Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ الوقت المستحب لصلوة الظهر ج - ٢ الجمعة)) وقال يونس بن بكير: أخبرنا أبو خلدة وقال: "بالصلاة" ولم يذكر "الجمعة". وقال بشر بن ثابت: حدثنا أبو خلدة: صلى بنا أمير الجمعة ثم قال لأنس: كيف كان النبى ◌ّاللّه يصلى الظهر؟ رواه "البخارى" (١). النسائى: ثقة مأمون، قل من كتبنا عنه مثله. وقال إبراهيم بن أبى طالب: ما قدم علينا أثبت منه ولا أتقن اهـ (تهذيب ١٧:٧)، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبيد البصرى أبو سعيد مولى بنى هاشم من رجال البخارى، وثقه أحمد وابن معين وأبو القاسم الطبرانى والبغوى والدارقطنى، وذكره ابن شاهين فى الثقات اهـ (تهذيب ٢٠٩:٦) وخالد بن دينار أبو خلدة البصرى من رجال البخارى. قال ابن عبد البر فى "الكنى": هو ثقة عند جمیعهم اهـ (تهذيب ٨٨:٣). والحديث يدل على استحباب الإبراد بصلاة الظهر فى شدة الحر وتعجيله فى الشتاء، وكذا الذى بعده وهو قول أبى حنيفة وأصحابه. قال النووى: اختلفوا فى الجمع بين هذه الأحاديث، وحديث خباب رواه مسلم: شكونا إلى رسول الله مَ له حر الرمضاء فلم يشكنا (أى لم يزل شكوانا) فقيل: الإبراد رخصة والتقديم أفضل، واعتمدوا على حديث خباب (وهذا على قول البعض) وقال آخرون: المختار استحباب الإبراد لكثرة أحاديثه المشتملة على فعله والأمر به، وحديث خباب محمول على أنهم طلبوا تأخيراً زائدًا على قدر الإبراد، والصحيح الإبراد. وبه قال جمهور العلماء، وهو المنصوص للشافعى رحمه الله، وبه قال جمهور الصحابة اهـ ملخصاً(٢). وأيضا فحديث خباب مكى وأحاديث الإبراد بالظهر مدنية، والتأخر ناسخ للمتقدم فلعله مّ لّ لم يذل شكواهم لكون وقت الإبراد بالظهر اجتماع المشركين فى الحرم، وكانوا يستهزؤون بالصلاة ويؤذون المصلين فأراد أن يفرغ من صلاة الظهر قبل اجتماعهم، والعصر والمغرب كان يصليهما غالبًا فى لدار الأرقم. والله تعالى أعلم. واستدل ابن بطال بحديث أنس برواية البخارى على أن وقت الجمعة هو وقت (١) باب إذا اشتد الحر يوم الجمعة (١٢٤:١). (٢) من باب استحباب الإبراد بالظهر فى شرح النووى (٢٢٤:١) بتلخيص وتقديم وتأخير. ٤٢ إعلاء السنن تأخير العصر ٤٩٠- عن: أم سلمة قالت: كان رسول الله مز الي أشد تعجيلا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه. رواه أحمد والترمذى، وإسناده صحيح (آثار السنن ٤٤:١)، وفى الجوهر النقى (١١٢:١): "رجاله على شرط الصحيح". ٤٩١- عن: على بن شيبان قال: ((قدمنا على رسول الله عز له المدينة الظهر، لأن أنسا سوى بينهما فى جوابه للحكم المذكور حتى قيل: كيف كان النبى معَّ الّه يصلى الظهر؟ خلافا لمن أجاز الجمعة قبل الزوال. وقال التيمى (١): معنى الحديث أن الجمعة وقتها وقت الظهر، وأنها تصلى بعد الزوال ويبرد بها فى شدة الحر، ولا يكون الإبراد إلا بعد تمكن الوقت (من العينى ٢٨١:٣) وهو قول أبى حنيفة وسيأتى ذكر الاختلاف فيه، فانتظر. تأخير العصر(٢) قوله: "عن أم سلمة رضى الله عنها إلخ"، وقوله: "عن على بن شيبان إلخ". قلت: الحديثان أعنى حديث أم سلمة وحديث ابن شيبان يدلان على تأخير العصر من أول وقته إلى الوقت الغير المكروه، أما حديث أم سلمة فلما فيه من قولها: "وأنتم أشد تعجيلا للعصر منه" ومعلوم أنهم كانوا لا يعجلونها عن وقتها، فثبت به أنه معّ لِّ كان يؤخرها بعد مجىء وقتها . وحديث ابن شيبان يدل على مواظبته منّ له على تأخير العصر قبل التغير، وهو قول أبى حنيفة. وحديث ابن شيبان فيه محمد بن يزيد اليمامى مجهول، ولكن الحديث - (١) كذا فى الأصل بخط المؤلف، وفى عمدة القارى: "التميمى" (باب إذا اشتد الحريوم الجمعة ٢٨١:٣). (٢) قال بتعجيل العصر فى أول وقتها مالك والشافعى وأحمد، وبتأخيرها أبو حنيفة وأصحابه والثورى ما لم تتغير الشمس كما فى شرح المهذب (معارف السنن ٢: ٥٨). ٤٣ تأخير العصر ج - ٢ فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية)). رواه أبو داود(١) وسكت عنه. ٤٩٢- عن: ابن عمر رضى الله عنه عن النبى مرّ له قال: ((رحم الله امرءا صلى قبل العصر أربعا)). رواه الترمذى (٥٨:١)، وقال: حسن غريب. ٤٩٣- عن: زياد بن عبد الرحمن النخعى قال: ((كنا جلوسا مع على رضى الله عنه فى المسجد الأعظم، والكوفة يومئذ أخصاص فجاءه المؤذن فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين -للعصر- فقال: اجلس، فجلس ثم عاد، فقال ذلك، لم يضعفه أبو داود فهو حسن عنده، كما ذكره الزيلعى من عادته ناقلا عن المنذرى (١ :٢٦٥) . وما روى من تعجيله فهو محمول على تعجيله بحيث لا تقع الصلاة فى الوقت المكروه، وفى شرح "معانى الآثار" للطحاوى: "فأما ما قبله من وقتها مما لم تدخل الشمس فيه صفرة وكان الرجل يمكنه أن يصلى فيه صلاة العصر ويذكر الله فيها متمكنا ويخرج من الصلاة والشمس كذلك فلا بأس بتأخير العصر إلى ذلك الوقت، وذلك أفضل لما قد تواترت به الآثار عن رسول الله مظهر وأصحابه من بعده" (١١٤:١)، وعلل صاحب "الهداية" هذا التأخير بقوله: "لما فيه من تكثير النوافل لكراهتها بعده" (٦٦:١)، وظاهره يوهم أن استحباب التأخير يختص بمن يتنفل قبل العصر دون غيره، وليس الأمر كذلك، بل التأخير مستحب للكل، سواء تنفل قبل العصر أولا، كما هو نص هذه الأحاديث. فما ذكره ليس بعلة، بل هو حكمة، فافهم. قوله: "عن زياد بن عبد الرحمن إلخ". قلت: دلالته على أن تأخير العصر سنة ظاهرة، فإن المؤذن لما أراد التعجيل قال له على رضى الله عنه: "اجلس" فجلس ثم عاد لتلك المقالة، فقال على: هذا الكلب يعلمنا بالسنة، أى ونحن أعلم بها منه، ثم قام فصلى العصر، فلما رجع الناس إلى المكان الذى كانو فيه، وجثوا على الركب تغير (١) باب وقت العصر (٥٩:١). ٤٤ تأخير العصر إعلاء السنن فقال على: هذا الكلب يعلمنا بالسنة، فقام على فصلى بنا العصر ثم انصرفنا فرجعنا إلى المكان الذى كنا فيه جلوسا فجثونا للركب فتزور الشمس للمغيب نتراءاها)). أخرجه الحاكم فى "المستدرك" (١٩٢:١)، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه بعد احتجاجهما برواته، وقال الذهبى فى "تلخيصه": صحيح. ٤٩٤- عن الثورى عن منصور عن إبراهيم قال: (( كان من كان قبلكم أشد تعجيلا للظهر وأشد تأخيرا للعصر منكم)). رواه عبد الرزاق فى "مصنفه" (الجوهر النقى ١١٤:١)، قلت: ورجاله ثقات أثبات. الشمس للغروب، يعنى فكانت صلاته مؤخرة جدًا حتى تغيرت الشمس بعدها بقليل. فلو لم يكن تأخير العصر سنة ما أخر على رضى الله عنه هذا التأخير، ولو كان التعجيل فيها سنة ما أنكر على المؤذن بمثل هذا الإنكار. وزياد بن عبد الرحمن هذا هو زياد بن عبد الله النخعى، كذا فى "الميزان" و"اللسان" قال الذهبى فى "الميزان": "قال الدارقطنى: مجهول تفرد عنه عباس بن ذريح" اهـ (٣٥٧:١)، وزاد فى "لسان الميزان": "وقال البرقانى: يعتبر به، وغلط الحاكم فزعم أن الشيخين أخرجاه له، وذكره ابن حبان فى "الثقات" اهـ (٤٩٥:٢). قلت: فمن وثقه فإنما وثقه معرفته به، فيقدم على من لم يعرفه، وتصحيح الذهبى لهذا الحديث يدل على توثيقه لزياد هذا، والله أعلم. وفى الجوهر النقى: "وفى مصنف عبد الرزاق عن الثورى عن الأعمش، كان أصحاب ابن مسعود يعجلون الظهر ويؤخرون العصر، وعن معمر عن خالد الحذاء أن الحسن وابن سيرين وأبا قلابة كانوا يمسون بالعصر" اهـ (١١٤:١)، قلت: رجاله ثقات، فثبت من عمل أجلة التابعين أن التأخير فى العصر هو المختار وحده ما لم تتغير الشمس كما ورد فى الأحاديث المرفوعة. قوله: "عن الثورى عن منصور عن إبراهيم إلخ". قلت: إبراهيم هو النخعى وهو من التابعين، فقوله: " كان من كان قبلكم" أراد به جماعة الصحابة رضى الله عنهم، : ٤٥ ج - ٢ ٤٩٥- عن: أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم قال: ((أدركت أصحاب ابن مسعود رضى الله عنه يؤخرون العصر إلى آخر الوقت)» قال محمد: وبه نأخذ ما لم تتغير الشمس وهو قول أبى حنيفة. أخرجه محمد فى "الآثار" (جامع مسانيد الإمام ٢٩٩:١). ٤٩٦- عن: الثورى عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد: "أن ابن مسعود كان يؤخر العصر" رواه عبد الرزاق(١) فى "مصنفه" (الجوهر النقى ١١٤:١) . قلت: ورجاله ثقات. تعجيل المغرب ٤٩٧- عن: سلمة رضى الله عنه قال: ((كنا نصلى مع النبى عَّ فثبت من مواظبة الصحابة على تأخير العصر أنه هو المختار فيها دون التعجيل. قوله: "أدركت أصحاب ابن مسعود إلخ". قلت: أصحاب ابن مسعود رضى الله عنه إنما أخذوا ذلك عنه فثبت استحباب تأخير العصر بفعل أجلة الصحابة والتابعين . قوله: عن الثورى عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن إلخ". قلت: رجاله من رجال الصحيح، وابن مسعود من أجلة الصحابة وأشبههم بالنبى معَّ له سيرة وسمتا، فلما كان هو مواظبًا على تأخير العصر لا يشك فى كونه سنة، ويشهد له حديث أم سلمة وعلى بن شيبان مرفوعًا، والله أعلم. تعجيل المغرب قوله: "عن سلمة رضى الله عنه إلخ". قلت: الحديث يدل على كون التعجيل فى (١) باب وقت العصر (٥٥١:١ رقم ٢٠٨٩)، وأخرجه ابن أبى شيبة (٢٢٧:١) "من كان يؤخر العصر ويرى تأخيرها". ٤٦ إعلاء السنن المغرب إذا توارت بالحجاب)) رواه البخارى(١). كراهة التأخير فى المغرب وبيان حده ٤٩٨- عن أبى حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال: ((لم يجتمع أصحاب رسول الله مَ ◌ِّ على شىء كاجتماعهم على التنوير فى الفجر والتعجيل فى المغرب)). كذا فى "جامع مسانيد الإمام الأعظم" (٢٩٥:١) المغرب سنة فإن سلمة رضى الله عنه بين عادته عّ لّ المستمرة فى صلاة المغرب، وهى التعجيل، لأن لفظة " كان"(٢) ظاهرها الاستمرار إذا لم يدل دليل على عدم سابق وانقطاع لاحق، كما هو مذكور فى كتب النحو، وما هو خلاف عادته مرّظلّ فى مثل هذا الموضع فهو مكروه، فثبت به كراهة التأخير أيضا، ويدل عليها الأحاديث الآتية بأصرح دلالة. كراهة التأخیر فی المغرب وبیان حده قوله: "أنه قال: لم يجتمع أصحاب رسول الله (مرّةٍ إلخ". قلت: دلالته على استحباب تعجيل المغرب ظاهرة. (١) باب وقت المغرب (٧٩:١). (٢) قال العلامة العينى إن قول الصحابى "كان مّ ل" يدل على الملازمة والتكرار اهـ (شرح البخارى ٤:٢)، وقال العلامة القارى: "كان" الدال على الاستمرار لغة أو عرفا اهـ (مرقاة ١٥٠:١). وقال النووى: إن المختار الذى عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أن لفظة " كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنما هى فعل ماض يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عمل به وإلا فلا تقتضيه بوضعها اهـ (شرح مسلم ٢٥٤:١)، قلت: ويمكن دفع التعارض بين القولين بأن معنى القول الأول كون ظاهر معناها الاستمرار بدون الاقتضاء واللزوم، ومعنى قول النووى نفى كون الاستمرار لازما لها، ولا تنافى بينهما، والله أعلم (مؤلف). قلت: أما قول العينى فانظره فى "باب الوضوء قبل الغسل" من شرحه للبخارى، وأما النووي فقوله موجود فى باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى مرٍّ، وأما قول العلى القارى فلم أهتد إلى موضعه. ٤٧ كراهة التأخير فى المغرب ج - ٢ أخرجه الحسن بن زياد فى "مسنده" (وسيأتى توثيقه فى الكتاب). ٤٩٩- عن: أبى أيوب رضى الله عنه قال: قال رسول الله عّ لِّ: ((صلوا المغرب لفطر الصائم وبادروا طلوع النجم)» رواه أحمد، ولفظه عند الطبرانى: ((صلوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس)) "مجمع الزوائد" ورجال الطبرانى موثقون(١). ٥٠٠- عن: مرثد بن عبد الله قال: قدم علينا أبو أيوب رضى الله عنه غازيا وعقبة بن عامر رضى الله عنه يومئذ على مصر، فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة؟ فقال: شغلنا، قال: أما سمعت رسول الله وحديث أبى أيوب قال فيه الهيثمى: "رواه أحمد عن يزيد بن أبى حبيب عن رجل عن أبى أيوب، وبقية رجاله ثقات. ورواه الطبرانى عن يزيد بن أبى حبيب عن أسلم أبى عمران عن أبى أيوب ورجاله موثقون" اهـ. قوله: "عن مرثد إلخ". فى "نيل الأوطار" "الحديث أخرجه أيضا الحاكم فى "المستدرك" وفى إسناده محمد بن إسحاق، ولكنه صرح بالتحديث" (٣٠٦:١). قلت: وأخرج له الحاكم شاهدًا صحيح الإسناد ليس فيه محمد بن إسحاق (١٩١:١). والحديث يدل على ما دل عليه حديث سلمة وأبى أيوب مع ما فيه من بيان حد الكراهة. وفى "النيل": "قال النووى فى شرح مسلم: إن تعجيل المغرب عقب غروب الشمس مجمع عليه (٢) قال: وقد حكى عن الشيعة فيه شىء لا التفات إليه ولا أصل له، وأما الأحاديث الواردة فى تأخير المغرب إلى قرب سقوط الشفق(٣) فكانت لبيان جواز التأخير، وقد سبق إيضاح ذلك لأنها كانت جوابا للسائل عن الوقت، وأحاديث التعجيل المذكورة فى (١) مجمع الزوائد، باب وقت المغرب (٣١٠:١). (٢) قال شيخ الإسلام التفتازانى: المعتبر فى غروب الشمس سقوط قرص الشمس، وهذا ظاهر فى الصحراء، أما فى البنيان وقلل الجبال فبأن لا يرى شىء من شعاعها على أطراف البنيان وقلل الجبال وأن يقبل الظلام من المشرق اهـ. كذا فى "عمدة الرعاية" (١٤٧:١) (مؤلف). (٣) روى مسلم عن بريدة عن النبى معٍَّ أن رجلا سأله عن وقت الصلاة -إلى أن قال -: وصل المغرب قبل أن يغيب الشفق، وصل العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل. الحديث (٢٢٣:١). ٤٨ إعلاء السنن مَ ◌ّه يقول: ((لا تزال أمتى بخير -أو قال: على الفطرة- ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم)). رواه أبو داود (١٦١:١) وسكت عنه، وأخرجه الحاكم فى المستدرك (١٩١:١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره عليه الذهبى وقال: على شرط مسلم. قال الحاكم: وله شاهد صحيح الإسناد. قلت: ليس محمد بن إسحاق فى هذا الشاهد. ٥٠١- عن الصنابحى قال: قال رسول الله من الآية: ((لا تزال أمتى فى مسكة من دينها ما لم ينتظروا المغرب(١) اشتباك النجوم مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر مضاهاة النصرانية)). رواه الطبرانى فى "الكبير" ورجاله ثقات (مجمع الزوائد ١ :٠١٣). استحباب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل عا سلم صّىالله ٥٠٢- عن: أبى سعيد رضى الله عنه قال: ((صلينا مع رسول الله هذا الباب وغيره إخبار عن عادة رسول الله عز قر المتكررة التى واظب عليها إلا لعذر، فالاعتماد عليها" (٣). قوله: "عن الصنابحى إلخ". قلت: دلالته على كراهة تأخير المغرب ظاهرة. استحباب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل قوله: "عن أبى سعيد إلخ". قلت: هذا الحديث يدل على استحباب تأخير صلاة العشاء إلى قبيل نصف الليل، وحديث أبى هريرة برواية الترمذى والضياء يدل على تأخيره إلى قبيل ثلث الليل الأول، فالتطبيق لدفع التعارض بينهما أن ما قبل ثلث الليل (١) كذا فى الأصل بخط المؤلف، وفى نسختنا من المجمع: "بالمغرب" ولعله الأصح (باب وقت المغرب ٣١١:١). (٢) نيل الأوطار، باب وقت صلاة المغرب (٣:٢). ٤٩ ج - ٢ تأخير صلوة العشاء إلى ثلث الليل صلاة العتمة، فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل(١) فقال: خذوا مقاعدكم، فأخذنا مقاعدنا فقال: إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لم تزالوا فى صلاة ما انتظرتم الصلاة، ولو لا ضعف الضعيف وسقم السقيم الأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل)). رواه أبو داود (١: ١٦٢)، وسكت عنه وفى "التلخيص" (١٦٥:١): "رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وإسناده صحيح ٥٠٣- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله عَ لّم: ((لو لا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه)) رواه الترمذى (١ :٣٣)، وقال: حسن صحيح. ٥٠٤- عن: زيد بن خالد الجهنى رضى الله عنه مرفوعا بسند صحيح: ((لو لا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل)) رواه الترمذى والضياء المقدسى. كذا فى (العزيزى ٢٠٩:٣). ٥٠٥- عن: أبى هريرة رضى الله عنه مرفوعا: "لو لا أن أشق على أمتى الأول هو أول الوقت وما قبل نصف الليل آخره، نعم! بقى أن الأولى أوله أو آخره؟ فالظاهر أن أوله أولى، لأن فى آخره تقليل الجماعة وإن كان الآخر أيضًا لا يخلو عن الاستحباب ولكنه دون الأول، فافهم، ويؤيده قول الطحاوى ونصه: "فثبت بذلك أن مضى ثلث الليل لا يخرج به وقتها ولكن معنى ذلك عندنا - والله أعلم- أن أفضل وقت العشاء الآخرة الذى يصلى فيه هو من حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل، وهو الوقت الذى كان رسول الله عز ◌ٍّ يصليها فيه على ما ذكرنا فى حديث عائشة، ثم ما بعد ذلك إلى أن يمضى نصف الليل فى الفضل، دون ذلك حتى لا يتضاد هذه الآثار" (٩٣:١ و٩٤). (١) أى نصفه (مؤلف). ٥٠ تأخیر صلوة العشاء إلى ثلث الليل إعلاء السنن لفرضت عليهم السواك مع الوضوء(١) ولأخرت العشاء الآخرة إلى نصف الليل)) رواه الحاكم والبيهقى بإسناد صحيح. (العزيزى ٢٠٩:٣). ٥٠٦- حدثنا ابن أبى داود قال: ثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب بن أبى حمزة عن الزهرى عن عروة أن عائشة رضى الله عنها قالت: ((أعتم رسول الله عَّ ليلة بالعتمة، حتى ناداه عمر رضى الله عنه فقال: نام الناس والصبيان، فخرج رسول الله و الله فقال: ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم، ولا قوله: "حدثنا ابن أبى داود إلخ". قلت: ابن أبى داود هو إبراهيم وهو ثقة، كما فى "الجوهر النقى" (٢٠١:٢)، وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح، والحديث فى صحيح مسلم" بلفظ آخر(٢) وفيه أن ابن شهاب أخبره قال: أخبرنى عروة بن الزبير اهـ. قال النووى: "واختلف العلماء هل الأفضل تقديمها (يعنى العشاء) أم تأخيرها، وهما مذهبان مشهوران للسلف وقولان لمالك والشافعى، فمن فضل التأخير احتج بهذه الأحاديث، ومن فضل التقديم احتج بأن العادة الغالبة لرسول الله عز لةٍ تقديمها، وإنما أخرها فى أوقات يسيرة لبيان الجواز أو الشغل أو لعذر، وفى بعض هذه الأحاديث الإشارة إلى هذا، والله أعلم" اهـ. قلت: فى قوله: "أن العادة الغالبة لرسول الله مع اخر تقديمها" نظر، فقد روى النسائى بإسناد رجاله ثقات عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال: " كان رسول الله عز لتهم يؤخر العشاء الآخرة اهـ" (٩٢:١). فهذا يدل على ان العادة الغالبة له فى العشاء تأخيرها، وكذا أخرج العزيزى عن معاذ بن جبل مرفوعا: ((اعتموا بهذه الصلاة (أى العشاء) فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم". وعزاه إلى أبى داود، ونقل عن العلقمى أنه قال: "بجانبه علامة الحسن". ثم قال: "قال شيخنا: قلت: والاحاديث وإن (١) قلت: فى الحديث دلالة على أن السواك من سنن الوضوء وهو قول أبى حنيفة وأصحابه، ويتأيد ذلك بقوله منز له فى حديث أم حبيبة عند أحمد بلفظ "لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة كما يتوضون" وله من طريق أبى سلمة عن أبى هريرة بلفظ ((لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك)» إلخ. ذكرهما الحافظ فى "الفتح" (٣١٣:٢)، وإسنادهما صحيح أو حسن على قاعدته وقد مر ذكرها غير مرة. (٢) باب وقت العشاء وتأخيرها (٢٢٨:١). ٥١ ج - ٢ تأخير صلوة العشاء إلى ثلث الليل يصلى يومئذ إلا بالمدينة. قالت: وكانوا يصلون العتمة فيما بين أن يغيب غسق الليل إلى ثلث الليل)) اهــ رواه الطحاوى (٩٣:١)، ورجاله ثقات. كانت صحيحة فى استحباب التأخير، لكن ظفرت بحديث يدل على أن ذلك كان فى أول الإسلام ثم أمر بعد ذلك بخلافه (١) فيكون منسوخا، وهو ما أخرجه أحمد والطبراني بسند حسن عن أبى بكرة قال: أخر رسول الله ◌َ ◌ّه العشاء تسع ليال إلى ثلث الليل فقال له أبو بكر: يا رسول الله لو أنك عجلت لكان أمثل لقيامنا من الليل، فعجل بعد ذلك " (٢) قلت: ليس فيه ما يدل على نسخ استحباب التأخير فى العشاء، بل غاية ما فيه أن تأخير العشاء إلى ثلث الليل لو أفضى إلى فوات التهجد عن قوم يعتادونه فرعاية فضيلة التهجد أولى من رعاية فضيلة التأخير فى العشاء، لأن التهجد أفضل من سائر التطوعات بعد الفرائض والسنن الرواتب، ويكره تر که لمن كان يعتاده، يدل عليه قوله مپێ لابن عمرو: "يا عبد الله! لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فتركه" أخرجه البخارى فى باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه) فالذى يستفاد من حديث أبى بكرة أنه إذا تعارضت الفضيلتان واستلزم رعاية أحدهما فوات الأخرى فرعاية الأهم أولى، وذلك لا يستلزم نفى الفضيلة عن تأخير العشاء إذا لم يفض إلى فوات التهجد عمن يعتاده، فلا يصح جعله ناسخا لأحاديث التأخير لإمكان الجمع بينهما . وأيضا فإن هذا الحديث إنما يدل على أنه مظهر عجل بعد ذلك عن تأخيره إلى ثلث الليل، وأما أنه لم يؤخرها إلى ما قبل ثلث الليل وكان يصليها بعد غيبوبة الشفق معًا كما هو المستحب عند الشافعية ومن وافقهم، فلا دلالة فيه على ذلك، فالذى تلخص لنا من هذه الروايات كلها أنه مرّ تر أخر العشاء إلى شطر الليل أحيانا، ثم أخرها إلى ثلث الليل، ثم أخرها إلى ما قبل ثلث الليل، وهو الذى عبر عنه فى حديث أبى بكرة بالتعجيل ولذا اختلف أقوال الحنفية فى ذلك فقال فى "الدر": ويستحب تأخير العشاء (١) قلت: فى قوله "ثم أمر بعد ذلك بخلافه" نظر، فإنه ليس فى الحديث ما يدل على الأمر قولا، بل غاية ما فيه تعجيله لتر بعد ذلك فعلا، والفعل لا يسمى أمرا (مؤلف). (٢) انتهى كلام العزيزى فى (السراج المنير ٢٢٠:١) تحت حديث "اعتموا". ٥٢ إعلاء السنن استحباب الوتر فى آخر الليل لمن يثق بالانتباه ٥٠٧- عن: جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله عَ ل: ((من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل)) رواه "مسلم" ٥٠٨- عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: ((أوصانى خليلى بثلاث: إلى ثلث الليل، قيده فى "الخانية" وغيرها بالشتاء (٢)، أما الصيف فيندب تعجيلها" قال الشامى: " كذا فى الكنز والمختار والخلاصة وغيرها، وعبارة القدورى: إلى ما قبل ثلث الليل، وهما روايتان كما فى الشر نبلالية عن البرهان" (٣٨١:١). قلت: وما قال القدورى أرجح عندنا، فيه يجتمع الروايات كلها، هذا والعمل فى رباطنا المسمى "بالخانقاه الإمدادية" على حديث أبى بكرة فيجعل العشاء فيها دائما، فيؤذن لها بعد غيبوبة الشفق الأبيض معًا، لا سيما فى رمضان ولا يؤخر الصلاة بعدها إلا بنحو نصف ساعة، إلا فى رمضان فبنحو ربع ساعة، وكل ذلك لرعاية أهلها المتهجدين المعتادين لقيام الليل غالبًا، خفها الله وأهلها بأنواره القدسية وجعلها أبدًا محطة للنفوس الزكية الإنسية، آمين والحمد لله رب العالمين. استحباب الوتر فى آخر الليل لمن يثق بالانتباه قوله: "عن جابر إلخ". قلت: دلالته على استحباب الوتر فى آخر الليل لمن يثق بالانتباه ظاهرة. قوله: "عن أبى هريرة إلخ". الحديث بظاهره يدل على أن الوتر قبل النوم أفضل، (١) باب صلاة الليل وعدد ركعات النبى مرّوزير (٢٥٨:١). (٢) قلت: يؤيد هذا التقييد ما ورد فى حديث معاذ عند أبى نعيم فى الحلية: ((إذا كان الشتاء فغلس بالفجر وأطل القراءة - إلى أن قال- وصل العشاء وأعتم بها، فإن الليل طويل إلخ))، كذا فى "كنز العمال" (٧٨:٤) فقوله: "فإن الليل طويل" يدل على اختصاص ندب التأخير بليالى الشتاء دون الصيف، فإن الليل فيه قصير (مؤلف). ٥٣ ج - ٢ إستحباب الوتر فى آخر الليل صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتى الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام)). متفق عليه، كذا فى المشكاة (٩٠:١). ويعارضه حديث جابر المتقدم، وقال النووى فى "شرحه: فيه دليل صريح على أن نأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وثق بالاستيقاظ آخر الليل، وإن من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذا هو الصواب، ويحمل باقى الأحاديث المطلقة على هذا التفصيل الصحيح الصريح، فمن ذلك حديث: "أوصانى حليلى أن لا أنام إلا على وتر" وهو محمول على من لا يثق بالاستيقاظ اهـ (٢٥٨:١). وقال ابن حجر: "قبل: سببه أنه رضى الله عنه (يعنى أبا هريرة) كان يشتغل أول ليله باستحضاره محفوظاته من الاحاديث الكثيرة التى لم يسايره فى حفظ مثلها أكثر الصحابة، فكان يمضى عليه جزء كبير من أول الليل، فلم يكد يطمع فى استيقاظه آخره، فأمره عليه السلام بتقديم الوتر لذلك الاشتغاله بما هو أولى اهـ". ويمكن أن يكون بسبب آخر، والله أعلم (مرقاة ٢: ١٥٢) وقال العارف الشعرانى: "وأما سر النوم على وتر فإنه أمر يحبه الله(١) فإذا نام أحدنا أو مات كان آخر عهده عملا يحبه الله تعالى فيحشر مع المحبوبين الذين لا يعذبهم الله على ذنب أبدًا كما أشار إليه قوله تعالى: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباءه قل فلم يعذبكم بذنوبكم أى فلو كنتم محبوبين له ما عذبكم؛ فافهم. فهذا من سر حكمة نوم العبد على وتر سواء كان من عادته التهجد أم لا، وبهذا أخذ الأكابر من أهل الله(٢). وقالوا: أرواحنا بيد الله ليس فى يدنا منها شىء، فلا نعلم هل ترد أرواحنا إلينا بعد النوم أم لا، وكان على ذلك أبو بكر الصديق رضى الله عنه فكان يوتر قبل أن ينام، وكان عمر بن الخطاب رضى الله عنه ينام على غير وتر ويقول: أوتر إذا استيقظت اهـ (العهود المحمدية ص٤٠). (١) أشار رضى الله عنه بذلك إلى حديث مرفوع رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجة وابن خزيمة فى صحيحه"، واللفظ للترمذى، وقال: حديث حسن: ((إن الله وتر يجب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن)) (مؤلف). (٢) قلت: وعليه أدركنا مشايخنا، أخبرنا الثقات بأن القطب الربانى شيخ وقته مولانا رشيد أحمد المحدث رحمه الله الكنكوهى كان يوتر قبل أن ينام، وقد رأيت شيخى وسيدى مولانا خليل أحمد العارف القطب على قدم شيخه فى ذلك، وكذلك سيدى حكيم الأمة مجدد وقته مولانا الشيخ أشرف على يوتر قبل أن ينام، ولعل ذلك لعدم وثوقهم بأنفسهم فى الانتباه، وترجيحا لجانب الاحتياط (مؤلف). ٥٤ ج .- ٢ استحباب تعجيل صلاة العصر وتأخير صلاة المغرب فى يوم الغيم ٥٠٩- عن: بريدة الأسلمى رضى الله عنه قال: كنا مع رسول الله مَّ اللّه فى ورد ذلك فى حديث أخرجه أبو داود، وسكت عنه هو والمنذرى، بإسناد رجاله رجال مسلم عن أبى قتادة أن النبى معَ ◌ّر قال لأبى بكر: "متى توتر؟ قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل، فقال لأبى بكر: أخذ هذا بالحذر، وقال العمر: أخذ هذا بالقوة" إلخ (١). وفى نسخة "عون المعبود": أخذ هذا بالحزم" وضبطه بالحاء المهملة ثم الزاء وقال: "قال فى "النهاية": الحزم ضبط الرجل أمره، والحذر من فواته من قولهم: حزمت الشىء أى شددته، ومنه حديث الوتر أنه قال لأبى بكر: أخذت بالحزم" اهـ (٥٣٩:١). قلت: وبعد ذلك كله فالأفضل لمن يثق بالانتباه أن يوتر آخر الليل، فقد صرح اقه مسلم، عن عائشة ٥٤١٠٣ رسول الله عّ لٍّ بكونه أفضل، وكذلك كانت عادته كما مر قالت: "من كل الليل قد أوتر رسول الله مرّ ير، من أول الليل وأوسطه وآخره، فانتهى وتره إلى السحر" اهـ. قال النووى: "قولها" وانتهى وتره إلى السحر" معناه كان آخر أمره الإيتار فى السحر، والمراد به آخر الليل، كما قالت فى الروايات الأخرى، ففيه استحباب الإيتار آخر الليل وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة عليه" (٢٥٥:١) قلت: وهو قول فقهائنا الحنفية، والله أعلم. استحباب تعجيل صلاة العصر وتأخير صلاة المغرب في يوم الغيم قوله: "عن بريدة إلخ". قال الشوكانى: الحديث فى "سنن ابن ماجة" رجاله (١) باب فى الوتر قبل النوم (٢٠٣:١). ٥٥ الوقت المستحب لصلاتى العصر والمغرب فى يوم الغيم إعلاء السنن غزوة فقال: ((بكروا بالصلاة فى اليوم الغيم، فإنه من فاته صلاة العصر حبط عمله)). رواه أحمد وابن ماجة (نيل الأوطار ٢٩٢:١)، ورواه ابن حبان فى "صحيحه" (العزيزى ٢: ١٣٢). ٥١٠- عن: عبد العزيز بن رفيع قال: بلغنا أن رسول الله عَلِّ قال: ((عجلوا صلاة العصر فى يوم الغيم)) رواه سعيد بن منصور فى "سنة" وإسناده قوى مع إرساله. كذا قال الحافظ "الفتح" (١). قلت: وفى لفظ: ((عجلوا صلاة رجال الصحيح، ولكنه وهم فيه الأوزاعى، فجعل مكان أبى المليح أبا المهاجر، وقد أخرجه أيضا البخارى والنسائى عن أبى المليح عن بريدة بنحوه - إلى أن قال -: "وأما تقييد التبكير بالغيم فلأنه مظنة التباس الوقت، فإذا وقع التراخى فربما خرج الوقت أو اصفرت الشمس قبل فعل الصلاة ..... والحديث من الأدلة الدالة على استحباب التبكير، لكن مقيدًا بذلك القيد، وعظم ذنب من فاتته صلاة العصر" اهـ (نيل الأوطار ١ :٢٩٧). وقال الطيبى: "وليس ذلك من أحباط ما سبق من عمله، فإن ذلك فى حق من مات مرتدًا، بل يحمل الحبوط على نقصان عمله من يومه لا سيما فى الوقت الذى يقرب من أن ترفع فيه أعمال العباد إلى الله تعالى" كذا فى (العزيزى ١٣٤:٢). وقيل: المراد بالحبط الإبطال، أى بطل انتفاعه بعمله فى وقت ينتفع به غيره فى ذلك الوقت، وفى "شرح الترمذى": ذكر أن الحبط على قسمين: حبط إسقاط، وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات، وحبط موازنة، وهو إحباط المعاصى للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة، فيرجع إليه جزاء حسناته، وأقرب الوجوه فى هذا ما قاله ابن بزيزة أن هذا على وجه التغليظ وأن ظاهره غير مراد - والله تعالى أعلم- لأن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك اهـ. "عمدة القارى" ملخصاً (٢). (١) باب التبكير بالصلاة فى يوم غيم (٥٤:٢). (٢) هذه العبارة من قوله: "وقيل: المراد بالحبط الإبطال إلخ إلى هنا منقولة من عمدة القارى باب إثم من ترك العصر (٥٤٨:٢). ٥٦ ج - ٢ النهار فى يوم غيم وأخروا المغرب)) رواه أبو داود عنه فى "مراسيله". قال العزيزى: إسناده قوى مع إرساله (٣٩٤:٢). وحسنه فى "الجامع الصغير" بالرمز (٥٠:٢) . ٥١١- عن: عمر رضى الله عنه قال: ((إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر)) كذا فى "فتح البارى" (٥٤:٢). باب الأوقات المكروهة ٥١٢- عن: عقبة بن عامر الجهنى يقول: ((ثلاث ساعات كان رسول الله ودلالة الأحاديث على استحباب تعجيل صلاة العصر فى يوم الغيم ظاهرة، وكذا دلالة مرسل أبى داود على تأخير المغرب أيضا، والمرسل حجة عندنا. وقوله: "بكروا بالصلاة" فى حديث بريدة: اللام فيه عوض عن المضاف إليه، والمراد بها صلاة العصر، كما يظهر من السياق وهى المرادة بقوله: "عجلوا صلاة النهار" والله أعلم. قوله: "عن عمر رضى الله عنه إلخ". قلت: هذا الأثر صحيح أو حسن على قاعدة الحافظ ، فإنه صرح فى "المقدمة" بأنه لا يورد فى شرحه أحاديث زائدة إلا بشرط الصحة أو الحسن. قال فى الكنز: "وما فيه العين يعجل فى يوم الغين، ويؤخر ما سواهما" اهـ. فثبت تأخير المغرب والظهر وتعجيل العصر بالأحاديث. وأما التعجيل فى العشاء فلأن فى تأخيرها تقليل الجماعة مخافة المطر. وأما التأخير فى الفجر فلأن فى تعجيلها مظنة أداء الصلاة قبل وقتها، على أن التأخير فيها مستحب عندنا مطلقا بأحاديث الإسفار، والله أعلم. باب الأوقات المكروهة قوله: "عن عقبة بن عامر إلخ" قلت: دلالة الحديث على الباب ظاهرة. قال ٥٧ الأوقات المكروهة إعلاء السنن ◌َّ لِّ ينهانا أن نصلى فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة (١) حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب اهـ)). رواه مسلم (١ : ٢٧٦) الشيخ - أطال الله بقائه -: وأما قوله: "أن نقبر فيهن موتانا" فمعناه عند علمائنا، أن نصلى على موتانا (٢) كما بوب عليه "الترمذى" فقال: (باب ما جاء فى كراهة صلاة الجنازة عند طلوع الشمس) ثم ذكر هذا الحديث، وكما نقل الزيلعى عن ابن المبارك أنه قال: معنى: "أن نقبر فيها موتانا" يعنى صلاة الجنازة، انتهى (١٣١:١). قال الشيخ: ووجه العلاقة بين أن نقبر وأن نصلى أن أصل المشروع هو المقارنة بين الصلاة وبين الدفن إلا بعذر، فكان الدفن فى هذه الأوقات مستلزما للصلاة فيهن، فنهى عن الملزوم وقصد النهى عن اللازم كناية لكونها أبلغ. ومما يؤيد هذا الحمل أن التكفين فى هذه الأوقات مشروع إجماعا، ولا فرق بينه وبين الدفن، بل التكفين أولى بأن يلحق بالصلاة لكونه من مقدماتها بخلاف الدفن، فإن لحوقه بالصلاة بعيد. وقال فى "الدراية" بعد نقل حديث عقبة هذا: "وأخرجه ابن شاهين فى الجنائز بلفظ: "أن نصلى على موتانا" وهذا يرد حمل أبى داود له على الدفن الحقيقى" اهـ(٣). ولكن قال فى التلخيص: "فيه خارجة بن مصعب، وهو ضعيف اهـ. خارجة بن مصعب مستقيم الحديث: قلت: فيه خارجة بن مصعب عن ليث بن سعد كما فى "نصب الراية" (١٣١:١)، وضعفوه، إلا أن مسلما قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن خارجه، (١) قال النووى: الظهيرة حال استواء الشمس ومعناه حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظل فى المشرق ولا فى المغرب: (٢٧٦:١) (مؤلف) . (٢) الدراية لتخريج أحاديث الهداية للحافظ ابن حجر، فصل فى الأوقات التى تكره فيها الصلاة ص٥٦). (٣) وعلى ذلك حمله مالك وأحمد وإسحاق والأوزاعى أيضا، فيجوز عندهم الدفن فى هذه الأوقات الثلث مطلقاً، ولا تجوز صلاة الجنازة، وقال الشافعى: تجوز ولا يجوز تعمد الدفن فيها راجع (تحفة الأحوذي ١٤٤:٢ باب ما جاء فى كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس). ج - ٢ الأوقات المكروهة ٥٨ فقال: مستقيم الحديث عندنا ولم يكن ينكر من حديثه إلا ما يدلس عن غياث بن إبراهيم إلخ (تهذيب التهذيب ٧٧:٣)، وقال ابن عدى: "هو ممن يكتب حديثه اهـ (نقد الرجال ص٣٨) فالحديث مما يعضد به. ثم اعلم أن كراهة صلاة الجنازة فى هذه الأوقات مخصوصة بما إذا لم تحضر الجنازة فى هذه الأوقات وإذا حضرت فيها لا تؤخر الصلاة عليها ودليل التخصيص قوله عليه السلام: ((اسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم» (متفق عليه) كذا فى "بلوغ المرام" (١٠٧:١) ففيه الأمر بالإسراع بالجنازة، وهو يقتضى التعجيل فى جميع أمورها، وروى ابن ماجة عن على مرفوعًا بسند رجاله موثقون: "لا تؤخروا الجنازة إذا حضرت" (١٠٨:١). والمسألة مذكورة فى الكتب الفقهية كما فى "البحر الرائق": "وأما إذا تلاها فيها أو حضرت الجنازة فيها فأداها فإنه يصح من غير كراهة إذا الوجوب بالتلاوة والحضور لكن الأفضل التأخير فيها، وفى "التحفة": الأفضل أن يصلى على الجنازة إذا حضرت فى الأوقات الثلاثة ولا يؤخرها بخلاف الفرائض" (٢٦٣:١)، ونقل العينى عن "المحيط": والأولى أن لا يؤخر صلاة الجنازة (أى فى الأوقات المكروهة) لأن تأخيرها مكروه" (٥١٢:١)، وفى "غنية المستملى": " ولكن هل الأفضل تأخيرها كسجدة التلاوة أم لا؟ قال فى التحفة: الأفضل أن يصلى عليها ولا يؤخر انتهى، والفرق ظاهر لأن التعجيل فيها مطلوب مطلقا إلا لمانع، وحضورها فى وقت مباح مانع من الصلاة عليها فى وقت مكروه، بخلاف حضورها فى الوقت المكروه إلخ " (ص٢٣٦)، وفى "العالمكيرية": "لكن الأفضل فى سجدة التلاوة تأخيرها وفى صلاة الجنازة التأخير مكروه، هكذا فى التبيين" (٣٢:١). قلت: ثبت بقول صاحب "المحيط" وصاحب "الغنية والتبيين" أن الأولى أن لا تؤخر صلاة الجنازة إذا حضرت فى الأوقات المكروهة، وهكذا يفهم من كلام صاحب "البحر".حيث نقل قول صاحب "التحفة" آخراً ولم يتكلم عليه، مع أن عادته رحمه الله الكلام على ما هو ضعيف عنده، فحاصل النقول المعتبرة أن الأولى هو الصلاة على الجنازة إذا حضرت فى تلك الأوقات، وأيضا علم بقول العلامة الإمام الزيلعى رحمه الله، شارح "الكنز" أن التأخير فيها إلى حضور الوقت الغير المكروه مكروه، فافهم. ۔ :٥٩ الأوقات المكروهة إعلاء السنن كراهة الصلاة عند الاستواء: وأما الكلام على النهى عن الصلاة فى نصف النهار فمذهبنا إطلاق النهى (١) للحديث المذكور فى المتن، وأما ما ورد من استثناء يوم الجمعة فقد رواه الشافعى رحمه الله، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثنا إسحاق بن عبد الله (ابن أبى فروة) عن سعيد المقبرى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله مظهره نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة (مسند الشافعى ص٣٥)، وبه قال الشافعى وأبو يوسف رحمهما الله من أئمتنا (٢). والجواب عنه أن استثناء يوم الجمعة لم يرد فى حديث صحيح، وكل ما جاء فيه فهو ضعيف بأسره. قال الحافظ فى "التلخيص" بعد ذكر الحديث المذكور: "وإسحاق وإبراهيم ضعيفان(٣)، ورواه البيهقى من طريق أبى خالد الأحمر عن عبد الله - شيخ من أهل المدينة- عن سعيد به، ورواه الأثرم بسند فيه الواقدى وهو متروك، ورواه البيهقى بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو متروك - إلى أن قال( -: وفى الباب عن واثلة رواه (١) ذهب مالك وأصحابه إلى أن الأوقات المنهى عنها هى الطلوع والغروب وبعد الصبح فقط، وأجاز الصلاة عند الزوال مطلقا، لأنه وجد العمل بالمدينة بكراهة الوقتين فقط، ولم يجده فى وقت الزوال، وذهب الشافعى إلى أن وقت الزوال مكروه إلا يوم الجمعة، وذهب الجمهور إلى أنه مكروه مطلقا، راجع "بداية المجتهد" (باب١ فصال٢ من الصلاة ٧٩:١). .ثم إن الصلاة فى الأوقات الثلاثة لا تجوز عندنا مطلقا، لا فريضة مقضية، ولا سنة، ولا نافلة، إلا عصر يومه، فإنه يجوز أن يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه، فلو صلى فيها أحد فريضة أو كل ما هو دين فى الذمة ووجب كاملا بطلت، وإن كانت نافلة صحت مع كراهة التحريم (راجع معارف السنن ١٢٢:٢)، واتفق مالك والشافعى أنه يقضى الصلوات المفروضة فى هذه الأوقات، واختلف قول مالك فى جواز السنن عند الطلوع والغروب، وذهب الشافعى إلى أن الصلوات التى لا تجوز فى هذه الأوقات هى النوافل فقط التى تفعل لغير سبب، وأن السنن مثل صلاة الجنازة تجور فى هذه الأوقات ملخص من بداية المجتهد ٨٠:١). (٢) وهى رواية عن الأوزاعى وأهل الشام، كما فى (نيل الأوطار ٧٨:١). (٣) قلت: إبراهيم بن محمد مختلف فيه، وإسحاق بن عبد الله مجمع على ضعفه وتركه، كما فى (التهذيب ٢٤٠:١ إلى ٢٤٢) (مؤلف). (٤) قال صاحب الإمام: "وقوى الشافعى ذلك بما رواه عن ثعلبة بن أبى مالك عن عامة أصحاب النبى م لتر أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة" (تلخيص ٧٠:١). قلت: حديث ثعلبة رواه الشافعى فى مسنده: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن ثعلبة بن أبى مالك أنه أخبره أنهم كانوا فى زمان عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فإذا خرج الإمام وجلس على المنبر وأذن المؤذن · جلسوا يتحدثون، حتى إذا سكت المؤذن وقام عمر سكتوا فلم يتكلم أحد اهـ (ص٣٥). فهذا الحديث ليس فيه ما ٢٠ ٦ الأوقات المكروهة ج - ٢ الطبرانى بسند واه عن أبى قتادة وسيأتى" (١). قلت: حديث أبى قتادة رواه أبو داود عن ليث عن مجاهد عن أبى الخليل عن أبى قتادة" عن النبى ◌َ ◌ّ أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة" (٤٢١:١)، قال أبو داود: وهو مرسل (يعنى منقطعا) مجاهد أكبر من أبى الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبى قتادة اهـ. وفى التلخيص: "وفيه ليث بن أبى سليم(٢)، وهو ضعيف. قال الأثرم: قدم أحمد جابر الجعفى عليه فى صحة الحديث) (٨٠:١)، وفى "فتح البارى": وجاء فيه حديث عن أبى قتادة مرفوعا: أنه مرَ ◌ّ كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة فى إسناده انقطاع وقد ذكر له البيهقى شواهد ،، (٣) ضعيفة إذا ضمت قوى الخبر قال العلامة القارى: "قول ابن حجر لكنه اعتضد بمجيئه من طريق أخرى موصولا غير مقبول، من غير بيان أنه من أى طريق موصول" اهـ (مرقاة ٦٤:٣). وفى "رد المحتار": فشراح " الهداية" انتصروا لقول الإمام، وأجابوا عن الحديث المذكور بأحاديث النهى عن الصلاة وقت الاستواء، فإنها محرمة، وأجاب فى "الفتح" بحمل المطلق على المقيد، وظاهره ترجيح قول أبى يوسف، ووافقه فى الحلية كما فى البحر، لكن لم يعول عليه فى شرح المنية والإمداد على أن هذا ليس من المواضع التى يحمل فيها المطلق على المقيد كما يعلم من كتب الأصول، وأيضا فإن حديث النهى صحيح رواه مسلم وغيره، فيقدم بصحته واتفاق الأئمة على العمل به وكونه حاظرًا، ولذا منع علمائنا عن سنة الوضوء وتحية المسجد وركعتى الطواف ونحو ذلك، فإن الحاظر مقدم على المبيح" (٣٨٥:١). يدل على أنهم كانوا يصلون وقت الاستواء، بل غاية ما فيه أنهم كانوا يصلون إلى خروج الإمام ويتحدثون وقت = الأذان، ولكن هذا القدر لا يتم الاحتجاج به ما لم يثبت أن الإمام كان يخطب بعد الزوال على الفور، وأحاديث النهى عن الصلاة وقت الاستواء صريحة، وهذا الحديث مبهم لا يدل صراحة على صلانهم وقت الاستواء ويمكن إرجاعه إلى أحاديث النهى، والله أعلم. (١) التلخيص، باب أوقات الصلاة (١٨٨:١ رقم ٢٧٣). (٢) قال فى التقريب: صدوق اختلط أخيرا، فلم يتميز حديثه فترك اهـ (ص١٧٦) (مؤلف). (٣) فتح البارى، باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر وبعد الفجر (٥١:٢).