Indexed OCR Text

Pages 41-60

ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
٤١
قلت: سند صحيح على شرط مسلم.
١٠٢٢- أخبرنا: وكيع عن محل قال: سمعت إبراهيم يقرأ فى الركعة
الأولى من المغرب "لإيلاف قريش" أخرجه ابن أبى شيبة (عمدة القارى
٨٤٤:٣) .
قلت: محل هذا هو ابن محرز الضبى الكوفى وثقه أحمد وابن معين
وغيرهما ، كذا فى التهذيب فالسند صحيح.
١٠٢٣ - عن: أنس أن النبى مرّ لِّ كان يقرأ فى الظهر، والعصر بـ (سبح
اسم ربك الأعلى. وهل أتاك حديث الغاشية). رواه البزار، ورجاله رجال
الصحیح (مجمع الزوائد ٨٨:١).
١٠٢٤- عن: البراء قال: سمعت النبى مرّ له: يقرأ فى العشاء ﴿والتين
والزيتون)، وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه. متفق عليه، (كذا فى المشكاة
مع التنقيح ١٥٣:٢).
١٠٢٥ - عن: جابر قال: كان معاذ بن جبل يصلى مع النبى ◌ّ له ثم يأتى
فيؤم قومه. فصلى ليلة مع النبى ◌ّ للهِ ثم أتى قومه فأمهم فافتتح بسورة البقرة،
قوله: "عن البراء" إلخ. قال الحافظ فى الفتح: تحت هذا الحديث: وإنما قرأ فى
العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافرا، والسفر يطلب فيه التخفيف، وحديث أبى
هريرة أنه قرأ فى العتمة "إذ السماء انشقت" محمول على الحضر، فلذلك قرأ بأوساط
المفصل اهـ (٢: ٢٠٨).
قلت: كون "سورة التين" من القصار، " والانشقاق" من الأوساط مبنى على قول
ابن معن: وأما على الجمهور فالانشقاق من الطوال، وسورة التين من الأوساط كما مر
فافهم.
قوله: "عن جابر وعن بريدة" إلخ. قال الحافظ فى الفتح: ووقع عند أحمد
من حديث بريده بإسناد قوى: فقرأ "اقتربت الساعة" وهى شاذة إلا أن حمل على

٤٢
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
فانحرف رجل، فسلم ثم صلى وحده. الحديث. وفى آخره: فأقبل رسول الله
عّ لِّ على معاذ فقال: يا معاذ! أفتان أنت؟ اقرأ " والشمس وضحها، والليل إذا
يغشى، وسبح اسم ربك الأعلى". متفق عليه. كذا فى المشكاة ١: ٦٢). وفى
رواية للبجارى: وأمره بسورتين من أوسط المفصل اهـ.
قال: الحافظ فى الفتح (١٦٤:٢): وفى رواية الحميدى عن ابن عيينة مع
الثالثة الأول ﴿والسماء ذات البروج والسماء والطارق﴾. اهـ.
١٠٢٦ - عن: بريدة أن معاذ بن جبل صلى بأصحابه صلاة العشاء
فقرأ فيها ﴿ اقتربت الساعة﴾ فقام رجل من قبل أن يفرغ فصلى، وذهب.
فقال له معاذ قولا شديدا فأتى الرجل النبى عّ لِّ فاعتذر إليه فقال: إنى
كنت أعمل فى نخل وخفت على الماء. فقال رسول الله عز لته: صل
"بالشمس وضحاها" ونحوها من السور. رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح
التعدد (٢: ١٦٢).
ثم ذكر الاختلاف الواقع فى تسمية هذا المنحرف الذی صلى وحده، وفى تعيين
هذه الصلاة فقال: وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان، وأيد ذلك
بالاختلاف فى الصلاة هل هى العشاء أو المغرب؟ وبالاختلاف فى السورة هل هى
"البقرة" أو "اقتربت"؟ وبالاختلاف فى عذر الرجل، هل هو لأجل التطويل فقط لكونه
جاء من العمل وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقى نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف على الماء
فى النخل، كما فى حديث بريدة؟ واستشكل هذا الجمع لأنه لا يظن بمعاذ أنه من غير يأمره
بالتخفيف ثم يعود إلى التطويل، ويجاب عن ذلك باحتمال أنه يكونه قرأ أولا بالبقرة،
فلما نهاه قرأ "اقتربت" وهى طويلة بالنسبة إلى السورة التى أمره أن يقرأ بها كما سيأتى،
ويحتمل أن یکون النهی أولا وقع لما یخشی من تنفیر بعض من يدخل فى الإسلام، ثم لما
اطمأنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال، فقرأ باقتربت، لأنه سمع النبى مرٍّ يقرأ فى
المغرب بالطور، فصادف صاحب الشغل وجمع النووى باحتمال أن يكون قرأ فى الأولى
بالبقرة فانصرف رجل، ثم قرأ "اقتربت" فى الثانية فانصرف آخر اهـ (٢: ١٦٣). ودلالة

٤٣
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
(مجمع الزوائد ١٨٩:١).
١٠٢٧ - عن: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: ما من المفصل سورة
صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول الله مَّ له يؤم بها الناس فى الصلاة
المكتوبة. رواه مالك ( كذا فى المشكاة) وفى تنقيح الرواة (ص: ١٥٩): رواه أيضا
. أبو داود وسكت عنه هو والمنذرى. قلت: وهو حديث صحيح.
١٠٢٨- عن: رفاعة الأنصارى أن النبى ◌ِّّ قال: لا تقرأ فى الصبح
بدون عشر آيات ولا تقرأ فى العشاء بدون عشر آيات. رواه الطبرانى فى الكبير
الحديثين على استحباب قراءة الأوساط من المفصل فى صلاة العشاء ظاهرة، وأن قراءة
الطوال فيها مكروهة، فما ظنك بقرأتها فى المغرب مع ضيق وقتها، وكثرة اشتغال الناس
بحوائجهم فيه؟ فينبغى أن يقتصر فيها على القصار كما اثبتاه بما قدمناه لك.
قوله: "عن عمرو بن شعيب" إلخ قلت: فيه دلالة على أنه مرّةٍ كان يكثر القراءة
من المفصل فى المكتوبات حتى أنه لم يدع سورة منها إلا أم الناس بها. وهذا يشهد لما مر
فى كتاب عمر رضى الله عنه إلى أبى موسى من حصره القراءة فى المفصل طواله وأوساطه
وقصاره، وأنه رضى الله عنه إنما أمر بذلك لما رأى من إكثار النبى مرّ ات بقراءة وكثرة إمامة
الناس به مع ما كان من عادة الإطالة فى بعض الصلوات والتقصير فى بعضها، ومن ههنا
استحسن أصحابنا القراءة من سور المفصل فى المكتوبات على الوجه الذى ورد فى أثر
عمر رضى الله عنه.
قوله: "عن رفاعة" إلخ. قلت: معناه والله تعالى أعلم أن من لم يقدر على الإطالة
فى الفجر والعشاء لكونه لا يحفظ القرآن، أو كانت الإطالة تثقل على من خلفه، أو كان
فى السفر ونحوه فله أن يقصر القراءة عن قدر المسنون ولكن لا يقرأ أقل من عشر آيات
فى كل منهما. قلت: وينبغى أن يكون عشر آيات الصبح طوالا نحو "سورة الجمعة
والمنافقين" وفى العشاء قصارا نحو "سورة الضحى" وأمثالها لما مر من أن قراءته مرٍّ فى
الفجر كانت أطول من غيرها، فلو راعاها مع التخفيف أيضا كان أولى وأحسن. وفى
الحديث دلالة على أن رعاية عدد الآيات فى المقروء سنة، وقد قدمنا عن الجامع الصغير أنه

٤٤
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
وفيه ابن لهيعة واختلف فى الاحتجاج به (مجمع الزوائد ١٥٩:١). قلت: وقد
قدمنا أنه حسن الحدیث واحتج به غیر واحد، فالحديث حسن.
١٠٢٩ - عن: أبى هريرة رضى الله عنه قال: كان رسول الله عز له يقرأ فى
صلاة الفجر يوم الجمعة ﴿ آلم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان﴾. متفق
عليه (بلوغ المرام ١٤٩:١).
١٠٣٠- عن: عبد الله بن مسعود رضى الله عنه أن النبى ◌ّ لمي كان يقرأ
فى صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿آلم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان﴾
يقرأ فى الفجر فى الركعتين قدر أربعين أو خمسين واقتصر فى الأصل على الأربعين وفى
المجرد ما بين الستين إلى المأة، والكل ثابت بفعله عليه الصلاة والسلام. ويقرأ فى العصر
والعشاء خمسة عشر فى (كل من) الركعتين فى ظاهر الرواية اهـ، وقدر القراءة فى العصر
والعشاء مأخوذ مما مر عن جابر بن سمرة أنه مرّ ةٍ كان يقرأ فى الظهر والعصر "بالسماء
ذات البروج والسماء والطارق" وشبهما رواه الترمذى وصحه، ومما سبق عن معاذ أمره
النبى ◌ّظهر أن يقرأ فى العشاء " بالشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، وسبح اسم ربك
الأعلى، والضحى" ونحوها من سور، متفق عليه. ولكن هذا فى حالة الاختيار ولم يذكر
أصحابنا قدر ما يستحب من القراءة فى حالة العجز عن الإطالة وبينه حديث رفاعة هذا أنه
لا يقرأ فى الفجر والعشاء أقل من عشر آيات، وبه يعلم حكم الظهر والعصر أيضا فإن
الظهر إما ملحقة بالفجر أو بالعصر كما مر، وحكم العصر والعشاء واحد كما بيناه. وأما
المغرب فالسنة فيه قراءة القصار مطلقا. وما ورد فى إطالة القراءة فيها قد فرغنا عن
الجواب عنه، فاغتنم تحرير هذا المقام والحمد لله الملك العلام.
قوله: "عن أبى هريرة وعن عبد الله بن مسعود" إلخ. قلت: فيه دليل على
استحباب قراءة هاتين السورتين فى هذه الصلاة من هذا اليوم، لما تشعر به صيغة " كان"
من مواظبته سرّ ◌ّ على ذلك ما فى رواية الطبرانى من زيادة لفظ "يديم ذلك". قال الحافظ
فى الفتح: وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة، ومنهم من علل الكراهة
بخشية اعتقاد العوام أنها فرض. قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقا فيأباه

٤٥
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
يديم ذلك. رواه الطبرانى فى الصغير ورجاله موثقون (مجمع الزوائد ٢٠٩:١).
وقال الحافظ فى الفتح (٣١٤:٢): أخرجه الطبرانى، ولفظه: يديم ذلك، وأصله
فى ابن ماجه بدون هذه الزيادة، ورجاله ثقات لكن صوب أبو حاتم إرساله اهـ.
الحديث لكن إذا انتهى الحال إلى وقوع هذه المفسدة (١) فينبغى أن تترك أحيانا لتندفع،
فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك فى بعض الأوقات اهـ.
وإلى ذلك أشار ابن العربى بقوله: ينبغى أن يفعل ذلك فى الأغلب للقدوة ويقطع أحيانا
لئلا تظنه العامة سنة اهـ وهذا على قاعدتهم فى التفرقة بين السنة والمستحب. وقال
صاحب المحيط من الحنفية: يستحب قراءة هاتين السورتين فى صبح يوم الجمعة بشرط
أن يقرأ غير ذلك أحيانا لئلا يظن الجاهل أنه لا يجزى غيره. وأما صاحب الهداية منهم
فذكر أن علة الكراهة هجران الباقى وإيهام التفضيل. وقول الطحاوى يناسب قول
صاحب المحيط فإنه خص الكراهة بمن يراه حتما لا يجزى غيره أو يرى القراءة بغيره مكروهة
أهـ (٢: ٣١٥). وقال الشر نبلالى: فى مراقى الفلاح: وقد ترك الحنفية إلا النادر منهم هذه
السنة، ولازم عليها الشافعية إلا القليل، فنظن جهلة المذهبين بطلان الصلاة بالفعل
والترك، فلا ينبغى الترك ولا الملازمة دائما ا هـ (ص: ١٥٣).
وقال ابن الهمام فى الفتح: ثم مقتضى الدليل عدم المداومة لا المداومة على العدم،
كما يفعله حنفية العصر، بل يستحب أن يقرأ بذلك أحيانا تبركا بالمأثور، فإن لزوم الإيهام
ينتقى بالترك أحيانا ا هـ (٢٩٤:١).
فإن قلت: إن حديث ابن مسعود يفيد مواظبته سرّ ◌ّ على هاتين السورتين مع
الدوام، ومقتضاه التأكد دون ما يفهم من كلام الحنفية وهو الاستحباب مع الترك أحيانا.
قلت: المواظبة إنما تفید التأكد إذا لم یکن صارف عنه، وههنا قد وجد وهو کون
العمل متروكا به فى المدينة وغيرها، يدل عليه قول أبى الوليد الباجى من المالكية: إن
· مؤلف.

٤٦
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٣١- عن: إبراهيم النخعى أنه قال: يستحب أن يقرأ فى الصبح يوم
الجمعة بسورة فيها سجدة. أخرجه ابن أبى شيبة بإسناد قوى. وعنده من طريقه
أيضا: أنه فعل ذلك فقرأ "سورة مريم)".
١٠٣٢- ومن طريق ابن عون قال: كانوا يقرأون فى الصبح يوم الجمعة
بسورة فيها سجدة اهـ. ذكره الحافظ فى الفتح (٣١٦:٢) فهو صحيح أو حسن
على قاعدته.
١٠٣٣- عن: النعمان بن بشير قال: كان رسول الله منز له يقرأ فى العيدين
وفى الجمعة بـ ﴿ سبح اسم ربك الأعلى﴾ و﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾
الناس تركوا العمل به لا سيما أهل المدينة اهـ.
وقال ابن العربى: وهو أمر لم يعلم بالمدينة فالله أعلم بمن قطعه كما قطع غيره اهـ
ذكرهما الحافظ فى الفتح (٢: ٣١٥). فلو كان أمرا مؤكدًا لواظب عليه الصحابة، ومن
بعدهم، فدل على أنه مستحب لا بأس بتر که.
قوله: "عن إبراهيم النخعى" إلخ. قلت: فيه دلالة على أن المواظبة على "تنزيل
السجدة" فى فجر الجمعة ليست بلازمة عنده بل يستحب أن يقرأ بأى سورة فيها سجدة
سواء كانت هى أو غيرها، ولفظ ابن عون قال: كانوا يقرأون فى الصبح يوم الجمعة
بسورة فيها سجدة اهـ أى كان الصحابة يفعلون ذلك كما هو الظاهر، فإن ابن عون تابعى
رأى أنسا كما فى التهذيب (٥: ٣٤٦) والتابعى إنما يذكر أفعال الصحابة فى معرض
الدليل دون غيرهم إلا النادر، فثبت بذلك أن المواظبة على هذه السورة بعينها لم تكن
مؤكدة عندهم وهو المطلوب، وأما المواظبة على سورة ما فيها سجدة لا على التعيين، فلم
تثبت عن النبى مرّ له بعد، وإنما صرح النخعى باستحبابها، ولعله قياس منه على "تنزيل
السجدة"، ولا يلزم منه التأكد. ولا السنية، والله سبحانه وتعالى أعلم.
قوله: عن النعمان بن بشير وعن عبيد الله إلخ. قال العلامة العينى فى العمدة:
فهذه الأحاديث فيها لفظة "كان" ولم تدل على المداومة، بل كان ◌َّ هِ قرأ بهذا مرة وبهذا
3

٤٧
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر.
قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة فى يوم واحد قرأ بهما فى الصلاتين. رواه
مسلم كذا فى المشكاة مع التنقيح (١٥٤:١).
قلت: وقد مر فى باب الجهر فى الجمعة، والعيدين حديث أبى هريرة أنه
قرأ سورة الجمعة ﴿وإذا جاءك المنافقون﴾"، وقال: سمعت رسول الله مرّ له يقرأ
بها يوم الجمعة، رواه مسلم، ولفظ الطحاوى: أنه كان يقرأ فى الجمعة ((سورة
الجمعة ﴿ وإذا جاءك المنافقون﴾". كذا فى عمدة القارى (٢٦١:٣).
١٠٣٤ - عن: عبيد الله أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثى ما كان
يقرأ به رسول الله مرّ تّ فى الأضحى والفطر؟ فقال: يقرأ فيها بـ ﴿ق.والقرآن
المجيد واقتربت الساعة)، رواه مسلم كذا فى المشكاة مع التنقيح (١٥٤:١).
١٠٣٥ - عن: أبى هريرة قال: إن رسول الله مرّ له قرأ فى ركعتى الفجر " قل
يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد" رواه مسلم، كذا فى المشكاة (١٥٤:١).
مرة، فحكى عنه كل فريق ما حضرو، ففيه دليل على أن لا توقيت للقراءة فى ذلك، وأن
للإمام أن يقرأ فى ذلك مع فاتحة الكتاب أى القرآن شاء اهـ. وفيه أيضا: قال المهلب:
القراءة فى الصلاة محمولة على قوله تعالى: "فاقرأوا ما تيسر منه" اهـ (٣: ٢٦١).
وقال فى البحر: ولو قرأ فى الأولى "بسورة الجمعة" وفى الثانية "بسورة المنافقين"،
أو فى الأولى "بسبح اسم ربك الأعلى" وفى الثانية "بسورة هل أتاك حديث الغاشية"،
فحسن تبركا بفعله مرّ له ولكن لا يواظب على ذلك، بل يقرأ غيرها فى بعض الأوقات
كيلا يؤدى إلى هجر الباقى، ولا يظنه العامة حتما ا هـ (٢: ١٥٧).
قلت: فكل ما ورد عن النبى ◌ّةٍ أنه قرأ به فى الصلاة غالبا، فالعمل به عندنا
حسن ما لم يواظب عليه دائما ، بل ينبغى أن يتركه أحيانا، وقال الشافعية بتأكده والدوام
عليه، وفيه ما لا يخفى من المفسدة فافهم.
قوله: "عن أبى هريرة" إلخ، قلت: قراءة هاتين السورتين فى ركعتى الفجر سنة
عندنا أيضا، قال المحقق ابن الهمام فى الفتح: ولذا قالوا: السنة أن يقرأ فى ركعتى الفجر
"بقل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد"، وظاهر هذا إفادة المواظبة على ذلك، وذلك

٤٨
مقدار القراءة فى الحضر
إعلاء السنن
١٠٣٦- عن: ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله سَ له: ﴿قل
هو الله أحد﴾ تعدل ثلث القرآن، ﴿ وقل يا أيها الكافرون﴾ تعدل ربع
القرآن، وكلا يقرأ بهما فى ركعتى الفجر، وقال: هاتان الركعتان فيما
رغب الدهر. رواه أبو يعلى بإسناد حسن، والطبرانى فى الكبير، واللفظ له.
كذا فى الترغيب (٩٥:١).
لأن الإيهام المذكور (أى إيهام التفضل والتعيين وهجر الباقى) منتف بالنسبة إلى المصلى
نفسه. اهـ (١ : ٢٩٤) .
قلت: وكذا يستحب فى الوتر أن يقرأ بما ورد عنه مر كما سيأتى، وقال
الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح": ويكره تعيين سورة غير الفاتحة، لأنها متعينة وجوبا،
وكذا المسنون المعين، وهذا (أى كراهة التعيين ١٢) بحيث لا يقرأ غيرها لما فيه من هجر
الباقى إلا ليسر عليه أو تبركا بقراءة النبى مرزهر، فلا يكره، ويستحب اقتداءه بقراءة النبى
مرّ فيه " كالسجدة" "وهل أتى" فى فجر الجمعة أحيانا (يفيد كراهة المداومة ١٢
طحطاوى) اهـ (ص: ٢١٢).
ثم ذكر الشرنبلالى جملة من السور التى قرأ بها النبى مرة ثم قال: انتهى ما
نقلناه عن الجلال السيوطى رحمه الله تعالى عليه ليقتدى به من يحافظ على ما بلغه من
السنة الشريفة. اهـ. فمن شامه فليراجعها، فلله دره ما أتبعه للأثر، ولعمرى أولئك هم
الحنفية حقا.
بحث قراءة المعوذتين فى ثالثة الوتر
قوله: "عن ابن عمر، وأبى بن كعب" إلخ قال الشرنبلالى فى "مراقى الفلاح":
وفى حديث عائشة رضى الله عنهما: قرأ فى الثالثة "قل هو الله أحد" "والمعوذتين" يعمل
به فى بعض الأوقات عملا بالحديثين لا على وجه الوجوب اهـ (ص: ٢١٩).
قلت: وفى النيل: وعن أبى هريرة عند الطبرانى فى الأوسط بزيادة: المعوذتين فى

٤٩
ج - ٤
مقدار القراءة فى الحضر
١٠٣٧- وروى الترمذى عن ابن مسعود قال: ما أحصى ما سمعت رسول
الله عّالتّ يقرأ فى الركعتين بعد المغرب، وفى الركعتين قبل صلاة الفجر ب﴿ قل
يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد). قال الترمذى: غريب لا نعرفه إلا من
حديث عبد الملك بن معدان.
قلت: قال فيه ابن معين: صالح وضعفه غيره. كذا فى التهذيب
(٤٢٨:٦) فهو حسن.
١٠٣٨- عن: أبى بن كعب: كان رسول الله منز له يقرأ فى الوتر ب﴿ سبح
اسم ربك الأعلى﴾ و﴿وقل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾. فإذا سلم
قال: "سبحان الملك القدوس" ثلث مرات. رواه النسائى (٢٥:١) وسكت عنه.
الثالثة، وفى إسناده المقدام بن داود وهو ضعيف، وعن عائشة عند أبى داود، والترمذى
بزيادة: كل سورة فى ركعة، وفى الأخيرة "قل هو الله أحد" و"المعوذتين"، وفى إسناده
خصیف الجزری وفیه لین، ورواه الدار قطنى، وابن حبان، والحا کم من حدیث یحیی بن
سعيد عن عمرة عن عائشة، وتفرد به يحيى بن أيوب عنه، وفيه مقال ولكنه صدوق.
وقال العقيلى: إسناده صالح، قال ابن الجوزى: وقد أنكر أحمد ويحيى (بن معين (١))
زيادة المعوذتين اهـ (٢: ٢٨٠).
قال الطحطاوى: فهذا سر اقتصار أئمتنا على الإخلاص فى الثالثة اهـ (مراقى
الفلاح ص: ٢١٩).
قلت: حديث عائشة هذا قال فيه الترمذى: حسن غريب، وقال أيضا: قد
روى عن النبى مَّه: إنه قرأ فى الوتر فى الركعة الثالثة "بالمعوذتين"، " وقل هو
الله أحد"، والذى اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبى معَّةٍ ومن بعدهم أن
يقرأ "بسبح اسم ربك الأعلى"، " وقل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد" يقرأ فى كل
ركعة بسورة اهـ. (١: ٦١).
(١) كذا فى الطحطاوى على مراقى الفلاح (ص: ٢١٩) مؤلف.
:

إعلاء السنن
باب قوله تعالى:
﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾
والنهى عن القراءة خلف الإمام فى الجهرية والسرية،
واكتفاء المأموم بقراءة الإمام
١٠٣٩- حدثنا: أبو کریب قال: ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم (هو ابن
بهدلة) عن المسيب بن رافع قال: كان عبد الله يقول: كنا يسلم بعضنا على
بعض فى الصلاة سلام على فلان وسلام على فلان. قال: فجاء القرآن ﴿ وإذا
قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾.
قلت: وفيه دلالة على أن المختار عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبى عّالة
ومن بعدهم أن الوتر ثلاث ركعات، وسيأتى الكلام إليه فى بابه إن شاء الله تعالى.
،
باب قوله تعالی:
وإذا قرئ القرآن، فاستمعوا له وأنصتوا﴾
والنهى عن القراءة خلف الإمام فى الجهرية والسرية،
واكتفاء المأموم بقراءة الإمام
قوله: "حدثنا أبو كريب" إلى قوله: "حدثنى المننى" إلخ. قلت: دلالتها على
نزول هذه الآية فى الأمر بالإنصات فى الصلاة ظاهرة.
قال الحافظ ابن جرير الطبرى: وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من قال:
أمروا باستماع القرآن فى الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفى

٥١
ج -٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
١٠٤٠- قال: ثنا حفص بن غياث عن إبراهيم الهجرى عن أبى عياض
عن أبى هريرة قال: كانوا يتكلمون فى الصلاة، فلما نزلت هذه الآية ﴿ وإذا قرئ
القرآن﴾ والآية الأخرى أمروا بالإنصات. أخرجهما العلامة الحافظ ابن جرير
الطبرى فى تفسيره (١١:٩). ورجال الأول كلهم ثقات من رجال الجماعة إلا أنه
منقطع.
قال فى التهذيب (٥٣:١٠): قال ابن أبى حاتم: سمعت أبى يقول:
"المسيب عن ابن مسعود" مرسل، وقال مرة: لم يلق ابن مسعود، ولم يلق عليا
الخطبة. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله مّ لهم أنه قال: "إذا
قرأ الإمام فأنصتوا" ، أو إجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام من الجمعة عليه
الاستماع والإنصات لها مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله مزهر، وأنه لا وقت
يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسامعه من قارئه إلا فى هاتين الحالتين على
اختلاف فى إحداهما، وهى حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به، وقد صح الخبر عن رسول
الله ◌َّ بما ذكرنا من قوله "إذا قرأ الإمام فأنصتوا" فالإنصات خلفه لقراءته واجب على
من كان به مؤتما سامعا قراءته بعموم ظاهر القرآن، والخبر عن رسول الله مرّ الفر اهـ (٩:
١١٢).
٠
قلت: وسيأتى ما يدل على وجوب الإنصات خلف الإمام مطلقا سواء جهر أو
خافت، وسمع المؤتم قراءته، أو لم يسمع، فانتظر مفتشا.
وقال الزيلعى فى تخريج الهداية: قد وردت أخبار فى أن هذه الآية
نزلت فى القراءة خلف الإمام. أخرج البيهقى عن مجاهد قال: كان رسول الله مرّ له يقرأ
فى الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار، فنزل ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له
وأنصتوا﴾ اهـ (١: ٤٣٢).
قلت: وأثر مجاهد ذكره الحافظ فى الدراية (ص: ٩٤)، والبيهقى فى كتاب القراءة
(ص: ٧٢) ولم يطعنه أحد بشىء غير أنه قال: هذا مرسل اهـ.

٥٢
إعلاء السنن النهى عن القراءة خلف الإمام
إنما يروى عن مجاهد، ونحوه. اهـ ولكنه لا يضر عندنا، ورجال الثانى ثقات من
رجال الجماعة إلا إبراهيم الهجرى فلين الحديث، كذا فى التقريب (ص: ١١)
فاعتضد أحدهما بالآخر.
١٠٤١- حدثنا: أبو كريب قال: ثنا المحاربى عن داود بن أبى هند عن
يسير بن جابر قال: صلى ابن مسعود، فسمع ناسا يقرأون مع الإمام، فلما
انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا أما آن لكم أن تعقلوا ﴿ وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا﴾ كما أمركم الله. أخرجه الطبرى (٣٧٨:١١) أيضا،
ورجاله ثقات من رجال الجماعة، ويسير بن جابر له ذكر فى التهذيب (١١:٩)
وهو بالياء التحتانية المثناة والسين المهملة أبو الخباز العبدى من رجال
الصحيحين ثقة أدرك زمن النبى معَّ له، ويقال: إن له رؤية روى عن عبد الله.
مراسل سعيد بن جبير، ومجاهد، وطاوس مقبولة
ومراسيل مجاهد مقبولة، قال فى تدريب الراوى: وقال يحيى بن سعيد: مرسلات
سعيد بن جبير أحب إلى من مرسلات عطاء. قيل: فمرسلات مجاهد أحب إليك، أو
مرسلات طاوس؟ قال: ما أقربهما ا هـ (ص: ٧٠).
وفى تهذيب التهذيب (٧: ٢٠٢): قال على ابن المدينى: مرسلات مجاهد أحب
إلی من مرسلات عطاء بکثیر، كان عطاء یأخذ عن كل ضرب اهـ.
على أن المرسل حجة عندنا لا سيما وقد تأيد بمرسل الزهرى أخرجه الطبرى فى
تفسيره، حدثنى أبو السائب قال: ثنا حفص عن أشعث عن الزهرى قال: نزلت هذه الآية
فى فتى من الأنصار كان رسول الله مرةٍ كلما قرأ شيئا قراءة فنزلت ﴿وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (٩: ١٢). رجاله كلهم ثقات، فأبو السائب هو مسلم بن جنادة
السوائى روى عنه الترمذى وابن ماجه والبخارى خارج الجامع، وثقه أبو حاتم، والنسائى.
وقال أبو بكر البرقانى: ثقة حجة بلا شك فيه يصلح للصحيح اهـ كذا فى التهذيب (٤:
١٢٨). وحفص هو ابن غياث من رجال الجماعة. وأشعث هو ابن سوار الكندى من
رجال مسلم وثقه ابن معين فى رواية وقال البزار: لا نعلم أحدا ترك حديثه إلا من هو قليل

٥٣
ج -٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
وأخرجه البيهقى فى كتاب القراءة عن داود عن أبى نضرة عن رجل عن ابن
مسعود، فذكر نحوه، وسكت عنه. وأبو نضرة منذر بن مالك بن قطعة من رجال
مسلم ثقة وهو يروى عن يسير بن جابر كما فى التهذيب (٣٤٩:١١ و٣٠٢:١)
فالمجهول فى رواية البيهقى هو هذا أعنى يسير بن جابر كما صرح به الطبرى فى
روایة، فالحدیث صحیح بلا غبار.
١٠٤٢- حدثنى: المثنى قال: ثنا سويد (ابن نصير) قال: أخبرنا ابن
المبارك عن ابن لهيعة عن ابن هبيرة عن ابن عباس أنه كان يقول فى هذه
المعرفة اهـ كذا فى (التهذيب ١: ٣٥٤).
ومراسیل الزهری وإن كانت ضعيفة ولكنه قد اعتضد بمرسل مجاهد فلا یعرض
عنه. قال الزیلعی: وأثر آخر أخرجه ابن مردويه فى تفسيره عن موسى بن عبد الرحمن
السروقى ثنا أبو أسامة عن سفيان (الثورى) عن أبى المقدام هشام بن زياد عن معاوية ابن
قرة قال: سألت بعض أشياخنا من أصحاب رسول الله متظاهرٍ قال المسروقى: أحسبه قال:
"عبد الله بن مغفل" قلت له: كل من سمع القرآن وجب عليه الاستماع والإنصات؟
قال: إنما نزلت هذه الآية ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنضرا﴾ فى القراءة خلف
الإمام، إذا قرأ الإمام فاستمع له وأنصت اهـ (١: ٢٣٢). قلت: رجاله كلهم ثقات ما خلا
أبا المقدام فهو ضعيف، ومع ذلك فقد روى عنه الأئمة مثل وكيع، وزيد بن الحباب،
والنضر بن شميل، ويزيد ابن هارون وغيرهم كذا فى التهذيب (١١: ٣٨). ويؤيده ما
ذكرنا فى المتن من الآثار عن الطبرى، والضعيف إذا تعددت طرقه، أو وجدت له شواهد
يرتقى إلى الحسن، فلا بأس به فى المتابعات.
وأخرج البيهقى فى كتاب القراءة (ص: ٧٢) بسنده عن عبد الوهاب (الثقفى)
عن المهاجر عن أبى العالية قال: كان النبى ◌ٍّ إذا صلى قرأ فقرأ أصحابه فنزلت
﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ فسكت القوم، وقرأ النبى مرّةٍ. قال البيهقى: وهذا أيضا
منقطع (أى مرسل)). قلت: وهو حجة عندنا، ولم يتكلم البيهقى على أحد من رواة مع
كونه لا يترك حديثا يخالف مذهبه عن الكلام فى هذا الكتاب، وهذا يدل على أنهم

٥٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
إعلاء السنن
﴿ واذكر ربك فى نفسك تضرعا وخيفة﴾: هذا فى المكتوبة، وأما ما كان من
قصص أو قراءة بعد ذلك فإنما هى (١) نافلة. إن نبى الله عَّ لي قرأ فى صلاة
مكتوبة وقرأ أصحابه ورائه، فخلطوا عليه. قال: فنزل القرآن ﴿وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾، فهذا فى المكتوبة أخرجه الطبرى
(١١٢:٩) أيضا، ورجاله ثقات، وابن لهيعة حسن الحديث، كما قد مر غير مرة،
والحديث منقطع فإن ابن هبيرة لم يلق ابن عباس، وإنما يروى عن عكرمة مولاه
كذا يظهر من التهذيب (٦١:٦) والانقطاع لا يضر عندنا.
ثقات بأسرهم. وأخرج بسنده عن ثابت بن عجلان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس
قال: المؤمن فى سعة من الاستماع إليه إلا فى صلاة مفروضة، أو المكتوبة، أو يؤم جمعة،
أو يوم فطر، أو يوم أضحى يعنى "إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا" اهـ. (ص: ٧٣)
وسكت عن رجاله ولم يطعن أحدا منهم بشىء.
وأخرج بسنده عن سعيد بن منصورنا أبو معشر عن محمد بن كعب القرظى الإمام
فى التفسير والحديث ثقة من رجال الجماعة كذا فى التهذيب (٩: ٤٢٠) قال: كانوا
يتلقون من رسول الله مرّةٍ إذا قرأ شيئا قرأوا معه حتى نزلت هذه الآية التى فى الأعراف
﴿ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾. اهـ (ص: ٧٤). وسكت عنه ولم يعله بشىء.
ثم قال البيهقى بعد سرده الأحاديث المفسرة لهذه الآية ما نصه: وقد روى بعض الناس فى
هذا المعنى أحاديث مرفوعة وموقوفة سوى ما ذكرنا وأنا لا أحب تدنيس كتابى بأمثال تلك
الأحاديث على وجه الاحتجاج بها ا هـ (ص: ٧٦). قلت: هذا يدل على أن ما ذكره هو
بنفسه يصلح للاحتجاج عنده.
ثم قال: ومن قال بقول الشافعى رحمة الله تعالى عليه فى القديم احتج بالآية فى
الاستماع لقراءة الإمام فيما يجهر بها دون ما يسر بها. قال: ولا معنى لقول من زعم أن
المأموم مأمور بالاستماع للقرآن والإنصات له وإن كان الإمام لا يجهر بالقرآن فمعروف فى
(١) أى قراءة القرآن فى القصص وخارج الصلاة نافلة، فلا يرد النقض بالقراءة فى الصلاة النافلة فإنها فريضة لا تجوز
الصلاة بدونها كما تقرر فى الفقه فيجب الإسماع إليها والإنصات لها أيضا.

٥٥
ج -٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
اللغة عند أرباب اللسان أن الاستماع للشىء إنما يؤمر به إذا كان الشىء مسموعا فى
الجملة فلا يؤمر باستماعه ولا بالإنصات له اهـ (ص: ٧٦). قلت: أما الاستماع فسلمنا
أنه لا يؤمر به إلا إذا كان الشىء مسموعا فى الجملة، وأما الإنصات فلا، فإن معناه
السكوت فحسب دون إصغاء الأذن. قال فى القاموس: نصت ينصت وأنصت وأنتصت
سكت، والاسم النصتة بالضم، وأنصته، وله سكت له واستمع لحديثه، وأنصته أسكته اهـ
(١: ٩٨). فظهر بذلك أن معنى الإنصات هو السكوت دون الاستماع لشىء نعم! إذا
قيل: "أنصت له" فله معنيان الأول سكت له والثانى استمع لحديثه. ولا يخفى أن الآية
قد وردت أمرة بشيئين الاستماع والإنصات والأول يختص بالمسموع دون الآخر،
والتأسيس أولى من التأكيد وهو الأصل، فيحمل أمر الاستماع على الجهرية، والأمر
بالانصات على السرية، كيف لا وقد قالت الأئمة بوجوب الإنصات، أو باستحبابه لمن
لم يسمع خطبة الإمام يوم الجمعة.
قال فى رحمة الأمة: واختلفوا فى الكلام فى حال الخطبة لمن لا يسمعها، فقال
الشافعى، وأحمد يجوز والمستحب الإنصات وقال أبو حنيفة: لا يجوز الكلام حينئذ
سواء سمع أو لم يسمع، وقال مالك: الإنصات واجب سواء قرب أم بعد اهـ (ص: ٢٩)
وقال الحافظ فى الفتح: إذا جعل قوله: "أنصت" مع كونه أمرا بمعروف لغوا فغيره من
الكلام أولى أن يسمى لغوا، وقد وقع عند أحمد فى رواية الأعرج عن أبى هريرة فى آخر
هذا الحديث بعد قوله "فقد لغوت": "عليك بنفسك" واستدل به على منع جميع أنواع
الكلام حال الخطبة وبه قال الجمعور فى حق من سمعها وكذا الحكم فى حق من لا
يسمعها عند الأكثر اهـ (٢: ٣٤٤). فثبت بذلك أن الإنصات لا يختص بالمسموع وإلا لم
يكن لوجوبه على من لم يسمعها ولا لاستحبابه معنى. ولما قال الشافعى باستحباب
الإنصات حال الخطبة لمن لا يسمعها فليقل باستحبابه للمؤتم فى الصلاة السرية أيضا،
فإن الأمر بالإنصات فى الصلاة آكد منه فى الخطبة لما قد أخرج البيهقى عن أحمد قال:
أجمع الناس على أن هذه الآية فى الصلاة اهـ ذكره الزيلعى (١: ٢٣٢). وقال ابن قدامة
فى المغنى: قال أحمد: الناس على أن هذه فى الصلاة وقال أحمد فى رواية أبى داود:
أجمع الناس على أن هذه الآية فى الصلاة اهـ (١: ٦٠٥). ثم ذكر الحافظ قولين للشافعى
فى حق من يسمع الخطبة، ورجح القول بوجوب الإنصات وقال: والذى يظهر أن من

٥٦
النهى عن القراءة خلف الإمام
إعلاء السنن
نفى وجوبه أراد أنه لا يشترط فى صحة الجمعة بخلاف غيره اهـ (٢: ٣٤٤). وعلى هذا
فيلزمه القول "بوجوبه على المؤتم فى الجهرية أيضا بعين ما ذكرنا.
قال البيهقى: ومن قال بالقول الصحيح "وهو أن القراءة واجبة خلف الإمام
بالقراءة جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها" زعم أنا لا ننكر نزول هذه الآية فى الصلاة، أو فى
الصلاة والخطبة كما ذهب إليه من ذكرنا من قوله من سلف هذه الأمة غير أنهم، أو بعض
من روى عنهم اختصروا الحديث فقالوا: (نزلت الآية) فى الصلاة مطلقا. ورواه أبو هريرة
رضى الله عنه وهو أحفظ من روى الحديث فى دهره ثم من تابعه من الصحابة والتابعين
بتمامه مقيدا مفسرا بذكر ما كانوا يفعلون فى الصلاة قبل نزول هذه الآية حتى نزلت هذه
الآية، فوجب المصير إليه، والاقتصار عليه. ثم سرد الآثار وقال: فهذه الأخبار تدل على أن
الله تعالى إنما أمر فى هذه الآية بالإنصات وهو السكوت عن الكلام الذى كانوا يتكلمون
به فى الصلاة، وعن الأصوات التى كانوا يرفعونها بالقراءة خلف الإمام، لا عن القراءة
والذكر فى أنفسهم اهـ ملخصا (ص: ٧٨).
قلت: ولا يخفى على من نظر فى أسباب النزول أنها تتحد مرة وتتعدد أخرى،
فنزول الآية فى النهى عن كلام الناس ورفع الأصوات لا ينفى نزولها فى النهى عن
القراءة خلف الإمام مطلقا أيضا، كما قاله غير أبى هريرة من الصحابة والتابعين مثل ابن
مسعود رضى الله عنهم لا سيما وقد تقرر فى الأصول أن العبرة لعموم النص لا لخصوص
المورد. ولا يخفى أن قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له، وأنصتوا﴾ يستدعى
بعمومه طلب الاستماع والإنصات عن جميع أنواع الكلام وقت قراءة القرآن بالجهر
مطلقا، لا سيما فى الصلاة لقيام الإجماع على نزوله فيها. وتأويله بأن إذا قرئ القرآن
فاستمعوا له، وأنصتوا عن كلام الناس، أو رفع الأصوات، أو قراءة السورة حمل بعيد
يرده استدلال الجمهور به ومنهم الشافعى على حرمة جميع أنواع الكلام حال الخطبة فى
حق من سمعها، ونقل الطبرى إجماع الجميع على ذلك كما قدمناه. ولو حملنا الآية على
ما حمله البيهقى استلزم جواز التسبيح والذكر حال سماع الخطبة إذا كان سرا فى نفسه
بدون الجهر، ولم يقل به أحد من الأئمة. وما نقل فيه عن الشافعى رواه الحافظ فى الفتح
كما مر، فدلالة الآية على ترك القراءة خلف الإمام فى الجهرية ظاهرة. بقى الكلام على
تركها فى السرية، وقد ذكرنا وجه الاستدلال عليه بهذه الآية إجمالا وسنذكر ما يدل عليه

٥٧
ج - ٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
١٠٤٣- حدثنا: إسحاق بن إبراهيم قال: أنا جريد عن سليمان التيمي
عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشى عن أبى موسى
الأشعرى مرفوعا: ((وإذا قرأ (أى الإمام) فأنصتوا)). رواه مسلم (١٨٤:١). وقال
الحافظ فى الفتح (٢٠١:٢): حديث صحيح اهـ صححه الإمام أحمد كما نقله
ابن عبد البر بسنده فى التمهيد. (الجوهر النقى ١٥٣:١).
قلت: وقال الحافظ: الإمام أبو جعفر الطبرى فى تفسيره (١١٢:٩): وقد
صح الخبر عن رسول الله مرّ له من قوله: إذا اقرأ الإمام فأنصتوا اهـ.
صراحة إنشاء الله فانتظر.
قوله: "حدثنا إسحاق بن إبراهيم" إلخ قلت: وفى صحيح مسلم بعد رواية
الحديث ما لفظه: قال أبو إسحاق (هو إبراهيم بن سفيان صاحب مسلم راوى الكتاب عنه
١٢ نووى) قال أبو بكر بن أخت أبى النضر فى هذا الحديث (يعنى طعن فيه وقدح فى
صحته ١٢ نووى) قال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟ (يعنى أن سليمان كامل الحفظ
والضبط، فلا تضره مخالفة غيره ١٢ نووى) فقال له أبو بكر: فحديث أبى هريرة (الآتى فى
المتن من رواية غير مسلم ١٢ مؤلف) فقال: هو صحيح؟ يعنى وإذا قرأ فأنصتوا، فقال:
هو عندی صحیح، فقال: لم لم تضعه ههنا؟ قال ليس كل شىء عندى صحيح وضعته
ههنا ، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، اهـ.
قال النووى: ثم قد ينكر هذا الكلام، ويقال: قد وضع أحاديث كثيرة غير مجمع
عليها، وجواب أنها عند مسلم بصفة المجمع عليه، ولا يلزم تقليد غيره فى ذلك أهـ (١:
١٧٥).
ثم اعلم أن أبا داود، والبيهقى، والدارقطنى طعنوا فى هذه الزيادة فى حديث
أبى موسى قوله: "وإذا قرأ فأنصتوا" وزعموا أنها ليست بمحفوظة لم يجئ بها إلا
سليمان التيمى، ورده المنذرى فى مختصره، وقال: لم يؤثر عند مسلم تفرده (أى
سليمان ١٢) بها لثقته، وحفظه، وصححها من حديث أبى موسى وأبى هريرة اهـ كذا فى
التعليق الحسن (١: ٨٥).

٥٨
النهى عن القراءة خلف الإمام
إعلاء السنن
١٠٤٤- حدثنا: على بن عبد الله قال: ثنا جرير عن سليمان التيمى عن
قتادة عن أبى غلاب(١) عن حطان بن عبد الله الرقاشى عن أبى موسى رضى الله
عنه قال: علمنا رسول الله مَّ لِّ قال: إذا قمتم إلى الصلاة فليؤمكم أحدكم،
وإذا قرأ الإمام فأنصتوا. رواه الإمام أحمد فى مسنده (٤١٥:٤) وسنده سند مسلم
إلا على بن عبد الله وهو ابن المدينى شيخ البخارى ثقة مشهور.
١٠٤٥- حدثنا: سهل بن بحر الجنديسا بورى قال: ثنا عبد الله بن رشيد
قال: ثنا أبو عبيدة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشی
قلت: وأيضا فقد عرفت ضعف ما قالوه بما ورد فى صحيح أبى عوانة من متابعة
أبى عبيدة له فى هذه الزيادة.
وقد تابعه اثنان آخران عند الدار قطنى، قال: حدثنا أبو حامد محمد بن هارون
الحضرمى ثنا محمد بن يحيى القطعى ثنا سالم بن نوح ثنا عمر بن عامر وسعيد بن أبى
عروبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله الرقاشى قال: صلى بنا أبو
موسى فقال أبو موسى: إن رسول الله مرّ التر كان يعلمنا إذا صلى بنا قال: إنما جعل الإمام
ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا. هكذا أملاه علينا أبو حامد مختصرا. سالم
بن نوح ليس بالقوى اهـ (١: ١٢٥).
قلت: وسكوته عن باقى الرواة يدل على أنهم ثقات عنده، وأن ليس للحديث علة
سوی ما فی سالم من الضعف.
وفى الجوهر النقى (١: ١٥٢): وقد تابعه (أى التيمى) على روايته سعيد بن أبى
عروبة، وعمر بن عامر، فروياه عن قتادة كذلك أخرجه البيهقى من حديث سالم بن نوح
عنهما. فبطل قول أبى على: "خالف (أى التيمى) أصحاب قتادة كلهم" وسالم هذا وإن
قال الدار قطنى: ليس بالقوى، فقد أخرج له مسلم، وابن خزيمة، وابن حبان فى
صحیحهما، وأبو داود، والترمذى، والنسائی، وقال ابن حنبل: ما بحديثه بأس، وقال أبو
ن جبير.

ج -٤
النهى عن القراءة خلف الإمام
٥٩
عن أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه قال: قال رسول الله عز لته: ((إذا قرأ الإمام
فأنصتوا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين)) رواه أبو
عوانة فى صحيحه. كذا فى تعليق التعليق الآثار السنن (٥:١).
قلت: عبد الله بن رشيد وأبو عبيدة مجامعة بن الزبير العتكى وثقهما ابن
السمعانى فى الأنساب وقال فى كل منهما: مستقيم الحديث (ص: ١٣٧).
وسهل بن بحر لم أجد من ترجمه، والحديث صحيح على قاعدة كنز العمال
المذكور فى خطبتها: أن كل ما فى صحيح أبى عوانة صحيح.
زرعة: صدوق ثقة اهـ.
قلت: وعمر بن عامر من رجال مسلم مختلف فيه وثقه ابن معين، وقال أحمد:
عمر بن عامر ثقة ثبت فى الحديث، وقال العجلى: ثقة اهـ (تهذيب ٧: ٤٦٧). ومحمد بن
يحيى القطعى من رجال مسلم روى عنه البخارى فى غير الجامع، وثقه أبو حاتم ومسلمة،
کذا فی التهذيب (٩: ٥٠) ولم یذ کر فیه جرحا من أحد.
قال بعض الناس: وسعيد قد اختلط، ولم أعرف أن سماع سالم منه قبل الاختلاط
أو بعده مع التتبع التام على قدر طاقتى، فمتابعته لا تفيد. اهـ
قلت: بلى! فإنه لو كان سماع سالم منه بعد الاختلاط لصاح به الدار قطنى ثم
البيهقى، ولم يكتفيا بتليينه، على أنه قال ابن حبان فى الثقات: بقى (أى سعيد) فى
اختلاطه خمس سنين، ولا يحتج إلا بما روى عنه القدماء، ويعتبر برواية المتأخرين عنه
دون الاحتجاج بها اهـ ملخصا من التهذيب (٤: ٦٥).
وفيه أيضا (ص: ٦٦): قال أبو بكر البزار: إنه ابتدأ به الاختلاط سنة (١٣٣) ولم
يستحكم ولم يطبق به، واستمر على ذلك، ثم استحكم به أخيرا، وعامة الرواة عنه سمعوا
منه قبل الاستحكام، وإنما اعتبر الناس اختلاطه بما قال يحيى القطان. والله أعلم. اهـ
فلو سلم سماع سالم منه بعد الاختلاط فهو معتبر به فى المتابعة، ولم نذكره
للاحتجاج به، فبطل قول من قال: إن التيمى تفرد من بين أصحاب قتادة بهذه الزيادة.

٦٠
النهى عن القراءة خلف الإمام
إعلاء السنن
ودلالة الحديث على منع القراءة خلف الإمام ظاهرة، لأنه مرّ قر أمر أولا بالإئتمام بالإمام فى
قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" ثم فسر معنى الإئتمام بقوله: "فإذا كبر فكبروا، وإذا
ركع فاركعوا، وإذا قرأ فأنصتوا". فالإنصات خلفه داخل فى الائتمام به، ومتابعة الإمام
واجبة على المأموم فى الجهرية. والسرية مطلقا فى التكبير. والركوع وغيرهما، فكذا فى
الإنصات أيضا. وتأويله بأن إذا قرأ السورة فأنصتوا، وإذا جهر بالقراءة فأنصتوا، بعيد لا
يتحمله الكلام. ولو فتحنا باب أمثال هذه التأويلات الباردة لم يكد يثبت من الأحاديث
شىء.
قال البيهقى: وفيه دليل على أن الإنصات يطلق على ترك الجهر وترك كلام
الناس وإن كان قارئا فى السر ذاكرا فى نفسه، واستدل عليه بحديث على قال: "من
السنة أن يقرأ الإمام فى الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بأم الكتاب، وسورة سرا فى
نفسه، وينصتون من خلفه، ويقرأون فى أنفسهم"، الحديث.
قال البيهقى: قوله: وينصتون من خلفه ويقرأون فى أنفسهم" دليل على أن
الإنصات إنما هو ترك الجهر إلخ (ص: ٨٥).
قلت: قد أسلفنا أن حقيقة الإنصات هو السكوت، ولا يخفى أن السكوت إنما
هو قطع الكلام. قال فى القاموس: وأسكت انقطع كلامه فلم يتكلم اهـ (١: ٩٢).
وفى "مجمع البحار": جرى الوادى ثلثا ثم سكت أى انقطع، واسكت،
واستغضب، ومكث طويلا أى أعرض ولم يتكلم. يقال: تكلم الرجل ثم سكت بغير ألف،
فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم. قيل: أسكت اهـ (٢: ١٢٥).
وقول على رضى الله عنه "ينصتون من خلفه، ويقرأون فى أنفسهم" معناه لا
يتكلمون، ويتدبرون قراءة الإمام بأنفسهم، ودليله ما أخرجه ابن أبى شيبة فى مصنفه
فقال: ثنا محمد بن سليمان الإصبهانى عن عبد الرحمن ابن الإصبهانى هو ابن عبد الله
عن ابن أبى ليلى عن على قال: "من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة". ومحمد
الإصبهانى قال الذهبى: صدوق، وقال أبو حاتم: لا يحتج به، وقال فى الكاشف: أخرج
له الترمذى، والنسائى، وابن ماجه، وقواه ابن حبان. وباقى السند على شرط الصحيح،
وقد جاء لمحمد الإصبهانى فى ذلك متابعة، فروى الدار قطنى فى سننه من طريق عبد العزيز