Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ وجوب تجويد القرآن ج -٤. عن القاسم بن عوف البكرى قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا ، وإن أحدنا ليؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد مَِّ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغى أن يوقف عنده منها، كما تتعلمون أنتم القرآن اليوم ولقد رأينا اليوم رجالا يأتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدرى ما أمره، ولا زجره، ولا ما ينبغى أن يوقف عنده منه. أخرجه النحاس واحتج به هو، وابن الجزرى، كما فى الإتقان (٨٨:١)، ورجاله كلهم ثقات إلا الأنبارى فلم أجد من ترجمه. وأخرجه الطبرانى فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح، كذا فى مجمع الزوائد (٦٦:١). وأخرجه الحاكم فى المستدرك (٣٥:١)، وصححه بهذا السند سوى الأنبارى، وأقره عليه الذهبى، وقال: على شرطهما، ولا علة له اهـ. فهذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون الأوقاف كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: "لقد عشنا برهة من دهرنا" يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة ثابت اهـ. وفيه أيضا: وفى النثر لابن الجزرى، ولذلك حض الأئمة على تعلمه ومعرفته، وفى كلام ابن عمر رضى الله عنه دليل على وجوب ذلك وبرهان على أن تعلمه إجماع من الصحابة، وصح بل تواتر عندنا تعلمه، والاعتناء به من السلف الصالح كأبى جعفر يزيد بن القعقاع أحد أعيان التابعين، وصاحبه الإمام نافع، وأبى عمرو، ويعقوب، وعاصم، وغيرهم من الأئمة وكلامهم فى ذلك معروف، ونصوصهم عليه مشهورة فى الكتب، وصح عن الشعبی أنه قال: إذا قرأت " کل من عليها فان" فلا تسكت حتى تقرأ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. قلت: أخرجه ابن أبى حاتم ملخصا (١ : ٨٨). قلت: والحديث نص فى ثبوت الوقف فى أوساط الآيات، وأن ذلك إجماع من الصحابة، فإنه هو الذى تمس الحاجة إلى تعليمه وتعلمه دون الوقف على رؤس الآى، فإن الآيات فى أنفسها مقاطع يستوى فى معرفتها العالم وغيره، والصغير، والكبير. ١٦٢ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن ١١١٠- حدثت: عن عمار قال: ثنا ابن أبى جعفر عن أبيه عن الربيع عن أبى العالية قال: قال ابن مسعود: والذى نفسى بيده أن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه. الحدیث. ١١١١- حدثنا: بشر بن معاذ قال: ثنا يزيد بن زريع قال: ثنا سعيد عن قتادة ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: "إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه، وأن يقرأه كما أنزله الله عز وجل، ولا يحرفه عن مواضعه". اهـ مختصر أخرجهما ابن جرير الطبرى فى تفسيره (٤١٢،٤١١:١) وفى إسناد الأول عبد قوله: "حدثت عن عمار"، وقوله: "حدثنا بشر بن معاذ" إلخ. قلت: قول ابن مسعود هذا قد ورد فى تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين آتينا هم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به﴾ فدل أن الأئمة كما هم متعبدون بفهم معانى القرآن وإقامة حدوده كذلك متعبدون بقراءته كما أنزله الله تعالى، ولا يتأتى ذلك إلا بتصحيح ألفاظ، وإقامة حروفه على الصفة المتلقاة من أئمة القراءة المتصلة بالحضرة النبوية وقد عد العلماء القراءة بغير تجويد لحنا، وقسموا اللحن إلى الجلى، والخفى، فاللحن خلل يطرأ على الألفاظ، فيخل بالمعنى إلا أن الجلى يخل إخلالا ظاهرا يشترك فى معرفة علماء القراءة وغيرهم وهو الخطأ فى الأعراب (١). والخفى يخل إخلالا يختص بمعرفته علماء القراءة، وأئمة الأداء الذين تلقوه من أفواه العلماء، وضبطوه من ألفاظ أهل الأداء كذا قال السيوطى فى الإتقان (١: ١٠٥). وقال ابن الجزرى فى مقدمته: والأخذ بالتجويد حتم لازم من لم يجود القرآن آثم (١) وكذا فى مخارج الحروف بحيث يبدل الثاء بالسين، والصاد بالثاء، والضاد بالدال، وأمثالها، والاحتراز عن مثل هذا الخطأ فرض عين. واللحن الخفى هو الخطأ فى محسنات صفات الحروف فالإخلال بها لا يفسدا الصلاة، ومثاله تكرير الراءات، وتطنين النونات، وتغليظ اللامات فى غير محلها، وترقيق الرءات فى غير موضعها، والاحتراز عن مثل ذلك ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، وإنما لفيه خوف العتاب والتهديد. كذا يظهر من المنح الفكرية للقارى (ص: ٢٤) مؤلف. ١٦٣ ج -٤ وجوب تجويد القرآن الله بن أبى جعفر الرازى مختلف فيه وثقه أبو زرعة وقال ابن حبان فى الثقات: يعتبر حديثه من غير روايته عن أبيه، كذا فى التهذيب (١٧٧:٥). وإسناد الثانى رجاله كلهم ثقات إلا أن فيه انقطاعا بين قتادة وابن مسعود وهو لا يضر عندنا لا سيما وقد اعتضد بطريق آخر موصولة. وهكذا منه إلينا وصلا لأنه به الإله أنزلا قلت: ودليل قوله: "وهكذا منه إلينا وصلا" ما ذكره فى الإتقان، وقال ابن الجزرى: لا نعلم أحدا تقدم ابن الحاجب إلى ذلك (أى إلى استثنائه ما كان من قبيل الأداء كالمد، والإمالة، وتحقيق الهمزة ونحوها عن المتواتر)، وقد نص على تواتر ذلك أئمة الأصول كالقاضى أبى بكر، وغيره، وهو الصواب، لأنه إذا ثبت تواتر اللفظ ثبت تواتر هيئة أدائه، لأن اللفظ لا يقوم إلا به، ولا يصح إلا بوجوده اهـ (ص: ٨٥). قلت: وقد صرح بوجوب التجويد وتصحيح الحروف فقهاؤنا الحنفية أيضا، قال فى غنية المستملى: وقال صاحب المحيط: والمختار للفتوى فى جنس هذه المسائل أنه إن كان يجتهد آناء الليل وأطراف النهار فى التصحيح ولا يقدر عليه فصلاته جائزة، وإن ترك جهده فصلاته فاسدة، وإن ترك جهده فی بعض عمره لا يسعه أن یتر که فی باقی عمره، ولو ترك تفسد صلاته. انتهى. قال صاحب الذخيرة: وإنه مشكل (١) عندى لأن ما كان خلقة فالعبد لا يقدر على تغييره. انتهى. وذكر فى فتاوى الحجة ما يوافق قول صاحب المحيط، فإنه قال: وما يجرى على ألسنة النساء والإرقاء من الخطأ الكثير من أول الصلاة إلى (١) أي الحكم بفساد صلاة بترك الجهد بعد ما اجتهد مدة وصرف فيه برهة من الزمان - مشكل يفضي إلى الحرج ، ولذا قال الشيخ في بعض تصانيفه: إن تصحيح الحروف، وبذل الجهد فيه واجب ما لم يحصل اليأس منه، وإذا أيس سقط عنه الجهد وتجوز صلاته دائماً، والمعتبر في حصول اليأس شهادة حاذق من القراء بأن ذلك لا يرجى منه أن يصح الحروف أبدا، لا مجرد زعم المتعلم فافهم، فإن هذا مما لا تجده في كتاب ولكنه هو الأولى بالصواب. والله سبحانه وتعالى أعلم . منه ١٦٤ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن آخرها " كالشيتان"، "والآلمين"، "وإياك نابد" "وإياك نستئين" "السرات" "أنامت"، فعلى جواب الفتاوى الحسامية ما داموا فى التصحيح، والتعلم، والإصلاح بالليل والنهار، ولا يطاوعهم لسانهم جازت صلاتهم، كسائر الشروط إذا عجز عنها من الوضوء، وتطهير الثوب، والقيام، والقراءة، والركوع. والسجود، والقعود، والتوجه إذا حصل العجز عنها جازت صلاته، فكذا ههنا، أما إذا تركوا التصحيح والجهد فسدت صلاتهم، كما إذا تركوا سائر الشروط، وإنما جوزت صلاتهم بعجزهم عن الإصلاح، فصارت تلك لغتهم ولسانهم، فكأنهم قرأوا القرآن بلغتهم. انتھی (ص: ٤٥٣). قلت: وعليه يحمل ما أخرجه الديلمى فى مسند الفردوس "إذا قرأ القارى فأخطأ أو لحن أو كان أعجميا كتبه الملك كما أنزل". فهو حديث ضعيف كما فى العزیزی (١: ١٥٦). قال المحشى العلامة الحفنى: أى فيثاب ثواب الخالى من الخلل حيث عذر كأن کان لا يمكنه التعلم اهـ. قال فى غنية المستملى بعد كلامه المذكور: وبمعناه فى فتاوى قاضى خان فإنه قال: وإن كان الرجل ممن لا یحسن بعض الحروف ینبغی أن یجتهد، ولا يعذر فی ذلك، فإن كان لا ينطلق لسانه إن لم يجد آية ليس فيها تلك الحروف تجوز صلاته، ولا يؤم غيره انتھی . فالحاصل أن اللشغ یجب عليهم الجهد دائما، وصلاتهم جائزة ما داموا على الجهد، ولكنهم بمنزلة الأمیین فی حق من يصحح الحرف الذى عجزوا عنه لا يجوز اقتداءه بهم، ولا تجوز صلاتهم إذا تركوا الاقتداء به مع قدرتهم، وإنما يجوز صلاتهم مع قراءة تلك الحروف إذا لم يقدروا على قراءة ما تجوز به الصلاة مما ليس فيه تلك الحروف، وأما لو قدروا ومع هذا قرؤوا تلك الحروف فصلاتهم فاسد (١) أيضا، لأن جواز صلاتهم مع التلفظ بتلك الحروف ضرورى، فينعدم بانعدام الضرورة. هذا هو الذى عليه الاعتماد، ولهذا أجبت من سألنى أنه صلى خلف إمام فقرأ ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث﴾ بالسين (١) قال في الشامية: وفي الولوالجية: إن كان يمكنه أن يتخذ من القرآن آيات ليس فيها تلك الحروف يتخذ إلا فاتحة الكتاب فإنه لا يدع قراءتها في الصلاة اهـ (١: ٦٨). قلت: وهذا تقييد حسن .. ج -٤ وجوب تجويد القرآن ١٦٥ ١١١٢- عن: زيد بن ثابت رضى الله عنه عن النبى ◌ّظل أنه قال: إن الله يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل. أخرجه ابن خزيمة فى صحيحه (المنح مكان الثاء، بأن صلاته فاسدة (١) هذا، وفى النوازل: روى عن أبى القاسم يعنى الصفار أنه قال: الهندى الذى لا يفصح بالقرأة فسكوته أحب إلى من قرأته فى الصلاة. وقيل: أ لهذا القارئ أجر لو قرأ فى غير الصلاة؟ قال: إن كان عند تبديل الحروف يصير كلاما آخر من كلام الناس فلا ينبغى أن يقرأ ولو قرأ فى الصلاة تفسد صلاته وهو يقرأه ذلك يعنى فى غير الصلاة غير مأجور. وفى الولوالجية بمعناه، وهذا بناء على مختار المتقدمين وهو المختار فينبغى أن ينظر إلى تغيير المعنى بسبب ذلك أمر فإن كان فاحشا تفسد، وإن صح معناه ولم يبعد كثيرا من المعنى المراد لا تفسد. وصرح قاضى خان بأنه لو قرأ " ثنة ولا نوم" بالثاء مكان السين أنه تفس صلاته، وهو بناء على ما قلنا. والله أعلم اهـ (ص: ٤٥٣). (تتمة): قال فى الشامية: سئل الخير الرملى عما إذا كانت اللثغة يسيرة، فأجاب بأنه لم يره لأئمتنا، وصرح بها الشافعية بأنه لو كانت يسيرة بأن يأتى بالحرف غير صاف لم تؤثر. قال: وقواعدنا لا تأباه اهـ. وبمثله أفتى تلميذ الشارح المرحوم الشيخ إسماعيل الحائك مفتى دمشق الشام اهـ (٦٠٩:١) . قلت: ومعناه أنها لا تؤثر بعد ما بذل جهده فى تصفيته فلم يقدر على إتيانه صافيا، كما هو مقتضى الدلائل التى مرت آنفًا. والله أعلم. قوله: "عن زيد بن ثابت" إلخ. دلالته على مطلوبية قراءة القرآن كما أنزل ظاهرة. وقوله: "إن الله يحب" لا ینافى الوجوب، فإن كثيرا لما يحبه الله فرض أو واجب، فلما (١) قلت: هذا هو الصحيح فى حكم الاقتداء باللحان، ولكن قال الفضلى: إن إمامة الألشغ لغيزه جائرة لأن ما يقوله صار لغة له كما فى الخلاصة والتاتارخانية ونحوه فى الخانية عنه، وظاهر اعتمادهم الصحة، وكذا اعتمدها صاحب الحلية ولكن الأحوط عدم الصحة ا هـ من رد المحتار (١: ٦٠٨). قلت: وقد أفتيت أنا وشيخى بقول الفضلى فى إمامة من يقرأ الضاد المعجمة ظاء أو دالا مفخمة لمن يؤديها من مخرجها على الصحة فتصح صلاة المقتدى وإن أثم الإمام لغلطه إذا كان قادر على التصحيح. كل ذلك للابتلاء العام بهذا الغلط فى زماننا هذا، والله يهدينا، ويصلح بالنا ١٢ منه. ١٦٦ ج -٤ وجوب تجويد القرآن الفكرية (١) ص: ٢٩) وعزاه فى كنز العمال (١٦٤:١) إلى السجزى فى الإمامة. ١١١٣- عن: أبى الدرداء قال: سمع النبى مَّه رجلا قرأ فلحن (٢) قال: أرشدوا أخاكم. رواه الحاكم فى المستدرك، كذا فى كنز العمال (١٥١:١) ولم يتعقبه، فهو صحيح على قاعدته. ثبت بالدلائل أن قراءة القرآن كما أنزل واجب يحمل قوله: "إن الله يحب" على الوجوب، ولا يخفى أنه أنزل بالعربى المبين، فالسعى فى تصحيح الخارج، وصفات الحروف، وغيرها مما يتوقف عليه كون للفظ عربيا واجب على كل مسلم، ومسلمة. قوله: "عن أبى الدرداء" إلخ. دلالته على اهتمام التصحيح ظاهرة، وأخرج أبو داود فى سننه حدثنا وهب بن بقية أنا خالد عن حميد الأعرج عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: خرج علينا رسول الله مرٍّ ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابى والعجمى (٣) فقال: ((اقرأوا فكل حسن، وسيجئ أقوام يقيمونه كما يقام القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه)) اهـ (١: ٣٠٧) ورجاله رجال الجماعة ثقات إلا وهب بن بقية، فأخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائى فقط، كما يتحصل من التقريب، وتهذيب التهذيب، وغيرهما. وقال الشيخ عبد الحق الدهلوى فى كتابه أشعة اللمعات (٢: ٧٥ مصطفائى) فى شرح هذا الحديث ما نصه: ومقصود وى مه رفع حرج ومشقت وتكلف در استقصای رعایت تجويد مرتبة غایت است، وتنبيهه برتحری حسبه، وإخلاص در عمل لوجه الله، وتفكر در معانی، وشدت اهتمام بآن ا گرچه در تحسین ألفاظ وتجوید کلمات نه باقصى الغاية کوشند، زیرا که استقصا واهتمام بثانی بامساهله وتقصیر در اول چنداں نفع نه كند، وبا اهتمام واعتنا باول بامساهله در ثانى (أى تحسين كلمات، وتجويد ألفاظ بأقصى الغاية) ضرر نیارد اهـ. (١) وهى رسالة فى التجويد للملا على القارى. (٢) أى أخطأ. (٣) وفى نسخة: والأعجمى. ١٦٧ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن وقد تمسك بعض الناس بكلام الشيخ هذا على تساهله فى تصحيح الحروف، وتقاعده عن تعلم المخارج والصفات، وقال: فيه الرد على من يشدد فى أمر التجويد ويتجاوز فيه عن الحد، وأما قدر الواجب منه فلا بد منه، ومن أكمل، فقد أحسن، ولكن إذا لم يؤد إلى فوات أهم من ذلك، ولا يجوز الإنكار على من لم يستقص فيه، ويقنع بقدر الواجب منه فافهم ا هـ (إحياء السنن قلمى ١٠٦:٢). قلت: كلمة حق أريد بها الباطل، فإن عدم وجوب الاستقصا فى التجويد وتحسين الألفاظ مسلم ولكن تصحيح المخارج ورعاية صفات الحروف بحيث تخرج عن العجمية إلى العربية لا شك فى فرضيته، والرجل تساهل فى ذلك أيضا فضلا عن تحسين الكلمات بالغاية الأقصى، فإنه بمراحل عنها، فلا أدرى ما هو قدر الواجب من التجويد عنده حتى يعد نفسه من القانعين به، فإن كانت قراءته تلك على قدر الواجب فقد والله ضاع اسم وجوب التجوید، والتحقق بالعدم، ولم یبق عجمی ولا بدوی جاهلا عن التجويد سواء تعلمه أو لم يتعلم، فلعمرى! إن صبياننا بل بعض نسائنا أحسن منه قراءة وأسلم. فيا لوقاحته واستدلاله بالحديث على تحسين قبح حالته. أعاذنا الله من الكبر، وسوء عاقبة. قال العلامة على القارى فى المنح الفكرية تحت قول الجزرى: "والأخذ بالتجويد حتم لازم": تقديره: وأخذ القارى بتجويد القرآن وهو تحسين ألفاظه بإخراج الحروف من مخارجها، وإعطاء حقوقها من صفاتها وما يترتب على مفرداتها ومركباتها فرض لازم، وحتم دائم، ثم هذا العلم لا خلاف فى أنه فرض كفاية، والعمل به فرض عين فى الجملة على صاحب كل قراءة، ورواية ولو كانت القراءة سنة، وأما دقائق التجويد على ما سيأتى بيانه فإنما هو من مستحسناته. فإن اللحن على نوعين، جلى وخفى، فالجلى خطأ يعرض اللفظ، ويخل بالمعنى والإعراب كرفع المجرور، ونصبه، ونحوهما سواء تغير به المعنى أم لا. والخفى خطأ يخل بالحرف كترك الإخفاء والقلب والإظهار والإدغام والغنة، وكترقيق المفخم وعكسه ومد المقصود وقصر الممدود، وأمثال ذلك، ولا شك أن هذا النوع مما ليس بفرض عين يترتب عليه العقاب الشديد، وإنما فيه خوف العقاب والتهديد ا هـ (ص: ٢٤). ١٦٨ ج - ٤ وجوب تجويد القرآن ١١١٤ - عن: زيد بن ثابت مرفوعا "نزل القرآن بالتفخيم". رواه الحاكم، كذا فى الإتقان (٩٨:١)، وعزاه فى كنز العمال (١٦٥:١) إلى مستدركه بلفظ "أنزل" ولم يتعقبه، فهو صحيح على قاعدته. زاد فى الإتقان: قال محمد بن مقاتل أحد رواته: سمعت عمارا يقول: عذرا نذرا والصدفين يعنى بتحريك الأوسط فى ذلك اهـ. ١١١٥- وفيه أيضا: قال الدانى: وكذا جاء مقسرا عن ابن عباس قال: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم نحو قوله: الجمعة وأشباه ذلك من التثقيل اهـ. قلت: وأثر ابن عباس من مراسيل الزهرى، وهى ضعيفة. وفيه أيضا (ص: ٢٥). فى شرح قوله: "وهكذا منه إلينا وصلا": وصل القرآن من الإله إلينا على لسان جبرئيل عليه السلام ببيان متواتر من اللوح المحفوظ، وبيان النبى ◌َّه، وتعلم (الصحابة) والتابعين ثم أتباعهم منهم وهلم جرا إلى مشائخنا متواترا هكذا بوصف الترتيل المشتمل على التجويد والتحسين، وتبيين مخارج الحروف وصفاتها، وسائر متعلقاتها التى هى معتبرة فى لغة العرب الذى نزل القرآن العظيم بلسانهم. لقوله تعالى ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)) فينبغى أن يراعى جميع قواعدهم وجوبا فيما يتغير به المبنى (١) ويفسد المعنى، واستحبابا فيما يحسن به اللفظ، ويستحسن به النطق حال الأداء اهـ. فثبت أن تصحيح الحروف، ومراعاة المخارج واجبة حتى يأمن التغير والانتقال من حرف إلى حرف، فيفرق بين الصاد والسين والثاء، وبين الظاء والضاد ونحوها، ومراعاة الصفات وما يستحسن به النطق حال الأداء مستحبة، وترك المستحب مگروه تنزيها كما لا يخفى. قوله: "عن زيد بن ثابت وهو السابع من الباب" إلخ. قلت: المراد بالتفخيم تحريك أوساط الكلم بالضم والكسر فى المواضع المختلفة فيها دون إسكانها ، لأنه أشبع لها وأفخم، ويؤيده تفسير ابن عباس إياه بذلك. قال الدانى: فهذا الوجه أولى فى تفسير الخبر (إتقان ١ : ٩٨). (١) أى الحرف .. ١٦٩ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن ١١١٦- عن: أبى بن كعب أنه قرأ على رسول الله منز لته، التحقيق. أخرجه الدانى فى كتاب التجويد مسلسلا، وقال: إنه غريب مستقيم الإسناد، كذا فى الإتقان (١٠٥:١). ١١١٧- وفيه أيضا: أخرج (الدانى) عن ابن مسعود أنه قال: جودوا القرآن، ولم يذكر سنده، ولا تعقبه بشىء. ١١١٨ - عن: أم سلمة رضى الله عنه قالت: كان رسول الله عَّ له إذا قرأ يقطع قراءته آية آية (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن وقيل: معناه أن يقرأ على قراءة الرجال لا يخضع الصوت فيه ككلام النساء، كما فيه أيضا . قلت: فينبغى للقراء مراعاته. قوله: "عن أبى بن كعب" إلخ. قلت: التحقيق هو الترتيل، وهو إعطاء كل حرف حقه من إشباع المد، وتحقيق الهمزة، وإتمام الحركات، واعتماد الإظهار والتشديدات، وبيان الحروف، وتفكيكها، وإخراج بعضها من بعض بالسكت، والترتيل، والتؤدة، وملاحظة الجائز من الوقوف بلا قصر، ولا اختلاس، لا إسكان محرك، ولا إدغامه. والفرق بينه وبين التحقيق فيما ذكره بعضهم أن التحقيق يكون للرياضة، والتعليم، والتمرين، والترتيل يكون للتدبر والتفكر، والاستنباط، فكل تحقيق ترتيل، وليس بالعكس، (إتقان ١: ١٠٥). قلت: أما الترتيل فقد علم ثبوته، والأمر به بنص الكتاب، وأما التحقيق فالحديث أصل فيه، ويقابلهما الحدر، والتدوير، وقد ذكر فى الإتقان معناهما فليراجع. قوله: "عن أم سلمة" إلخ. قلت: فيه أن قرائته مؤثر كانت مرتلة، وأنه كان يقف على رؤوس الآى، ولكن ينبغى أن يقيد ذلك أى الوقف على آية آية بما إذا لم يفض إلى التثقيل على السامع، فلا يخفى أن الوقف على آية آية فى قوله: "والعديت ضبحاه فالموريت قدحاه فالمغيرات صبحاه فأثرن به نقعاه فوسطن به جمعاه" وأمثاله من الآيات ١٧٠ ج - ٤ وجوب تجويد القرآن الرحيم، مالك يوم الدين) الدارقطنى (١١٨:١)، وقال: إسناده صحيح وكلهم ثقات اهـ. ورواه الترمذى (١١٦:٢) بلفظ: ثم نعتت قراءته، فإذا هى تنعت قراءة مفسرة حرفا حرفا اهـ وقال: حسن صحيح غريب. ورواه أبو داود، وغيره بلفظ يقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف ﴿الحمد لله رب العلمين﴾، ثم يقف ﴿الرحمن الرحيم﴾ ثم يقف. كذا فى الإتقان (٩٢:١). ١١١٩ - حدثنا: أبو الأحوص عن أبى سنان عن ابن أبى الهذيل أنه قال: كانوا يكرهون أن يقرأوا بعض الآية ويدعوا بعضها. أخرجه سعيد بن منصور فى سننه، وإسناده صحيح، وعبد الله بن أبى الهذيل تابعى كبير وقوله: " كانوا يدل على أن الصحابة كانوا يكرهون ذلك اهـ كذا فى الإتقان (٩٢:١). الصغار ربما يستثقل، ولا يستحسن، ويفوت به سلاسة القراءة وحسن جريانها. ودليل التقييد ما سيأتى من قوله معه: ((زينوا القرآن بأصواتكم، وحبروه تحبيرا)). وبمثل هذا الوقف يفوت التحبير، فالوقف على آية آية فى الآيات الطوال أحسن وأفضل، والله أعلم. ولا دلالة فى الحديث على وقفه معّ الر كذلك فيما سوى الفاتحة مطلقا، ولا على أنه كان لا يقف فى أوساط الآيات أبدا، وإن سلمنا أنه مرّ لتر كان يقف على آية آية فوجهه الدلالة على مقاطع الآيات دون لزومه وأنه أفضل من الوصل مطلقا. قوله: "حدثنا أبو الأحوص" إلخ. المراد به قطع القراءة رأسا، فالقارئ به كالمعرض عن القراءة والمنتقل إلى حالة أخرى غيرها، وهو الذى يستعاذ بعده للقراءة المستأنفة، ولا يكون إلا على رأس آية، لأن رؤوس الآى فى نفسها مقاطع، وليس المراد به وقفات التالى، ولا سكتاته فى وسط الآية، فإن ذلك لا يكره لإجماع الأمة على جوازها فى أوساط الآيات، وكتابتهم ذلك فى المصاحف، وقد ضبطوا قواعدها فى كتب التجويد، فمن شاء، فليراجع. وقدمنا ما يدل على ثبوت الوقف فى وسط الآيات من حديث ابن عمر "كانت السورة تنزل على محمد ◌ٍّ، فنتعلم حلالها وحرامها، وما ينبغى أن يوقف عنده منها" الحديث. فإن الوقف الذى يحتاج إلى التعليم والتعلم هو الوقف فى الأوساط، وأما على رؤوس الآى فلا احتياج إلى تعلمه، فإن الآيات فى أنفسها مقاطع، يعرفها كل قارئ، ١٧١ وجوب تجويد القرآن. إعلاء السنن ١١٢٠ - عن: قتادة قال: سئل أنس رضى الله عنه كيف كانت قراءة النبى مَ اللهِ؟ فقال: كانت مدا، ثم قرأ ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ يمد ببسم الله ويمد "بالرحمن" ويمد "بالرحيم" . رواه البخارى (٨٤٥:٢) فى باب مد القراءة. ١١٢١ - عن: قطبة بن مالك سمعت رسول الله عز لي قرأ فى الفجر "ق" فمر بهذا الحرف: ﴿لها طلع نضيد﴾ فمد "نضيد". رواه ابن أبى داود بإسناد جید، كذا فى فتح البارى (٨:٩). ١١٢٢ - حدثنا: شهاب بن خراش حدثنى مسعود بن يزيد الكندى قال: كان ابن مسعود يقرأ رجلا، فقرأ الرجل ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ مرسلة(١) فقال ابن مسعود: ما هكذا أقرأنيها رسول الله مَ الٍ؟ فقال: كيف أقرأكها يا! أبا عبد الرحمن؟ فقال: أقرأنيها ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساکین﴾ فمدها(٢). أخرجه سعید بن منصور فى سننه، وهذا حديث حسن جليل حجة ونص فى الباب (أى باب المد فى محله) رجال إسناده ثقات. أخرجه الطبرانى فى الكبير أيضا كذا فى الإتقان (١٠١:١). ١١٢٣ - عن: أبى عاصم الضرير الكوفى عن محمد بن عبيد عن عاصم ويشترك فى معرفتها الصغير والكبير، والعالم والجاهل سواء، فافهم. قوله: "عن قتادة" إلخ. فيه ثبوت المد فى مواضعه، وهو باب من التجويد عظيم. قوله: "عن قطبة" إلخ. قلت: دلالته على ما دل عليه أثر قتادة ظاهرة. ٦ قوله: "حدثنا شهاب بن خراش" إلخ. قلت: دلالته على ثبوت المد عنه مّ له ظاهرة، وتركه من اللحن عند القراء. قوله: "عن أبى عاصم إلخ فيه ثبوت الإمالة، وهو باب كبير من التجويد، (١) أى مقصورة (بدون مد الألفات) كما فى القول المفيد (١٢١:١ المصرى). (٢) أى مد ابن مسعود لفظة الفقراء. ١٧٢ ج -٤ وجوب تجويد القرآن عن زربن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود "طه" ولم يكسر (أى لم يمل)، فقال عبد الله: "طه" وكسر، ثم قال: والله هكذا علمنى رسول الله مرّ لته: أخرجه (الدانى) فى تاريخ القراء. قال ابن الجزرى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ورجاله ثقات إلا محمد بن عبد الله، وهو العرزمى، فإنه ضعيف عند أهل الحديث، وكان رجلا صالحا لكن ذهبت كتبه، فكان يحدث من حفظه، فأتى عليه من ذلك. قال السيوطى: وحديثه هذا أخرجه ابن مردويه فى تفسيره، وزاد فى آخره: وكذا أنزل به جبريل اهـ كذا فى الإتقان (٩٦:١). ١١٢٤ - حدثنا: وكيع حدثنا الأعمش عن إبراهيم (هو النخى) قال: كانوا (أى الصحابة) يرون أن الألف والياء فى القراءة سواء، قال: يعنى بالألف والياء التفخيم والإمالة اهـ، أخرجه ابن أبى شيبة، كذا فى الإتقان (١: ٩٦). قلت: رجاله ثقات من رجال الصحيح، وإبراهيم تابعى جليل فقوله: " كانوا" يدل على أن الصحابة كانوا يرون التفخيم والإمالة سواء، وهو شاهد صحيح للحديث السابق. ١١٢٥ - عن: أبى سلمة عن أبى هريرة (مرفوعا) "ما أذن الله لشىء كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن يجهر به". أخرجه مسلم، كذا فى فتح البارى (٦١:٩) وفى رواية له: "لنبى حسن الصوت". وعند ابن أبى داود والطحاوى من رواية عمرو بن دينار عن أبى سلمة عن أبى هريرة النبى) "حسن الترنم بالقرآن"، والحديث وإن كان ضعيفا للعرزمى ولكن له شاهد صحيح من أثر النخعى وهو مذكور فى المتن بعده. قوله: "عن أبى سلمة" إلخ. قلت: فيه استحباب التغنى بالقرآن، وتحسين الصوت بالقراءة وتزيينها لا سيما وقد جاء الأمر به كما سيأتى، ولكنه مقيد بما إذا لم يخرج إلى حد التمطيط، ويأتى ما يدل عليه. ١٧٣ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن وروى عبد الأعلى عن معمر عن ابن شهاب فى حديث الباب بلفظ: "ما أذن لنبى فى الترنم فى القرآن". أخرجه الطبرى. ذكر الروايات كلها الحافظ فى الفتح، (٦٣:٩)، فهى صحاح أو حسان على قاعدته. ١١٢٦- عن: أبى موسى (الأشعرى) أن النبى معَّ الِ قال له: ((ياء أبا موسى! لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود)). أخرجه البخارى وأخرجه أبو يعلى بزيادة فيه: أن النبى مرّ له وعائشة مرا بأبى موسى وهو يقرأ فى بيته، فقاما يستمعان لقراءته ثم أنهما مضيا، فلما أصبح لقى أبو موسى رسول الله مظ له فقال: يا أبا موسى! مررت بك، فذكر الحديث، فقال: أما أنى لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا. ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم أن أبا موسى قام ليلة يصلى، فسمع أزواج النبي ◌ّ للهِ صوته، وكان حلو الصوت، فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال: لو علمت لحبرته لهن تحبيرا اهـ. ذكر كله الحافظ فى الفتح (٨٠:٩) وهو حسن أو صحيح على قاعدته فی الزوائد. ١١٢٧ - عن: أبى عثمان رضى الله عنه النهدى قال: دخلت دار أبى موسى الأشعرى فما سمعت صوت صنبح، ولا بربط، ولا ناى أحسن من قوله: "عن أبى موسى" إلخ. قلت: فى رواية أبى يعلى وابن سعد دلالة على جواز تحسين القرآن وتحبيره، وتزيين الصوت به لإسماع الغير، فقد قال أبو موسى للنبى معدّلّه: "لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيرا"، وإن خصه أحد بالنبى ◌َّةٍ فقد قال: للأزواج المطهرات كذلك: "لو علمت لخبرته لهن تحبيرا". ووجه الجواز لما فيه من تطييب قلب أخيه المؤمن، وهو مقيد بما إذا لم يرد به الرياء بقراءته والتمدح لنفسه، فثبت بالحديث أصل ما تفعله القراء إذا طلب أحد سماع القرآن منهم أنهم يحسنونه لهم ويحبرونه ما لا يحبرون فى قراءتهم لأنفسهم، فهذا لا بأس به إذا نووا تطييب قلوب المؤمنين. والله أعلم بما فى قلوب العالمين. قوله: "عن أبى عثمان النهدى" إلى قوله: "عن فضالة بن عبيد" إلخ. قلت: ١٧٤ ج - ٤ وجوب تجويد القرآن صوته. أخرجه ابن أبى داود، وسنده صحيح، كذا فى الفتح (٨١:٩). ١١٢٨- عن: البراء رضى الله عنه مرفوعا: («زينوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا)). رواه الحاكم فى مستدركه، وقال: صحيح، كذا فى العزيزى (٣٠١:٢). وقال العراقى فى تخريج الإحياء (٢٥١:١): رواه أبو داود، والنسائى، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه من حديث البراء بن عازب اهـ. وقال الحافظ فى الفتح (٦٤:٩): فإن لم يكن حسن الصوت فليحسنه ما استطاع، كما قال ابن أبي مليكة أحد رواة "الحديث، وقد أخرج ذلك عنه أبو داود بسند صحيح اهـ. ١١٢٩ - عن: أنس مرفوعا: ((لكل شىء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن)). رواه عبد الرزاق، والضياء المقدسى فى المختارة، كذا فى كنز العمال (١٥:١)، وإسناد الضياء صحيح على قاعدة الكنز المذكورة فى خطبته. ١١٣٠ - عن: فضالة بن عبيد رضى الله عنه مرفوعا: ((الله أشد أذنا(١) إلى الرجل الحسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته)). رواه ابن حبان فى صحيحه، والحاکم فی مستدركه، والبیهقی فی شعبه. کذا فی كنز العمال (١٥:١). وقال الحافظ فى الفتح (٩٣:٥): وأخرج ابن ماجة، والكجى، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث فضالة بن عبيد مرفوعا: ((ألله أشد أذنا أى استماعا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة(٢) دلالتها على استحباب تزيين الصوت بالقرآن ظاهرة، وقد اندحض بما جمعنا من طرق الحديث قول من قال: إن المراد بالتغنى الاستغناء عن الناس دون تحسين الصوت، وقد بسط الكلام فى ذلك الحافظ فى الفتح (٩: ٩٣)، وبطل إنكار من أنكر على بعض القراء فى التغنى بالقرآن، وتزيين الصوت به، وقال: إن ذلك داب المطربين من أهل الغناء، (١) الهمزة والذال العجمة أى استماعا وإصغاء، كذا فى العزيزى. (٢) والقينة المغينة. ١٧٥ وجوب تجويد القرآن إعلاء السنن إلی قینته» اهـ. ١١٣١- عن: حذيفة رضى الله عنه مرفوعا: ((اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الكتابين، وأهل الفسق)). الحديث رواه الطبرانى فى الأوسط، والبيهقى فى الشعب، وهو حديث صحيح، كذا فى العزيزى (٢٦١:١). ١١٣٢- عن: ابن عباس مرفوعا «أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن فقد علمت أن أبا موسى الأشعرى كان يقرأ بصوت لم يسمع صوت صنج، ولا بربط، ولا ناى أحسن منه، فهل يسع لأحد يؤمن بالله أن يطعن عليه فى ذلك؟ كلا! فكذلك من حذى حذوه بشرط عدم الخروج عن العربية، والاحتراز عن اللحن فى المدات، ونحوها . قوله: "عن حذيفة" قلت: دل الحديث على أن التغنى بالقرآن لا يجوز على الإطلاق، بل هو مقيد بقيد عدم إخراج القرآن من العربية إلى غيرها بأن يفرط فى المد وفى إشباع الحركات حتى يتولد من الفتحة ألف، ومن الضمة واو، ومن الكسرة، ياء، أو يدغم فى غير موضع الإدغام، فإن لم ينته إلى هذا الحد فلا كراهة، ولحون العرب على قراءة الرجال دون نغمة النساء، وتكون أيضا تابعة للمعانى بحيث يعرف السامع من لهجة القارئ بها أنها ناشئة من فهمه معانى القرآن ومطالبها، وتكون مطاوعة لقواعد التجويد أيضا، فلا يفرط فى المد، وفى أشباع الحركات، ونحوها. قال فى زوائد الروضة: والصحيح أن الإفراط على الوجه المذكور حرام يفسق به القارئ، ويأثم المستمع، لأنه عدل به عن نهجه القويم. (إتقان ١: ١١٣). قلت: وينبغى أن يسمى ذلك تحريفا، وبالجملة فمتى كانت الألحان تابعة لقواعد التجويد جارية معها فلا بأس بها، وهى المراد بألحان العرب وأصواتها، وإذا جعلت القواعد تابعة للألحان حرم التغنى بنحو ذلك، والله أعلم. قوله: "عن ابن عباس" إلخ. قلت: فيه استحباب التحزن بالقرآن، ومعناه أن يقرأ ج -٤ وجوب تجويد القرآن ١٧٦ يتحزن(١) به)). رواه الطبرانى فى الكبير، قال الشيخ: حديث حسن، قال العلقمی: قال الجوهری: وفلان یقرأ بالتحزین إذا رق صوته به. کذا فی العزیزی (٦٠:١). ١١٣٣- وقال محمد فى الآثار (ص: ٤٤): والقراءة عندنا كما روى طاوس (٢) قال: ((إن من أحسن الناس قراءة الذى إذا سمعته يقرأ حسبته يخشى الله)). ١١٣٤ - وقال الحافظ فى الفتح (٦٣:٩): وقد روى ابن أبى داود بإسناد حسن عن أبى هريرة أنه قرأ سورة، فحزنها شبه الرثى، وأخرجه أبو عوانة عن اللیث بن سعد قال: یتغنى به یتخرن به، ویرقق به قلبه اهـ. ١١٣٥- أخبرنا: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: لا يتحول الرجل من قراءة إلى قراءة (قال) أبو حنيفة: يعنى حرف عبد الله، وحرف زيد، وغيره، بحيث يظهر من تلاوته حزن قلبه دون أن يتعمد فى تحزين الصوت فقط، كما ابتدع بعضهم فى قراءة القرآن صوتا یسمی التحزین، وهو أن یأتی علی وجه حزین یکاد یبکی من غير أن يكون فى قلبه من أثر الحزن شئ، فذلك معدود فى التصنع المكروه، إلا إذا قرأ خاليا بنفسه فلا بأس به أيضا لما سيأتى من قوله سرٍّ: ((إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فأبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا)) اهـ فحينئذ يدخل ذلك التحزين فى التباكى بشرط أن لا يخل بشئ من قواعد التجويد، ولا يفضى إلى تغيير المدات، وحذف الألفات، ونحوها . قوله: "أخبرنا أبو حنيفة" إلخ. قلت: فيه كراهة الجمع بين القراءتين، والظاهر كونها فى التلاوة وفى الصلاة، وأما فى التمرين والتعليم فلا بأس به، فقد تداول القراء ذلك فى الأمصار، واضطروا إليه لضعف الهمم، وقصر الأعمار عن ختم القرآن فى قراءة (١) أى يتخشح، عقاله بعض الشراح. (٢) لعله يروى عن ابن عباس. 12 إعلاء السنن ١٧٧ أخرجه محمد فی الآثار (ص:٤٤) ورجاله ثقات، وسنده صحيح. باب ما جاء فى بعض آداب التلاوة ١١٣٦- عن: على رضى الله عنه مرفوعا: ((إن أفواهكم طرق للقرآن، فطيبوها بالسواك)). رواه البزار بسند جيد (الإتقان، ١١:١). ١١٣٧ - عن: جندب رضى الله عنه بن عبد الله عن النبى عنّ له قال: قراءة على حدتها، ولعل وجه كراهته فى التلاوة والصلاة أن ذلك لم يكن من عادة السلف، ومن المعلوم أن الحق والصواب فى كل شئ مع الصدر الأول. قال تعالى: ﴿قل: هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة إنا ومن اتبعنى﴾، وقال ابن مسعود رضى الله عنه: "من كان منكم متأسيا فليتأس بأصحاب محمد مظهره، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، وأقومها هديا، وأحسنها حالا. اختارهم الله لصحبة نبيه مرّ له، وإقامة دينه، فأعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم فى آثارهم، فإنهم كانوا على هدى مستقيم". رواه رزين، والطبرانى فى الكبير، ورجاله رجال الصحيح، كذا فى تنقيح المشكاة عن مجمع الزوائد (١: ١٤٥). ومن شاء زيادة التحقيق، فليرجع إلى غيث النفع (ص: ٨) . وبالجملة فقد أتينا فى هذا الباب على القدر الضرورى من أبواب التجويد، ولله الحمد. باب ما جاء فى بعض آداب التلاوة قوله: "عن على" إلى قوله: "عن سعد بن أبى وقاص" وهو الثالث من الباب إلخ. قلت: دلالتها على معنى الباب ظاهرة. ١٧٨ ج - ٤ بعض آداب التلاوة («اقرأوا القرآن ما ائتلفت(١) قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا عنه)). رواه أمير المؤمنين فى الحديث أبو عبد الله البخارى فى صحيحه (٧٥٧:٢). ١١٣٨ - عن: سعد بن أبى وقاص مرفوعا: ((إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه فأبكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن فليس منا)). رواه ابن ماجة. قال العراقى: بإسناد جيد (شرح الإحياء، ٤٩:٤). ١١٣٩- عن: حذيفة أنه صلى إلى جنب النبى مرّ ليلة، فقرأ، فكان إذا مر بایة عذاب وقف وتعوذ، وإذا مر بآية رحمة وقف، فدعا، و کان یقول فی ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وفى سجوده: "سبحان ربي الأعلى". أخرجه النسائى، (١٥٦:١) وسكت عنه، ومسلم، وزاد ولا بآية تنزيه: إلا سبح (شرح الإحياء للعراقى، ٢٥:١) وفى الأذكار للنووى (ص: ٢٦) عن عوف بن مالك نحوه، وقال: هذا حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائى فى سننهما، والترمذى فى الشمائل بأسانيد صحيحة اهـ. ١١٤٠- عن: عقبة بن عامر الجهنى رضى الله عنه قال: قال رسول الله مَّ اله: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة)). قوله: "عن حذيفة" إلخ. قلت: قال السندى فى حاشية النسائى: عمل به علماءنا الحنفية فى الصلاة النافلة، كما هو المورد ا هـ (١: ١٥٦) أى فى غير التراويح، كما فى رد المحتار، لأنها تؤدى بالجماعة، فلا ينبغى التطويل فيها، والتثقيل على القوم. قوله: "عن عقبة بن عامر" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن الجهر أفضل فى نفسه، والإسرار خير لنا، كما هو الأمر فى الصدقة، قال تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعماهى، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ ولا دلالة فيه على نفى الفضيلة عن الجهر، کما زعمه بعضهم فاحتاج إلى الجمع بينه وبين ما ورد فى استحباب الجهر وتصويب من فعله، ففى الصحيحين من حديث عائشة أن رجلا قام من الليل، فقرأ، فرفع صوته (١) أي ما اجتمعت. منه ١٧٩ بعض آداب التلاوة إعلاء السنن رواه أبو داود (٥١:١). وسكت عنه وفى عون المعبود: قال المنذرى: وأخرجه الترمذى، والنسائى، وقال الترمذى: هذا حديث حسن غريب هذا آخر كلامه. وفى إسناده إسماعيل ابن عياش وفيه مقال، ومنهم من يصحح حديثه عن الشاميين، وهذا الحديث شامى الإسناد اهـ. ١١٤١ - عن: بعض الصحابة مرفوعا: ((فضل قراءة القرآن نظراً(١) على من يقرأه ظاهرا (٢) كفضل الفريضة على النافلة)). رواه أبو عبيد الهروى فى فضائل القرآن، كذا فى العزيزى (٢١:٣). وفى الإتقان (١١٣:١): سنده صحيح. بالقرآن، فقال رسول الله عزظلتٍ: ((رحم الله فلانا فقد أذكرنى آية كنت نسيتها)) الحديث، ومن حديث أبى موسى قال: قال رسول الله مرظاهر (لو رأيتنى وأنا أسمع قراءتك البارحة)) الحديث، ومن حديثه أيضا ((إنما أعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم بالقرآن))، الحديث. ذكر الأحاديث الثلاث الحافظ العراقى فى شرح الإحياء (١: ٢٥). وقد مر فى الباب السابق حديث مسلم مرفوعا: ((ما أذن الله لشئ كاذنه التى يتغنى بالقران يجهر به)) اهـ، وفى الإتقان: قال النووى: إن الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى مصلون أو نيام بجهره، والجهر أفضل فى غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارى، ويجمع همه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد فى النشاط. ويدل لهذا الجمع حديث أبى داود بسند صحيح عن أبی سعید رضى الله عنه اعتكف رسول الله مَ خله فى المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر وقال: ((إن كلكم مناج لربه فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض فى القراءة». وقال بعضهم: يستحب الجهر ببعض القراءة والإسرار ببعضها لأن المسر قد يمل فيأنس بالجهر والجاهر قد يكل فيستريح بالإسرارا هـ (١: ١١٣). قوله: "عن بعض الصحابة" إلخ. قلت: دلالته على فضيلة القراءة نظرا ظاهرة، (١) فى المصحف، عزيزى. (٢) أى عن ظهر قلب. ١٨٠ ج - ٤ بعض آداب التلاوة ١١٤٢- وفيه أيضا عن ابن مسعود موقوفا: أديموا النظر فى المصحف، أخرجه البیہقی بسند حسن اهـ. ١١٤٣- عن: أوس بن أوس الثقفى مرفوعا: ((قراءة الرجل فى غير المصحف ألف درجة(١) وقرائته فى المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفى درجة)). رواه الطبرانى فى الكبير، والبيهقى فى الشعب، كذا فى العزيزى (٥٦:٣)، وقال: قال الشيخ: حديث صحيح اهـ. ١١٤٤ - عن: ابن عمر (أنه) كان إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه. كذا فى الإتقان (١١٤:١)، وعزاه إلى الصحيح. ١١٤٥- عن: جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: خرج رسول الله متّلته على أصحابه، فقرأ عليهم "سورة الرحمن" من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: ((ما لى أراكم سكوتا؟ لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا (٢) منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿ فبأى آلاء ربكما تكذبان؟ ﴾ قالوا: ولا بشىء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد)). رواه الترمذى، وابن وهو المذهب، صرح به فى الهندية (٦: ٢١٢) بما نصه: قراءة القرآن فى الصحف أولى من القراءة عن ظهر القلب ١ هـ. ولا يلزم منه فضيلة غير الحافظ على حافظ القرآن، فإن للحفظ مزية لا يدركها القياس، وقراءة القرآن نظرا لا يختص بغير الحافظ، فإن الحافظ أيضا ربما يقرأ نظرا فيدرك هذه الفضيلة فافهم. قوله: "عن ابن عمر" إلخ. قلت: دلالته على كراهة التكلم فى خلال التلاوة ظاهرة. قوله: "عن جابر بن عبد الله" إلخ. قلت: وفى (المرقاة ١: ٥٣٦): قال: المظهر عند الشافعى يجوز مثل هذه الأشياء فى الصلاة (المكتوبة ١٢) وغيرها، وعند أبى حنيفة لا (١) أى ذات ألف. (٢) أى ردا، فهو مصدر ميمى.