Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ صفات الإمام إعلاء السنن الأوطار (٣: ٣٦). وأما ما قيل: من أن الأكثر حفظا للقرآن من الصحابة أكثر فقها، فهو وإن صح باعتبار مطلق الفقه لا يصح باعتبار الفقه فى أحكام الصلاة، لأنها بأسرها مأخوذة من السنة قولا وفعلا وتقريرا، وليس فى القرآن إلا الأمر بها على جهة الإجمال وهو مما يستوى فى معرفته القارى للقرآن وغيره اهـ. وما قاله الحافظ فى الفتح (٢: ١٤٣) ونصه: وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبى مرّظله على أنه أقرأ من أبى بكر كان أفقه من أبى بكر فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبى بكر كان لأن الأفقه اهـ. والجواب عن إيراد صاحب النيل أن الصحابة القدماء كانوا يقرؤون القرآن كبارا وقد تفقهوا فى الأحكام جميعا ، فكان الأقرأ منهم جامعا لفقه القرآن وأحكام الصلاة حائزا مع ذلك مزية القراءة، فكان أولى من غير الأقرأ لأجل ذلك، لا لأنه كان أعلم بأحكام القرآن فقط. ثم قوله: "فإن تساووا فى القراءة فأعلمهم بالسنة" معناه فإن تساووا فى العلم بأحكام الصلاة والقراءة فأعلمهم بسائر الأحكام، وعن إيراد الحافظ أن قوله مرتبقي: ((وأقرأهم أبى)) كان فى آخر أيامه، لما فى هذا الحديث أيضا: "أفرضهم زيد بن ثابت"، وقد علم أن زيدا من شبان الصحابة وحدثانهم، قدم النبى معَّهِ المدينة وهو ابن إحدى عشرة سنة وقيل: إن أول مشاهده يوم الخندق، ولا يخفى أنه لم يصر أفرض الصحابة فى ابتداء قدومه مرّ تِ المدينة بل إنما كان كذلك فى آخر أيامه، وقد قدمنا أن الأقرأ فى آخر أيامه لم يكن أعلمهم لكون المسلمين يقرؤون القرآن إذا ذاك صغارا، فلم يلزم من كون أبى أقرأ من أبى بكر كونه أعلم منه، هذا يقرب من جوابنا، ويشبهه ما ذكره العينى فى العمدة، ونصه: وأجاب بعضهم بأن تقديم الأقرأ كان فى أول الإسلام حين كان حفاظ الإسلام قليلا (ترغيبا للقوم فى حفظ القرآن) وقد قدم عمرو بن سلمة وهو صغير على الشيوخ لذلك، وكان سالم يؤم المهاجرين والأنصار فى مسجد قباء حين أقبلوا من مكة لعدم الحفاظ حينئذ. وحديث إمامة أبى بكر كان فى آخر الأمر، وقد حفظوا القرآن وتفقهوا فيه وكان أبو بكر رضى الله عنه أعلمهم وأفقههم فى كل أمره ا هـ بمعناه (٢: ٧٣٢، ٧٣٣). وهذا آخر الأمرين من رسول الله مَّةٍ فهو المعول عليه، ويكون تقديم الأقرأ على الأعلم ج -٤ صفات الإمام ٢٢٢ منسوخا. وقال الشيخ المحدث ولى الله فى الحجة الله البالغة: وسبب تقديم الأقرأ أنه ستڅ. حد للعلم حدا معلوما، كما بينا، وكان أول ما هنالك كتاب الله لأنه أصل العلم، وأيضا فإنه من شعائر الله، فوجب أن يقدم صاحبه وينوه بشأنه ليكون ذلك داعيا إلى التنافس فيه، وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلى إلى القراءة فقط، ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة ا هـ (٢: ٢٠). قلت: وهو راجع إلى قول العينى كما لا يخفى، وقال شيخنا فى جامع الآثار: والأولى أن يقال فى التطبيق: إن القدر الضرورى من القراءة الصحيحة يقدم على العلم فى الرعاية، فالأقرأ بهذه القراءة يقدم على الأعلم الذى ليس عنده هذه القراءة، ومرتبة الكمال من القراءة الزائدة على القدر الضرورى مؤخر فى الرعاية عن العلم، فالأعلم الذى عنده القدر الضرورى من القراءة مقدم على غير الأعلم الذى عنده مرتبة الكمال من القراءة هذا اهـ (ص: ٧٧). فإن قلت: إن قوله عليه الصلاة والسلام: "يؤم القوم" بمعنى الأمر والأمر للوجوب، فيكون الترتيب الواقع فى الحديث واجب الرعاية، ولیس کذلك، فإن الترتيب المذكور إنما للأفضلية دون الجواز. قلت: إنه ليس بمعنى الأمر بل هو صيغة إخبار لبيان المشروعية وهو حقيقة، فلا يصار إلى المجاز مع إمکان العمل بها سلمناه ولکنه للاستحباب بالإجماع، ذکر حاصله فى العناية (١: ٣٠٢). وفى فتح القدير نقلا عن المجتبى: فإن استويا فى العلم وأحدهما أقرأ فقدموا غيره (أى غير الأقرأ ١٢) أساؤوا ولا يأثمون ا هـ (٣٠٣:١). قلت: وإن كان أحدهما أقرأ وأعلم فلا ينبغى لغيره التقدم عليه، بدليل ما فى لسان الميزان عن الهيثم بن عتاب عن محارب بن دثار عن ابن عمر رضى الله عنهما مرفوعا ((من أم قوما وفيهم من هو أقرأ لكتاب الله منه وأعلم لم يزل فى سفال إلى يوم القيامة)). والهيثم هذا قال العقيلى فى الضعفاء: مجهول، وساق له الحديث المذكور، وذكره ابن حبان فى الثقات ا هـ (٦: ٢١١). ٢٢٣ صفات الإمام إعلاء السنن وقال فى مراقى الفلاح بعد بيان الأحق بالإمامة: وإن قدموا غير الأولى فقد أساؤوا ولا يأثمون اهـ (ص: ١٧٥). قلت: والوعيد فى الحديث المذكور لو سلم صحته أو حسنه ليس على القوم إذا قدموا غير الأولى بل على المتقدم نفسه، فلا يرد على ما قاله صاحب المراقى (تتمة): وقد ورد فى بعض الأحاديث ذكر الإمام الجميل لكنه ضعيف ففى العزیزی (١: ١٩٤): روى البيهقى فى سننه عن أبى زيد عمرو بن أخطب الأنصارى مرفوعا ((إذا كانوا ثلثة فليؤمهم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإن كانوا فى القراءة سواء فأكبرهم سنا، فإن كانوا فى السن سواء فأحسنهم وجها)» وهو حديث ضعيف اهـ. وقال الحافظ فى التلخيص: فيه عبد العزيز ابن معاوية وقد غمزه أبو أحمد الحاكم بهذا الحديث اهـ (١: ٤٢٥). وفى تهذيب التهذيب: وقال الدار قطنى: لا بأس به، وقال الخطيب: ليس بمدفوع عن الصدق ا هـ (٦: ٣٥٩). قلت: فالرجل حسن الحديث، وليس ما رواه أقل من أن يعتبر به لا سيما وقد رواه أبو عبيد عن عائشة نحوه من قولها وقال: أرادت فى حسن السمت والهدى ذكره الحافظ فى التلخيص (١: ١٢٥). وقال صاحب الهداية: فإن تساووا (١) فأورعهم لقوله عليه السلام: ((من صلى خلف عالم تقى فكأنما صلى خلف نبى)) اهـ. قلت: هذا الحديث بهذا اللفظ غريب قاله الزيلعى (١: ٢٣٨)، وقد مر بمعناه حديث رواه الطبرانى عن مرثد الغنوى، وحسنه العزيزى لغيره، فتذكر. وفى العناية: ليس (أى قوله: "فإن تساووا فأورعهم" ) فى لفظ الحديث فى ترتيب الإمامة، إنما فى الحديث بعد ذكر الأعلم ذكر "أقدمهم هجرة" لكن أصحابنا جعلوا مكان الهجرة الورع والصلاح، لأن الهجرة كانت منقطعة فى زمانهم، فجعلوا الهجرة عن المعاصى مكان تلك الهجرة اهـ (١: ٣٠٣). وتعقبه بعض الناس بأن هذا الجعل غير صحيح، فإن حكم الهجرة إذا لم يمكن إجراءه وهو نادر يعمل على ما بعده من الترتيب المذكور فى الحديث الصحيح لا على الجعل المذكور اهـ. (١) أى فى العلم والقراءة ١٢ منه. ٢٢٤ ج - ٤ صفات الإمام قلت: سامحه الله! فما أجراه على تخطئة الأعلام، وما أوقحه فى الكلام! أو لم يدر . أن الهجرة وإن كانت باقية إلى قيام الساعة ببقاء دار الحرب ولكنها لم تبق سببا للتقدم بعد فتح مكة لمن هاجر بعده على من لم يهاجر، فقد قال ◌ُ له: ((لا هجرة بعد الفتح" أخرجه البخارى كما فى فتح البارى (٧: ١٧٨). ومعناه الراجح عند الحافظ أنه لا هجرة إلى النبى معَ ◌ِّ بعد الفتح، وقد أفصح ابن عمر رضى الله عنه بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلى بلفظ: "انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله (مرّظام". وحديث عبد الله ابن السعدى "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" فمعناه أی ما دام فى الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشی أن یفتن عن دينه اهـ. قلت: ولكن الهجرة التى هى سبب تقدم المهاجر على غيره هى الهجرة إلى النبى مرّ ظلّ لكونها آكد وأعظم حتى قطع الله بها الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فقال تعالى: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يها جروا﴾ وقال: ﴿لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلا وعد الله الحسنى﴾ ط، وأما من هاجر اليوم من دار الكفر إلى دار الإسلام فهو وإن كان قد أتى بالواجب عليه ولكن لا نقدم له على سائر الناس بتلك الهجرة فى الأحكام، لأنه لم يثبت عن السلف تسمية أمثال ذلك بالمهاجر، وتمییزه عن غيره، كما كان ذلك فيمن هاجر قبل الفتح، فالمراد بالأقدم هجرة فى الحديث هو هذا لا ذاك، ولو سلم أن الهجرة من دار الكفر بعد وفاة النبى مرّ له سبب للتقدم أيضا، وقوله: "ثم الأقدم هجرة" يعم كل مهاجر إلى يوم القيامة، فهى إنما تجب بعده مرّ ةٍ على من أسلم فى دار الحرب، وخشى أن يفتن عن دينه، ولو لم يكن كذلك بل قدر على إظهار الدين فى بلد من بلاد الكفر، فقد صارت البلد به دار الإسلام (فى الجملة) فلا تجب عليه الهجرة بل إقامته فيها أفضل من الرحلة منهما، لما يترجى من دخول غيره فى الإسلام، كما قاله الماوردى، ذكره الحافظ فى الفتح (٧: ١٧٩). وقال ابن الهجر الهيثمى المكى فى فتاواه الحديثية: وإذا أمن ذلك، كان فى إقامته 15 إعلاء السنن صفات الإمام ٢٢٥ ١١٩١- عن: ابن مسعود رضى الله عنه قال: ما أحب أن يكون مؤذنوكم عميانكم قال: وأحسبه قال: ولا قراؤكم(١) رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله بينهم مصلحة للمسلمين راجحة على خروجه من بينهم. فجوزوا له ذلك، لكيلا يصير محله لهجرته منه دار حرب (٢) بل تجب عليه الإقامة حينئذ ا هـ (ص: ٢٠٤). إذا علمت ذلك فيمكن أن يكون المراد بانقطاع الهجرة فى زمن أصحابنا كما قاله صاحب العناية انقطاع وجوبها عن المسلمين المقيمين بأرض الحرب إذ ذاك، لكونهم آمنين على أنفسهم وأموالهم قادرين على إظهار دينهم. وأما قول بعض الناس: إن حكم الهجرة إذا لم يمكن إجراءه يعمل على ما بعده من الترتيب المذكور فى الحديث ا هـ فمردود عليه بأن ذلك يستلزم ترك العمل بالحديث مع إمكان العمل به، فإن الهجرة نوعان، حقيقية وهى ترك الإقامة بدار الكفر والإنتقال إلى دار الإسلام، وحكمية وهى ترك ما نهى الله عنه، فقد روى الطبرانى والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيد "ألا أخبركم بالمؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه فى طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب". وللحاكم من حديث أنس، وقال على شرط مسلم: والمهاجر من هجر السوءا هـ كذا فى شرح الإحياء للعراقى (٢: ١٧١). وأخرج البخارى من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا " والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه" (١: ٥١ مع الفتح). فلما لم يمكن العمل بتقديم المهاجر حقيقية يعمل به بالمعنى الحكمى كما قاله فقهاءنا رحمهم الله: فإذا استوى القوم قراءة وعلما يقدم الأورع على غيره، لكونه متقدما عليهم بالهجرة عن الذنوب، فإن تساووا يقدم الأسن أى الأكبر سنا، كما ورد به الحديث. والله أعلم. قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. فيه دلالة على كراهة كون الإمام أعمى، وسيأتى (١) بالرفع عطف على الفاعل، كما هو الظاهر ١٢ منه. (٢) قلت: ومن ههنا يعلم حكم غوغاء الهجرة التى كان أحدثها بعض من لا علم له بأحكام الشرع فى بلاد الهند، وزعم أن الهجرة منها إلى مملكة من ممالك الإسلام فريضة على مسلمى الهند بأسرهم، ولبى دعوته شرذمة من أهل الثغر، وهاجروا إلى كابل، وتجشموا من التكاليف والمصائب ما لا يأتى فى حيطة البيان. والله يسامحه، فقد كاد أن يجعل الهند كله دار الكفر ويمحو عنها سمة الإسلام التى بذل السلف أرواحهم، وأموالهم، ونفوسهم فى إقامتها بمثل تلك الأرض الواسعة الفضاء ١٢ منه. ج - ٤ صفات الإمام ٢٢٦ ثقات (مجمع الزوائد ١٤٣:١). ١١٩٢- عن: مالك بن الحويرث مرفوعا ((إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما)). رواه البخارى، كذا فى إعلاء السنن (١٠٦:٢). ١١٩٣ - عن: أبى مسعود الأنصارى قال: قال رسول الله مرّ له: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا فى القراءة سواء فأعلمهم بالسنة؛ فإن كانوا فى السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا فى الهجرة سواء فأقدمهم سلما. ولا يؤمن الرجل الرجل فى سلطانه، ولا يقعد فى بيته على تكرمته إلا بإذنه)). قال الأشج فى روايته مكان سلما: "سنا". رواه مسلم (١: ٢٣٦). ورواه الحاكم فى مستدركه (١: ٢٤٣) إلا أنه قال مكان أقرأهم: "أكثرهم قرآنًا" ومكان قوله: "فأعلمهم بالسنة": "فأفقههم فقها فإن كانوا فى الفقه سواء فأكبرهم" قال الحاكم: وقد أخرج مسلم فى صحيحه هذا الحديث، ولم يذكر فيه أفقههم فقها، وهى لفظة عزيزة غريبة بهذا الإسناد الصحيح اهـ وأقره عليه الذهبى. ١١٩٤- عن: أبى أمامة رضى الله عنه مرفوعا ((إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمكم خیارکم)). رواه ابن عساكر قال الشيخ: حديث حسن لغيره، كذا فى العزیزی (٥٦:٢). تفصيله لك إنشاء الله تعالى. قوله: "عن مالك بن الحويرث" إلخ فيه دلالة على تقديم الأكبر سنا، وهو مقيد بما إذا تساووا فى العلم، والقراءة، والورع، كما دل عليه حديث أبى مسعود البدرى، والله أعلم. قوله: "عن أبى أمامة" إلخ. قلت: دلالته على فضل إمامة الأخيار ظاهرة، وهذا هو الأصل الكلى لما ذكره علماءنا الحنفية فى ترتيب الأحق بالإمامة بعد ما استووا فى جميع ما له ذكر فى أحاديث الباب صراحة، فقالوا: ثم يقدم الأشرف نسبا لكونه خيرا من الوضيع، ويدل له أيضا قوله مّ قال: ((الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، فخيارهم فى ٢٢٧ صفات الإمام إعلاء السنن ١١٩٥ - عن: عبد الله بن عمرو قال: أمر رسول الله(مرّ الله- رجلاً(١) يصلى بالناس الظهر، فتغل فى القبلة وهو يصلى للناس، فلما كانت صلاة العصر أرسل إلى آخر، فأشفق الرجل الأول، فجاء إلى النبى مرّ اتٍ فقال: يا رسول الله! أنزل فى شىء؟ قال: لا! ولكنك تفلت بين يديك، وأنت قائم تؤم الناس، فاذيت الله، والملائكة رواه الطبرانى فى الكبير بإسناد جيد، كذا فى الترغيب (١٥٣:١)، وفى مجمع الزوائد (١٥٠:١): رجاله ثقات. الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا". متفق عليه من حديث أبى هريرة كذا فى تخريج الإحياء (١: ٦). ثم الأحسن صوتا لكونه خيرا من ردى الصوت، فإن حسن الصوت يزيد فى سماع القراءة رغبة، وهى للخضوع مظنة، ويدل له أيضا ما مر من قوله مرّ له: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقوله مّ ه: («لله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته)) رواه ابن حبان فى صحيحه، والحاكم فى مستدركه، وصححاه، وقد ذكرناهما فى باب التجويد. قالوا: ثم الأنظف ثوبا لكونه خيرا من دنس الثياب، ولبعده عن كراهة الناس، ويشهد له أيضا قوله مرّ له: ((إن الله جميل يحب الجمال)) أخرجه مسلم، والترمذى كذا فى العزيزى (١: ٢٥١). قوله: "عن عبد الله بن عمرو" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن مرتكب المعصية لا يستحق الإمامة، والدليل على كونه معصية ما فى الترغيب (١: ٥٢) عن ابن عمر مرفوعا "يبعث صاحب النخامة فى القبلة يوم القيمة وهى فى وجهه" رواه البزار وابن خزيمة فى صحيحه، وهذا لفظه، وابن حبان فى صحيحه اهـ. وفى الهداية: ويكره تقديم الفاسق، لأنه لا يهتم لأمر دينه ١ هـ (١: ١٠١). قلت: وهذا أى كراهة التقديم هو الذى دل عليه الحديث، وأما لو تقدم الفاسق بغلبة، ولم يقدر القوم على عزله، فلا دلالة فى الحديث على كراهة الصلاة خلفه حينئذ، (١) لم يكن ذلك فى مسجد النبى ◌ّ هر، بل كان الرجل إماما لقومه فى مسجد آخر أو فى مكان آخر، يدل عليه حديث السائب بن خلاد بلفظ: أن رجلا أم قوما فبصق فى القبلة، ورسول الله مرةٍ ينظر، فقال رسول الله مت﴾﴾. حين فرغ: لا يصلى لكم، فأراد بعد ذلك أن يصلى لهم، فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ميز الحديث. رواه أبو داود (٧٦:١) وسكت عنه هو والمنذرى، كذا فى النيل (٤٢:٣). ٢٢٨ ج - ٤ صفات الإمام وسيأتى لك تفصيله إنشاء الله تعالى. فائدة: قال فى الهداية: ويكره تقديم الأعرابى ا هـ (١: ١٠١). وقد ورد ذلك فى حديث رواه ابن ماجة فى باب فرض الجمعة عن جابر بن عبد الله قال: خطبنا رسول الله مَِّ فقال: يا أيها الناس! توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تشغلوا، وصلوا الذى بينكم وبين ربكم بكثرة ذكركم له، وكثرة الصدقة فى السر والعلانية ترزقوا، وتنصروا، وتجيروا. واعلموا أن الله قد افترض عليكم الجمعة فى مقامى هذا، فى يومى هذا، فى شهرى هذا، من عامى هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها فى حياتى أو بعدى وله إمام عادل أو جائر استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع الله شمله، ولا بارك له فی أمره. ألا ولا صلاة له، ولا ز کاة له، ولا حج له، ولا صوم له، ولا بر له حتی یتوب، فمن تاب تاب الله عليه. ألا لا تؤمن امرأة رجلا، ولا يؤم أعرابى مهاجرا، ولا يؤم فاجر مؤمنا إلا أن يقهره بسلطان يخاف سیفه، وسوطه ا هـ. قال الحافظ فى التلخيص: وفيه عبد الله بن محمد العدوى عن على بن زيد بن جدعان، والعدوی اتهمه و کیع بوضع الحديث، وشيخه ضعيف، ورواه عبد الملك بن حبيب فى الواضحة (اسم كتاب له ١٢ منه) من وجه آخر قال: ثنا أسد بن موسى، وعلى ابن معبد قالا: ثنا فضيل بن عياض عن على بن زيد، وعبد الملك متهم بسرقة الأحاديث، وتخليط الأسانيد قاله ابن الفرضى. قال عبد الحق فى الأحكام: رأيته فى كتاب عبد الملك، وقال ابن عبد البر: أفسد عبد الملك بن حبيب إسناده، وإنما رواه أسد بن موسی عن الفضیل بن مرزوق عن الوليد بن بکیر عن عبد الله بن محمد العدوی عن على بن زيد، فجعل عبد الملك فضيل بن عياض بدل فضيل بن مرزوق، وأسقط من الإسناد رجلين اهـ (١: ١٢٣). وبالجملة فهو حديث ضعيف، وليس بمتحقق الوضع كما قاله بعض الناس بالجزم: إنه موضوع - لأنه أخرجه البيهقى أيضا فى سننه كما رمز له فى كنز العمال (٤: ١٥٤) وقد التزم البيهقى أن لا يخرج فى كتبه شيئا من الموضوع صرح به السيوطى فى اللآلى المصنوعة (٢: ١٤٠). وفى تدريب الراوى (ص: ١٠١): وأخرجه المنذرى أيضا فى ترغيبه (١٢٨:١)، وقد التزم أن لا يخرج فيه ما هو ظاهر النكارة جدا أو متحقق الوضع ٢٢٩ صفات الإمام إعلاء السنن كما يظهر من مقدمته (١: ٣) فالحديث ليس بموضوع عند البيهقى، والمنذرى، وأخرجه الحافظ فى بلوغ المرام وقال: إسناده واه (١: ٧٤) ولم يقل: إنه موضوع كما قاله بعض الناس، وقال العلامة ابن الأمير اليمانى فى سبل السلام: وهو (أى حديث ابن ماجة) يدل على أن المرأة لا تؤم الرجل وهو مذهب الهدوية، والحنفية، والشافعية وغيرهم، وأجاز المزنى، وأبو ثور إمامة المرأة، وأجاز الطبرى إمامتها فى التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، وحجتهم حديث أم ورقة سيأتى، ويحملون هذا النهى على التنزيه أو يقولون: الحديث ضعيف، ويدل أيضا على أنه لا يؤم الأعرابى مهاجرا ولعله محمول على الكراهة أو كان فى صدر الإسلام، ويدل أيضا على أنه لا يؤم الفاجر، وهو المنبعث على المعاصى مؤمنا اهـ (١: ١٤٩) وهذا كله يدل على أن الحديث ليس بساقط عن درجة الاعتبار البتة، وغايته الضعف فحسب، فما قاله بعض الناس مردود عليه بأقوال هؤلاء الأعلام. وقال المنذرى فى ترغيبه: ورواه الطبرانى فى الأوسط من حديث أبى سعيد الخدرى أخصر منه اهـ. قلت: أخرجه فى مجمع الزوائد (١: ٢٠٩) وقال: فيه موسى بن عطية الباهلى. ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات اهـ. قلت: وحديث مثل ذلك صحيح على قاعدة ابن حبان كما مر ذكرها، على أن الحديث الضعيف إذا تأيد بالقياس الصحيح ارتفع عن الضعف إلى درجة الاعتبار. قال المحقق فى الفتح: والحاصل أن غير المرفوع أو المرفوع المرجوح فى الثبوت عن مرفوع آخر قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه عليه الصلاة والسلام مستمر عليه ١ هـ (١: ١١٥). ولا يخفى أن مدلول هذا الحديث مما قام على صحته قرائن صحيحة، أما إمامة المرأة للرجال فمما اتفق الأئمة الأربعة على عدم صحتها. والمزنى، وأبو ثور محجوجان بإجماع من قبلهم، قال فى رحمة الأمة: ولا تصح إمامة المرأة بالرجال فى الفرائض بالاتفاق، واختلفوا فى جواز إمامتها بهم فى صلاة التراويح خاصة، فأجاز ذلك أحمد بشرط أن تكون متأخرة، ومنعه الباقون ا هـ (ص: ٢٥) وسيأتى الجواب عن حديث أم ورقة فانتظر. وأما كراهة الصلاة خلف الفاجر، فلا خلاف فى ذلك، نص عليه فى النيل، قال: ٢٣٠ ج - ٤ صفات الإمام وقد أخرج الحاكم فى ترجمة مرثد الغنوى عنه عَظِلّه: ((إن سركم أن تقبل صلاتكم فليؤمکم خیارکم، فإنهم وفد کم فیما بینکم وبین ربکم»، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس المذكور فى الباب ا هـ (٣: ٤٢). قلت: وحديث مرثد ذكرناه فى المتن، وحديث ابن عباس ذكره فى المنتقى (٣: ٤١). وأما كراهة إمامة الأعرابى المراد به الجاهل عن الشرائع، فظاهرة لقوله معاليه: ((فليومكم أقرأكم)» ولما رواه سمرة رضى الله عنه أن رسول الله منظ ◌ّمٍ كان يأمر المهاجرين أن يتقدموا وأن يكونوا فى مقدم الصفوف، ويقول: هم أعلم بالصلاة من السفهاء والأعراب، ولا أحب أن يكون الأعراب أمامهم ولا يدرون كيف الصلاة؟ رواه البزار، والطبرانى فى الكبير، وإسناده ضعيف اهـ (مجمع الزوائد ١: ١٧١). قلت: ولكنه تأيد بالشواهد الحسنة، منها ما ذكرناه فى المتن، ومنها ما ذكره فى الجمع بعده، وفيه سعيد بن بشير وهو حسن الحديث، وبالجملة فحديث جابر هذا ليس كما ادعاه بعض الناس ساقطا عن درجة الاعتبار، بل له شواهد وقرائن تدل على أن له أصلا هذا، والله تعالى أعلم. ثم وجدت له طريقا أخرى فى لسان الميزان فى ترجمة مهنا ابن يحيى السامى أنه روى هذا الحديث عن زيد بن أبى الزرقاء (ثقة قال ابن معين: ليس به بأس) عن سفيان الثورى عن على بن زيد (حسن الحديث) عن سعيد بن المسيب عن جابر رضى الله عنه قال: خطبنا رسول الله مٍّ يوم الجمعة فقال: ((إن الله افترض عليكم الجمعة فى يومى هذا)) الحديث بطوله. قال ابن عبد البر: لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوى أو على مهناً ابن يحيى. قال ابن عبد البر: إن جماعة أهل العلم بالحديث يقولون: إنه من وضعه (أى العدوى)، وإنهم حملوا عليه من أجله. قال: لكن وجدناه من رواية غيره. قلت: وطريق مهناً بن يحي خالية عن العدوى. ومهنا هذا قال فيه الدار قطنى: ثقة نبيل، وذكره ابن حبان فى الثقات كذا فى اللسان (٦: ١٠٨) والباقون كلهم ثقات أيضا، فالحديث حسن، ولذا قال العينى فى العمدة (١: ٢٦٨): إذا روى الحديث من طرق ووجوه مختلفة تحصل له قوة فلا يمنع من الاحتجاج به، وأما كراهة إمامة العبد فمبنية على قلة رغبة الناس فى الاقتداء به، فيؤدى إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها تكثيرا للأجر، ولأن العبد لا يتفرغ للتعلم، فيكون جاهلا عن الشرائع فى الأغلب، فيكره إمامته بحديث مرثد ٢٣١ إعلاء السنن باب جواز الصلاة خلف الفاسق والعبد، والأعرابى، والأعمى، وولد الزنا مع الكراهة ١١٩٦- عن: معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: قال رسول الله ◌ِّ: ((أطع كل أمير، وصل خلف كل إمام، ولا تسبن أحدا من أصحابى)). رواه الطبرانى فى الكبير، ومكحول لم يسمع عن معاذ رضى الله عنه (مجمع الزوائد ١٦٨:١). قلت: فالإسناد منقطع وهو حجة عند الأصحاب، وقد مر حديث صحيح منقطع عن مكحول عن أبى هريرة بمعناه فى باب وجوب الجماعة. "فليؤم خياركم"، وبحديث أبى إمامة رضى الله عنه " ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم، وفيه: وإمام قوم وهم له كارهون" حسنه الترمذى، وضعفه البيهقىء. قال النووى فى الخلاصة: الأرجح قول الترمذى كذا فى الروضة الندية (ص: ٨١). قال فى البحر الرائق: وقيد كراهة إمامة الأعمى فى المحيط بأن لا يكون أفضل القوم فإن كان أفضلهم فهو أولى قال: وينبغى أن يكون كذلك فى العبد، وولد الزنا إذا كان أفضل القوم، فلا كراهة إذا لم يكونا محتقرين بين الناس لعدم العلة للكراهة. قال: وعلى هذا إذا كان الأعرابى أفضل الحاضرين كان أولى ولهذا قال فى منية المصلى: أراد بالأعرابى الجاهل، وهو ظاهر فى كراهة إمامة الأعرابى الذى لا علم عنده ا هـ (١: ٣٤٩). باب جواز الصلاة خلف الفاسق والعبد، والأعرابى، والأعجمى، وولد الزنا مع الكراهة قوله: "عن معاذ بن جبل إلخ. قلت: دلالته على الجزء الأول من قوله: "وصل خلف كل إمام" ظاهرة، ولا خلاف فى صحة الصلاة خلف الفاسق بين الأئمة إلا ما روى عن مالك وأحمد (كما فى رحمة الأمة ص: ٢٥) وأما أنها مكروهة، فلا خلاف فى ذلك كما صرح به فى النيل (٤٢:٣) ودليل الكراهة هو حديث أبى أمامة، وحديث عبد الله ج -٤ جواز الصلوة خلف الفاسق والعبد والأعرابى وغيرهم ٢٣٢ ١١٩٧ - عن: عبيد الله بن عدى بن الخيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضی الله عنه وهو محصور، فقال إنك إمام عامة، ونزل بك ما تری، ويصلى لنا إمام فتنة، ونتحرج(١)، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم. أخرجه الإمام البخارى (٩٦:١). ١١٩٨- وروى سيف بن عمر فى الفتوح عن سهل بن يوسف الأنصارى عن أبيه قال: كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان، فإنه قال: من دعا إلى الصلاة فأجيبوه اهـ. ذكره الحافظ فى الفتح (١٩٥:٢) وهو صحیح أو حسن علی قاعدته. ١١٩٩- عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان يصلى خلف الحجاج بن ابن عمرو المذكورين فى الباب السابق، وهى مقيدة بالقدرة على عزله عن الإمامة، وعدم ترتب فتنة عليه كما سيأتى فى شرح الحديث الآتى، فلا تعارضها أحاديث الباب، فإنها واردة فى الصلاة خلف الأمراء والمتغلبين، ولا يخفى ما فى عزلهم من الفتنة. قوله: "عن عبيد الله بن عدى" إلخ. دلالته على صحة الصلاة خلف الفاسق من قول عثمان رضى الله عنه ظاهرة، والمراد بإمام الفتنة هو كنانة بن بشر البلوى أحد رؤوس المصريين، فإن سيف بن عمر روى حديث الباب فى كتاب الفتوح من طريق أخرى عن الزهرى بسنده فقال فيه: دخلت على عثمان وهو محصور وكنانة يصلى بالناس فقال: كيف ترى؟ الحديث. كذا قال الحافظ فى الفتح (١٥٩:٧). وفيه دليل على كراهة الصلاة خلفه أيضًا لما فيه من قول عبيد الله بن عدى "ونتحرج"، ولما فى رواية سيف بن عمر من قول يوسف الأنصارى: "كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان" اهـ ولكن عثمان رضى الله عنه إنما حضهم على الصلاة خلفهم لما علم من عجز القوم عن عزلهم، وبذلك تزول الكراهة عمن يقتدى به. قوله: "عن ابن عمر إلخ دلالته على الجزء الأول ظاهرة، وكذا دلالة فعل أبى سعيد (١) أى نخاف الوقوع فى الإثم، فتح. . ٢٣٣ جواز الصلوة خلف الفاسق والعبد والأعرابى وغيرهم إعلاء السنن يوسف أخرجه البخارى. ١٢٠٠- وعن: أبى سعيد الخدرى أنه صلى خلف مروان صلاة العيد. أخرجه مسلم وأصحاب السنن: ذكرهما فى نيل الأوطار (٤١:٣). ١٢٠١- عن: الزهرى أنه قال: ((لا نرى أن يصلى خلف المخنث إلا من ضرورة لا بد منها)) أخرجه البخارى تعليقا، ووصله عبد الرزاق عن معمر عنه ولفظه: قلت: فالمخنث؟ قال: لا، ولا كرامة، لا يؤتم به. كذا فى فتح البارى (١٦٠:٢). ١٢٠٢ - وكيع: عن الربيع بن صبيح عن ابن سيرين قال: خرجنا مع عليه، فإن الحجاج لا يشك فى فسقه، ومروان أيضا متهم به. قال فى النيل: وأيضا قد ثبت تواتراً أنه ◌ّظّ أخبر بأنه يكون على الأمة أمراء يميتون الصلاة ميتة الأبدان، ويصلونها لغير وقتها، فقالوا: يا رسول الله! بما تأمرنا؟ فقال: "صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم مع القوم نافلة". ولا شك أن من أمات الصلاة وفعلها فى غير وقتها غير عدل، وقد أذن النبى مّ لِّ بالصلاة خلفه، ولا فرق بينها وبين الفريضة فى ذلك اهـ (٤١:٣، ٤٢). وأخرج الإمام الشافعى فى مسنده حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الحسن والحسين رضى الله عنهما كان يصليان خلف مروان. قال (أى حاتم): فقال (أى جعفر): ما كان يصليان إذا رجعا إلى منازلهما؟ فقال: لا، والله ما كان يزيدان على صلاة الأئمة اهـ (ص-٣١). قلت: سند صحيح على شرط مسلم. قوله: "عن الزهرى" إلخ. قلت: فيه تأييد لقول أبى حنيفة فى صحة الصلاة خلف الفاسق مع الكراهة، والمخنث بكسر النون من فيه تشبه بالنساء، وتكسر وتثن وبفتح النون من يؤتى. قال الحافظ فى الفتح: وبه (أى الثانى) جزم أبو عبد الملك فيما حكاه ابن التين محتجا بأن الأول لا مانع من الصلاة خلفه إذا كان ذلك أصل خلقة، ورد بأن المراد من يتعمد ذلك فيتشبه بالنساء، فإن ذلك بدعة قبيحة اهـ (٢-١٦٠). وقوله: "إلا من ضرورة" معناه إذا كان ذا شوكة أو من جهة ذى شوكة، قاله الحافظ أيضاً. قوله: "وكيع عن الربيع" إلخ. قلت: حميد بن عبد الرحمان من فقهاء التابعين، ٢٣٤ ج - ٤ جواز الصلوة خلف الفاسق والعبد والأعرابى وغيرهم عبيد الله ابن معمر ومعنا حميد بن عبد الرحمن وأناس من وجوه الفقهاء، فمررنا بأهل ماء فحضرت الصلاة فأذن أعرابى، وأقام الصلاة قال: فتقدم حميد ابن عبد الرحمن بن عوف قال: فلما صلى ركعتين قال: من كان ههنا من أهل البلد فليتمم الصلاة، وكره أن يؤم الأعرابى. كذا فى المدونة لمالك (٨٥:١)، رجاله كلهم ثقات إلا الربيع، فمختلف فيه، وثقه ابن معين وغيره، كما فى التهذيب (٢٤٧:٣، ٢٤٨) فهو حسن الحديث. ١٢٠٣- مالك: عن يحيى بن سعيد أن رجلا كان يؤم الناس بالعقيق، فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز، فنهاه قال مالك: وإنما نهاه لأنه كان لا يعرف أبوه. أخرجه الإمام مالك فى الموطأ (ص: ٢٤٧)، ورجاله رجال الجماعة. ١٢٠٤- محمد: قال: أخبرنا أبو حنيفة قال: حدثنا حماد عن إبراهيم قال: لا بأس بأن يؤمهم الأعرابى والعبد وولد الزنا إذا قرأ القرآن. قال محمد: وبه نأخذ إذا كان فقيها عالما بأمر الصلاة، وهو قول أبى حنيفة كتاب الآثار (ص٢٧) . وسنده صحيح. وقد كره إمامة الأعرابى وهو يؤيد قول أبى حنيفة، ووافق حميدا على ذلك أناس من وجوه الفقهاء منهم عبيد الله بن معمر، فإنه من الصحابة رأى النبى مرّ هٍ، ومات رسول الله مدطلحه وهو غلام. روى عنه عروة بن الزبير وابن سيرين، كذا فى الاستيعاب (٢-٤١٧). قوله: "مالك" إلخ. قلت: دلالته على كراهة الصلاة خلف ولد الزنا ظاهرة، وهو محمول على ما إذا كان فى القوم أفضل منه. قوله: "محمد عن أبى حنيفة" إلخ. قلت: إبراهيم من كبار الفقهاء الأعلام كما لا يخفى، ودلالة قوله على صحة الصلاة خلف ولد الزنا، والأعرابى والعبد ظاهرة. وقوله: "لا بأس" فيه دلالة على كراهة ما، وقد ذكرنا ما هو المذهب فيه نقلا عن البحر فى الباب السابق، فتذكر. ٢٣٥ جواز الصلوة خلف الفاسق والعبد والأعرابى وغيرهم إعلاء السنن ١٢٠٥- أخبرنا: عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرنى عبد الله ابن عبيد الله (تابعى جليل) بن أبى مليكة إنهم كانوا يأتون عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها بأعلى الوادى (١) هو وعبيد بن عمير (تابعى)، والمسور ابن مخرمة (صحابى)، وناس كثير، فيؤمهم أبو عمر (تابعى) ، ومولى عائشة، وأبو عمر (هو ذكوان) وغلامها حينئذ لم يعتق. قال: وكان إمام بنى محمد بن أبى بكر وعروة رواه الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعى فى مسنده (ص: ٢٩). قلت: رجاله ثقات من رجال الجماعة غير أن البخارى لم يخرج للأول. ١٢٠٦ - عن: عبد الله بن عمير إمام بنى حطمة أنه كان إماما لبنى حطمة على عهد رسول الله ◌ّ له وهو أعمى، وغزا معه وهو أعمى. رواه الطبرانى فى الكبير، ورجاله رجال الصحيح (مجمع الزوائد ١٦٨:١). ١٢٠٧ - عن: عطاء عن ابن عباس أن النبى مّ له استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها من أمر المدينة: رواه الطبرانى وإسناده حسن (التلخيص الحبير ١٢٤:١). قوله: "أخبرنا عبد المجيد" إلخ. دلالته على جواز الصلاة خلف العبد ظاهرة، وأصحابنا عللوا كراهتها بأنه لا يتفرغ للعلم، ويكون محتقرا بين الناس، فتقل الجماعة، وظاهر أن مولى عائشة لم يكن جاهلا، ولا محقترا، فلا كراهة. قوله: "عن عبد الله وعطاء" إلخ. دلالتهما على صحة الصلاة خلف الأعمى ظاهرة، وأصحابنا عللوا كراهتها بأنه لا يتوقى النجاسة، وظاهر أنهما لم يكونا - والعياذ بالله- بهذه الصفة، فلا كراهة، وأيضًا فقد مر عن البحر أنه قيد فى المحيط وغيره كراهة إمامة الأعمى بأن لا يكون أفضل القوم، فإن كان أفضلهم فهو أولى. قال: وعلى هذا يحمل تقديم ابن أم مكتوم لأنه لم يبق من الرجال الصالحين للإمامة فى المدينة أفضل منه حينئذ، ولعل عتبان بن مالك كان أفضل من كان يؤمه أيضا اهـ (١- ٣٤٩). (١) هو لقب موضع بمكة. ٢٣٦ ج -٤ باب السلطان أحق بالإمامة من الجميع ولو لم يكن أفضلهم، وكذا رب المنزل فى منزله، والإمام الراتب فى مسجده أحق بها من غيره ١٢٠٨ - عن: أبى مسعود الأنصارى مرفوعا: ((ولا تؤمن الرجل فى أهله، ولا فى سلطانه، ولا تجلس على تكرمته فى بيته إلا أن يأذن لك أو بإذنه)» مختصر أخرجه مسلم (٢٣٦:١). قلت: وكذا عبد الله بن عمير لعله كان أفضل قومه فلا كراهة. باب السلطان أحق بالإمامة من الجميع ولو لم يكن أفضلهم، وكذا رب المنزل فى منزله، والإمام الراتب فى مسجده أحق بها من غيره قوله: "عن أبى مسعود" إلخ. قلت: دلالته على الجزئين الأولين ظاهرة، وقوله مٍَّ: ((ولا فى سلطانه)) يعم الإمام الراتب أيضًا، فإنه صاحب السلطان فى مسجده. قال النووى: معناه ما ذكره أصحابنا وغيرهم أن صاحب البيت، والمجلس، وإمام المسجد أحق من غيره، وإن كان ذلك الغير أفقه، وأقرأ، وأورع، وأفضل منه. وصاحب المكان أحق، فإن شاء قدم من يريده وإن كان ذلك الذى يقدمه مفضولا بالنسبة إلى باقى الحاضرين، لأنه سلطانه فيتصرف فيه كيف شاء. قال أصحابنا: فإن حضر السلطان أو نائبه قدم على صاحب البيت، وإمام المسجد وغيرهما، لأن ولايته وسلطنته عامة. قالوا: ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه اهـ (١: ٢٣٦). قلت: وكذا ذكره أصحابنا كما فى نور الإيضاح وشرحه المؤلف وحاشيته للطحطاوى (ص-١٧٤). نعم! نقل الطحطاوى عن البناية أن هذا فى الزمن الماضى، لأن الولاة كانوا علماء وغالبهم كانوا ٢٣٧ من هو الأحق بالإمامة إعلاء السنن ١٢٠٩ - عن: ابن مسعود قال: من السنة أن لا يؤمهم إلا صاحب البيت. أخرجه الإمام الشافعى، كما هو فى مسنده (ص: ٣٠). وفيه ضعف، وانقطاع، وله شاهد رواه الطبرانى من طريق إبراهيم النخعى قال: أتى عبد الله أبا موسى فتحدث عنده فحضرت الصلاة، فلما أقيمت تأخرا أبو موسى، فقال له عبد الله: لقد علمت أن من السنة أن يتقدم صاحب البيت. رجاله ثقات (التلخيص الحبير ١٢٥:٢) وفى مجمع الزوائد (٦٨:١): رجاله رجال الصحيح، وفى طريق أخرى عن علقمة: فتقدم أبو موسى، ورجاله ثقات اهـ. ١٢١٠ - أخبرنا: عبد المجيد عن ابن جريج قال: أخبرنى نافع قال: أقيمت الصلاة فى مسجد بطائفة من المدينة، ولابن عمر قريبا من ذلك المسجد أرض صلحاء، وأما فى زماننا، فأكثر الولاة ظلمة جهلة اهـ. قلت: قد مر أن ابن عمر رضى الله عنهما صلى خلف الحجاج وكفى به فاسقًا، فالظاهر أن الوالى لو كان قادرا على القراءة بقدر ما يجوز به الصلاة، وعالما بالقدر الضرورى من أركانها، وشرائطها، وأحكامها يقدم على غيره كما هو مقتضى عموم أقوال الأئمة والله أعلم. قوله: "عن ابن مسعود" إلخ. دلالته على الجزء الثانى من الباب ظاهرة، وقال الأثرم: لا يعارض هذا صلاة النبى ◌ّهِ فى بيت أنس، لأنه كان الإمام حيث كان، كذا فى التلخيص الحبير (ص: ١٢٥). وأثر عبد الله أخرجه أحمد والطبرانى بطريق علقمة أيضا أن عبد الله بن مسعود أتى أبا موسى الأشعرى فى منزله، فحضرت الصلاة، فقال أبو موسى: تقدم يا أبا عبد الرحمان، فإنك أقدم سنا وأعلم. قال: بل أتت: تقدم، فإنما أتينك فى منزلك ومسجدك فأنت أحق. قال: فتقدم أبو موسى الحديث أخرجه الهيثمى فى مجمع الزوائد، وقال: فى مسند أحمد رجل لم يسم، ورواه الطبرانى متصلا برجال ثقات اهـ (١-١٦٨) وهو صريح فى الجزء الثالث أيضًا. قوله: "أخبرنا عبد المجيد" إلخ. دلالته على الجزء الثالث من الباب ظاهرة، وقال لى الشيخ مشافهة: وقول عبد الله: "أنت أحق أن تصلى فى مسجدك منى" صريح فى ١ ٢٣٨ ج - ٤ يعملها، وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن ذلك المولى وأصحابه ثمه قال: فلما سمعهم عبد الله جاء ليشهد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدم، فصل، فقال عبد الله: أنت أحق أن تصلى فى مسجدك منی، فصلى المولى. أخرجه الإمام الشافعى، كما فى مسنده (ص: ٣٠)، ورجاله رجال الجماعة إلا شيخ الإمام فهو من رجال الخمسة. باب الاثنان جماعة ١٢١١- عن: أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه مرفوعا «اثنان فما فوقهما جماعة)). رواه ابن ماجة، وابن عدى، ورواه الإمام أحمد، وابن عدى، والطبرانى عن أبى أمامة الباهلى، والدارقطنى عن ابن عمرو بن العاص، وابن سعد فى طبقاته، والبغوى، والباوردى عن الحكم -بفتح الكاف- ابن عمير -بالتصغير -. قال الشيخ: حديث حسن لغيره، كذا فى العزیزی (٤٤:١). ١٢١٢ - عن: قباث بن أشيم الليثى (كأحمد) قال: قال رسول الله مرّ له: صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من مائة تترى. رواه البزار والطبرانى فى الكبير، ورجال الطبرانى موثقون (مجمع الزوائد ١٥٧:١) وفى الترغيب بعد عزوه كون الأحقية لكونه صاحب المسجد وإمامه راتبا لا غير اهـ والله أعلم. باب الاثنان جماعة قال المؤلف: دلالة أحاديث الباب عليه ظاهرة. ٢٣٩ إعلاء السنن إليهما : بإسناد لا بأس به. ١٢١٣ - عن: أبى أمامة أن النبى مرّ له رآى رجلا يصلى وحده، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلى معه؟ فقام رجل، فصلى معه، فقال رسول الله مَّ لِ: هذان جماعة. رواه أحمد، والطبرانى، وله طرق كلها ضعيفة (مجمع الزوائد ١٦٠:١). قلت: وبكثرة الطرق يرتفع الضعيف إلى درجة الحسن، لا سيما وله شاهد وهو أول الباب وما يليه، وقد مر فى الجزء الثانى (١) من الكتاب حديث أبى بن كعب بتخريج الحاكم، وتصحيحه، وتقرير الذهبى عليه بمعنى حديث ابن أشیم. ١٢١٤ - محمد: قال: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: إذا زاد على الواحد فى الصلاة فهى جماعة. أخرجه الإمام محمد فى كتاب الآثار (ص: ٢٢)، ورجاله ثقات، وأخرجه ابن أبى شيبة عنه بلفظ: الرجل مع الرجل جماعة لهما التضعيف خمسا وعشرين، كذا فى النيل (١٣:٣). باب استحباب التكبير عند قد قامت الصلاة ١٢١٥ - عن: عبد الله بن أبى أوفى قال: كان بلال إذا قال: "قد قامت الصلاة" نهض رسول الله مرّ له بالتكبير(٢) (أى متلبسا به) رواه البزار، وفيه باب استحباب التكبير عند قد قامت الصلاة قوله: "عن عبد الله بن أبى أوفى" إلخ. قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة، وهو قول محمد، وأبى حنيفة رحمهما الله تعالى، وقال أبو يوسف: يشرع فى التكبير إذا (١) انظر إعلاء السنن (٢: ص ٣٩ من هذه الطبعة. (٢) وفى اللسان: فكبر يدل عليه قوله: بالتكبير. ج - ٤ استحباب التكبير عند قد قامت الصلوة ٢٤٠ الحجاج بن فروخ، وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٨٢:١). قلت: ذكره ابن حبان فى الثقات، كما فى اللسان (١٧٩:٢). فهو حسن الحديث، ورواه الطبرانى، وسيمويه بلفظ " كان إذا قال بلال: "قد قامت الصلاة" نهض، فكبر". (كنز العمال ١١:٤). ١٢١٦ - عن: سعيد بن المسيب قال: "إذا قال المؤذن: "الله أكبر" وجب القيام، وإذا قال: "حى على الصلاة" عدلت الصفوف، وإذا قال: "لا إله إلا الله" كبر الإمام". أخرجه سعيد بن منصور، ذكره الحافظ فى الفتح (١٠٠:٢)، وهو حسن أو صحيح على قاعدته. فرغ المؤذن من الإقامة محافظة على فضيلة متابعة المؤذن، وإعانة للمؤذن على الشروع معه. ولهما أن المؤذن آمين، وقد أخبر بقيام الصلاة، فیشرع عنده صونا لكلامه عن الكذب، وفيه مسارعة إلى المناجاة وقد تابع المؤذن فى الأكثر، فيقوم مقام الكل. ذكره فى البحر (١ :٣٢٢٫٣٢١). والجواب عن الإعانة أن هذا القدر من التقدم والتأخر لا تفوت به المعية العرفية، وهى معتبرة شرعًا، والحاصل أن الأذان كما له إجابة بالقول، كذلك الإقامة لها إجابة بالقول، وهو القول كقول المؤذن، وقول: أقامها الله وأدامها إذا قال: قد قامت الصلاة، وإجابة بالفعل، وهو الإتيان بمعنى قوله: "قد قامت الصلاة" بأن يشرع فيها، فأخذ أبو يوسف بالإجابة القولية، وهما بالإجابة الفعلية، ولكل وجهة، والأمران جائزان وإنما الكلام فى الأولوية، وقد تقدم فى باب الأذان أن الإجابة الفعلية آكد من القولية حتى ورد الوعيد على تركها، فينبغى أن تكون كذلك آكد فى الإقامة، وإن لم يُّد الوعيد على تركها هناك لاسيما وقد ورد ذلك عن ابن أبى أوفى مرفوعًا، والقياس إذا تأيد بالحديث كان أولی. قوله: "عن سعيد" إلخ. قلت: فيه تأييد لأبى يوسف، ولا يخفى أن المرفوع أولى من قول التابعى، فالقوى قولهما .