" وقوله: "سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات
والأرض"، فاعتياد ضد ذلك يكون معصية توجب تخلف صاحبها فى النار جزاء، وفاقا
لأعماله طباقا لأحواله، وليس معنى الحديث كون التخلف عن الصف الأول معصية فى

ج - ٤
كراهة التأخر عن الصف المقدم بلا وجه شرعی
٣٦٤
الهيثمى.
١٣٣٣- عن: أبى سعيد الحذرى رضى الله عنه أن رسول الله منّ الله رأى فى
أصحابه تأخرا فقال ((تقدموا، فأتموا بى، وليأتم بكم من بعدكم. لا يزال قوم
يتأخرون حتى يؤخرهم الله عز وجل)). رواه مسلم (١٨٢:١) وأبو داود،
والنسائى، وابن ماجة، كذا فى عون المعبود (٢٥٤:١).
نفسه. كما فهمه بعض الناس. وتذكر ما أسلفناه فى الباب السابق عن ابن حجر الهيثمى
أنه ليس المراد به ظاهره إجماعا ا هـ بل إذا كان منشأه تقاعد الباطن عن الخير وعدم رغبته
إلى أسباب القرب من الله تعالى فإن ذلك مرض ليس والله مرض أشد منه. أو يقال كما
قال الشيخ أطال الله بقاءه: إن الوعيد محمول على من كان فى الصف الأول ثم تأخر عنه
لمصلحة دنيوية، كسهولة الخروج من المسجد بعد الصلاة بسرعة أو كحصول الراحة
بالهواء ونحوه فى الصف المتأخر إذا كان الصف الأول فى داخل المسجد والثانى أو
الثالث فى خارجه، فهذا لا يجوز لما فيه من قطع الصف والإعراض عن القربة اهـ. قلت:
ويؤيده ما فى رد المحتار فى مسئلة الإيثار بالقرب، ونصه: وفى كراهة ترك الصف الأول مع
إمكانه خلاف أى لو تركه مع عدم خوف الإيذاء، ثم ذكر عن الحمودى عن المضمرات
عن النصاب: وإن سبق أحد إلى الصف الأول، فدخل رجل أكبر منه سنا أو أهل علم
ينبغى أن يتأخر ويقدمه تعظيما له اهـ قال: فهذا يفيد جواز الإيثار بالقرب بلا كراهة
خلافا للشافعية، وقال فى الاشباه: لم أره لأصحابنا أقول: وينبغى تقييد المسئلة بما إذا
عارض تلك القربة ما هو أفضل منها كاحترام أهل العلم، والأشياخ كما أفاده الفرع
السابق، أما لو آثر على مكانه فى الصف مثلا من ليس كذلك يكون أعرض عن القربة بلا
داع، وهو خلاف المطلوب شرعا اهـ ملخصا (١٤ : ٥٩٤) وعلى هذا فدلالة الحديث على
معنى الباب ظاهرة .
قوله: "عن أبى سعيد" إلخ. قال الشيخ: محمله ما إذا قام خلف صف فيه فرجة
فإن ذلك مكروه، ورجح الطحطاوى كون الكراهة فيه تحريمية، كما تقدم. ويؤيد هذا

٣٦٥
کراهة التأخر عن الصف المقدم بلا وجه شرعی
إعلاء السنن
١٣٣٤- عن: عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله سرّ له: ((ليلنى منكم
أولوا الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثلاثا)) الحديث أخرجه مسلم (١٨١:١)،.
وأخرج نحوه عن أبى مسعود أيضا .
١٣٣٥- وأخرج ابن ماجة عن أنس مرفوعا: كان يحب أن يليه المهاجرون
والأنصار ليأخذوا عنه. قال فى النيل: رجاله رجال الصحيح.
الحمل قوله مرّ ر فيه: "تقدموا فإن التقدم لا يتأتى إلا بالفرجة فى الصف المقدم" اهـ
ومعنى قوله ((لا يزال قوم يتأخرون)) قد ذكرناه، والله تعالى أعلم.
قوله: "عن عبد الله بن مسعود" إلخ قلت: فيه الأمر لأولى الأحلام والنهى بأن
يقربوا من الإمام، ومقتضاه أن غیر هؤلاء مأمورون بالتأخر عنه کما دل عليه قوله: «ثم
الذين يلونهم» والمراد "بأولى الأحلام والنهى" البالغون العقلاء، فأفاد تأخير الصبيان،
والبالغين السفهاء عن الصف المقدم. قال النووى: فى هذا الحديث تقديم الأفضل
فالأفضل إلى الإمام، لأنه أولى بالإكرام، لأنه ربما يحتاج الإمام إلى استخلاف فيكون هو
أولى، ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو ما لا يتفطن له غيره، وليضبطوا صفة
الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويعلموها الناس، وليقتدى بأفعالهم من وراءهم، ولا
يختص هذا التقديم بالصلاة بل السنة أن يقدم أهل الفضل فى كل مجمع إلى الإمام
وكبير المجلس اهـ (١: ١٨١). قلت: وعلى هذا، فيجوز إيثار العلم وكبير السن بالصف
الأول بل يجب نظرا إلى الأمر، فإن الجاهل والصغير مأمور بالتأخر عن أهل الحلم
والنهى، ويؤيده ما رواه الحاكم فى مستدركه عن أبى بن كعب مرفوعا "لا يقوم فى الصف
الأول إلا المهاجرون والأنصار" ذكره فى كنز العمال بلا تعقب (٤: ١٣٥) فهو صحيح
على قاعدته، وهو صريح فى النهى لغير هؤلاء عن التقدم إلى الصف الأول، وتخصيص
الأنصار والمهاجرين بالذكر لكونهم أولى الأحلام والنهى إذ ذاك فى الأغلب، وكونهم
أفضل من غيرهم. وأفاد هذا الحديث أن أمر المسارعة إلى الصف الأول ليس على إطلاقه
بل هو مختص بأولى الفضل والصلاح، وكذا الوعيد الوارد على التأخر عنه مختص بهم
أيضا، نعم! يشمل الوعيد غيرهم إذا بقى فى الصف الأول فرجة فلم يسدوها، فافهم، فلو

ج - ٤
كراهة التأخر عن الصف المقدم بلا وجه شرعی
٣٦٦
تأخر أحد عن الصف الأول لخلوه عن الصلاح والفضل والتقوى بشرط أن يرجو كمال
الصف بغيره ممن هو أهله، فله ذلك ولا لوم عليه، بل ذلك متعين فى حقه.
قال العلامة الشعرانى فى العهود المحمدية: أخذ علينا العهد إذا صفت سرائرنا من
جميع ما يسخط الله عز وجل بحيث لم يبق فى سرائرنا وظواهرنا إلا ما يرضى ربنا أن
نواظب على الصلاة فى الصف الأول عملا بقوله مرّ ةٍ: ((ليلنى منكم أولو الأحلام
والنهى)) أى العقل. ولا يكون العبد عاقلا إلا إذا كان بهذا الوصف الذى ذكرناه، فإن من
كان فى ظاهره أو باطنه صفة يكرهها الله تعالى، فليس بعاقل كامل، ولا يتقدم للصف
الأول بين يدى الله فى المواكب الإلهية إلا الأنبياء والملائكة، ومن كان على أخلاقهم.
وأما من تخلف عن أخلاقهم فيقف فى آخريات الناس خير له إلى أن قال: وما قررناه من
تأخير مرتكب المعاصى، وجامع الدنيا عن الصف الأول هو ما عليه طائفة الصوفية،
وجمهور العلماء لا على الأمر بتقديم الوقوف فى الصف الأولى على غيره مطلقا، كما هو
مقرر فى كتب الفقهاء، فاعلم ذلك، والله يتولى هداك ا هـ (ص: ٣٦) وفيه أيضا (ص:
٨٢): أخذ علينا العهد أن لا نقف فى الصف المؤخر ونترك المقدم إلا لعذر صحيح
شرعى، وقد عد الصوفية من الأعذار المسوغة للوقوف فى الصف المؤخر أن يكون أحدنا
كثير الوقوع فى المخالفات كثر الأكل للشهوات يحب الشهرة بالصلاح والعلم ونحو
ذلك، واستدل على ذلك يكون مثل هذا قليل العقل عند الشارع بقوله معد له: ((الدنيا دار
من لا دار له: ولها يجمع من لا عقل له)) رواه الترمذى مع قوله مرّ له: ((ليلنى منكم أولو
الأحلام والنهى)) كما تقدم، فدلالة الحدیث على الجزء الثانى من الباب ظاهرة. وفی رد
المختار عن المعراج: الأفضل أن يقف فى الصف المؤخر إذا خاف إيذاء أحد، قال عليه
الصلاة والسلام: ((من ترك الصف الأول مخافة أن يؤذى مسلما أضعف الله له أجر
الصف الأول)) وبه أخذ أبو حنيفة، ومحمد، وفى كراهة ترك الصف الأول مع إمكانه
خلاف أى لو تركه مع عدم خوف الإيذاء ا هـ (١: ٥٩٤) قلت: الراجح للأحاديث
المتقدمة الكراهة إذا تأخر عنه بلا عذر صحيح شرعى، ومخافة الإيذاء بالمزاحمة، وغيرها
عذر أيضا بالحديث الذى ذكره فى المعراج، وقد أخرجه الطبرانى فى الأوسط مرفوعا عن
ابن عباس، كما فى مجمع الزوائد (١: ١٧٩) قال: وفيه نوح بن أبى مريم وهو
ضعيف اهـ. قلت: قال فيه ابن عدى: وهو مع ضعفه يكتب حديثه، كذا فى الميزان (٣:

٣٦٧
إعلاء السنن
باب وقت قيام الإمام والمأمومين للصلاة
١٣٣٦- عن: أبى قتادة رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّ له: ((إذا
أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى ترونى قد خرجت)). رواه الجماعة إلا ابن ماجة
ولم يذكر البخارى فيه "قد خرجت" كذا فى نيل الأوطار (٦٧:٢).
٢٤٥) وفى التهذيب: قال العباس بن مصعب: روى عنه شعبة ا هـ (١: ٤٨٧) وقد عرفت
أن شعبة لا يروى إلا عن ثقة عنده، والحديث أخذ به أبو حنيفة ومحمد، وأخذ المجتهد
بحديث يدل على أن له أصلا عنده، والله تعالى أعلم.
باب وقت قيام الإمام والمأمومين للصلاة
قوله: "عن أبى قتادة" إلخ قلت: فيه دلالة على الجزء الثانى من الباب، وأن لا
يقوم الناس فى الصف ولو شرع المؤذن فى الإقامة بل ولو كان أتمها حتى يروا الإمام خارجا
من حجرته أو من باب المسجد متوجها إلى الصلاة، هذا إذا كان الإمام غائبا عن المسجد
وقت الإقامة عازبا عن القوم، وأما إذا كان فيه أو بقربه بمرأى منهم، فسیأتی حکمه، قال
الحافظ فى الفتح: قال القرطبى: ظاهر الحديث (أى حديث أبى قتادة) أن الصلاة كانت
تقام قبل أن يخرج النبى مّ له من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة أن بلالا كان
لا يقيم حتى يخرج النبى مرّالله، أخرجه مسلم. ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب
خروج النبى مرّهِ، فأول ما يراه يشرع فى الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه
قاموا، فلا یقوم فى مقامه حتى تعتدل صفوفهم. قلت: ویشهد له ما رواه عبد الرزاق عن
ابن جريح عن ابن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله أكبر يقومون إلى
الصلاة فلا يأتى النبى ◌ّ التّ مقامه حتى تعتدل الصفوف ا هـ (٢: ١٠٠) قال المؤلف:
ويمكن حمل حديث جابر على ما بعد النهى أيضا، ومراضيل الزهرى وإن كانت ضعيفة
عند بعضهم ولكن الموضع موضع الاستشهاد دون الاحتجاج. قال الحافظ: وأما حديث
أبى هريرة (الذى أخرجه البخارى) بلفظ: أقيمت الصلاة فتسوى الناس صفوفهم، فخرج

ج - ٤
وقت قيام الإمام والمأمومين للصلاة
٣٦٨
١٣٣٧- عن: أنس: أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، رواه
ابن المنذر وغيره وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبى إسحاق عن
أصحاب عبد الله ذكره الحافظ فى الفتح (٩٩:٢ و١٠٠)، فهو حسن أو صحيح
النبى ◌ّ ارِ، ولفظه فى مستخرج أبى نعيم: فصف الناس صفوفهم ثم خرج علينا، ولفظه
عند مسلم: أقيمت الصلاة فقمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبى مرّ اتٍ،
فيجمع بينه وبين حديث أبى قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم فى
حديث أبى هريرة كان سبب النهى عن ذلك فى حديث أبى قتادة، وأنهم كانوا يقومون
ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبى مرّ اتٍ، فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل
يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره أ هـ (٢: ١٠٠).
قلت: وأخرج أبو داود عن كهمس بإسناد رجاله موثقون أنه قال: قمنا إلى الصلاة
بمعنى والإمام لم يخرج، فقعد بعضنا (١)، فقال لى شيخ من أهل الكوفة: ما يقعدك؟
قلت: ابن بريدة قال: هذا السمود ا هـ (١: ٢١٣) قلت: وعبد الله بن برهمدة من ثقات
التابعين رآى عدة من الصحابة وروى عنهم، كابن مسعود وابن عباس، وابن عمر والمغيرة
بن شعبة، وعبد الله بن مغفل وغيرهم، كما فى التهذيب (٥: ١٥٧) وحكى عن إبراهيم
النخعى أنه قال: كانوا يكرهون أن ينتظروا الإمام قياما ولكن قعودا، ويقولون: ذلك
السمود. روى عن على أنه خرج والناس ينتظرونه قياما للصلاة، فقال: ما لى أراكم
سامدين؟ ذكره فى عون المعبود عن الخطابى، وعن النهاية لابن الأثير (٢١٣:١). وفى
المغنى لابن قدامة: وخرج على والناس ينتظرونه قياما للصلاة، فقال: مالى أراكم
سامدين؟ ١ هـ (١: ٥٠٨) وابن قدامة حجة فى النقل. فلعل الأثر ثابت عنده. وبالجملة إذا
لم يكن الإمام مع القوم فالجمهور على أنهم لا يقومون حتى يروه بمقتضى حديث المتن كما
فى العمدة للعينى (٢: ٦٧٦) وهو قولنا معشر الحنفية.
قوله: "عن أنس" إلخ قلت: دلالته على الجزء الثانى، ودلالة حديث ابن أبى أوفى
على الجزو الأول من الباب ظاهرة لأنه مّ التر كان إماما، وكان ينهض بالتكبير عند قول
(١) أى وكنت فيمن قعد.

24
إعلاء السنن
وقت قيام الإمام والمأموبين للصلاة
٣٦٩
على قاعدته.
١٣٣٨- ويدخل فيه حديث عبد الله بن أبى أوفى مرفوعا: (( كان بلال
إذا قال: قد قامت الصلاة نهض رسول الله مّ له بالتكبير)) وفى رواية " فكبر"
وقد مر فى باب استحباب التكبير عند قد قامت الصلاة وهو حديث حسن
الإسناد، والضعيف الذى فيه قد وثق.
المؤذن: "قد قامت الصلاة" وأنس كان مأموما لأن الأئمة إذ ذاك كانوا أمراء. وأثر أنس
وابن أبى أوفى محمول على ما إذا كان المأموم فى المسجد والإمام مع القوم، وقد مر حكم
خلافه فى الحديث السابق.
قال العلامة العينى فى العمدة: وقد اختلف السلف متى يقوم الناس إلى الصلاة:
فذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه ليس لقيامهم حد، ولكن استحب عامتهم
القيام إذا أخذ المؤذن فى الإقامة (١)، وكان أنس رضى الله عنه يقوم إذا قال المؤذن: قد
قامت الصلاة، وكبر الإمام وحكاه ابن أبى شيبة عن سويد بن غفلة، وكذا قيس بن أبى
حازم وحماد، وعن سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز "إذا قال المؤذن: الله أكبر
وجب أى ثبت وحان وقته القيام (٢) وإذا قال: حى على الصلاة اعتدلت الصفوف، وإذا
قال: لا إله إلا الله كبر الإمام" (٣)، وذهبت عامة العلماء إلى أنه لا يكبر حتى يفرغ المؤذن
من الإقامة، وفى المصنف: كره هشام يعنى ابن عروة أن يقوم حتى يقول المؤذن: قد قامت
الصلاة، وعن يحيى بن وثاب إذا فرغ المؤذن كبر، وكان إبراهيم يقول: إذا قامت الصلاة
کبر.
ومذهب الشافعى وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة وهو
قول أبى يوسف وقال زفر: إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة مرة قاموا وإذا قال ثانيا
افتتحوا، وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون فى الصف إذا قال: حى على الصلاة فإذا
(١) وعليه عمل العامة اليوم من غير نكير.
(٢) أى من مكان جلوسه لا القيام فى الصف.
(٣) قلت: وعليه العمل فى الديار بلا إنكار.

ج - ٤
وقت قيام الإمام والمأمومين للصلاة
٣٧٠
١٣٣٩ - عن: أبى هريرة رضى الله عنه "إن الصلاة كانت تقام لرسول الله
وعَّ القمر فيأخذ الناس مصافهم قبل أن يقوم النبى مرّ تّ مقامه". رواه مسلم
(٢٢٧:١) .
١٣٤٠ - وأخرج عن جابر بن سمرة "أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج
النبى مرّ له، فإذا خرج أقام الصلاة حين يراه" اهـ.
١٣٤١- عن: أبى هريرة مرفوعا ((المؤذن أملك بالأذان والإمام أملك
بالإقامة)). أخرجه ابن عدى وضعفه، ولعل تضعيفه له لأن فى إسناده شريكا
القاضى(١) كذا فى النيل (٣٤٧:٣) قلت: شريك روى له مسلم فى صحيحه
والأربعة فى سننهم، وعلق له البخارى، وثقه ابن معين، وصالح بن أحمد عن
أبيه، وحدث عنه ابن مهدى (وكان لا يروى إلا عن ثقة) وقال العجلى: كوفى
ثقة حسن الحديث، وأثنى عليه آخرون غيرهم، وتكلم فيه بعضهم، كما فى
التهذيب (٣٣٤:٤ و٣٣٥)، فالحدیث حسن.
قال: قد قامت الصلاة كبر الإمام، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها فيجب تصديقه اهـ
(٢: ٦٧٦). قلت: أثر أنس فى الظاهر دليل لزفر، وفى المعنى دليل للطرفين إذا أريد
بالقيام القيام بحقيقة الصلاة، وهو التكبير، وأما القيام من الجلوس، فلا بد أن يتقدمه،
والأمر فى كل ذلك واسع، والله تعالى أعلم. قال فى الدر فى آداب الصلاة: والقيام لإمام
ومؤتم حين قيل: حى على الفلاح إن كان الإمام بقرب المحراب، وإلا فيقوم كل صف
ينتهى إليه الإمام على الأظهر، وإن دخل من قدام قاموا حين يقع بصرهم عليه اهـ وقال
العلامة الطحطاوى: والظاهر أنه احتراز عن التأخير لا التقدم حتى لو قام أول الإقامة لا
بأس وحرراهـ (١: ٣٣١) ..
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ قلت: دلالته على قول الطرفين فى قيام المأموم قبل
قوله: "قد قامت الصلاة" ظاهرة لما ثبت من حديث ابن أبى أوفى قيامه مَ له عند قول
(١) قلت: هذا هو المتعين، لما قاله الحافظ فى التلخيص (ص: ٧٩): روى ابن عدى فى ترجمة شريك القاضى من
روايته عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة، تفرد به شريك اهـ.

٣٧١
إعلاء السنن
باب كراهة التدافع عن الإمامة
١٣٤٢- عن: سلامة بنت الحر أخت خرشة بن الحر الفزارى قالت:
سمعت رسول الله مرّالهم يقول: ((إن من أشراط الساعة أن يتدافع أهل المسجد
لا یجدون إماما يصلى بهم» رواه أبو داود (٢٢٧:١ مع العون) وسكت عنه هو
والمنذرى.
المؤذن "قد قامت الصلاة" وحديث أبى هريرة يشعر بقيام الناس وأخذهم مصافهم قبل أن
يقوم النبى منّ الله مقامه، وفى حديث جابر بن سمرة، وفى حديث أبى هريرة مرفوعا برواية
ابن عدى دلالة على أن لا يقيم المؤذن فى غيبة الإمام، ولا يقيم فى حضرته إلا بإذنه، وهو
المذهب عندنا وعند الجمهور.
باب كراهة التدافع عن الإمامة
قوله: "عن سلامة" إلخ. قلت: دلالته على الباب إذا فسر لفظ أشراط الساعة
بعلامتها المذمومة، وقد أنكر بعضهم هذا التفسير، قاله الخطابى وقيل: هى ما ينكره الناس
من صغار أمور الساعة قبل أن تقوم، كذا فى المرقاة. ومعنى قوله: "يتدافع أهل المسجد"
إلخ أى يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه لتركه تعلم ما تصح به الإمامة ذكره
الطيبى، أو يدفع بعضهم بعضا إلى المسجد أو إلى المحراب ليؤم بالجماعة، فيأبى عنها
لعدم علمه بها كذا فى المرقاة (٢: ٦١). وحاصله إن من أشراط الساعة ظهور الجهل،
وكثرته وقيل: معناه كما فيه أيضا لا يجدون إماما يصلى بهم لوجه الله تعالى بل يريد أخذ
الأجرة على إمامته، ولذا أجاز المتأخرون من أصحابنا أخذ الأجرة عليها، وعلى الأذان،
ونحوهما من تعليم القرآن لئلا تتعطل الشرائع، وتندرس الشعائر. قال القارى: وظاهره أن
محل الكراهة ما إذا تدافعوها لا لغرض شرعى، وإلا كان أعرض عنها غير الأفقه مثلا رجاء
تقدم الأفقه فلا يكره ما دام يرجو تقدمه، وإذا علم منه الامتناع فليتقدم، ولا يدافعه، وهذا
هو محمل قوله فى الإحياء: "إن التقدم على من هو أفقه أو أقرأ منه منهى عنه" اهـ بمعناه

٣٧٢
ج - ٤
باب كراهة التطوع للإمام فى موضع المكتوبة،
واستحباب التحول للمأموم أيضا
١٣٤٣- عن: المغيرة بن شعبة رضى الله عنه مرفوعا: ((لا يتطوع الإمام فى
مقامه الذى صلى فيه والناس المكتوبة)). رواه ابن عساكر وسنده حسن (كنز
العمال ١٢٨:٤).
١٣٤٤ - عن: على رضى الله عنه "قال: "من السنة أن لا يتطوع الإمام
حتى يتحول من مكانه)). رواه ابن أبى شيبة بإسناد حسن (فتح البارى
٢٧٨:٢).
بتغيير يسير فى اللفظ (٢: ٦١).
باب كراهة التطوع للإمام في موضع المكتوبة
واستحباب التحول للمأموم أيضا
قوله: "عن المغيرة" إلخ. قلت: دل الحديث على النهى عن الصلاة النافلة للإمام
فى موضع المكتوبة، وأدناه الكراهة، وإليه ذهب علمائنا، ولم يقل بالتحريم أحد فيما
أعلم. قال فى الدر: وفى الجوهرة: يكره للإمام التنفل فى مكانه لا للمؤتم، وفى الطحطاوى:
أى تنزيها ، بل يتقدم أو يتأخر أو ينحرف يمينا أو شمالا أو يذهب إلى بيته فيتطوع ثمه،
وهو أفضل (حلبى عن المنية اهـ ١: ٣٦٣). قلت: وأما عدم كراهته للمؤتم، فیأتی دليله.
قوله: "عن على رضى الله عنه" إلخ. قلت: دل الحديث على كون التحول للإمام
مسنونا، فيكون خلافه مكروها. قال الحافظ فى الفتح: وحكى ابن قدامة فى المغنى عن
أحمد أنه كره ذلك، وقال: لا أعرفه عن غير على قال الحافظ: وكان المعنى فى كراهة
ذلك خشية التباس النافلة بالفريضة ا هـ (٢: ٢٧٨).

٣٧٣
كراهة التطوع فى موضع المكتوبة واستحباب التحول
إعلاء السنن
١٣٤٥- عن: السائب بن يزيد قال: صليت مع معاوية الجمعة فى
المقصورة، فلما سلم الإمام قمت فى مقامى، فصليت، فلما دخل أرسل إلى
فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تكلم أو
تخرج، فإن رسول الله مرّالتٍّ أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو
نخرج، رواه مسلم (٢٨٨:١).
قوله: "عن السائب" إلخ. قلت: دل الحديث على استحباب التحول للمأموم
أيضا، لأن السائب بن يزيد كان مأموما، ونهاه معاوية عن التطوع فى موضع الفريضة،
ولكن ترك التحول لا يكره فى حقه لما فى الحديث من التخيير بين التكلم أو الخروج، فلو
لم يخرج من مكانه، بل قام يصلى فيه بعد ما فصل بالكلام جاز له بلا كراهة بدلالة
التخيير. ويؤيد ذلك ما روى أحمد وأبو يعلى بإسناد رجالهما رجال الصحيح، كما صرح
بذلك فى مجمع الزوائد عن عبد الله بن رباح عن رجل من أصحاب النبى مرّ اتٍ أن رسول
الله مَِّ صلى العصر، فقام رجل يصلى فرآه عمر فقال له: اجلس فإنما هلك أهل الكتب
أنه لم يكن لصلاتهم فصل (فقال النبى مرّ له: أصاب الله بك يا ابن الخطاب! أو كما
قال) كذا فى عون المعبود (١: ٣٨٥). والظاهر أن عمر رضى الله عنه لم يرد بالفصل
فصلا بالتقدم والتأخر، لأنه قال له: اجلس ولم يقل له: تقدم أو تأخر، وهذا إذا كان
الرجل أراد قضاء فائتة عليه (١) ، فحكمه حكم التطوع أيضا فى استحباب التحول له أو
الفصل بشئ لاشتراك العلة أى الالتباس، وإن كان أراد التطوع فالنهى لأجل كراهة
النافلة فى هذا الوقت، ومعنى قول عمر حينئذ أن أهل الكتاب إنما هلكوا لأنه لم يكن
لصلاتهم فصل لازم فكان المتعبدون منهم والمجتهدون فى العبادة يصلون كلما أرادوا حتى
أفضى ذلك إلى الملال والتعطل، وأما نحن فلصلاتنا فصل لازم لا بد من رعايته حتى
نهينا عن الصلاة بعد الفجر إلى الطلوع، وبعد العصر إلى الغروب، وحين يقوم قائم
(١) لا يقال: يرده لفظ أبى داود: فقام الرجل يشفع، فإن الظاهر منه أنه قام يصلى الركعتين بعد الفرض سنة لأن فى
سنده أشعث، ومنها لا وفيهما مقال، فلا يقاوم سندا رجاله رجال الصحيح، على أنه يمكن حمله على تعدد
الواقعة بأن كان عمر نهى مرة عن وصل الصلاة بصلاة العصر، كما فى رواية أحمد وأبى يعلى، ومرة عن
التشفيع بعد غير العصر كما فى رواية أبى داود فليس فيه أن ذلك كان فى العصر فافهم ١٢ منه.
هى

٣٧٤
ج - ٤
كراهة التطوع فى موضع المكتوبة واستحباب التحول
١٣٤٦ - عن: أبى هريرة قال: قال رسول الله عَزاله: أ يعجز أحدكم أن
يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله فى الصلاة يعنى فى السبحة؟ رواه أبو
داود (٣٨٤:١ مع العون)، وسكت عنه. وقال البخارى فى صحيحه (١١٧:١):
الظهيرة، فحصل بمجموع هذا الأمر والنهى كمال الاعتدال كيلا تفضى المجاهدة فى
العبادة إلى الملال والكلال، هذا ما ظهر لى، والله أعلم.
وبالجملة فحديث عمر إنما يؤيد كفاية الكلام ونحوه فاصلا على الاحتمال الأول
عندنا، ومقتضاه أن المأموم إذا لم يتحول من مكان الفريضة لا يشرع فى النفل قبل أن
يتكلم ولكن لم يقل علماءنا به بل قال فى الدر: ولو تكلم بين السنة والفرض لا يسقطها
ولكن ينقص ثوابها اهـ (١: ٧١١ مع الشامية) ويمكن التطبيق بحمل الكلام فى الحديث
على الذكر (١) وفى كلام فقهاءنا على الدنيوى، فمعنى الحديث أنه مرّ تِ نهانا عن وصل
صلاة بصلاة حتى نتحول أو نفصل بينهما بذكر، وقد استحب علماءنا الذكر والدعاء
دبر الصلاة لا سيما بعد العصر والفجر وحثوا عليهما لما ورد فيه من الأحاديث، فينبغى
للمأموم أن لا يشرع فى قضاء الفائتة، ولا فى النفل فى مكانه إلا بعد دعاء أو ذكر ولو
قليلا، وإلا فليتحول، ويكره له تركهما جميعا لا ترك أحدهما، لم أره صريحا ولكن كلام
علماءنا لا يرده، بل يؤيده ما ذكره القارى فى المرقاة احتمالا فى شرح قول عمر: "إنما هلك.
أهل الكتاب" إلخ ونصه: أو إنهم لم يؤهلوا إلى ذكر الله عقب صلاتهم، فأدى بهم ذلك
إلى قسوة القلب المؤدية إلى الإعراض عن الله، كذا فى عون المعبود (١: ٣٨٥). وقد
يفيده حديث معاوية رضى الله عنه هذا لو حملنا التكلم فيه على الذكر.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ. قلت: يفيد استحباب التحول للمأموم أيضا، لأن
قوله مرّ له: "أ يعجز أحدكم" خطاب للصحابة، وكانوا مأمومين، وهو رواية فى المذهب
أيضا، كما فى الدر: وقيل: يستحب كسر الصفوف اهـ. قال الشامى: ليزول الاشتباه
(١) وقد حمله بعضهم على السلام وقالوا: أراد أن لا توصل صلاة بصلاة حتى يفصل بينهما بالتسليم أو بالخروج،
ذكر حاصله فى عون المعبود عن المرقاة، ولكن يرده سياق الحديث لأن السائب بن يزيد إنما كان قام إلى التطوع
فى مكان المكتوبة بعد التسليم ومع ذلك نهاء معاوية عنه ١٢ منه.

٣٧٥
كراهة التطوع فى موضع المكتوبة واستحباب التحول
إعلاء السنن
ولم يصح، وقال العينى فى العمدة (٢٩:٣): ولكن أبا داود لما رواه سكت عنه،
وسكوته دلیل رضاه به، وفى صحيح مسلم ما يشده، فذكر حديث معاوية
المذكور.
١٣٤٧- عن: نافع قال: كان ابن عمر يصلى فى مكانه الذى صلى فيه
فريضة. رواه البخارى (١١٧:١).
عن الداخل المعاين للكل فى الصلاة البعيد عن الإمام، وذكره فى البدائع، والذخيرة عن
محمد، ونص فى المحيط أنه السنة ا هـ (١: ٥٥٤). واختاره الشر نبلالى فى مراقى الفلاح
فقال: ويستحب للإمام بعد سلامه أن يتحول لتطوع بعد الفرض، وكذلك للقوم اهـ قال
الطحطاوى فى حاشية: أى وكذلك يستحب للقوم، ودليله ما روى أبو هريرة، فذكر حديث
المتن. قال: وقال بعض مشائخنا: لا حرج عليهم فى ترك الانتقال لانعدام الاشتباه على
الداخل عند معاينة فراغ مكان الإمام عنه اهـ (ص: ١٨٢). قلت: ولكن لا يزول به الاشتباه
بالكلية عن الداخل البعيد عن مكان الإمام، نعم! يزول عن القريب، ومقتضاه أن التحول
فى حق الإمام آكد منه فى حق المأموم، ولذا لم يختلفوا فى استحباب الأول، واختلفوا فى
الثانى ولكن الراجح عندى استحبابه فى حق الكل تبعا للشرنبلالى لكون الحديث
صريحا فيه. وأما قول البخارى فى حديث أبى هريرة هذا: لم يصح، فلا يفيد نفى الحسن
عنه، ولعل عدم صحته عند البخارى لأجل ليث بن أبى سليم، وقد ذكرنا غيره مرة أنه
حسن الحديث مختلف فيه، وقد وثق، استشهد به مسلم فى صحيحه، أو لأن فيه إبراهيم
بن إسماعيل قال فيه أبو حاتم: مجهول كما فى التهذيب (١: ١٠٧). والجواب عنه أن أبا
داود روى حديثه وسكت عنه، فهو مقارب الحال عنده، كما قال الذهبى فى إبراهيم بن
سعد المدينى عن نافع: منكر الحديث غير معروف. وله حديث واحد فى الإحرام أخرجه
أبو داؤد وسكت عنه، فهو مقارب الحال اهـ (ميزان ١: ١٨).
قوله: "عن نافع" إلخ. دل على عدم كراهة التطوع للمأموم فى المكان الذى صلى
فيه المكتوبة لأن ابن عمر كان مأموما، وهذا هو الجزو الثانى من الباب.

٣٧٦
ج - ٤
باب أن الحائل بين الإمام والمأموم لا يضر
إذا لم يلتبس عليه حال الإمام
١٣٤٨ - عن: عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: ((كان رسول الله مَّ اليه
يصلى من الليل فى حجرة، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبى
مَ ظله، فقام أناس يصلون بصلاته(١). الحديث أخرجه البخارى (١٠١:١) وقد
تقلم.
باب أن الحائل بين الإمام والمأموم لا يضر
إذا لم يلتبس عليه حال الإمام
قوله: "عن عائشة" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة وهو المذهب عندنا، وقد
روى الحسن عن أبى حنيفة أن الحائط يمنع الاقتداء، ورواية الأصل أنه لا يمنع فقيل:
إنه (٢) بإمكان الوصول منه وعدمه، واختار شمس الأئمة اعتبار الاشتباه وعدمه، وهذا
هو الذى اختاره جماعة من المتأخرين. قال الشامى: وقدمناه أيضا عن مختارات
النوازل والبدائع قال فى الخانية: لأن الاقتداء متابعة، ومع الاشتباه لا يمكنه المتابعة،
والذى يصحح هذا الاختيار ما روينا أن رسول الله عظيمٍ كان يصلى فى حجرة
عائشة(٢) والناس يصلون بصلاته)» ونحن نعلم أنهم ما كانوا متمكنين من الوصول إليه
فى الحجرة اهـ (شامى ١: ٦١٥). وفى النيل: قال فى البحر (للرويانى الشافعى): ولا
يضر بعد المأموم فى المسجد، والحائل ولو فوق القامة مهما علم حال الإمام إجماعا اهـ
(٣: ٧٢).
(١) ولم ينكر عليهم النبى عليه.
(٢) أى الاختلاف بين الروايتين . منه.
(٣) قلت: وحديث عائشة المذكور فى المتن يدل عليه فإن لفظ الجدار ليشعر بأن المراد بالحجرة حجرة عائشة لا
المتخذة من الحصير، وإن كانت محتملة . منه.

٣٧٧
حكم الحائل بين الإمام والمأموم
إعلاء السنن
١٣٤٩- قال سحنون: أخبرنى ابن وهب عن سعيد بن أبى أيوب عن
محمد بن عبد الرحمن: ((إن أزواج النبي ◌ّ ◌ّ كن يصلين فى بيوتهن بصلاة
أهل المسجد))، كذا فى المدونة (٨٣:١)، ورجاله ثقات من رجال الجماعة غير
سحنون وهو ثقة، والحديث مع ثقة رجاله مرسل(١) وهو حجة عندنا.
١٣٥٠- عن: أسماء قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله عزلته،
فدخلت على عائشة وهى تصلى، فقلت: ما شأن الناس يصلون؟ فأشارت
برأسها إلى السماء. فقلت: آية؟ قالت: نعم! فأطال رسول الله عّ لِّ القيام جدا
حتى تجلانى الغشى، فأخذت قربة من ماء إلى جنبى، فجعلت أصب على
رأسى أو وجهى: الحديث أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم (٢٩٨:١).
قوله: "قال سحنون" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة وحجر أزواج النبى
لر كانت متصلة بالمسجد شارعة أبوابها فيه، كما فى خلاصة الوفا، ونصه: نقل مالك
عن الثقة عنده أن الناس كانوا يدخلون حجر أزواج النبى مرّ ةٍ يوم الجمعة يصلون فيها
بعد وفاة النبى من ير قال: وكان المسجد يضيق عن أهله قال: وليست من المسجد ولكن
أبوابها شارعة فى المسجد (ص: ١١٩).
قوله: "عن أسماء" إلخ. قلت: دلالته على الباب من حيث أن عائشة وأسماء
اقتدتا بالنبى معه وهو فى المسجد من داخل الحجرة، كما هو الظاهر من سياق الحديث
ويشعر به قولها: "فأخذت قربة من ماء إلى جنبى" إلخ فإن ذلك لا يكون بجنبها إلا فى
الحجرة دون المسجد، وكذا يكون صبها على الرأس والوجه فيها لا فى المسجد والله تعالى
أعلم.
(٢) أى منقطع لأن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل لا يعرف له رواية عن أحد من الصحابة مع أن سنه يحتمل ذلك،
قاله ابن البرقی، کذا فی تهذيب التهذيب (٣٠٨:٩).

ج -٤
٣٧٨
باب من زار قوما فلا یصلی بهم
١٣٥١ - عن: مالك بن الحويرث رضى الله عنه مرفوعا: ((من زار قوما، فلا
يؤمهم، وليؤمهم رجل منهم)). رواه الترمذى (١ :٤٧) وقال: حسن صحيح.
١٣٥٢- عن: علقمة أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أتى أبا موسى
الأشعرى رضى الله عنه فى منزله فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمن! فإنك
أقدم سنا، وأعلم. قال: بل أنت تقدم، فإنما أتيناك فى منزلك ومسجدك، فأنت
أحق قال: فتقدم أبو موسى، فخلع نعليه، فلما سلم قال له: ما أردت إلى
باب من زار قوما فلا یصلی ہہم
قوله: "عن مالك بن الحويرث" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة. قال
الترمذى: وقال بعض أهل العلم: إذا أذن له فلا بأس أن يصلى به اهـ. قلت: ويؤيده ما
فى حديث أبى مسعود الأنصارى المتقدم: ولا يؤم الرجل فى سلطانه، ولا يجلس على
تكرمته إلا بإذنه فقوله: "إلا بإذنه" يحتمل عوده على الأمرين الإمامة والجلوس، وبذلك
جزم أحمد كما حكاه الترمذى عنه، فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين، كذا فى الفتح
للحافظ (٢: ١٤٤).
فائدة: تحقيق الصلاة فى النعال:
قوله: "عن علقمة" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة، وفيه الإنكار أيضا على
خلع النعلين فى الصلاة، وقد ورد فى ذلك حديث مرفوع قولى ذكره الحافظ فى الفتح
ونصه: روى أبو داود، والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعا "خالفوا اليهود فإنهم لا
يصلون فى نعالهم ولا فى خفافهم" فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة.
وورد فى كون الصلاة فى النعال من الزينة المأمور بأخذها فى الآية (وهى قوله تعالى:
﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾. حديث ضعيف جدا، أورده ابن عدى فى الكامل

٣٧٩
من زار قوماً فلا يصلى بهم
إعلاء السنن
خلعهما أ بالوادى المقدس أنت؟ رواه أحمد وفيه رجل لم يسم، ورواه الطبرانى
متصلا برجال ثقات (مجمع الزوائد ١٦٨:١).
وابن مردويه فى تفسيره من حديث أبى هريرة والعقيلى من حديث أنس اهـ (١: ٤١٥).
قلت: وحديث شداد بن أوس أخرجه ابن حبان أيضا فى صحيحه، ولا مطعن فى إسناده
قاله فى النيل (٢: ١٤). وقال العزيزى: رواه أبو داود، والحاكم والبيهقى بإسناد صحيح
(هـ (٢: ٢٤). وحيث كان مبنى الأمر والاستحباب على المخالفة، فلو تبدلت عادة الكفار،
وصاروا يصلون فى النعال تبدل الحكم، ويصير الخلع مستحبا، كما هو فى زماننا، فإن
النصارى فى أرض الهند يصلون فى النعال، ففى الصلاة متنعلا هناك تشبه بهم،
والمخالفة إنما هى فى الخلع، فهو المستحب، بل لا بد منه، لأن أهل الهند يعدون الدخول
فى المسجد متنعلا من سوء الأدب به، ولا يخفى أن استحباب الصلاة فى النعال ليس من
حيث ذاتها، بل لقصد المخالفة فقط، كما يشعر بذلك لفظ الحديث. وقال ابن بطال: هو
محمول على ما إذا لم يكن فيهما نجاسة ثم هى من الرخص كما قال ابن دقيق العيد لا من
المستحباب (المقصودة) لأن ذلك لا يدخل فى المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن
كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسة الأرض التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه
الرتبة، وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة إزالة النجاسة قدمت الثانية، لأنها
من باب دفع المفاسد، والأخرى من باب جلب المصالح، كذا فى فتح البارى (١: ٤١٥).
قلت: والصارف للأمر عن الوجوب ما رواه أبو داود عن أبى هريرة مرفوعا: "إذا
صلى أحدكم فخلع نعليه، فلا يؤذ بهما أحدا، ليجعلهما بين رجليه، وليصل فيهما"
سكت عنه أبو داود قال العراقى: صحيح الإسناد، كما فى النيل (٢: ١٦). وما فى النيل
أيضا: روى ابن أبى شيبة بإسناده عن عبد الرحمن بن أبى ليلى مرفوعا: ((من شاء أن
يصلى فى نعليه فليصل، ومن شاء أن يخلع فليخلع)) قال العراقى: مرسل صحيح
الإسناد (٢: ١٦). وما رواه أبو داود بسند رجاله ثقات، وسكت عنه هو والمنذری عن
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله مره يصلى حافيا، ومتنعلا،
کذا فی عون المعبود (٢٤٨:١).

٣٨٠
ج - ٤
من زار قوماً فلا يصلى بهم
قلت: والظاهر من قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى﴾ كون
خلع النعال مطلوبا فى المقامات المقدسة، وإنه هو الأدب اللائق بها. قال الإمام الطبرى فى
تفسيره: وأولى القولين فى ذلك بالصواب قول من قال: أمره الله تعالى ذكره خلع نعليه
ليباشر بقدميه بركة الوادى، لأنه لا دلالة فى ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل
أنهما من جلد حمار، ولا لنجاستهما، ولا خبر بذلك عمن يلزم بقوله الحجة، وإن فى قوله:
﴿إِنك بالواد المقدس﴾، يعقبه دليلا واضحا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا، ولو كان
الخبر الذى حدثنا به عن ابن مسعود عن نبى الله مرّ ةٍ قال: "يوم كلم الله موسى: كانت
علیه جبة صوف، و کساء صوف، وسراويل صوف، ونعلان من جلد حمار غير مذکی"
صحيحا لم نعد إلى غيره ولكن فى إسناده نظر يجب التثبت فيه اهـ (١٦: ١٠٩، ١١٠).
وقال المفسر النيسابورى تحت قوله: "فاخلع نعليك": ومن هنا كره بعضهم الصلاة
والطواف فى النعل، وكان السلف يطوفون بالكعبة حفاة، ومنهم من استعظم دخول
المسجد بنعلیه، وكان إذا وقع منه ذلك تصدق اهـ (١٦: ٨٤).
قلت: هذا هو الأصل فى ذلك بالنص ثم أمر بالصلاة فيها لأجل مخالفة اليهود.
قال فى الدر المختار: وينبغى لداخله تعاهد نعله وخفه، وصلاته فيهما أفضل قال الشامى:
أى فى النعل والخف الطاهرين مخالفة لليهود (تاتار خانية) لكن إذا خشى تلويث فرش
المسجد بها ينبغى عدمه وإن كانت طاهرة، وأما المسجد النبوى فقد كان مفروشا بالحصى
فى زمنه مَّ لهايدل عليه قوله مرّ له حين رأى النخامة فى قبلة المسجد: لا يتنخمن أحدكم
فى قبلته ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدميه، وهذا يشعر بعدم تلوث المسجد
إذ ذاك بأمثال ذلك لكونه مفروشا بالحصى، وأما البوارى والبسط، فلا ريب فى تلوثها
بمثل هذه الأشياء، فكيف يجيزه النبى مرّةٍ وهو أنطف الخلائق بأسرها ١٢). قال.
الشامى: ولعل ذلك محمل ما فى عمدة المفتى من أن دخول المسجد متنعلا من سوء
الأدب، فتأمل. ذكر ذلك كله سيدى مولانا الخليل فى بذل المجهود ثم قال: دل هذا
الحديث أى حديث شداد على أن الصلاة فى النعال كانت مأمورة لمخالفة اليهود، وأما فى
زماننا فينبغى أن تكون الصلاة مأمورة بها حافيا لمخالفة النصارى فإنهم يصلون متنعلين لا
يخلعونها عن أرجلهم ا هـ (٢: ٣٥٨).