Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ ج - ٤ كراهة تكرار الجماعة فى مسجد المحلة عبد الرحمان خرج عنه البخارى فى صحيحه قال الدار قطنى: متقن حسن الضبط وقال النسائى: ابن القاسم ثقة رجل صالح. سبحان الله! ما أحسن حديثه وأصحه عن مالك! ليس يختلف فى كلمة، كذا فى الديباج (ص: ١٤٧) وعبد الرحمان بن المجبر كان يتيما فی حجر سالم بن عبد الله بن عمر وثقه عمرو بن علی الفلاس وغیره، وذکره ابن حبان فی الطبقة الثالثة من الثقات وقال: روى عنه أهل المدينة، كذا فى تعجيل المنفعة (ص: ٢٥٦). ومالك وسالم لا يسأل عنهما. وفى قول سالم دلالة صريحة على كراهة تكرار الجماعة فى مسجد واحد، ووافقه فى ذلك جماعة من التابعين منهم الزهرى، وربيعة، ونحوهما، وقد روى أبو داود وسكت عنه عن سليمان يعنى مولى ميمونة قال: أتيت ابن عمر على البلاط وهم يصلون، فقلت: ألا تصلى معهم؟ قال: قد صليت، إنى سمعت رسول الله مَظٍ يقول: لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين (١: ٢٦٦) قال الزيلعى" ورواه النسائى، قال النووى فى الخلاصة: إسناده صحيح اهـ (٢٩١:١). وحمله أصحابنا على المعنى الذى ذهب إليه سالم، ففى البحر الرائق (٦٦:٢): قال قاضى خان فى شرح الجامع الصغير: ولو حمل على النهى عن تكرار الجماعة فى المسجد أو على النهى عن قضاء الفرائض مخافة الخلل فى المؤدى كان حسنا، فإن ذلك مكروه اهـ وفى العناية والكفاية: ومن مشائخنا من قال: المراد به الزجر عن تكرار الجماعات فى المساجد وهو حسن اهـ وفى رد المحتار: قال فخر الإسلام: لو حمل على تكرار الجماعة فى مسجد له أهل لكان صحيحا (نهر) اهـ كذا فى القطوف الدانية (ص: ١٢). قال بعض الناس: ولكن لا يصح الحمل على واحد منهما بل هو محمول على النهى عن أداء الفريضة مرتين من جهة الافتراض، ويدل عليه ما رواه الطحاوى (١ :١٨٧) حدثنا أبو بكرة قال: ثنا حبان يعنى من هلال قال: ثنا همام قال: ثنا قتادة عن عامر الأحول عن عمرو بن شعيب عن خالد بن أمين المعافرى قال: كان أهل العوالى يصلون فى منازلهم، ويصلون مع النبى مرّ له، فنهاهم رسول الله مَّةٍ أن يعيدوا الصلاة فى يوم مرتين، قال عمرو: قد ذكرت ذلك لسعيد بن المسيب فقال: صدق اهـ. قال بعض الناس: ورجال هذا السند كلهم ثقات ولكن لم أقف على ترجمة خالد بن أيمن المعافرى، ولا حاجة إليه، فإن الحديث قد تحول إلى سعيد بن المسيب، واتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل فهو مرسل حجة انتهى كلامه ملخصًا. قلت: خالد بن أيمن هذا ذكره ٢٨٢ كراهة تكرار الجماعة فى مسجد المحلة إعلاء السنن الحافظ فى الإصابة وقال: تابعى أرسل حديثًا فذكره ابن عبد البر فى الصحابة ثم أنكر على بن أبى حاتم إيراده ثم ذكر الحديث نحو ما أخرجه الطحاوى. قال الحافظ: روى عنه عمرو بن شعيب هكذا أورده البخارى من طريق عمرو بن شعيب وقال فى آخره: فذكرته لسعيد بن المسيب، فقال: صدق اهـ (١٥٤:٢). قلت: ولا يستقيم حمل حديث ابن عمر على حديث خالد بن أيمن هذا، لأن ابن عمر رضى الله عنها قاله فى تعليل امتناعه عن الدخول فى صلاة القوم، وهذا ليس من الإعادة المنهية عنه، فإن الرجل إذا صلى فى بيته ثم أدرك الجماعة، فدخل فيها على أنها نافلة، فهذا ليس منهی عنه بل مما ندب إلیه النبی پێے، كما سيأتى فى باب جواز النفل خلف المفترض، وقد أجاز ابن عمر ذلك أيضا كما روى مالك عن نافع أن رجلا سأل ابن عمر فقال: إنى أصلى فى بيتى ثم أدرك الصلاة مع الإمام أ فأصلى معه؟ فقال له عبد الله بن عمر: نعم. قال الرجل: أيتهما أجعل صلاتى؟ فقال له ابن عمر: أو ذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله (عز وجل) يجعل أيتهما شاء اهـ (ص: ٤٦) وظاهره يفيد جواز الدخول فى صلاة القوم بنية الفرض لمن صلاها منفردا عند ابن عمر، وإلا لم يكن لقوله: "أو ذلك إليك" معنى فإن من دخل بنية النفل فصلاته نافلة حتمًا، فلعل الإعادة المنهية عنه مختصة عنده بمن صلى الفرض أولا بجماعة، فلا يجوز له الدخول فى جماعة أخرى بعد ذلك، وعلى هذا، فلا يستقيم ذكر ابن عمر هذا الحديث فى تعليل امتناعه عن الدخول فى صلاة القوم إلا أن كان قد صلى أولا بجماعة أو كان القوم جمعوا الصلاة ثانية، فكره الدخول فيها، وذهب أبو داود إلى الاحتمال الأول حيث بوب إذا صلى جماعة ثم أدرك جماعة يعيد (أم لا) ثم ذكر الحديث (١: ٢٢٦) وذهب أصحابنا إلى الثانى، لأن الظاهر المتبادر من قول ابن عسر: "قد صلیت " إنه كان صلی منفردًا، والمصلی منفردا یجوز بل يندب له الدخول فى الجماعة إذا أدركها ولكن ابن عمر لم يدخل معهم لكونهم جمعوا الصلاة ثانية، فقال: إنى سمعت رسول الله مَظهير: ((لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين)) ولو كان امتناعه عن الدخول فيها، لأن الوقت ما كان يصلح لها كما قاله بعض الناس أيضا لم يستقم ذكر هذا الحديث فى تعليله، لأنه لا يدل على عدم صلاحية الوقت أصلا بل كان ذكر حديث من صلى المغرب أو الصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يعد لهما أولى، فالظاهر أن حديث ابن عمر ((لا تصلوا صلاة فى يوم مرتين)) معناه ما قاله سالم: لا تجمع ٢٨٣ ج - ٤ كراهة تكرار الجماعة فى مسجد المحلة ١٢٦١ - قال الشافعى: وإنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا معه (مرِّلّهِ) الصلاة، فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وإن قد فاتت الصلاة فى الجماعة قومًا فجاؤوا المسجد، فصلى كل واحد منهم منفردا، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا فى المسجد اهـ ذكره الشافعى رحمه الله تعالی فی الأم (١٣٦:١) تعليقا، وجزم به، فلا بد أن يكون حجة، وقال فی موضع آخر (١٣٦:١) من الأم: وإنما كرهت ذلك لهم (أى تكرار الجماعة فى المسجد) لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم اهـ. صلاة واحدة فى مسجد واحد مرتين، وهذا هو الذى استحسنه أصحابنا والله تعالى أعلم، والمسألة ظنية، ويكفى لها كون أحد الاحتمالين راجحا عند الفقيه، ولعل ما ذكرنا من وجوه الترجیح یکفی له لاسيما إذا تأيد بقول تابعى وفتواه. قوله: "قال الشافعى" إلخ. قلت: المجتهد لا يحكى عن السلف أمرا وهو جازم به إلا وله أصل صحيح عنده، فقول الشافعى: "وإنا قد حفظنا إلخ" حجة لا محالة، وفيه دلالة صريحة على أن الصحابة إذا فاتتهم الجماعة كانوا يصلون فرادى من غير أن يجمعوا الصلاة ثانية، وقوله: "قد عابه بعضهم" يدل على كراهة الجماعة الثانية عند السلف، والمراد بالسلف فى كلام المجتهدين هم الصحابة والتابعون رضى الله عنهم، وبهذا ظهر أن ما حكاه فى رد المحتار عن أنس رضى الله عنه أن أصحاب النبى مؤثر كانوا إذا فاتتهم الجماعة فى المسجد صلوا فى المسجد فرادى (٤١٠:١) له أصلى، لأن الشافعى رحمه الله حفظ ذلك عفهم، فقول بعض الناس: "إنه لا أصل له" رد عليه. قال الشافعى رحمه الله فى الأم: وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرق الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام جماعة، فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد فى وقت الصلاة، فإذا قضيت دخلوا، فجمعوا، فيكون فى هذا اختلاف وتفرق كلمة، وفيهما المكروه. وإنما أكره هذا فى كل مسجد له إمام ومؤذن، فأما مسجد بنى على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب، ولا يكون له إمام معلوم، ويصلى فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك فيه، لأنه ليس فيه المعنى الذى وصفت من تفرق الكلمة. ثم قال: وإنما كرهوا لئلا يجمعوا فى مسجد مرتين، ولا بأس بأن يخرجوا إلى موضع فيجمعوا فيه اهـ (١٣٦:١ ٢٨٤ كراهة تكرار الجماعة فى مسجد المحلة إعلاء السنن ١٢٦٢ - عن: أبى بكرة أن رسول الله عز لته أقبل من نواحى المدينة يريد الصلاة، فوجد الناس قد صلوا، فمال إلى منزله، فجمع أهله، فصلى بهم. رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١٦٠:١). و١٣٧). قلت: وهذا كله موافق لقول أصحابنا أيضا إلا أنهم جعلوا علة الكراهة تقاعد القوم عن الجماعة الأولى وهو راجع إلى ما قاله الشافعى. وفى المدونة: قلت لابن القاسم: أرأيت مسجدا له إمام راتب إن مر به قوم فجمعوا فيه صلاة من الصلوات للإمام أن يعيد تلك الصلاة فيه بجماعة؟ قال: نعم، وقد بلغنى ذلك عن مالك قال أى مالك: "إذا أتى قوم وقد صلى أهل المسجد فلا بأس أن يخرجوا من المسجد، فيجمعوا وهم جماعة إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد الرسول، فلا يخرجون، وليصلوا وحدانا، لأن المسجد الحرام أو مسجد الرسول أعظم أجرا لهم من صلانهم فى الجماعة اهـ (٧٩:١). قلت: وهذا هو قولنا معشر الحنفية أيضاً كما فى الدر والشامية (٥٧٧:١ و٥٧٩ و٥٨٠) إلا أنهم استثنوا مع ذلك المسجد الأقصى، ومسجد الحى إذا لم يصل فيه أحد أيضا (ص مذكور). قوله: "عن أبى بكرة" إلخ. قلت: وتقرير الاستدلال به على ما فى در المختار (٥٧٧:١): ولو جاز ذلك لما اختار الصلاة فى بيته على الجماعة فى المسجد اهـ وقال بعض الناس نقلا عن التحرير المختار: ولا يتم الاستدلال به إلا إذا وجد جماعة يصلى بهم فى المسجد، ومع هذا اختار الصلاة فى منزله بأهله اهـ قلت: كان يمكن أن يجمع الصلاة بأهله فى المسجد دون بيته، فإن النساء كن يشهدن الصلاة فيه مع النبى معَ لِّ، كما عرف فى موضعه، فالاستدلال به تام. واعلم أن هذا الحديث ذكره العلامة الشامى فى رد المحتار ولكن وقع فيه التصحيف فى اسم الصحابى، فقال: "روى عبد الرحمان بن أبى بكر عن أبيه" إلخ فيتوهم منه أنه من رواية أبى بكر الصديق، وليس كذلك بل هو عن عبد الرحمان بن أبى بكرة فقول بعض الناس: لم أقف عليه، ولا أصل له مردود عليه فإن حديث أبى بكرة أخرجه الطبرانى بسند رجاله ثقات كما ذكرناه فى المتن، ولعله أراد لا أصل له عن أبى ج - ٤ ٢٨٥ باب جواز النافلة خلف المفترض، و عدم جواز عكسه، واستحباب إعادة الظهر والعشاء مع الجماعة إذا صلاهما منفردا ثم حضرها ١٢٦٣ - عن: رجل من بنى الديل قال: خرجت بأباعر لى لأصدرها إلى الراعى، فمررت برسول الله! مَّ الله وهو يصلى بالناس الظهر، فمضيت فلم بكر، وإنما هو عن أبى بكرة، فلو أراد ذلك كان عليه أن يقيد كلامه، ولا يطلق عليه لا أصل له من غير قيد فافهم. باب جواز النافلة خلف المفترض، وعدم جواز عكسه واستحباب إعادة الظهر والعشاء مع الجماعة إذا صلاهما منفردا ثم حضرها قوله: "عن رجل من بنى الديل" إلخ. قلت: دلالة حديث يزيد بن الأسود بعده على الجزء الأول من الباب ظاهرة. وفيه إعادة الظهر بالجماعة إذا صلاها فى بيته منفردا، وإنما حملناه على الاستحباب لقوله ◌َّلته فى حديث جابر: فإنها له نافلة. والدليل على تخصيص الإعادة بالظهر والعشاء سيأتى فى الباب الآتى. واعلم أن حديث جابر بن يزيد أخرجه الترمذى بلفظ: شهدت مع النبى معَّ حجة فصليت معه صلاة الصبح فى مسجد الخيف فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين ثم ذكر الحديث وهو يدل على إن الإنكار كان فى صلاة الصبح فدل على أن الفجر أيضا تعاد. والجواب عنه بوجوه الأول أن أبا حنيفة الإمام روى هذا الحديث عن الهيثم بن أبى الهيثم عن جابر بن الأسود هذا عن أبيه أن رجلين صليا الظهر فى بيوتهما على عهد النبى ◌ّ لته وهما يريان أن الناس قد صلوا ثم أتيا المسجد، فإذا رسول الله مظاهر فى الصلاة فقعدا فى ناحية المسجد، فلما ٢٨٦ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن أصل معه. فلما أصدرت أباعرى ورجعت، ذكر ذلك لرسول الله عز له، فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلى معنا حين مررت بنا؟ فقلت: يا رسول الله إنى كنت قد صليت فى بيتى قال: وإن. رواه أحمد ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ١٥٩:١). ١٢٦٤- عن: جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله مرّ له وهو غلام شاب، فلما صلى إذا رجلان لم يصليا فى ناحية المسجد، فدعا بهما، فجىء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد انصرف النبى معٍَّ رآهما، فأرسل إليهما، فجيئ بهما ترعد فرائصهما الحديث كذا فى جامع مسانيد الإمام (٤٤٠:١) وأخرجه محمد فى الآثار عن أبى حنيفة عن الهيثم بن أبى الهيثم يرفعه إلى النبى چير فذكر الحديث نحوه (ص: ٢٢) ولم يذكر جابرا ولا أباه فهو مرسل، ولكنه مرسل قوى قد اعتضد بالموصول الذى تقدم ذكره، وقد علمت أن المرسل إذا تأيد بالموصول ولو ضعيفًا كان حجة عند الكل. والهيثم بن أبى الهيثم هو ابن حبيب الصيرفى روى عنه شعبة وأبو عوانة وغيرهما، وقال أبو عوانة: قال لى شعبة: الزم الهيثم الصيرفى، وقال الأثرم: أثنى عليه أحمد، وقال: ما أحسن أحاديثه وأشد استقامتها! وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة فى الحديث صدوق اهـ (٩٢:١١) فوقع الاضطراب فى تعيين الصلاة التى أنكر النبى من هم على الرجلين فيها، فلا دلالة فيه على إعادة الفجر. والثانى أنه معارض بحديث النهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر وهو حديث متواتر ذكرناه فى الجزء الثانى من الكتاب (ص: ٤٧) وهذه الزيادة التى اضطرب الرواة فى حكايتها لا تصلح معارضة للمتواتر. والثالث أنه معارض بحديث النهى عن إعادة الفجر والمغرب لمن صلاهما فى بيته ثم أدرك الجماعة، وسيأتى، وهو حديث صحيح موقوفا حسن مرفوعا، وإذا تعارض المبيح والمحرم كان الترجيح للمحرم لاسيما إذا كان المبيح معللا، فقد عرفت أت تسمية الفجر قد اضطربت الرواة فيها. وفى الحديث دلالة على أن المعادة هى النافلة، وأصرح منه بلفظ أبى حنيفة: "واجعلوا الأولى فريضة وهذه نافلة" كذا فى الآثار لمحمد (ص: ٢٣) وقال الشافعى فى القديم: إن الأولى هى النافلة، والفريضة الثانية، وطعن على هذا الحديث بأن إسناده مجهول. قال البيهقى: لأن يزيد بن الأسود ٢٨٧ ج -٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه صلينا فى رحالنا، فقال: لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم فى رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فلیصل معه فإنها له نافلة. رواه أبو داود (٢٠٢:١) وسكت عنه. وفی بلوغ المرام فى (٧٢:١) وصححه الترمذى وابن حبان اهـ وفى التلخيص (١٢٢:١) وصححه ابن السكن، وفى الفتح (٢: ١٦٦) أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وغيره. ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى، كذا فى التلخيص. قال الحافظ: قلت: یعلی من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائی وغيره، وقد وجدنا جابر بن یزید راويا غير يعلى أخرجه ابن منده فى المعرفة من طريق بقية عن إبراهيم بن ذى حماية عن عبد الملك ابن عمير عن جابر اهـ قال: وأما ما رواه أبو داود من طريق نوح بن صعصعة عن يزيد بن عامر وفى آخره: "إذا جئت الصلاة فوجدت الناس، فصل معهم وإن كنت صليت ولتكن تلك نافلة وهذه مكتوبة"، فقد ضعفه النووى، ورواه الدارقطنى بلفظ: "وليجعل التى صلى فى بيته نافلة" قال الدار قطنى: هى رواية ضعيفة شاذة اهـ (١: ١٢٢). قلت: وأما ما رواه مسلم عن أبى ذر قال: قال لى رسول الله پ: يا أبا ذر! إنه سيكون بعدى أمراء يميتون الصلاة، فصل الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك اهـ (٢٣١:١) وظاهره أن الأولى هى النافلة، فمعناه ما ذكره النووى بقوله: أى إذا علمت من حالهم تأخيرها عن وقتها المختار، فصلها لأول وقتها، ثم إن صلوها لوقتها المختار فصلها أيضا معهم، وتكون صلاتك معهم نافلة، وإلا كنت قد أحرزت صلاتك بفعلك فى أول الوقت اهـ. قلت: وتدل لما ذكره النووى روايتان عن أبى ذر أيضا عند مسلم (٢٣٠:١ و٢٣١) لفظ الأولى منهما: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة" اهـ ولفظ الأخرى: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" اهـ وهذه الأخيرة صريحة فى المقصود والأحاديث تفسر بعضها بعضا، والله تعالى أعلم. واعلم أن إعادة الصلاة فى جماعة تختص بمن كان صلى منفردا ثم أدرك الجماعة، وأما من صلى بجماعة ثم أدرك جماعة أخرى، فلا تستحب له الإعادة، ففى نيل الأوطار: قال ابن البر: قال جمهور الفقهاء: إنما يعيد الصلاة مع الإمام فى جماعة من صلى وحده ٢٨٨ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن ١٢٦٥- عن: أبى أمامة الباهلى رضى الله عنه قال: قال رسول الله مرّه: ((الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن)). رواه أحمد والطبرانى فى الكبير، ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ١٤٢:١). فى بيته أوفى غير بيته، وأما من صلى فى جماعة وإن قلت: فلا يعيد فى أخرى قلت أو كثرت، ولو أعاد فى جماعة أخرى لأعاد فى ثالثة ورابعة إلى ما لا نهاية له، وهذا لا يخفى فساده. قال: وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة والشافعى وأصحابهم اهـ (٣٤١:٢) قال الشيخ: ووجه ذلك أن هذه الإعادة خلاف القياس، فإن من صلى مرة فرغت ذمته، فما معنى الإعادة؟ ولكن قيل به لورود النص، فيراعى كل ما ورد به، والنص قد ورد فيمن صلى فى رحله، والانفراد فيه أظهر، فإن الجماعة فى البيت نادرة (لاسيما وقد ورد فى رواية" إذا صلى أحدكم فى بيته ثم دخل المسجد والقوم يصلون" كذا فى مجمع الزوائد (١٦٠:١) فهو صريح فى الانفراد)، فلذا لم يجوزه جمهور الأئمة لمن صلى جماعة لأن النص لم يرد فيه اهـ. قلت: ويستثنى منه من صلى بجماعة ثم رأى أحدا يصلى وحده، فيستحب له الاقتداء به، فإنهم قد أجمعوا على ذلك كما تقدم عن ابن الرافعة، ودليله حديث أبى سعيد ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلى معه، فتذكر. قوله: "عن أبى أمامة" إلخ. قلت: وأخرجه أحمد فى مسنده حدثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبي عن أبى هريرة مرفوعاً، وهذا سند الصحيح. قال فى التنقيح: روى مسلم فى صحيحه بهذا الإسناد نحوا من أربعة عشر حديثًا كذا نقله الزيلعى (٢٥٢:١). وفيه دلالة على فساد صلاة المفترض خلف المتنفل، وتقرير الدلالة ما ذكره العزيزى عن العلقمى أن حقيقة الضمان فى اللغة والشريعة هو الالتزام، ويأتى بمعنى الوعاء، لأن كل شئ جعلته فى شئ فقد ضمنته إياه، فإذا عرف معنى الضمان، فإن ضمان الإمام لصلاة المأموم هو التزام شروطها وحفظ صلاته فى نفسه، لأن صلاة المأموم تبنى عليها، فإن أفسد صلاته فسدت صلاة من ائتم به، فكان غارما لها. وإن قلنا بمعنى الوعاء، فقد دخلت صلاة المأموم فى صلاة الإمام لتحمل القراءة عنه، والقيام إلى حين الركوع أى فى حق المسبوق، والسهو، ولذلك لم تجز صلاة المفترض خلف المتنفل، لأن ضمان الواجب بما ليس واجبا محال اهـ (١٢٢:٢). وقرره 19 ج -٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه ٢٨٩ ١٢٦٦- عن: أنس رضى الله عنه أن النبى ◌ّ له قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه)) أخرجه البخارى ومسلم (زيلعى ٢٤٩:١). صاحب الكفاية بما نصه: أى يتضمن صلاته صلاة القوم، وتضمين الشئ فيما هو فوقه يجوز وفيما هو دونه لا يجوز، وهو المعنى فى الفرض، فإن الفرض يشتمل على أصل الصلاة والصفة، والنفل يشتمل على أصل الصلاة، وإذا كان الإمام مفترضاً، فصلاته مشتمل على صلاة المقتدى وزيادة، فصح اقتداؤه به، وإذا كان الإمام متنفلا ، فصلاته لا تشتمل على صلاة المقتدى وزيادة، فلا يصح اقتداء به، لأنه بناء القوى على الضعيف، فيكون منفردا فى حق الوصف اهـ (٣٢٥:١). وأورد عليه بأنه يحتمل أن يؤول بكونه ضامنًا فى حق الإثم إذا صلى بغير وضوء مثلا، فلا يأثم المقتدى ولا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ به الإمام. وأجيب بأن الثواب، والإثم مما لا يدخل فى ضمان العبد بلا واسطة، وإنما ذلك فرع ما يدخل فى ضمانه، فإن قيل: نقول: إنه ضامن لصحة صلاة القوم لكن لا مطلقًا، بل فى حق المؤاخذة، والإثم فقط. قلنا: حقيقة الضمان غير مرادة اتفاقًاً (وإلا لم يكن أحد إماما ما لم ينو الإمامة، وكونه ضامنًا، وقد اتفقوا غير أحمد على عدم وجوب نية الإمامة على الإمام، وعلى أنه يصير إماما باقتداء أحد به ولو لم ينو إمامته كما فى رحمة الأمة) فالمراد به التضمن أى تضمن صلاة الإمام صلاة المقتدى، وأقل (١) ما يقتضيه التضمن التساوى، لأن ضمان الواجب بما ليس بواجب محال، كما مر فى كلام العلقمى فيتضمن كل فعل مما على الإمام مثله، وغايته أن يفضل كالمتنفل خلف المفترض، فانهدم بناء الإشكال رأسًا، لأن مبناه على كون الضمان بمعنى الالتزام، ونحن لا نسمله، ومن ادعى ذلك فعليه البيان. وأما عدم وجوب نية الإمامة على الإمام فسيأتى بيانه فى موضعه، وبه يقوم الحجة على أحمد. قوله: "عن أنس" إلخ. قلت: احتج به أصحابنا على المنع من اقتداء المفترض بالمتنفل قالوا: واختلاف النية داخل فى ذلك. قال النووى فى شرح مسلم: وحمله الشافعى على الاختلاف فى الأفعال الظاهرة بدليل قوله: ((فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد (١) قاله ابن الهمام فى الفتح (٢٢٦:١) مؤلف. ٢٩٠ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن فاسجدوا)) وبدليل أنه يصح اقتداء المتنفل بالمفترض. قلنا: قوله مع التر: ((لا تختلفوا عليه)) نص فى النهى عن كل اختلاف، وذكر الأفعال الظاهرة ورد تمثيلا، فلا يفيد اختصاص الحكم بها، واقتداء المتنفل بالمفترض ليس من الاختلاف على الإمام، بل هو من جنس التخلف من الإمام فإن لفظة "على" تفيد معنى الغلبة، وأقل ذلك أن يكون اختلافًا بالتساوى أو بالتفاضل عليه، وهذا مقصود فى التنفل خلف المفترض، أو نقول: إن مفاد قوله: ((لا تختلفوا عليه» المنع من ذلك أيضا ولكن جوزناه بنص آخر فى ذلك خاصة وهو قوله مظ لته: ((أيكم يتجر على هذا))، وقوله: ((إذا صلى أحدكم فى رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل، فليصل معه فإنها له نافلة)) وبقوله فى قصة أمراء يميتون الصلاة: ((فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة))، وقد تقدم كل ذلك، ولم تجد نصاً فى جواز اقتداء المفترض خلف المتنفل، فبقى داخلا فى عموم قوله: ((لا تختلفوا عليه)) والله تعالى أعلم. وفى الحديث دلالة على فساد اقتداء من يصلى فرضًا آخر، فإنه إيضاً من الاختلاف على الإمام فى النية، وجوزه الشافعى لحمله الحديث على النهى عن الاختلاف فى الأعمال الظاهرة فحسب. وبعد ذلك، فلنذكر أقوال العلماء فى المسألة، ونجب عما استدلوا به على ما يخالف ما ذهبنا إليه. قال الشيخ ابن دقيق العيد فى شرح العمدة: اختلف الفقهاء فى جواز اختلاف نية الإمام والمأموم على مذاهب، أوسعها الجواز مطلقًا، فيجوز أن يقتدى المفترض بالمتنفل وعكسه، والقاضى بالمؤدى وعكسه سواء اتفقت الصلاتان أم لا، إلا أن تختلف الأفعال الظاهرة، وهذا مذهب الشافعى رحمه الله تعالى. الثانى مقابله وهو أضيقها أنه لا يجوز اختلاف النيات حتى لا يصلى المتنفل خلف المفترض. والثالث أوسطها أنه يجوز اقتداء المتنفل بالمفترض لا عكسه، وهذا مذهب أبى حنيفة ومالك رحمهما الله، ومن نقل عن مذهب مالك مثل المذهب الثانى فليس بجيد فليعلم ذلك اهـ (٥٩:٢). قلت: وخير الأمور أوساطها. قال الزيلعى: وبقولنا قال أحمد ومالك اهـ (٢٤٩:١). وقال أحمد فى رواية بما قال الشافعى كذا فى عمدة القارئ (٧٧٣:٢). واستدل الشافعى رحمه الله تعالى بما أخرجه البخارى ومسلم عن جابر "أن معاذا كان يصلى مع رسول الله مرّ ة عشاء الآخرة ثم يرجع إلى قومه، فيصلى بهم تلك الصلاة" لفظ مسلم. ولأصحابنا عنه أجوبة أحدها أن الاحتجاج به من باب ترك الإنكار من النبى معَ له، وشرط ذلك علمه بالواقعة، ٢٩١ ج - ٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه وجاز أن لا يكون علم بها ، ويدل عليه ما رواه أحمد فى مسنده عن معاذ بن رفاعة عن سليم رجل من بنى سلمة "أنه أتى النبى معَّ ه فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون فى أعمالنا بالنهار، فينادى بالصلاة فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال له عليه السلام: ((يا معاذ! لا تكن فتانًا، إما إن تصلى معى، وإما أن تخفف على قومك))، فدل على أنه كان يفعل أحد الأمرين فى علمه، ولم يكن يجمعهما، لأنه قال: "إما أن تصلى معى " أى ولا تصل بقومك، " وإما أن تخفف على وقومك" أى ولا تصل معى. وقال الشيخ ابن تيمية فى المنتقى: وقوله عليه السلام: ((إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف عن قومك)) ظاهر فى منع اقتداء المفترض بالمتنفل، لأنه يدل على أنه متی صلى معه امتنعت إمامته لقومه، وبالإجماع لا يمتنع إمامته بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد به صلاة الفرض، وأن الذی کان یصلیه معه کان ینویه نفلا، كذا فى نصب الراية للزيلعى (١ :٢٤٩) . وفى كلام الشيخ ابن تيمية إشارة إلى احتمال آخر وهو أن يكون معاذ كان يجعل صلاته معه عليه السلام نفلا ليتعلم سنة القراءة، وأفعال الصلاة. وأجاب الحافظ فى الفتح عن الاحتمال الأول بأن للمخالف أن يقول: بل التقدير إما أن تصلى معى فقط إذا لم تخفف وإما أن تخفف بقومك، فتصلى معى. وهو أولى من التقدير الأول لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف، لأنه هو المسؤول عنه المتنازع فيه اهـ (٢: ١٦٦) وعن الثانى بما رواه عبد الرزاق، والشافعى، والطحاوى، والدار قطنى، وغيرهم من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر فى حديث الباب زاد: "هى له تطوع، ولهم فريضة"، وهو حديث صحيح، وقد صرح ابن جريج فى رواية عبد الرزاق بسماعه فيه، فانتفت تهمة تدليسه، وتعليل الطحاوى له بأن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح فى صحته، لأن ابن جريج أسن وأجل من ابن عيينة، وأقدم أخذا عن عمرو منه، ولو لم يكن كذلك فهى زيادة من ثقة حافظ، وليست منافية لرواية من هو أحفظ منه، ولا أكثر عددا، فلا معنى للتوقف فى الحكم بصحتها. وأما رد الطحاوى لها باحتمال أن تكون مدرجة، فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضمومًا إلى الحديث فهو منه ولاسيما إذا روى من وجهين والأمر ههنا كذلك فإن الشافعى أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعا لعمرو بن دينار عنه، وقول ٢٩٢ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن الطحاوى: "هو ظن من جابر" مردود، لأن جابرا كان ممن يصلى مع معاذ، فهو محمول على أنه سمع ذلك منه، ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بأن يكون ذلك الشخص اطلعه عليه اهـ (١٦٥:٢). ورد العلامة العينى الجواب الأول بأن الذى قدره المخالف باطل، لأن لفظ الحديث: (يا معاذ) لا تكن فتانًا إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف عن قومك، فهذا (بظاهره (١)) يدل على أنه يفعل أحد الأمرين إما الصلاة معه أو بقومه، ولا يجمعهما، فدل على أن المراد منع الجمع وكل أمرين بينهما منع الجمع كأن بين نقيضهما منع الخلو، كما قد بين هكذا فى موضعه اهـ (٧٧٤:٢). قلت: لوسلم ما قاله الحافظ فنقول: الحديث محتمل كلا الأمرين، والاحتمال يبطل الاستدلال دون المنع، وبالجملة فغاية ما قاله الكلام فى سند المنع، والكلام فيه لا يضر المانع، فالمنع باق على حاله، وعلى المستدل إثبات علم النبى ◌ٍَّ بفعل معاذ. فإن قال: إن زمان الوحى لا يقع فيه لأحد من الصحابة التقرير على ما لا يجوز فعله، ولهذا استدل أبو سعيد، وجابر على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل، فيأتى الكلام فيه عن قريب فى بحث إمامة الصبى فانتظر. ورد الجواب الثانى بأن هذه زيادة قد تكلموا فيها، فزعم أبو البركات بن تيمية أن الإمام أحمد ضعف هذه الزيادة، وقال: أخشى أن لا تكون محفوظة، لأن ابن عيينة يزيد فيها كلاما لا يقوله أحد. وقال ابن قدامة فى المغنى: وروى الحديث منصور بن زاذان، وشعبة، فلم يقولا ما قال سفيان بن عيينة، وقال ابن الجوزى: هذه الزيادة لا تصح ولو صحت لكان ظنا من جابر، وبنحوه ذكره ابن العربى فى المعارضة اهـ (٧٧١:٢). قلت: وكلام الطحاوى يدل على أن ابن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق ابن جريج، ولم يذكر هذه الزيادة فوقع الاختلاف على ابن عيينة فيها، ولذا قال فى آثار السنن: فالحق أنها دائرة على ابن جريج اهـ (١ :١٣٥) . وأما قول الحافظ: "ولو لم يكن كذلك فهى زيادة ثقة حافظ، فلا معنى للتوقف فى (١) وكون ذلك ظاهرا من لفظ الحديث قد اعترف به الشيخ ابن تيمية فى المنتقى، كما تقدم، وقال: إنه يدل على أنه متى صلى معه امتنعت إمامته بقومه، وبالإجماع لا يمتنع إمامته بصلاة النفل معه، فعلم أنه أراد به صلاة الفرض اهـ ١٢ مؤلف. ج - ٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه ٢٩٣ الحكم بصحتها" ، ففيه أنه رواه غير واحد من الحافظ من أصحاب عمرو بن دينار عنه بدون هذه الزيادة، کشعبة عند البخارى فى صحيحه، وسلیم بن حیان فى الأدب، وابن عيينة ومنصور وأيوب عند مسلم، وغيرهم عند غيرهما. وكذلك أصحاب جابر الثقات الأثبات كلهم لم يذكروا هذه الزيادة مع توفر دواعيهم على الأخذ، وهذا يقتضى ريبة توجب التوقف عنها. وأما قوله: "لاسيما إذا روى بوجهین" فهذا الوجه الآخر لا یحسن من الحافظ ذكره فى المتابعة، لأن الشافعى أخرجه عن شيخه إبراهيم بن أبى يحيى الأسلمى وهو متروك عند الحافظ، كما صرح به فى التقريب، كذا فى آثار السنن مع تغيير يسير فى التعبير (١٣٥:١). قلت: ولو سلم أنها زيادة ثقة فلا شك أنها ليست من كلام رسول الله مزالغر ، ولا من کلام معاذ، وهذا ظاهر جدا، فیحتمل أن تكون من كلام ابن جريج أو من قول ابن دينار أو من قول جابر، فمن أى هؤلاء الثلاثة كان فليس فيه دليل على حقيقة فعل معاذ، لأنهم لم يحكوا ذلك عنه إنما قالوا قولا على أنه عندهم كذلك، وقد يجوز أن يكون فى الحقيقة بخلافه كذا قاله العينى نقلا عن الطحاوى (٧٧١:٢). وأما قول الحافظ: "إن الأصل عدم الإدراج فمهما كان مضموما إلى الحديث فهو منه"، فلا يصح لأنه يلزم منه أن لا یوجد مدرج إصلا کذا قالہ العینی اص وج مذکور) ولو سلم عدم إدراجه، فغايته أنه من قول جابر، ولا حجة فيه لاحتمال أن يكون قال ذلك ظنا منه. وأما قوله: "ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا أن يكون ذلك الشخص اطلعه عليه" ففيه أن الصحابة لم يزالوا يحكون عن رسول الله مرّ ة أمورا مختلفة فيؤخذ ببعضها، ويؤول فى بعضها بأنها ظن من الراوى، كما روى بعضهم أنه مَّ ةٍ بال قائما، وهذه عائشة رضى الله عنها تقول: "من قال: إن رسول الله مَّ ارِ بال قائما فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا" فيقال: إن ذلك ظن من عائشة لما كانت تراه لا يبول فى البيت إلا قاعدا، وقد روى بعضهم أنه مَّ رِ أهل بالحج من مسجد ذى الحليفة وبعضهم أنه أهل حين استوت به راحلته، وبعضهم أنه أهل بالبيداء، والإهلال أمر مبطن لا يطلع عليه إلا بإخبار المهل، لأن مبناه على التلبية المقارنة للنية دون التلبية فقط، فرجحوا قول من قال: إنه أهل من المسجد، وحملوا قول الآخرين على الحكاية بالظن، فهل يجوز الحكاية بالظن عن النبى عٍَّ ولا تجوز عن معاذ؟ ولم لا يقال: إن جابرًا حمل فعل معاذ على ما حملته الشافعية، ٢٩٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن وظن أنه لم يكن ليترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة فى المسجد الذى هو أفضل المساجد؟ وهذا لا حجة فيه، كما لا يخفى، فإن للصلاة فى المسجد النبوى فضيلة، وللإمامة بقومه فضيلة أخرى يمكن الجمع بينهما بالتنفل خلف النبى مرّ ةٍ وأداء الفرض فى مسجد قومه. سلمنا أن جابرا سمع ذلك من معاذ فلا دليل فيه على أن معاذا فعل ذلك بأمر النبى مرٍّ ولا على أنه مرّبير لو أخبر به لأقره عليه أو غيره قال الحافظ: إنهم لا يختلفون فى أن رأى الصحابى إذا لم يخالفه غيره حجة، والواقع هنا کذلك، فإن الذین كان يصلى بهم معاذ كلهم صحابة، وفيهم ثلاثون عقبيا، وأربعون بدريا، قاله ابن حزم قال: ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك اهـ (١٦٥:٢). وأجاب عنه سیدی مولانا الخليل فى بذل المجهود شرح أبى داود بأن سكوت الصحابة وعدم مخالفتهم ليس فيه دليل لهم لثبوت إنكار النبى مَّالتٍّ وغضبه على معاذ بقوله: "لا تكن فتانا إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف على قومك" فلما ثبت الإنكار من النبى مرّةٍ لا يكون سكوت الصحابة حجة اهـ (ص: ٣٣٥) مختصرا بمعناه. وحاصله أن الظاهر المتبادر من قول النبى مرّاتٍ: ((إما أن تصلى معى، وإما أن تخفف عن قومك)) أنه متى صلى معه امتنعت إمامته بقومه كما مر عن المنتقى، ففيه المنع من صلاة الفرض خلفه إذا أم بقومه، فسكوت الصحابة لا یکون حجة بعد ذلك. ومما احتج به الحنفية على عدم جواز اقتداء المفترض بالمتنفل ما ذكره العينى بما نصه: قلت: يستدل على ذلك (أى على نسخ فعل معاذ لو سلم أنه كان باطلاع من النبى مٍَّ ١٢) بوجه حسن، وذلك أن إسلام معاذ متقدم، وقد صلى النبى مَّ اللّه بعد سنين من الهجرة صلاة الخوف غير مرة من وجه وقع فيه مخالفة ظاهرة بالأفعال المناقضة للصلاة، فيقال: لو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لأمكن إيقاع الصلاة مرتين على وجه لا تقع فيه المناقضات المفسدات فى غير هذه الحالة، وحيث صليت على هذا الوجه مع إمكان دفع المفسدات على تقدير جواز اقتداء المفترض بالمتنفل دل على أنه لا يجوز ذلك أنتهى (٧٧٣:٢). وأجاب عنه الحافظ فى الفتح بأنه ثبت أنه مرٍّ صلى بهم صلاة الخوف مرتين، كما أخرجه أبو داود عن أبى بكرة صريحا، ولمسلم عن جابر نحوه، وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز اهـ (١٦٦:٢). قلت: حمل صلاته معد له بهم بنوع المخالفة على بيان الجواز مشكل جدا، لأن المشى فى الصلاة، وتحويل الصدر ج - ٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه ٢٩٥ عن القبلة، وتأخير الركعة الثانية عن الأولى بمثل هذا التأخير مما لا يقال بجوازه فى غير صلاة الخوف أصلا، ولا يقال بجوازه فيها أيضًا إلا إذا تعذر الإتيان بالصلوة على هيئتها خالية عن المفسدات، وهذا مما لا يخفى على أحد له مسكة، فلا تصح الصلاة بهذه الطريقة المخالفة إذا أمكنت بدونها، وقد صح عنه مرٍّ أنه صلى بهم كذلك بأنواع من المخالفة، فلا بد من أن يقال: إن صلاته بهم مرتين كان رسول الله، والفريضة (١) حينئذ تصلى مرتين، فيكون كل واحدة منهما فريضة، وقد كان يفعل ذلك فى أول الإسلام ثم نسخ. ذكره الطحاوى فى معانى الآثار، وأيده بحديث خالد ين أيمن المعافرى قال: كان أهل العوالى يصلون فى منازلهم، ويصلون مع النبى معٍَّ، فنهاهم رسول الله مٍَّ أن يعيدوا الصلاة فى يوم مرتين اهـ (١٨٧:١) وقد ذكرنا الحديث قبل فى باب كراهة تكرار الجماعة. أو نقول: إن حديث أبى بكرة وجابر: "أن رسول الله سرّه صلى باحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله معرّ فٍ أربع ركعات، وللقوم ركعتان" كان قبل نزول حكم القصر فى السفر، ومعناه أنه صلى بكل طائفة ركعتين ثم قضوا بعد ذلك ركعتين ركعتين. فإن قيل: إن القضاء ما ذكر قلنا: قد يجيئ فى الأخبار مثل هذا كثير، فقد روى عن ابن عباس وعن ابن وديعة أنه مرّالتٍّ صلى صلاة الخوف، فصف صفا خلفه وصفا موازى العدو، فصلى بهم ركعة، وصلى بهؤلاء ركعة ثم سلم، فكانت لرسول الله مظهر ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة. ذكرهما الطحاوى فى معانى الآثار (١: ١٨٣/١٨٢) وليس فيما أنهم قضوا ركعة ركعة، وقد وقع التصريح فى حديث حذيفة وأبى موسى وعبد الله بن عمر بأنهم بعد ذلك قضوا ركعة لأنفسهم، کما ذکره الطحاوی أیضاً (١٨٤:١) فیمکن وقوع الاختصار کذلك فی حدیث أبى بكرة وجابر. ويؤيد حملنا إياه على ذلك ما أخرجه الطحاوى حدثنا يزيد بن سنان (ثقة من رجال النسائى) ثنا معاذ بن هشام (من رجال الجماعة ثقة متهم بالقدر) قال: حدثنى (١) قلت: وبهذا التقرير اندفع ما أورده العلامة ابن دقيق العيد على الإمام الطحاوى فى حمله فعل معاذ على النسخ بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال، وحاصل الجواب أنه لم يثبت النسخ بالاحتمال، بل مراده أن جواز الصلاة فى اليوم مرتين، ونسخه ثابت ليس فيه احتمال أصلا، نعم! فعل معاذ يحتمل إما أن يكون قبل النسخ، ويحتمل أن يكون بعده، ولما احتمل الأمران فسد الاستدلال به حتى يثبت وقوعه بعد الشيخ ودون إثباته خرط القتاد، وهذا هو معنى حمله صلاة الخوف مرتين على النسخ، وأنها كانت فى وقت يصلى فيه الفرض مرتين فافهم ١٢ منه. ٢٩٦ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن أبى عن قتادة ( كلاهما ثقة ) عن سليمان اليشكرى (تابعى ثقة) أنه سأل جابر بن عبد الله عن الإقصار االصلاة فى الخوف أى يوم نزل؟، وأين هو؟ قال: انطلقنا نتلقى عير قريش آتية من الشام حتى إذا كنا بنخل جاء رجل من القوم إلى رسول الله مرزقٍ، فقال: أنت محمد؟ قال: نعم! قال: تخافنى؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك منی؟ قال: الله يمنعنى منك إلى أن قال: فنادى رسول الله سرّ له بالرحيل، وأخذوا السلاح ثم نودى بالصلاة، فصلى رسول الله منظفٍ بطائفة من القوم وطائفة أخرى يحرسونهم، فصلى بالذين يلونه ركعتين ثم سلم ثم تأخر الذين يلونه على أعقابهم فقاموا فى مصاف أصحابهم، وجاء الآخرون، فصلى بهم ركعتين والآخرون يحرسونهم، ثم سلم، فكان للنبى معد لةٍ أربع ركعات وللقوم ركعتان ركعتان، ففى يومئذ (١) أنزل الله عز وجل إقصار الصلاة اهـ (١٨٧:١) رجاله كلهم ثقات إلا ماقيل فى سماع قتادة عن سليمان اليشكرى فقيل: لم يسمع منه، وإنما روايته من صحيفة سليمان عن جابر، كما يظهر من قول أبى حاتم ذكره فى تهذيب التهذيب (٢١٥:٤) وهذا لا قدح فيه، فإن أبا الزبير وأبا سفيان والشعبى أكثر روايتهم من صحيفة جابر كما قاله أبو حاتم أيضًا. قال الطحاوى: ففى هذا الحديث ما يدل على أن رسول الله مِّ صلى بهم أربعًا قبل إنزال الله عليه فى قصر الصلاة ما أنزل عليه، وإن قصر الصلاة إنما أمره الله تعالى به بعد ذلك، فكان الأربع يومئذ مفروضة على رسول الله پڼے، و کان المؤتمون به فرضهم أيضًا فیها كذلك، لأن حكمهم حينئذ كان فى سفرهم کحکمهم فى حضرهم، ولابد إذا كان كذلك من أن يكون كل طائفة من هاتين قد قضت ركعتين ركعتين، كما تفعل لو كانت فى الحضر اهـ. فإن قيل: إن فى الحديث قوله: ((سلم وسلم)) مرتين وهو يدل على خروج رسول الله مرّةٍ من الصلاة على رأس كل ركعتين، فكيف يكون فرضه أربعا؟ قلنا: يؤول قوله: ((سلم)) بأن المراد به سلام التحية أى التشهد دون سلام القطع، وقد يطلق السلام على التشهد أيضاً كما فى حديث ((أما السلام عليك، فقد عرفناه يريد به التشهد، فكيف (١) فإن قيل: قوله: "ففى يومئذ أنزل الله إقصار الصلاة" ليس بنص فى تقدم صلاة رسول الله مديرٍ على نزول حكم القصر، بل يحتمل أن يكون نزول القصر قبل صلاة أو بعدها قلت: الاحتمال يضر المستدل دون المانع، ونحن الآن فى مقام المنع دون الاستدلال نقول: إن صلاته ◌ّ بكل طائفة ركعتين لم يكن بعد نزول القصر، بل يحتمل أن يكون قبله وظاهر هذا الحديث يؤيد ما أبديناه من الاحتمال ١٢ . ٢٩٧ ج - ٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه الصلاة عليك يا رسول الله))، وقد مر ذكره فى الجزء الثالث من هذا الكتاب، وروى أبو حنيفة عن أبى سفيان عن أبى نضرة عن أبى سعيد مرفوعًا: فى كل ركعتين تسليم، قال أبو حنيفة: أى تشهد، قال عبد الله بن يزيد المقرئ: صدق اهـ (٣١٣:١ جامع المسانيد). وقال العلامة القارئ: إن صاحب المصابيح الشافعى قال فى شرح السنة: يحتمل أن يكون هذا أى صلاة الخوف مرتين فى حال كون النبى مرّاتٍ مقيما، ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الآية بالقصر إلا أنه لم يذكر فى الحديث أن القوم قضوا ويجوز أن يكونوا قضوا، ومثل هذا جائز فى الأحاديث. فهذا بحمد الله شافعى منصف غاية الإنصاف، ومجتهد جامع جميع الأوصاف حمل الحديث على ما اخترناه فيه، وصاحب البيت أدرى بما فيه اهـ كذا فى بذل المجهود (١: ٣٣٦). فإن قيل: هذا الاحتمال أى إرادة التشهد بالسلام لا يتمشى فى حديث عمرو بن خليفة البكراوى ثنا أشعث بن عبد الملك الحمرانى عن الحسن عن أبى بكرة أن النبى معَّه- صلى بالقوم فى صلاة الخوف صلاة المغرب ثلاث ركعات ثم انصرف، وجاء الآخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات. سمعت أبا على الحافظ يقول: هذا حديث غريب، أشعث الحمرانى لم يكتبه إلا بهذا الإسناد قال الحاكم: وإنه صحيح على شرط الشيخين كذا فى المستدرك للحاكم (٣٣٧:١) قلت: أخرجه البيهقى من طريق أبى بكر محمد بن بكر عن أبى داود (السجستانى صاحب السنن) وفيه: وكذلك فى المغرب يكون للإمام ست ركعات، وللقوم ثلاثًا، ثم قال البيهقى: وهذا أظنه من قول الأشعث (قلت: ولذا فصله أبو داود فى سننه عن لفظ الحديث) قال البيهقى فى المعرفة: ورواه عمرو البكراوى عن أشعث عن الحسن عن أبى بكرة عن النبى مٍَّ فى المغرب وهو وهم، والصحيح هو الأول أى قول أشعث، كذا فى عون المعبود (٤٨٤:١) فهذا لا حجة فيه على أن الاحتمال الأول أی کونه حين كان الفرض يصلى مرتين جارهنا أيضًا، وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال. قال العينى فى العمدة نقلا عن شرح المهذب: اختلف العلماء فيمن دخل مع إمام فى صلاة فصلى بعضها هل يجوز له أن يخرج منها؟ فاستدل أصحابنا (أى الشافعية) بهذا الحديث (أى حديث معاذ لما فيه أن معاذا قرأ بالبقرة فانصرف الرجل، فكان معاذ ينال منه، أخرجه البخارى كما فى العمدة ٧٦٩:٢) على أن للمأموم أن يقطع القدوة، ويتم صلاته منفردا، وإن لم يخرج منها، وفى هذه المسألة ثلاثة أوجه أصحها أنه يجوز لعذر ولغير عذر، والثانى ٢٩٨ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن ١٢٦٧ - عن: ابن مسعود رضى الله عنه قال: ((لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود)). لا يجوز مطلقًا، والثالث يجوز لعذر، ولا يجوز لغيره، وتطويل القراءة عذر على الأصح. قلت: أصحابنا لا يجوزون شيئا من ذلك، وهو مشهور مذهب مالك، وعن أحمد روايتان لأن فيه إبطال العمل، والقرآن قد منع عن ذلك اهـ (٧٧٤:٢). أقول: إبطال العمل لا يرد على الشافعية، فإنهم لم يقولوا بجواز قطع الصلاة بل بقطع القدوة، وإتمام صلاته منفردا، قال الحافظ فى الفتح نقلا عن الرافعى فى الكلام على رواية الشافعى عن ابن عيينة فى هذا الحديث ((فتنحى رجل من خلفه، فصلى وحده)»: هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة، وتنحى عن موضع صلاته، واستأنفها لنفسه، لكنه غير محمول عليه، لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه اهـ (١٦٤:٢) أى بل هو محمول على أنه قطع القدوة وأتم صلاته الأولى منفردا لكن يرد عليه لفظ ابن عيينة عند مسلم: فانحرف رجل، فسلم ثم صلى وحده، كما فى الفتح أيضًا (٢: ١٦٣) وفى رواية للنسائى: فانصرف الرجل، فصلى فى ناحية المسجد اهـ (فتح ١٦٢:٢). فإن قالوا: فيدل الحديث على جواز قطع الصلاة لعذر، قلنا: مع كونه معارضاً للقرآن لا دلالة فيه على ذلك لما فيه أن ذلك لما بلغ النبى ◌ّ اللّه قال لمعاذ: فتان فتان فتان، وهذا يستدعى كون الرجل القاطع صلاته مفتونا، ففيه إنكار على معاذ وعلى الرجل كليهما ولكنه بالغ فى الإنكار على معاذ لكون فتنته أشد من فتنة الآخر، لأنه كان هو السبب لوقوع الرجل فى فتنة قطع الصلاة فافهم، وأيضًا لو كان قطع الفرض بعذر التطويل جائزا لم ينل معاذ منه، ولم يقل: إنه منافق كما فى الفتح أيضاً (٢: ١٦٤). قوله: "عن ابن مسعود وعن ابن عباس" إلخ. قلت: دلالتهما على فساد إمامة الصبى للبالغين ظاهرة، فإن قولهما: "لا يؤم الغلام" يدل على نفى إمامته والنهى عنها، وأثر ابن عباس وإن ضعفه الحافظ ولكن أثر ابن مسعود وعمر يعضدانه، والضعيف إذا تأيد بطريق أخرى ارتقى إلى درجة الحسن، وكان حجة كما أن المرسل ضعيف عند الشافعى، وإذا تأيد بمرسل آخر أو موصول ولو ضعيفًا كان حجة. وأيضاً قد تأيد الأثران بحديث مرفوع صحيح، وهو ما ذكرناه قبل من قوله مرّ في: ((الإمام ضامن)) فإنه يدل على ج - ٤ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه ٢٩٩ ١٢٦٨- وعن: ابن عباس قال: "لا يؤم الغلام حتى يحتلم". رواهما الأثرم فى سننه كذا فى المنتقى، وفى النيل (٤٣:٣): وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق مرفوعا بإسناد ضعيف اهـ قلت: وسكت الشوكانى عن أثر ابن مسعود وعن أثر ابن عباس موقوفا . ١٢٦٩ - وأخرج ابن أبى داود عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين عمر أن نؤم الناس فى المصحف، ونهانا أن يؤمنا إلا المحتلم. كذا فى كنز العمال. (٤ :٢٤٦) . ١٢٧٠ - قال: ابن وهب عن على بن زياد عن سفيان عن المغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يؤم الغلام حتى يحتلم، (المدونة لمالك ٨٥:١). فساد اقتداء المفترض بالمتنفل كما علمت، والاقتداء بالصبى كذلك لكونه متنفلا، لما ورد فى الحديث الصحيح «رفع القلم عن ثلاثة، وفيه: الصبى حتى يحتلم)» ذكرناه فى الجزء الثانى (ص: ١٣٢) فلا شك فى كونهما حجة. ترجمة على بن زياد التونسى العبسى: قوله: "قال ابن وهب عن على بن زياد" إلخ. قلت: على بن زياد هذا هو أبو الحسن التونسى العبسى من الطبقة الأولى من أصحاب مالك من أهل إفريقية، ذكره ابن فرحون فى الديباج. المذهب، وقال: ثقة مأمون خيار متعبد بارع فى الفقه، سمع من مالك، والثورى، والليث، وغيرهم، لم يكن بعصره فى إفريقية مثله، روى عن مالك الموطأ وكتبًا اهـ (ص: ١٩٢). ومعنى قول إبراهيم: " كانوا يكرهون" أى الصحابة والمراد بالكراهة ليس ما هو مصطلح الفقهاء المتأخرين بل أعم منه، فلا ينافى قولنا بفساد إمامة الصبى، ولو أريد به أن إمامة الصبى للبالغين تجوز مع الكراهة، فليس ذلك مطلقا عنده بل مقيد بالإمامة فى النوافل لما روى الأثرم عن إبراهيم لا بأس أن يؤم الغلام الذى لم يحتلم فى رمضان ذكره العينى فى العمدة (٧٥٨:٢) وأما فى الفرائض، فلم يقل إبراهيم. بجوازها أصلا، وإلا لم ٣٠٠ جواز النافلة خلف المفترض وعدم جواز عكسه إعلاء السنن قلت: كلهم ثقات من رجال الصحيح غير على بن زياد، فلم يخرجوا له وهو ثقة، كما سنذكره. ١٢٧١ - وقال ابن وهب عن عثمان بن الحكم عن ابن جريج عن عمر بن عبد العزيز قال: لا يؤم من لم يحتلم. (المدونة لمالك ٨٦:١) قلت: رجاله كلهم ثقات. ١٢٧٢ - عن: ابن عباس قال: قال رسول الله مَّاله: لا يتقدم الصف الأول أعرابى، ولا أعجمى، ولا غلام لم يحتلم. أخرجه الدارقطنى (١٠٥:١) یکن لتقییدها برمضان وجه. قوله: "قال ابن وهب عن عثمان بن الحكم" إلخ. قلت: عثمان هذا من رجال أبى داود والنسائى، وثقه أحمد بن صالح المصرى، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالمتين(١)، كذا فى تهذيب التهذيب (١١١:٧) ودلالة قول ابن عبد العزيز على فساد إمامة الصبى ظاهرة. قال العلامة العينى فى العمدة: ومذهب أبى حنيفة أن المكتوبة لا تصح خلفه، وبه قال أحمد وإسحاق، وفى النفل روايتان عن أبى حنيفة، وبالجواز فى النفل قال أحمد وإسحاق (لما فيه اقتداء المتنفل بالمتنفل، ووجه قولنا الثانى بالفساد فى النفل أيضًا كون النفل يصير واجبا على البالغ بعد الشروع فيه، ولا كذلك الصبى، فكان كاقتداء المفترض بالمتنفل بقاء ١٢) وقال داود: لا تصح فيهما، وحكاه ابن أبى شيبة عن الشعبى، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وعطاء، وأما ما نقله ابن المنذر عن أبى حنيفة وصاحبيه أنها مكروهة، فلا يصح هذا النفل اهـ (٥٨:٢). قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قلت: دلالته على الباب ظاهرة، فإن قيل: قد ورد النهى فيه عن إمامة الأعرابى والأعجمى أيضا وهى مكروهة عند کم لا مفسدة، فلیکن كذلك إمامة الصبى، قلنا: بل إمامة الأمى والذى لا يقدر على تصحيح الحروف مفسدة عندنا لصلاة القارئ الذى يجود القرآن، وهذا هو المراد بالأعرابى والأعجمى فى هذا (١) قلت: وهذا تليين منه.