Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ٨١٤- أخبرنا سويد بن نصر حدثنا عبد الله بن المبارك عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله عّ لّه؟ قال: فقام فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد، (وفى نسخة ثم لم يرفع)، رواه النسائى (١٥٨:١)، وسكت عنه، وفى "التعليق الحسن (١٠٤:١): هذا إسناد صحيح اهـ، قلت: رجاله رجال الصحيحين غير سويد، وهو ثقة، وإلا عاصم فهو من رجال مسلم ثقة. ورواه أحمد أيضًا بلفظ ((فلم يرفع يديه إلا مرة)). ورواه أبو داود عن عثمان بن أبى شيبة عن وكيع بهذا اللفظ ثم قال: حدثنا الحسن بن على نا معاوية وخالد بن عمر وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بهذا قال: فرفع يديه فى أول مرة، وقال بعضهم: مرة واحدة کما ذکرنا كله فى المتن. ولا يخفى أن تلك الألفاظ كلها فى معنى قوله: ثم لا يعود أو لم يعد. وأجاب عنه الزيلعى بأن البخارى وأبا حاتم جعلا الوهم فيه من سفيان، وابن القطان وغيره يجعلون الوهم فيه من وكيع، وهذا الاختلاف يؤدى إلى طرح القولين والرجوع إلى صحة الحديث لوروده عن الثقات اهـ (١-٢٠٨). قوله: "أخبرنا سويد بن نصر إلخ". قلت: قال العلامة الهاشم المدنى فى كشف الرين عن مسألة رفع اليدين: إن إسناد النسائى على شرط الشيخين اهـ، كذا فى تعليق الطحاوى (١-١٣٢) واعترض عليه بعض الناس بأن سويدا هذا لم يخرج له الشيخان فى صحيحهما. كما فى تهذيب ونصه: ذكره أبو سعد السمعانى فى الأنساب إلى أن قال: روى عنه البخارى ومسلم والنسائى، كذا فال أبو سعد، ولعل الشيخين رويا عنه خارج الصحيح فينظر اهـ (٤- ٢٨٠) فما قاله هاشم إن إسناد النسائى على شرط الشيخين لا يصح، لأنه يراد به فى عرف أهل الفن شرط الصحيحين كما لا يخفى على الماهر. قلت: قال الشيخ ابن دقيق العيد فى الإمام كما فى الزيلعى (١- ٢٠٨): وأيضا فليس من شرط الصحيح التخريج عن كل عدل، وقد أخرج هو (أى الحاكم) فى المستدرك عن جماعة لم يخرج لهم فى الصحيح، وقال: هو صحيح على شرط الشيخين أه فما قاله هاشم صحيح على طريقة الحاكم، ولا مشاحة فى الاصطلاح، فافهم. ٦٢ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن ٨١٥- عن الأسود قال: "رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه فى أول تكبيرة ثم لا يعود"، رواه الطحاوى، وقال: وهو حديث صحيح اهـ، وفى "الدراية" (ص٨٥): رجاله ثقات اهـ. ٨١٦- ثنا يحيى بن آدم عن حسن بن عياش عن عبد الملك بن أبجر عن الزبير بن عدی عن إبراهیم عن الأسود قال: "صلیت مع عمر فلم یرفع یدیہ فی شىء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة، ورأيت الشعبى وإبراهيم وأبا إسحاق لا قوله: "عن الأسود إلخ". قلت دلالته على الباب ظاهرة، ويعارضه ما أخرجه البيهقى كما فى الجوهر النقى (١-١٣٥) عن شعبة عن الحكم رأيت طاوسا يكبر، فرفع یدیه حذو منکبیه عند التكبير وعند ر کوعه وعند رفعه رأسه من الركوع، فسألت رجلا من أصحابه فقال: إنه يحدث به عن ابن عمر عن عمر عن النبى عليه السلام ثم قال: قال أبو عبد الله الحافظ: فالحديثان كلاهما محفوظان، ابن عمر عن عمر عن النبى عليه السلام، وابن عمر عن النبى معَّه، فإن ابن عمر رأى النبى عليه السلام فعله ورأى أباه فعله، ورواه. قلت: فى الإمام: كذا رواه آدم وابن عبد الجبار المروزى عن شعبة ووهما فيه والمحفوظ عن ابن عمر عن النبى عليه السلام، وهذه الرواية ترجع إلى مجهول، وهو الرجل الذى من أصحاب طاوس حدث الحكم، فإن كانت قد رويت من وجه آخر على هذا الوجه عن عمر، وإلا فالمجهول لا تقوم به حجة. وفى علل الخلال عن أحمد بن أثرم: سألت أبا عبد الله يعنى عن هذا الحديث فقال: من يقول هذا عن شعبة؟ قلت: آدم العسقلانى، قال: ليس هذا بشىء إنما هو عن ابن عمر عن النبى عَ لّ .. وفى الخلافيات للبیهقى: ورواه محمد بن جعفر غندر عن شعبة ولم یذکر فى إسناده عمر اهـ فثبت بذلك أن رواية الرفع عن عمر رضى الله عنه لا تصح، وإنما الثابت عنه تركه كما قاله الطحاوى. وفى التعليق الحسن (١-١٠٥): قلت: وعلى العلات فما زعم الحاكم من أن هذه (أى رواية الأسود عن عمر) رواية شاذة ليس بصحيح، كيف؟ ورجاله ثقات، وصححه الطحاوى ولا يخالفه رواية أحد، وأما ما زعم من أن الثوری رواه عن الزبير ابن عدى ولم يقل فيه لم يعد فأجاب عنه الشيخ العلامة ابن دقيق العيد فى كتابه الإمام بأن قوله: إن سفيان لم يذكر عن الزبير بن عدى فيه لم يعد ضعيف جدا، لأن الذى رواه سفيان فى ٦٣ ج - ٣ ترك رفع الیدین فی غير الافتتاح يرفعون أيديهم إلا حين يفتتحون الصلاة"، أخرجه ابن أبى شيبة فى "المصنف"، وسنده صحيح على شرط مسلم. وقال الطحاوى: ثبت ذلك عن عمر، كذا فى "الجوهر النقى" (١٣٤:١)، وقال: الحسن بن عياش ثقة حجة، قد ذكر ذلك يحيى بن معين وغيره اهـ (معانى الآثار ١٣٤:١). ٨١٧٠- عن: عاصم بن كليب عن أبيه "أن عليا رضى الله عنه كان يرفع يديه فى أول تكبيرة من الصلاة ثم لا يرفع بعد". رواه الطحاوى (١٣٢:١). مقدار الرفع والذى رواه الحسن بن عياش فى محل الرفع، ولا تعارض رواية من زاد بروایة من ترك، انتهى كلامه اهـ. ویعارضه أيضا ما رواه البيهقی کما فى الزیلعی (١-٢١٧) عن رشدین بن سعد عن محمد بن سهم عن سعيد بن المسيب قال: "رأيت عمر بن الخطاب يرفع يديه حذو منکبیه إذا افتتح الصلاة، وإذا رکع، وإذا رفع رأسه من الركوع" وفيه من يستضعف أهـ. قلت: فيه رشدين وهو متكلم فيه، كما سبق، وأشار إليه الزيلعى بقوله: وفيه من یستضعف. والاختلاف وإن كان لا یضر ولكن إذا لم يعارضه أقوى منه، وهنا لیس كذلك، فإن حديث الأسود أصح منه وأقوى. ومحمد بن سهم لم أجد من ترجمه، وبقية السند لم تذكر، فهذا الأثر ليس بمحتج به. وكذلك ما قاله البخارى فى رفع اليدين (ص-٦): "وكذلك يروى عن سبعة عشر نفسًا من أصحاب النبى معَّه أنهم كانوا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند الرفع منه"، وذكر فيهم عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فإن البخارى ذكره تعليقا ولم يسق سنده، ولم يذكره أيضا بلفظ الصحة والجزم، بل فى قوله: "وكذلك يروى" إشارة إلى الضعف، فلا حجة فيه بعد ما صح عن عمر رضى الله عنه ترك الرفع بسند رجاله كلهم ثقات. قوله: "عن عاصم إلخ". قلت: دلالته على الباب ظاهرة. ويعارضه ما أخرجه البيهقى كما فى الجوهر النقى (١-١٣٥) من حديث ابن أبى الزناد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمان الأعرج عن عبيد الله ابن أبى رافع عن على الحديث، (وفيه: أنه رضى الله عنه كان يرفع يديه عند الركوع وإذا قام من السجدتين). ٦٤ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن وقال الزيلعى (٢١١:١): وهو أثر صحيح اهـ. وفى الدراية (ص-٨٥): رجاله ثقات، وفى التعليق الحسن (١٠٧:١): وقال العينى فى عمدة القارى: إسناد حديث عاصم بن كليب صحيح على شرط مسلم. ٨١٨- عن: مجاهد: قال: "صليت خلف ابن عمر، فلم يكن يرفع يديه إلا فى التكبيرة الأولى من الصلاة" رواه الطحاوى وأبو بكر بن أبى شيبة والبيهقى فى المعرفة وسنده صحيح، كذا فى آثار السنن (١٠٨:١). قلت: ابن أبى الزناد هو عبد الرحمان، قال ابن حنبل: مضطرب الحديث، وقال هو وأبو حاتم: لا يحتج به، وقال عمرو بن على: تركه ابن مهدى. وفى هذا الحديث أيضا زيادة، وهى الرفع عند القيام من السجدتين، فيلزم أيضا الشافعى أن يقول به على تقدير صحة الحديث، وهو لا يرى ذلك. وقد روى البيهقى هذا الحديث فيما مضى فى باب افتتاح الصلاة بعد التكبير وذكر معه رواية ابن جريج عن ابن عقبة بسنده وليس فيه الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا نسبة بين ابن جريج وابن أبى الزناد. وعزى البيهقى فى ذلك إلى مسلم أنه أخرج حديث الماجشون عن الأعرج بسنده هذا، وليس فيه أيضا الرفع عند الركوع والرفع منه اهـ. فالحاصل أن حديث ابن أبى الزناد هذا شاذ خالف فيه الثقات، وأتى بزيادة لم يأتوا بها، وهو وإن کان مختلفا فیه والاختلاف لا یضر ولكن إذا لم يعارضه أقوى منه، وههنا ليس كذلك، فحديث عاصم بن كليب عن أبيه عن على يعارضه، وهو أصح منه وأقوى، فإنه على شرط مسلم. وفى الجوهر النقى أيضا بعد كلامه المذكور ما نصه: قال الطحاوى: وصح عن على رضى الله عنه ترك الرفع فى غير التكبيرة الأولى، فاستحال أن يفعل ذلك بعد النبى عليه السلام إلا بعد ثبوت نسخ الحديث عنده أهـ (١-١٣٥). قوله: "عن مجاهد إلخ". قلت: يعارضه ما رواه البخارى فى صحيحه عن نافع "أن ابن عمر كان إذا دخل فى الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه" ورفع ذلك ابن عمر إلى النبى معَّيه (فتح البارى ٢-٨٤). واعترض الحافظ على حديث مجاهد بما نصه: وأجيبوا بالطعن فى إسناده، لأن أبا ٦٥ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ج - ٣ بكر بن عياش راويه ساء حفظه بآخره، وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه، والعدد الكثير أولى من واحد ولا سيما وهم مثبتون وهو ناف، مع أن الجمع بين الروايتين ممكن، وهو أنه لم يكن يراه واجبًا ففعله تارة وتركه أخرى اهـ (صفحة مذكورة). قلت: لا يضرنا کون أبی بکر بن عیاش ساء حفظه بآخره بعد ما قال فيه ابن عدی: أبو بكر هذا كوفى مشهور، وهو يروى عن أجلة الناس (إلى أن قال:) هو فى كل رواياته عن كل من روى عنه لا بأس به، وذلك أنى لم أجد له حديثا منكرًا إذا روى عنه ثقة إلا أن يروى عن ضعيف اهـ. كذا فى تهذيب التهذيب (١٢-٣٥). وهذا الحديث برواية الثقة عنه، فإنه رواه عنه أحمد بن يونس، وهو من رجال الجماعة ثقة، كذا فيه (١-٥٠) وقد احتج به البخارى (١) من طريق أحمد بن يونس فى كتاب التفسير من صحيحه. المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحا له قال العلامة ظهير فى التعليق الحسن (١-١٠٨): وأيضا فحديث مجاهد هذا قد وافقه عليه عبد العزيز بن حكيم عند محمد بن الحسن فى موطئه، قال: أخبرنا محمد بن أبان بن صالح عن عبد العزيز بن حكيم قال: "رأيت ابن عمر يرفع يديه حذاء أذنيه فى أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك أهـ". وقد مر أن محمد بن أبان وإن كان ضعيفا لكنه ليس ممن یکذب، وحديثه یکتب، فیعتضد به حدیث مجاهد، على أن محمد بن الحسن مجتهد ثقة إمام عندنا، وقد ذكر هذا الحديث فى موضع الاحتجاج، والمجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحا له، كما فى التحرير وغيره، كذا فى رد المحتار (٤-٥٧). توتيق حصين بن عبد الرحمان السلمى: وحديث مجاهد رواه الطحاوى عن ابن أبى داود قال: ثنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو بكر بن عياش عن حصين عن مجاهد فذكره، وإبراهيم بن أبى داود شيخ الطحاوى (١) والبخارى لا يحتج بحديث من تغير بآخره، إلا إذا كان بطريق أصحابه الذين سمعوا منه قبل الاختلاط، كما عرف فى شروط الصحيح ٦٦ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن ٨١٩- ثنا: وكيع عن مسعر عن أبى معشر أظنه زياد بن كليب التميمى عن إبراهيم عن عبد الله "أنه كان يرفع يديه فى أول ما يفتتح ثم ثقة، كما مر، وبقية رجاله رجال الجماعة. وحصين هذا هو ابن عبد الرحمان أبو الهذيل السلمى، ذكره الذهبى فى تذكرة الحفاظ قال: وكان ثقة حجة حافظا عالى الإسناد، وقال أحمد: حصين ثقة مأمون من كبار أصحاب الحديث اهـ (١-١٣٦). وذكره أيضا فى الميزان وقال: ذكره فى كتاب الضعفاء البخارى وابن عدى والعقيلى، فلهذا ذكرته، وإلا فهو من الثقات اهـ (١-٢٥٨). وأما قول الحافظ: " والعدد الكثير أولى من واحد ولا سيما وهم مثبتون وهو ناف" فالجواب عنه بأن التطبيق بين الحديثين ممكن بأنه كان يرفع أولا لعدم العلم بنسخ الرفع فى ما سوى الافتتاح، ثم تركه لما علم به، فلا يجوز ترك أحدهما بالآخر. والإثبات وإن كان مقدمًا على النفى ولكن لا مطلقًا، بل إذا لم يكن على النفى دليل، والأمر هنا ليس كذلك، فإن مجاهدًا رضى الله عنه قد سعى فى ضبط أفعال ابن عمر رضى الله عنهما فى الصلاة حق السعى، ثم أخبر عنه كما يدل عليه قوله: "صليت خلف ابن عمر إلخ". فنفيه حينئذ مثل الإثبات. وما رواه البخارى فى رفع اليدين (ص-١٠) حدثنا الحميدى أنبأ الوليد بن مسلم قال: سمعت زيد بن واقد يحدث عن نافع "أن ابن عمر رضى الله عنهما كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصى" اهـ. فهو محمول على أنه كان يفعل ذلك بمن يرى الرفع بدعة واجبة الترك، وإلا فقد ثبت عنه أنه كان لا يرفع عند الركوع ولا بعده، وصح ذلك عن الصديق رضى الله عنه وعمر بن الخطاب وعلى رضى الله عنهما، كما مر فى المتن. وقال العلامة ابن التركمانى فى الجوهر النقى: ولم أجد أحداً ذکر عثمان رضى الله عنه فى جملة من کان یرفع يديه فى الركوع والرفع منه اهـ (١- ١٤٠). فلا يمكن أن يرمى ابن عمر بالحصى من يعمل بمثل عمل الخلفاء الراشدين، إلا أن يحمل على ما ذكرنا، والله أعلم. قوله: "ثنا وكيع إلخ". قلت: دلالته والذى بعده على الباب ظاهرة. وحديث أبى إسحاق يدل على صحة ما رواه عاصم بن کلیب عن أبيه عن على أنه کان یرفع فى أول ٦٧ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ج - ٣ لا يرفعهما" رواه ابن أبى شيبة، وهذا سند صحيح، كذا فى الجوهر النقى (١٣٩:١). وإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، ولكن مرسله عنه فى حكم الموصول كما مر غير مرة. قال الطحاوى (١٣٣:١): كان إبراهيم . إذا أرسل عن عبد الله لم يرسله إلا بعد صحته عنده وتواتر الرواية عن عبد الله اهـ ٨٢٠- ثنا: وكيع وأبو أسامة عن شعبة عن أبى إسحاق قال: " كان أصحاب عبد الله (هو ابن مسعود) وأصحاب على لا يرفعون أيديهم إلا فى افتتاح الصلاة، قال وكيع: ثم لا يعودون". رواه أبو بكر ابن أبى شيبة فى مصنفه، وإسناده صحيح جليل (الجوهر النقى ١٣٩:١). ٨٢١- عن: محمد بن جابر عن حماد بن أبى سليمان عن إبراهيم عن تكبيرة ثم لا يرفع بعد، لأن أصحاب على كانوا كذلك لا يرفعون فى غير الافتتاح. قوله: "عن محمد بن جابر إلخ". قال فى الجوهر النقى (١- ١٣٨): ثم حكى (أى البیهقی) عن الدار قطنى أنه قال: تفرد به محمد بن جابر و کان ضعيفا، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبى مّ له، وهو الصواب. قلت: ذكر ابن عدى أن إسحاق يعنى ابن أبى إسرائيل كان يفضل محمد بن جابر على جماعة شيوخ هم أفضل منه وأوثق، وقد روى عنه من الكبار مثل أيوب وابن عون وهشام بن حسان والسفيانان وشعبة وغيرهم، ولولا أنه فى ذلك المحل لم يرو عنه مثل هؤلاء الذين هو دونهم، وقد خالف فى أحاديث، ومع ما تكلم يكتب حديثه. وقال الفلاس: صدوق(١) وأدخله ابن حبان فى الثقات. وحماد بن أبى سليمان (شيخ الإمام) روى له الجماعة إلا البخارى ووثقه يحيى القطان، وأحمد بن عبد الله العجلى، وقال شعبة: كان (١) قلت: هذه عبارة ناقصة، وفى تهذيب التهذيب (١-٨٩): وقال عمرو بن على (هو الفلاس): صدوق كثير الوهم متروك الحديث، وقال ابن حبان: كان أعمى يلحق فی کتبه ما ليس من حديثه، ويسرق ما ذکر به فيحدث به اهـ. فما يفيد قوله: صدوق وإدخاله فى الثقات مع هذا الكلام؟ وبالجملة فمحمد بن جابر متكلم فيه وثقه بعضهم وضعفه آخرون، ولكن لا يسقط عن درجة الاحتجاج به، لا سيما ولحديثه هذا شواهد صحيحة ذكرناها فى المتن. ٦٨ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن علقمة عن ابن مسعود: "صليت خلف النبى عّ لّه وأبى بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة" أخرجه البيهقى، وإسناده جيد كذا فى الجوهر النقى (١٣٨:١). صدوق اللسان. وإذا تعارض الوصل مع الإرسال والرفع مع الوقف، فالحكم عند أكثرهم للواصل والرافع، لأنهما زادا وزيادة الثقة مقبولة اهـ. قلت: وفى ميزان الاعتدال فى ترجمة محمد بن جابر (٣٤-٣): وفى الجملة روی عن محمد بن جابر أئمة وحفاظ اهـ، على أن ما قدح به الدارقطنى حديثه هذا ليس بقدح فيه، فإن مراسيل إبراهيم لا سيما عن عبد الله صحيحة، كما عرفت مرارا، أما قوله: "إن غير حماد يرويه عن إبراهيم عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبى معَّ ◌ٍُّ" فهذا أيضا ليس بقدح، فإن ما رواه غير حماد وإن لم يكن مرفوعا صراحة فهو فى حكم الرفع، فقد رواه الترمذى عن عاصم بن كليب عن أبيه عن علقمة قال: قال عبد الله: "ألا أصلى بكم صلاة رسول الله مّ ليه؟ فصلى فلم يرفع يديه إلا فى أول مرة". ورواه النسائى عن عاصم عن عبد الرحمان بن الأسود عن علقمة قال: "ألا أخبركم بصلاة رسول الله عَ ليه؟ قال: فقام فرفع يديه أول مرة ثم لم يعد". ورواه ابن أبى شيبة وأحمد وأبو داود عن عاصم عن عبد الرحمان عن علقمة عن عبد الله قال: "ألا أريكم صلاة رسول الله؟" ولفظ أحمد وأبي داود: "ألا أصلى لكم صلاة رسول الله عَ ليه؟" فذكروا نحوه، ليس فيه " ثم لم يعد". ولا يخفى أن مثل هذا له حكم الرفع عندهم. وفى تهذيب التهذيب (٩-٨٩): وقال ابن أبى حاتم عن محمد بن يحيى: سمعت أبا الوليد يقول: نحن نظلم محمد بن جابر بامتناعنا عن التحديث عنه اهـ. وفيه أيضا (٩- ٩٠): وقال الذهلى: لا بأس به اهـ. وفى التقريب: ورجحه أبو حاتم على بن لهيعة اهـ (ص -١٧٩). وقد عرفت أن ابن لهيعة حسن الحديث كما مر غير مرة، فمحمد بن جابر لا أقل من أن یکون حديثه حسنا، قلت: وشعبة لا يروى إلا عن ثقة عنده کما مر، وقد روى عنه فهو ثقة عنده. قال فى مقدمة تهذيب التهذيب (١-٥): ولا أعدل عن ذلك إلا لمصلحة ٦٩ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح مثل أن يكون الرجل قد عرف من حاله أنه لا يروى إلا عن ثقة (١) فإننى أذكر جميع شيوخه أو أكثرهم كشعبة ومالك وغيرهما اهـ. توثيق حماد شيخ الإمام: وحماد بن أبى سليمان ذكره الذهبى فى الميزان وأقام فى أول ترجمته علامة تدل على أن العمل على توثيقه، وقال: تكلم فيه للإرجاء، ولولا ذکر ابن عدی له فی کامله لما أوردته. قال ابن عدى: حماد(٢) کثیر الرواية، له غرائب، وهو متماسك، لا بأس به اهـ (١-٢٧٩). وقوله: "ولولا ذكر ابن عدى له فى كامله لما أوردته" فيه إشارة إلى ما ذكره فى مقدمة الميزان (١-٢) بما نصه: وفيه من تكلم مع ثقته وجلالته بأدنى لين، وبأقل تجريح، فلولا أن ابن عدى أو غيره من مؤلفی کتب الجرح ذكروا ذلك الشخص لما ذكرته لثقته اهـ. ويعارض هذا الحديث ما رواه البيهقى فى سننه أخبرنا أبو عبد الله الحافظ (هو الحاكم) ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الزاهد إملاء من أصل كتابه قال: قال أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمى: "صليت خلف أبى النعمان محمد بن الفضل، فرفع يديه حين افتتح الصلاة، وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، (١) قلت: وكذلك البخارى لا يروى إلا عن ثقة ففى شفاء السقام (ص-٨). عن الشيخ تقى الدين بن تيمية ما نصه: إن القائلين بالجرح والتعديل من علماء الحديث نوعان، منهم من لم يرو إلا عن ثقة عنده كمالك وشعبة ويحيى بن سعید وعبد الرحمان بن مهدی وأحمد بن حنبل، کذلك البخاری وأمثاله اهـ. قلت: کمسلم والنسائی و أبی داود وابن خزيمة قال ابن القطان: وأبو داود إنما يروى عن ثقة عنده كذا فى نصب الراية (١-١٠٤). فى الميزان: قال الخطيب: وأبو الوليد ليس حاله عندنا ما ذكر أبو بكر الباعندى عن السكرى، بل كان من أهل الصدق حدث عنه النسائی وحسبك به اهـ (١ -٥٤) وفى مجمع الزوائد: شيوخ أحمد ثقات اهـ (١ - ٨٠). (٢) قلت: روى عنه شعبة وأخرج له البخارى فى الأدب، كما فى تهذيب التهذيب (٣-١٦) وشعبة لا يروى إلا عن ثقة كما مر، وفى الكاشف فى ترجمته: كان ثقة إماما مجتهدا كريما جوادًا اهـ. استشهد به البخارى تعليقًا فى صحیحه، فقال: قال حماد عن إبراهيم: "إن كان علیهم إزار فسلم وإلا فلا تسلم اهـ". قال فى الإرشاد الساری: أى ابن أبى سليمان شيخ أبى حنيفة وفقيه الكوفة الهـ كذا فى مقدمة تنسيق النظام (ص-٥٠) مؤلف. ٧٠ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن 4 ١ فقال: صلیت خلف حماد بن زيد فرفع یدیه حین افتتح الصلاة، وحین ر کع، وحین رفع رأسه من الركوع، فسألته عن ذلك، فقال: صليت خلف أيوب السختياني وكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته، فقال: رأيت عطاء ابن أبى رباح يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته فقال: صليت خلف عبد الله بن الزبير، وكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، فسألته، فقال عبد الله بن الزبير: صليت خلف أبى بكر الصديق، فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وقال أبو بكر: صليت مع رسول الله مێ و کان یرفع یدیه إذا افتتح الصلاة، إذا رکع وإذا رفع رأسه من الركوع". (وقال البيهقى:) رجاله ثقات اهـ. كذا فى التعليق الحسن (١-١٠٩). قلت: وقد تكلم العلامة ظهير على هذا الحديث بوجوه، منها أن هذا الأثر قد تفرد به أبو عبد الله الصفار، ولم يتابعه عليه أحد من أهل العلم. ومنها أن الصفار لم يصرح فيه بسماعه من محمد بن إسماعيل السلمى، بل أتى بلفظة "قال" ولها حكم الانقطاع بعد . المتقدمين، كما نص بذلك الحافظ فى الفتح: إن "قال" لا تحمل على السماع إلا ممن عرف عادته أنه يأتى بها فى موضع السماع مثل حجاج بن محمد الأعور، وذهب ابن الصلاح إلى أن حكم الاتصال لا يستمر بعد المتقدمين، وهو الصواب. ومنها أن فيه أبو النعمان محمد بن الفضل عارم السدوسى، وهو ثقة تغير بآخره رواه عنه أبو إسماعيل السلمى، وهو ليس من أصحابه القدماء اهـ. قلت: ولم يعلم أن سماعه منه كان قبل تغيره أم بعده، قال فى تهذيب التهذيب: قال (أى ابن أبى حاتم): وسئل أبى عنه، فقال: ثقة، قال: وسمعت أبى يقول: "اختلط عارم فى آخر عمره وزال عقله، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح، وكتب عنه قبل الاختلاط سنة أربع عشرة، ولم يسمع منه بعد ما اختلط، فمن سمع منه قبل سنة عشرين فسماعه جيد". وقال النسائى: كان أحد الثقات قبل أن يختلط، وقال ابن حبان: اختلط فى آخر عمره وتغير، حتى كان لا يدرى ما يحدث به، فوقع فى حديثه المناكير الكثيرة، فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون، فإن لم يعلم هذا من هذا ترك ٧١ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ٨٢٢- حدثنا: ابن أبى داود قال: ثنا نعيم بن حماد قال: ثنا وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله عن النبى مێ ((أنه کان یرفع يديه فى أول تکبیرة، ثم لا يعود)). حدثنا: محمد بن النعمان قال: ثنا يحيى بن يحيى قال: ثنا وكيع عن سفیان، فذ کر مثله پاسناده، رواهما الطحاوى. قلت: ابن أبى داود ثقة، وقد صحح الطحاوى (١٣٣:١) حديثه، وهو أثر عمر رضى الله عنه الذى مرفى المتن. ونعيم بن حماد من رجال الصحيحين، وتابعه يحيى وهو ثقة ثبت إمام من رجال الشيخين، كما فى التقريب (ص٢٣٨) ومحمد بن نعمان هذا ثقة، كما فيه أيضا (ص-١٩٧). وبقية الكل ولا يحتج بشىء منها اهـ ملخصا (٩-٤٠٣ و٤٠٤). فإن قلت: قد قال الدارقطنى كما فى تهذيب التهذيب أيضا: " تغير بآخره، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة". قلت: قد خالفه أبو حاتم والنسائى وابن حبان، فقول أبى حاتم يدل على أن من سمع منه بعد الاختلاط فسماعه غیر صحیح، وقول النسائى يدل على أنه لم يبق ثقة بعد الاختلاط، وصرح ابن حبان بعدم الاحتجاج بحديثه إذا لم يعلم هذا من هذا، فلا يعتد فى ذلك بقول الدار قطنى وحده. وأما ما قاله الذهبى (كما فيه أيضا): "لم يقدر ابن حبان أن يسوق له حديثا منكرا، والقول فيه ما قاله الدارقطنى اهـ" ففيه أن عدم سوقه لا يدل على عدم قدرته على ذلك، كيف؟ وقد قال الآجرى عن أبى داود: كنت عند عارم فحدث عن حماد عن هشام عن أبيه أن ما عزا الأسلمى سأل عن الصوم فى السفر، فقلت له: حمزة الأسلمى يعنى أن عارما قال هذا، وقد زال عقله اهـ، فهذا يؤید قول ابن حبان إنه تغیر حتی کان لا يدری ما یحدث به، فوقع فى حديثه المناكير اهـ كذا فى التهذيب (٩-٤٠٤). فالحق أن هذا الحديث لا يحتج به ما لم يعلم أن سماع أبى إسماعيل السلمى كان منه قبل الاختلاط، وقد اکتفی البيهقى بتوثيق رجاله، ولم يحكم بصحته، والله أعلم. قوله: "حدثنا ابن أبى داود إلخ"، وقوله: "حدثنا وكيع"، وهو الحديث الثانى عشر ٧٢ ترك رفع الیدین فی غیر الافتتاح إعلاء السنن رجال السندين ثقات من رجال الصحيح، إلا عاصما، فهو من رجال مسلم. ٨٢٣- حدثنا: وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن ابن الأسود عن علقمة عن عبد الله قال: "ألا أريكم صلاة رسول الله عَ ليه؟ فلم يرفع يديه إلا مرة". رواه ابن أبى شيبة فى المصنف (آثار السنن ١٠٤:١). قلت: ورجاله رجال الصحيحين إلا عاصم، فهو من رجال مسلم، ورواه أحمد بهذا السند بعينه عن علقمة، قال: قال ابن مسعود: "أ لا أصلى لكم صلاة رسول الله عَّ له؟ قال: فصلى، فلم يرفع يديه إلا مرة" كذا فى آثار السنن (١٠٤:١). وأخرجه أبو داود (١١٦:١) وسكت عنه، حدثنا عثمان بن أبى شيبة نا وكيع، بنحو حديث أحمد سندا ومتنا، ثم قال: حدثنا الحسن ابن على نا معاوية وخالد بن عمرو وأبو حذيفة قالوا: نا سفيان بإسناده بهذا، قال: ((فرفع يديه فى أول مرة)) وقال بعضهم: "مرة واحدة" اهـ وسكت عنه. ٨٢٤- أخبرنا: محمد بن أبان بن صالح عن عبد العزيز بن حكيم قال: "رأيت ابن عمر يرفع يديه حذاء أذنيه فى أول تكبيرة افتتاح الصلاة، ولم يرفعهما فيما سوى ذلك" أخرجه الإمام محمد ابن الحسن فى الموطأ (ص-٩٠). ورجاله ثقات إلا محمد بن أبان، قال فى اللسان: قال النسائى: کوفی لیس بثقة، وقال ابن حبان: ضعيف، وقال أحمد: لم يكن يكذب، وقال من الباب إلخ. قلت: هذان فى الحقيقة حديثان مستقلان وإن كان مقصودهما واحدًا، ولعل ابن المبارك قد تكلم على الطريقة الأولى المرفوعة فقال: إنه غير ثابت، وأما الثانية فالكلام عليه من مثله بعيد، وقد عرفت أن الطريقة الأولى أيضا صحيحة، فإن رواتها كلهم ثقات، فلا يلزم من عدم ثبوتها عند ابن المبارك عدم ثبوتها مطلقًا، وقد فرغنا من الكلام فى هذا المقام أول الباب، فليراجع. قوله: "أخبرنا محمد بن أبان إلخ". قلت: دلالته على الباب ظاهرة، يعضده حديث مجاهد وقد مر ذكره. ٧٣ ج - ٣ ترك رفع الیدین فى غير الافتتاح ابن أبى حاتم: سألت ابى عنه فقال: ليس بالقوی، یکتب حديثه ولا يحتج به، وقال البخارى فى التاريخ: يتكلمون فى حفظه لا يعتمد عليه اهـ، كذا فى تعليق الموطأ (ص-٧٤). قلت: فهو صالح فى المتابعات لا سيما ومحمد بن الحسن مجتهد، واحتجاجه بحديث تصحيح له كما سيأتى فى الحاشية. ٨٢٥- أخبرنا: يعقوب (هو الإمام أبو يوسف القاضى) بن إبراهيم أخبرنا حصين(١) بن عبد الرحمن قال: دخلت أنا وعمرو بن مرة على إبراهيم النخعى، قال عمرو: حدثنى علقمة بن وائل الحضرمى عن أبيه "أنه صلى مع رسول الله مَّه فرآه يرفع يديه إذا كبر وإذا رفع، قال إبراهيم: ما أدرى لعله لم ير النبى عدَّةٍ يصلى إلى ذلك اليوم، فحفظ هذا منه، ولم يحفظ ابن مسعود وأصحابه، ما سمعته من أحد منهم، إنما كانوا يرفعون أيديهم فى بدء الصلاة حین یکبرون " أخرجه الإمام محمد فى الموطأ (ص- ٩٠) ورجاله ثقات. ٨٢٦- أبو حنيفة: عن حماد عن إبراهيم عن الأسود "أن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه كان يرفع يديه فى أول التكبير ثم لا يعود إلى شىء من قوله: "أخبرنا يعقوب بن إبراهيم إلخ". قلت: دلالته على الباب ظاهرة، وإبراهيم النخعى من كبار المجتهدين وقد رجح حديث ابن مسعود على حديث وائل، فناهيك بترجيحه، وليس فى ترجيح صحابى على صحابى مظنة تنقيص الآخر حاشا إبراهيم منه فإن عبد الله بن مسعود له فضائل جليلة اختص بها دون كثير من أجلة الصحابة، فما أخطأ إبراهيم فى ترجيحه على وائل رضى الله تعالى عنهما. قوله: "أبو حنيفة إلخ". قلت: دلالته على الباب ظاهرة، وقد توافقت الآثار عن عبد الله أنه كان لا يرفع يديه إلا فى تكبيرة الافتتاح، وكان يأثر ذلك عن رسول الله مد له وهو من أجلة الصحابة وأرجحهم بكثرة الملازمة ومزيد الفقاهة، ووافقه على ذلك الخلفاء الثلاثة كما مر، ولم يصح عن الثالث شىء، وباقتداء هؤلاء كفاية لمن يقتدى. (١) ثقة حجة حافظ عالى الإسناد، كذا فى تذكرة الحفاظ. ٧٤ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن ذلك، ويأثر ذلك عن رسول الله (مَّ له". أخرجه أبو محمد البخارى الحارثى عن رجاء بن عبد الله النهشلى عن شقيق بن إبراهيم (هو البلخى الزاهد) عن أبى حنيفة، كذا فى جامع مسانيد الإمام (٣٥٥:١). قلت: سند أبى حنيفة رجاله كلهم ثقات، والرواة النازلة عنه بعضهم قد تكلم فيه، وسيأتى تفصيله فى الحاشية، وبالجملة فهو صالح فى المتابعات. الحافظ أبو محمد الحارثى المعروف بالأستاذ جامع مسند الإمام: وحديث أبى حنيفة أخرجه الحارثى فى مسنده وهو الإمام الحافظ أبو محمد عبد الله بن يعقوب بن الحارث الحارثى البخارى المعروف "بعبد الله الأستاذ"، روى عنه الحافظ أبو العباس ابن عقدة وأبو بكر بن آدم الكوفيان وأبو بكر بن الجعانى وأحمد بن محمد ابن يعقوب الكاغذى البغدادى وعامة أهل بخارى. قال الخوارزمى: ومن طالع مسنده الذى جمعه للإمام أبى حنيفة علم تبحره فى علم الحديث وإحاطته بمعرفة الطرق والمتون، كذا فى جامع مسانيد الإمام (١-٤ و٢-٢٧٥). وفى الفوائد البهية عن السمعانى أنه كان كثير الحديث، كان شيخا مكثرا من الحديث غير أنه كان ضعيف الرواية غير موثوق به فيما ينقله، وقال الحاكم: صاحب عجائب وإفراد عن الثقات، سكتوا عنه اهـ (ص-٤٤ ملخصا). وفى لسان الميزان: أكثر عنه أبو عبد الله بن مندة، وله تصانيف إلى أن قال: وقال الخليلى: يعرف بالأستاذ، له معرفة بهذا الشأن، وهو لين ضعفوه اهـ. قلت: فحديثه صالح للاعتضاد. شقيق البلخى تلميذ الإمام: ورجاء بن عبد الله النهشلى لم أقف عليه، وشقيق البلخى قال فى اللسان: كان من كبار الزهاد، ولا يتصور أن يحكم عليه بالضعف اهـ ملخصا (٣-١٥١ و١٥٢). مناظرة أبى حنيفة والأوزاعى فى مسألة رفع اليدين قلت: وقد ذكر الحارثى فى مسنده قصة للإمام مع الأوزاعى تتعلق بهذا الحديث، فقال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازى عن سليمان الشاذكونى قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: اجتمع أبو حنيفة والأوزاعى فى دار الحناطين بمكة، فقال ٧٥ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح ج - ٣ الأوزاعى لأبى حنيفة: ما بالكم لا ترفعون أيديكم فى الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: لأنه لم يصح عن رسول الله مَّ ◌ُّر فى ذلك شىء، فقال: كيف لم يصح؟ وقد حدثنى الزهرى عن سالم عن أبيه عن رسول الله مرّي ((أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه،". فقال أبو حنيفة: وحدثنا حماد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه "أن رسول الله مَ ◌ّ كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشىء من ذلك». فقال الأوزاعى: أحدثك عن الزهرى عن سالم عن النبى معَ ظله، وتقول: حدثنى حماد عن إبراهيم، فقال له أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزهرى، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة لیس بدون ابن عمر فى الفقه وإن كانت لابن عمر صحبة وله فضل الصحبة، والأسود له فضل کثیر، وعبد الله بن مسعود له فضل كثير فى الفقه والقراءة، وحق الصحبة من صغره عند النبى ◌َِّ على عبد الله بن عمر، فسكت الأوزاعى اهـ. كذا فى جامع مسانيد الإمام (١-٣٥٢ و ٣٥٣). ورجاله قد تكلم فيهم، أما الحارثى فقد مر ذكره، ومحمد بن زياد الطيالسى الرازى المحدث الجوال عن إبراهيم بن موسى الفراء ويحيى بن معين، وعنه الجعابى وجعفر الخلدى. وعدة ضعفه أبو أحمد الحاكم وقال شيرويه: تكلموا فيه وكان فهما بالحديث مسنما (أي معظما) كذا فى اللسان (٥-٢٢) ملخصا. والشاذكونى الحافظ سليمان بن داود المنقرى البصرى من أفراد الحافظين إلا أنه واه، قال عمرو الناقد: قدم الشاذكونى بغداد، فقال لى أحمد بن حنبل: اذهب بنا إلى سليمان نتعلم منه نقد الرجال، وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: "أعلمنا بالرجال يحيى بن معين، وأحفظنا للأبواب سليمان الشاذ كونى" وسئل صالح بن محمد جزرة عن الشاذكونى فقال: ما رأيت أحفظ منه إلا أنه يكذب فى الحديث، وأما ابن عدى فقال: سألت عبدان عنه فقال: معاذ الله أن يتهم، إنما كان قد ذهبت كتبه فكان يحدث حفظا اهـ. كذا فى تذكرة الحفاظ (٢-٦٦). قلت: فهؤلاء يحتج بنهم فى غير الأحكام، وقد عرف تساهل المحدثين فى أمر المغازى والسير والأخبار، فلا يضر هذه القصة الكلام فى رواتها لا سيما وقد اختلف فيهم كما عرفت، وقال ابن الهمام فى الفتح بعد ذكره هذه القصة: فرجح (أبو حنيفة) ٧٦٠ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن ٨٢٧- حدثنى: ابن أبى داود قال: لنا أحمد بن يونس قال: ثنا أبو بكر بن عياش قال: "ما رأيت فقيها قط يفعله يرفع يديه فى غير التكبيرة الأولى". رواه الطحاوى (١٣٤:١) ورجاله رجال الصحيح إلا ابن أبى داود هو ثقة كما مر. بفقه الرواة كما رجح الأوزاعى بعلو الإسناد وهو المذهب المنصور عندنا. قوله: "حدثنی ابن أبى داود إلخ". قلت: يدل على أن حدیث رفع اليدين عند الركوع والرفع منه كان متروك العمل به غالبا فى زمن التابعين، فإن أبا بكر بن عياش من كبار أتباع التابعين روى عنه الثورى وغيره، قال أحمد بن حنبل: أحسب أن مولده سنة مائة، مات هو وهارون الرشيد فى شهر واحد سنة ثلاث وتسعين ومائة اهـ كذا فى تهذيب التهذيب (١٢-٣٦) ملخصا. وفى المدونة الکبری لمالك: قال مالك: "لا أعرف رفع الیدین فی شیء من،تکبیر الصلاة، لا فى رفع ولا فى خفض إلا فى افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئًا خفيفا". قال ابن القاسم: وكان رفع اليدين عند مالك ضعيفا إلا فى تكبيرة الإحرام اهـ (١-٧١). قلت: ومالك من كبار أتباع التابعين فعدم معرفته الرفع فى غير الافتتاح يدل على كونه متروك العمل فى زمن التابعين، وكون الحديث متروك العمل به علامة نسخه. فإن قيل: إن مالكا ذكر الرفع فى الموطأ وهو مذهبه الذى يدين الله به أتباعه ويقلدونه. قلت: رده الحافظ فى ديباجة تعجيل المنفعة ونصه: ليس الأمر عند المالكية كما ذكر بل اعتمادهم فى الأحكام والفتوى على ما رواه ابن القاسم عن مالك سواء وافق ما فى الموطأ أم لا وقد جمع بعض المغاربة كتابا فيما خالف فيه المالكية نصوص الموطأ، كالرفع عند الركوع والاعتدال اهـ. (ص-٤). فثبت بذلك أن رواية ابن القاسم أقوى وأولى بالأخذ عند أصحاب مالك من الموطأ، فافهم. وقد مر فى حديث أبى إسحاق بتخريج ابن أبى شيبة بسند صحيح ((أن أصحاب عبد الله وأصحاب على كانوا لا يرفعون أيديهم فى الافتتاح)) وفى الجوهر النقى: (١: ١٤٠) فإن من الصحابة من قصر الرفع على تكبيرة الافتتاح كما تقدم، وكذا جماعة من التابعين منهم الأسود وعلقمة وإبراهيم وخثيمة وقيس بن أبى حازم والشعبى وأبو إسحاق وغيرهم، روی ذلك كله ابن أبى شيبة فى مصنفه بأسانيد جيدة اهـ. وفيه أيضا ٧٧ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح (١-١٣٦): ورواية ابن القاسم عن مالك أنه لا يرفع إلا فى التكبيرة الأولى، وقال أبو عمر ابن عبد البر: وأنا لا أرفع إلا عند الافتتاح على رواية ابن القاسم(١). وفى شرح مسلم القرطبى: هو مشهور مذهب مالك، وفى قواعد ابن رشد: هو مذهب مالك لموافقة العمل له اهـ. قلت: وفى بداية المجتهد له ما نصه: فذهب أهل الكوفة أبو حنيفة وسفيان الثورى وسائر فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلى يديه إلا عند تكبيرة الإحرام فقط وهى رواية ابن القاسم عن مالك، وذهب الشافعى وأحمد وأبو عبيد وأبو ثور وجمهور أهل الحديث وأهل الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الرفع من الركوع، وهو مروى عن مالك إلا أنه عند أولئك فرض وعند مالك سنة. وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعهما عند السجود وعند الرفع منه إلى أن قال: فمنهم من اقتصر به على الإحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب، وهو مذهب مالك لموافقة العمل به اهـ (١-٧٨). ويعارض أحاديث الباب ما رواه البخارى عن عبد الله بن عمر، وقد ذكرناه قبل، وما روى عن مالك بن الحويرث "أنه رأى النبى مرّ آ رفع يديه فى صلاته، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذى بهما فروع أذنيه" رواه النسائی وإسناده صحيح. قال الحافظ فى الفتح: وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث فى الرفع فى السجود ما رواه النسائى من رواية سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث فذكره قال: ولم ينفرد به سعيد، فقد تابعه همام عن قتادة عند أبى عوانة فى صحيحه إهـ ملخصا (٢-١٨٥). وفى التعليق الحسن: قلت: بل تابعه غير واحد من (١) قلت: يعارضه ما فى الفتح: وقال ابن عبد البر: كل من روى عنه ترك الرفع فى الركوع والرفع منه روى عنه فعله إلا ابن مسعود، وقال محمد بن نصر المروزى: أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة، وقال ابن عبد البر: لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم، والذى نأخذ به الرفع لحديث ابن عمر وهو الذى رواه ابن وهب وغيره عن مالك، ولم يحك الترمذى عن مالك غيره، ونقل الخطابى وتبعه القرطبى فى المفهم أنه آخر قولى مالك وأصحهما، ولم أر للمالكية دليلا على تركه ولا متمسكا إلا بقول ابن القاسم اهـ (١- ١٨٢). وقال النووى فى شرح مسلم: قال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة: لا يستحب فى غير تکبیرة الافتاح، وهو أشهر الروايات عن مالك اهـ. ٧٨ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن أصحاب قتادة همام عند أحمد وأبى عوانة وشعبة ومعاذ بن هشام عند النسائى، فلا شك أن زيادة رفع اليدين للسجود صحيحة (١-١٠٢). وما روى عن أنس ((أن النبى عَ ليه كان يرفع يديه فى الركوع والسجود)) رواه أبو يعلى. قال الهيثمى: ورجاله رجال الصحيح. كذا فى مجمع الزوائد (١-١٨٢). وفيه أيضا عن ابن عمر رضى الله عنهما ((أن النبى معٍَّ كان يرفع يديه عند التكبير للركوع، وعند التكبير حين يهوى ساجدًا)). رواه الطبرانى فى الأوسط وإسناده صحيح اهـ. فإن قلت: هذا يخالف ما رواه البخارى عن ابن عمر فى صحيحه مرفوعًا ((ولا يفعل ذلك حين يسجد، ولا حين يرفع رأسه من السجود)). قلت: الجمع ممكن بأن المراد بقوله: ((حين يسجد)) السجدة الثانية، ويؤيده ما رواه عنه ((ولا يرفعهما بين السجدتين))، كذا فى التعليق الحسن (١-١٠٢). ومنها ما رواه أبو هريرة قال: "رأيت رسول الله عّ لّه يرفع يديه فى الصلاة حذو منكبيه حين يفتتح الصلاة، وحين يركع وحين يسجد" رواه ابن ماجة. رواته كلهم ثقات إلا إسماعيل بن عياش وهو صدوق، وفى روايته عن غير الشاميين كلام. وما رواه حصين ابن عبد الرحمان قال: دخلنا على إبراهيم فحدثه عمرو بن مرة قال: صلينا فى مسجد الحضر ميین فحدثنى علقمة بن وائل عن أبيه ((أنه رأى رسول الله مێ برفع یدیه حین يفتتح الصلاة وإذا ركع وإذا سجد)) الحديث رواه الدار قطنى وإسناده صحيح. وما رواه يحيى ابن أبى إسحاق قال: "رأيت أنس بن مالك يرفع يديه بين السجدتين". رواه البخارى فى جزء رفع اليدين، وإسناده صحيح، ذكر الأحاديث الثلاثة فى آثار السنن (١-١٠٢ و١٠٣). والجواب عنها بأنها كما هى حجة علينا كذلك حجة على الشافعى وغيره، فإن الجمهور منهم لا یقولون بالرفع للسجود ولا عند الرفع منه، وقد ورد عند البیہقی فی حديث ابن عمر زيادة الرفع عند القيام من الركعتين أيضا. وفى حديث على عنده الرفع عند القيام من السجدتين، واحتج بهما البيهقى لإثبات مذهبه، فأورد عليه العلامة ابن التر كمانى بما نصه: قلت: عقد البيهقى هذا الباب على الرفع عند الركوع والرفع منه وفى هذا الحديث (يعنى حديث ابن عمر الذى ذكره) زيادة على ذلك، وهى الرفع عند القيام من الركعتين وهى زيادة مقبولة، ولم يقل بها إمامه الشافعى، فما ألزم خصمه من القول ٧٩ ج - ٣ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح بزيادة الرفع عند الركوع والرفع منه لزمه مثله من القول بزيادة الرفع عند القيام من الركعتين، وأول راض سيرة من يسيرها اهـ. وقال فى حديث على ما نصه: ثم فى هذا الحديث أيضا زيادة، وهى الرفع عند القيام من السجدتين، فيلزم أيضا الشافعى أن يقول به على تقدير صحة الحديث، وهو لا يرى ذلك اهـ (١-١٣٤ و١٣٥). فما هو جوابهم عن الرفع للسجود وغيره الذى لم يقولوا به فهو جوابنا عن الرفع للركوع وعند الرفع منه. قال المحقق ابن الهمام: وما فى الترمذى عن على رضى الله عنه "أن النبى معَّ كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة کبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضی قراءته وأراد أن یر کع، ویصنعه إذا رفع من الركوع، ولا یرفع یدیه فی شیء من الصلاة وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع كذلك" صححه الترمذى، فمحمول على النسخ للاتفاق على نسخ الرفع عند السجود. واعلم أن الآثار عن الصحابة والطرق عنه عَّه كثيرة جدا والكلام فيها واسع من جهة الطحاوى وغيره، والقدر المتحقق بعد ذلك كله ثبوت رواية كل من الأمرين عنه مرِّ الرفع عند الركوع وعدمه، فيحتاج إلى الترجيح لقيام التعارض، ويترجح ما صرنا إليه بأنه قد علم أنه كانت أقوال مباحة فى الصلاة وأفعال من جنس هذا الرفع، وقد علم . نسخها، فلا يبعد أن يكون هو أيضا مشمولا بالنسخ (لا سيما وقد صح الرفع عند السجود وبين السجدتين وعند القيام من السجدتين، واتفق الجمهور على تركه فى هذه المواضع) خصوصا، وقد ثبت ما يعارضه ثبوتا لا مرد له بخلاف عدمه، فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية لأنه ليس من جنس ما عهد فيه ذلك بل من جنس السكون الذى هو طريق ما أجمع على طلبه فى الصلاة، أعنى الخشوع، وكذا بأفضلية الرواة عن رسول الله عَ ظله كما قاله أبو حنيفة للأوزاعى اهـ (١- ٢٧٠). قلت: وهذا تقرير حسن، وأيضا فقد ثبت فى الأصول أنه إذا تعارضت السنتان يرجع إلى أقوال الصحابة وأفعالهم، فإن اختلفت يرجع إلى القياس، والقياس ههنا يقتضى عدم الرفع بناءً على ما سمعت مرارا أن المطلوب من الشرع عدم الحركة فى الصلاة، ومبناها السكون والخشوع، كما هو شاكلة الخدام والعبيد والغلمان بین أیدی سادتهم بالاستكانة والقرار بلا حركة على حسب عادتهم. ٨٠ ترك رفع اليدين فى غير الافتتاح إعلاء السنن فإن قيل: إن حديث الرفع متواتر كما فى الفتح ونصه: وذكر البخارى أنه رواه سبعة عشر رجلا من الصحابة، وذكر الحاكم وأبو القاسم بن مندة ممن رواه العشرة المبشرة(١)، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ (العراقى) أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا اهـ (٢- ١٨٢). وعده السيوطى من المتواتر فى تدريب الراوى (ص-١٩١) حيث قال: وحديث رفع اليدين فى الصلاة من رواية نحو خمسين اهـ. قلت: أيش يجدى لكم تواتره بعد ما ثبت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من أجلة الصحابة أنهم تركوا العمل به، وكذا الفقهاء من التابعين، لا سيما أصحاب على وابن مسعود رضى الله عنهما حتى قال أبو بكر بن عياش: ما رأيت فقيها قط يفعله يرفع يديه فى غير الافتتاح. فلو سلم تواتره فهو كالآية المنسوخة لا يمنع تواترها نسخها، على أن التواتر لا نسلمه إلا فى مطلق رفع اليدين فى الصلاة: كما هو مدلول عبارة التدريب، وأما تواتر خصوص الرفع عند الركوع والرفع منه فغير مسلم، ودون إثباته خرط القتاد، والله أعلم. والدليل على ذلك قول الشو کانی فی النيل: إن العراقی جمع عدد من روی رفع اليدين فى ابتداء الصلاة فبلغوا خمسين صحابيا، منهم العشرة المبشرة المشهود لهم بالجنة. قال الحافظ فى الفتح: وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل أنه تتبع من رواه من الصحابة رضى الله عنهم فبلغوا خمسين رجلا اهـ (٢-٦٧). وهذا صريح فى أن رواية هؤلاء الخمسين إنما هى فى الرفع عند الافتتاح لا فى الرفع عند الركوع والرفع منه، فافهم ولا تكن من الغافلین. واعلم أن الحنفية احتجوا لترك الرفع عند الركوع والرفع منه أيضا بحديث ابن عباس ((لا ترفع الأيدى إلا فى سبع مواطن)) الحديث. (١) قال الزيلعى: قال الشيخ فى الإمام: وجزم الحاكم برواية العشرة ليس عندى بجيد فإن الجزم إنما يكون حيث يثبت الحديث ويصح ولعله لا يصح عن جملة العشرة انتهى (١-٢١٧). قلت: وكذلك جزم العراقى وغيره بكون رواته من الصحابة بلغوا خمسين ليس بجيد ما لم يثبت الرواية عنهم بسند صحيح ولعله لا يصح إلا عن قليل منهم فإن أصح الروايات فى الرفع حديث ابن عمر وقد اختلف فيه فرفعه سالم ووقفه نافع فذكره من فعل ابن عمر، ورواه مالك فى الموطأ فلم يذكر فيه الرفع عند الركوع، والبسط فى الزيلعى (١-٢١٢ و٢١٣) والله أعلم.