Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
:
جواز التيمم بما لا غبار عليه من جنس الارض
إعلاء السنن
٢٩٠- عن: أبى ذر قال: قال رسول الله عز له: ((الصعيد الطيب وضوء
المسلم» (وفى رواية لأبى داود والترمذى: طهور المسلم) ولو إلى عشر سنين، ما
لم يجد الماء)) الحديث، أخرجه أبو داود (وابن حبان فى "صحيحه"، والحاكم
فى "المستدرك"، وصححه والترمذى وقال: حديث حسن صحيح، كذا فى
"نصب الراية" للزيلعى ٧٧:١)، وصححه الدارقطنى أيضا (فتح البارى
٣٧٨:١)، ولفظ عبد الرزاق وسعيد بن منصور: "إن الصعيد الطيب كاف ما
لم تجد الماء" كذا فى "كنز العمال" (٥: ١٣٤).
٢٩١- عن: ابن عباس أنه (قال) يصلى بتيمم واحد ما شاء، ذكره ابن
وجعله وضوء المسلم وطهوره، فدل على أنه طهارة كاملة عند عدم الماء (١).
قوله: "عن ابن عباس إلخ" قلت: دلالته على الباب ظاهرة، قال الحافظ فى
"الفتح": "وذهب بعضهم من التابعين وغيرهم إلى خلاف ذلك(٢)، وحجتهم أن التيمم
طهارة ضرورية لاستباحة الصلاة قبل خروج الوقت ولذلك أعطى النبى من شر الذى
أجنب فلم يصل الإناء من الماء ليغتسل به، بعد أن قال له: عليك بالصعيد فإنه يكفيك،
لأنه وجد الماء فبطل تيممه، وفى الاستدلال بهذا على عدم جواز أكثر من فريضة بتيمم
واجد نظر" (٣٧٨:١).
قلت: وجه النظر أن من قال بكون التيمم طهارة كاملة يقول بانتقاضه بوجود الماء
فلا حجة عليه فى الحديث، وقد يقال إن النبى مّظهر عاجله بالماء قبل أن يتيمم، إذ ليس
فى الحديث أنه تيمم، أو يقال: إنه عليه السلام أمره بالاغتسال استحبابا لا وجوبا، كذا
(١) قال أبو حنيفة: إن التيمم حكمه حكم الوضوء فى جواز أداء الفرائض المتعددة به والنوافل ما لم يحدث، وبه قال
إبراهيم وعطاء وابن المسيب والزهرى والليث والحسن بن حيى وداود بن على، وهو المنقول عن ابن عباس.
وقال الشافعى: يتيمم لكل صلاة فرض، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (عمدة القارى ١٧٧:٢ باب الصعيد
الطيب وضوء المسلم) وقد أبيح عند الأكثر بالتيمم الواحد النوافل مع الفريضة، إلا أن مالكا رحمه الله يشترط
تقدم الفريضة، وشذ شريك القاضى، فقال: لا يصلى بالتيمم الواحد أكثر من صلاة واحدة، فرضا كانت أو
نفلا، (فتح البارى ١: ٣٥٤).
(٢) يعنى أنهم لا يجوزون أن يؤم المتيمم متوضئا، والجمهور على أن ذلك يجوز، وراجع لتفصيل الخلاف العمدة
١٧٨:٢

ج - ١
جواز التيمم بما لا غبار عليه من جنس الارض
٣٢٢
حزم (الجوهر النقى ٥٦:١)، ورواه ابن المنذر عنه (فتح البارى ٣٧٨:١)،
وكلام الحافظ يدل على صحته، وأخرجه البخارى تعليقا "أم ابن عباس وهو
متيمم"، ووصله ابن أبى شيبة والبيهقى وغيرهما، وإسناده صحيح، كذا فى
فى "الزيلعى" (٨٤:١) ولو سلم كونه أمره به وجوبا فهو للصلاة المستقبلة لا للتى صلاها
بالتيمم فافهم.
قال الحافظ: " وقد اعترف البيهقى بأنه ليس فى المسألة حديث صحيح من
الطرفين قال: لكن صح عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة، ولا يعلم له مخالف
من الصحابة. وتعقب بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس أنه لا يجب" اهـ (٣٧٨:١).
قلت: وهذا يدل على صحة الرواية عن ابن عباس أيضا، لأن الصحيح لا
يتعقب إلا بمثله. هذا، ولى فى كل ما قاله البيهقى نظر، أما قوله " ليس فى المسئلة
حديث صحيح من الطرفين " ففيه أنا ذكرنا فى المتن حديثين مرفوعین صحيحين،
الأول: حديث أبى ذر، وقد مر وجه دلالته على المقصود، والثانى: حديث عمرو بن
العاص أنه صلى بأصحابه وهو متيمم، وعلمه النبى ◌ّ ◌ٍ فضحك إليه، ولم يقل شيئا.
وسیأتی وجه دلالته على الباب.
أما قوله "ولكن صح عن ابن عمر إيجاب التيمم لكل فريضة إلخ" ففيه أنه ليس
فى قول ابن عمر - وهو ما رواه البيهقى من حديث نافع عنه أنه قال: يتيمم لكل صلاة،
وإن لم يحدث وقال: إسناده صحيح، كما فى "الزيلعي" (٨٣:١) - ما يدل على
الإيجاب بل يمكن حمله على الاستحباب، ولا يأباه لفظه، وإن سلم، فأين الدلالة فيه
على اختصاص وجوبه لكل فريضة دون النوافل؟ الظاهر من قوله "لكل صلاة" أنّ لا
يصلى بتيمم واحد أزيد من صلاة واحدة فريضة كانت أو نافلة وهو يخالف البيهقى كما
يخالفنا، هذا! وقد بقى بعد خبايا فى الزوايا رأينا طى الكشح عنها أولى.
قوله: "وأم ابن عباس إلخ": دلالته على أن التيمم يقوم مقام الوضوء ظاهرة،
ولو كانت طهارته ضعيفة، لما أم ابن عباس وهو متيمم من كان متوضأ، كذا قال الحافظ
فى "الفتح" (٣٧٨:١) قلت: وبه ظهر وجه دلالة الحديث بعده على معنى الباب،
والله تعالى أعلم.

٣٢٣
جواز التيمم لصلوة الجنازة ونحوها مع القدرة
إعلاء السنن
"(١)
الفتح
٢٩٢- عن: عمرو بن العاص قال: احتلمت فى ليلة باردة فى غزوة ذات
السلاسل، فتيممت وصليت بأصحابى الصبح، فذكروا ذلك للنبي مّ له،
فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله يقول: ﴿ولا تقتلوا
أنفسكم، إن الله كان بكم رحيما﴾، فضحك رسول الله مع له ولم يقل شيئا،
أخرجه أبو داود والحاكم وإسناده قوى (فتح البارى ٣٨٥:١) مختصرا،
وصححه الحاكم على شرطهما وأقره عليه الذهبى (١: ١٧٧).
باب التيمم
مع القدرة على الماء لصلاة الجنازة ونحوها مما ليس له بدل
إذا خاف فوتها لو اشتغل بالوضوء
٢٩٣- حدثنا عمر بن أيوب الموصلى عن المغيرة بن زياد عن عطاء عن
ابن عباس رضى الله عنه قال: "إذا خفت أن تفوتك الجنازة وأنت على غير
وضوء، فتيمم وصل". رواه ابن أبى شيبة(٢) (زيلعى ١: ٨١) ورجاله رجال
مسلم إلا المغيرة، وهو محتج به.
باب التيمم مع القدرة على الماء لصلاة الجنازة ونحوها مما
ليس له بدل إذا خاف فوتها لو اشتغل بالوضوء(٣)
قوله: "عن مغيرة بن زياد إلخ": وفى "الزيلعى": "ورواه الطحاوى فى" شرح
الآثار" ورواه النسائى فى "كتاب الكنى" عن معانى بن عمران عن مغيرة به موقوفا،
(١) باب الصعيد الطيب وضوء المسلم ١ : ٣٥٤.
(٢) كتاب الجنائز ٣: ٣٠٥.
(٣) واختلفوا فى جواز التيمم لصلاة الجنازة إذا خيف فواتها، فجواز التيمم لها مذهب أبى حنيفة وسفيان والأوزاعى
وجماعة، وقال مالك والشافعى وأحمد: لا يصلى عليها بتيمم (بداية المجتهد ١: ١٩٢ باب صلاة الجنازة،
فصل٥.

ج - ١
جواز التيمم لَصلوة الجنازة ونحوها مع القدرة
٣٢٤
٢٩٤- عن: نافع عن ابن عمر أنه أتى بجنازة، وهو على غير وضوء،
فتيمم ثم صلى عليها. رواه البيهقى فى المعرفة، كذا فى الجوهر النقى (١).
وأخرج ابن أبى شيبة نحوه عن عكرمة وعن إبراهيم النخعى وعن الحسن(١)"، وفى
"الجوهر النقى": قال البيهقى: (والذى روى مغيرة بن زياد عن عطاء عن ابن عباس فى
ذلك لا يصح عنه إنما هو قول عطاء كذلك رواه ابن جريج عن عطاء وهذا أحد ما أنكر
ابن حنبل وابن معين على المغيرة) قلت: (أى صاحب الجوهر النقى): المغيرة أخرج له
الحاكم فى المستدرك وأصحاب السنن الأربعة ووثقه وكيع وابن معين، وعنه: ليس
بثقة(١) وعنه له حديث واحد منكر، ووثقه أحمد بن عبد الله ويعقوب ابن سفيان وابن
عمار، حكاه الحسين بن إدريس فى الفصول التى علقها عنه، وقال ابن عدى: عامة ما
يرويه مستقيم إلا أنه يقع فى حديثه كما يقع فى حديث من ليس به بأس من الغلط ثم
رواية ابن جريج لا تعارض روايته، لأن عطاء كان فقيها، فيجوز أن يكون أفتى بذلك،
فسمعه ابن جريج ورواه مرة أخرى عن ابن عباس، فسمعه المغيرة، وهذا أولى من تغليط
المغيرة والإنكار عليه" (٥٩:١).
قوله: عن نافع عن ابن عمر إلخ" قال المؤلف: وفى الجوهر النقى: ثم قال (أى
البيهقى فى المعرفة): (وهذا لا أعلمه إلا من هذا الوجه، فإن كان محفوظا فإنه يحتمل
أن يكون ورد فى سفر، وإن كان الظاهر بخلافه) فقد صرح البيهقى هناك بأن الظاهر
بخلاف التأويل الذى ذكره هنا (أى فى السنن الكبرى) ولم يذكر فى سنده ضعفا كما
التزمه هنا(٤) بل تشكك فى كونه محفوظا، ولو صرح بأنه غير محفوظ لم يلزم منه
الضعف(٥) (٥٩:١). قال المؤلف: دلالة الحديثين على الباب ظاهرة على أن الأثر ذكره
أيضا الزيلعى (٨٢:١) وقال: "روى ابن عدى فى الكامل من حديث اليمان بن سعيد عن
(١) باب الصحيح المقيم يتوضأ للمكتوبة والجنازة والعيد ولا يتيمم، هامش البيهقى (١: ٢٣٠).
(٢) نصب الراية ١: ١٥٨ أحاديث التيمم للجنازة.
(٣) كذا فى الأصل، ولكن وقع فى نسختنا من الجوهر النقى: "وعنه ليس به بأس" (هامش البيهقى ١: ٢٣١).
(٤) حيث قال فى السنن: "وفى إسناد حديث ابن عمر فى التيمم ضعف ذكرناه فى كتاب المعرفة".
(٥) فيه نظر، تأمل (مؤلف).

٣٢٥
من تيمم وصلى فى أول الوقت ثم وجد الماء
إعلاء السنن
باب من تيمم فى أول الوقت
وصلى ثم وجد الماء فى الوقت، فلا يعيد الصلاة
٢٩٥- عن: عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال:
خرج رجلان فى سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيدا طيبا
فصليا، ثم وجد الماء فى الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة ولم يعد
الآخر، ثم أتيا رسول الله عّ لِّ فذكر ذلك له (١) فقال للذى لم يعد: أصبت
السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذى توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين. رواه أبو
داود(٢) وقال: وغير ابن نافع يرويه عن الليث عن عميرة بن أبى ناجية عن بكر
ابن سوادة عن عطاء بن يسار عن النبى ◌ّ لته، قال أبو داود: ذكر أبى سعيد فى
وكيع عن معانى بن عمران عن المغيرة بن زياد عن عطاء عن ابن عباس عن النبى مد له:
((إذا فجئتك الجنازة وأنت على غير وضوء فتيمم)) انتهى قال ابن عدى: هذا مرفوعا غير
محفوظ، والحديث موقوف على ابن عباس رضى الله عنه اهـ" .
وعمر بن أيوب الموصلى: قال ابن عمار مات سنة ثمان وثمانين ومائة، كذا ذكره
ابن حبان فى الثقات اهـ (٤٢٩:٧) وبعد ذلك فلا شك فى لقائه المغيرة وسماعه منه.
هذا: وفى الباب أثر عن إبراهيم أخرجه محمد، قال: "أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن
إبراهيم فى رجل تحضره الجنازة، وهو على غير وضوء، قال: يتيمم بالصعيد ثم يصلى،
ولا تفعل ذلك المرأة إذا كانت حائضا، قال محمد: وبه نأخذ وهو قول أبى حنيفة اهـ
كتاب الآثار (ص٣٩) قلت: رجاله ثقات معروفون.
باب من تيمم فى أول الوقت
وصلى ثم وجد الماء فى الوقت فلا يعيد الصلاة
قوله: "عن عطاء بن يسار إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة حيث قال
(١) ليس فى أبى داود لفظ "له" فى نسختنا، وذكره فى التلخيص.
(٢) باب المتيمم يجد الماء بعد ما يصلى فى الوقت ١: ٤٩.

ج - ١
من تيمم وصلى فى أول الوقت ثم وجد الماء
٣٢٦
هذا الحدیث لیس بمحفوظ، هو مرسل اهـ.
وفى التلخيص الحبير: "قلت: لكن هذه الرواية رواها ابن السكن فى
صحيحه من طريق أبى الوليد الطيالسى عن الليث عن عمرو بن الحارث
وعميرة ابن أبى ناجية جميعا عن بكر موصولا. قال أبو داود: ورواه ابن لهيعة
عن بكر فزاد بين عطاء وأبى سعيد أبا عبد الله مولى إسماعيل بن عبيد الله،
انتهى(١) وابن لهيعة ضعيف (٢) فلا يلتفت لزيادته ولا يعمل بها. رواية الثقة
عمرو بن الحرث ومعه عميرة ابن أبى ناجية، وقد وثقه النسائى ويحيى وابن
بكير وابن حبان وأثنى عليه أحمد بن صالح وابن يونس وأحمد ابن أبى مريم
،، (٣)
و"(٣).
عَ ظله للذى لم يعد الصلاة "أصبت السنة وأجرأتك صلاتك"(٤) وقال الشيخ: بقى الكلام
فى أنه هل يستحب الإعادة نظر إلى قوله عليه السلام للذى أعاد "لك الأجر مرتين" أم لا
يستحب؟ فالظاهر أنه لا يستحب بدليل قوله عليه السلام للذى لم يعد "أصبت السنة"
فثبت به أن عدم الإعادة سنة مشروعة، فلا محالة يكون غيرها خلاف السنة وخلاف
المشروع، فلا يجوز فضلا عن الاستحباب، وأما قوله عليه السلام للمعيد: "لك
الأجرتين" فسببه أن الحكم إذ ذاك كان مسكوتا عنه، وكان فيه مساغ للاجتهاد والمجتهد
يثاب على الخطأ أيضا لكن قبل النص، وأما بعد النص فلا اهـ.
(١) يعنى انتهى كلام أبى داود، وكلام الحافظ مستمر.
(٢) هو مختلف فيه (مؤلف).
(٣) التلخيص الحبير، كتاب التيمم ١: ١٥٦ رقم ٢١٢.
(٤) قال الشوكانى: والحديث يدل على أن من صلى بالتيمم ثم وجد الماء بعد الفراغ من الصلاة لا يجب عليه
الإعادة، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعى ومالك وأحمد، وقال طاؤس وعطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن
سيرين والزهرى وربيعة، كما حكاه المنذرى وغيره، أنها تجب الإعادة مع بقاء الوقت (نيل ١: ٢٣٢) وبذل
المجهود ١ : ٣٠٦.

٣٢٧
إعلاء السنن
باب التيمم مع القدرة على الماء لرد جواب السلام
ولكل ما لا تشترط له الطهارة
٦
٢٩٦- عن: أبى الجهيم ابن الحارث بن الصمة الأنصارى قال: ((أقبل
النبى منّ اله من نحو بئر حمل، فلقيه رجل فسلم عليه، فلم يرد النبى معَّ لِ حتى
أقبل على الجدار، فمسح بوجهه وبيديه ثم رد عليه السلام" . رواه البخارى(١).
باب التيمم مع القدرة على الماء لرد جواب السلام
ولكل ما لا تشترط له الطهارة
قوله: "عن أبى الجهيم إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة إلا أن الحديث
نص فى رد السلام، وبقية ما لا تشترط له الطهارة تقاس عليه، وجواز هذا التيمم صرح
به فى كتب الحنفية(٢) وأما عبارة المنية الموهمة لإلغاء التيمم لدخول المسجد فالمراد بهذا
الدخول هو المشروط لها الطهارة، بقرينة اقترانه بمس المصحف الذى يشترط لها الطهارة
قطعا، فاندفع الوهم، قاله شيخى. وفى المشكاة (١٤١:١ طبع النظامى) "عن أبى الجهيم
ابن الحارث ابن الصمة قال: مررت على النبى مرّ التّه وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد على
حتى قام إلى جدار فحته بعضا كانت معه، ثم وضع يديه على الجدار فمسح وجهه
وذراعيه، ثم رد على ذكره فى شرح النسة، وقال: هذا حديث حسن" اهـ فهذا الحديث
مفسر لقول المتن: "يديه" وأما الحت فلا يدل على اشتراط الغبار فى التيمم، فإنه يحتمل
أن يكون ذلك تنظيفا، فإن ظاهر الجدار لا يكون نظيفا فى الأكثر، أفاده شيخى.
(١) باب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء وخاف فوت الصلاة ١: ٤٨.
(٢) راجع البحر ١: ١٥٠ و١٥١ ورد المحتار ١: ٣٥٥ والعمدة ١: ٨٨٤.

ج - ١
٣٢٨
باب جواز التيمم فى أول الوقت لراجى الماء فى آخره
٢٩٧- عن: مالك عن نافع أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف،
حتى إذا كانا بالمربد نزل عبد الله فتيمم صعيدا طيبا، فمسح بوجهه ويديه إلى
المرفقين، ثم صلى. أخرجه مالك فى الموطأ (١).
باب كفاية تيمم واحد لفرائض متعددة وعدم نقضه بخروج الوقت
٢٩٨ - عن: أبى ذر قال النبى ◌ّ له: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن
لم يجد الماء عشر سنين)). رواه النسائي وابن حبان بسند حسن (العزيزى
شرح الجامع الصغير ٢: ٣٧٠) .
٢٩٩- عن: أبى هريرة، قال رسول الله مرّ له: ((الصعيد وضوء المسلم وإن
لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته، فإن ذلك
خير)). رواه بسند صحيح (العزيزى شرح الجامع الصغير ٢: ٣٧٠)
باب جواز التيمم فى أول الوقت لراجى الماء فى آخره
قوله: "عن مالك" قال المؤلف: إن الحديث مع انضمام رواية البخاری إلیه حيث
ذكر فيها أنه دخل المدينة والشعر مرتفعة فلم يعد. كما فى الزرقانى شرح الموطأ.
(١٠١:١) يدل على جواز التيمم فى أول الوقت لراجى الماء فى آخره، وبه قال أبو حنيفة
رحمه الله تعالى.
باب كفاية تيمم واحد لفرائض متعددة وعدم نقضه بخروج الوقت
قال المؤلف: إن هذه الروايات بإطلاقها صريحة فى أن التيمم طهور أى مطهر
كالوضوء، ويدل عليه قوله تعالى فى المائدة بعد ذكر الوضوء والغسل والتيمم: ﴿ما يريد
الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾
حيث ذكره فى معرض الامتنان بالوضوء والغسل والتيمم جميعا، فهو صريح فى أن
(١) العمل فى التيمم ص١٩ .

٣٢٩
إعلاء السنن
باب الرخصة فى الجماع لعادم الماء
٣٠٠- عن: حكيم معاوية عن عمه قال: ((قلت يا رسول الله! إنى أغيب
الشهر عن الماء ومعى أهلى، فأصيب منهم؟ قال: نعم! قلت: يا رسول الله! إنى
أغيب أشهرا، قال: وإن غبت ثلاث سنين)). رواه الطبرانى فى الكبير وإسناده
حسن كذا فى مجمع الزوائد(١).
باب التيمم لخوف البرد وللجرح
٣٠١- عن: عمرو بن العاص رضى الله عنه قال: احتلمت فى ليلة باردة
فى غزوة ذات السلاسل، فأشفقت أن أغتسل فأهلك، فتيممت، ثم صليت
بأصحابى الصبح فذكروا ذلك للنبي مرّ تّ فقال: ((يا عمرو! صليت بأصحابك
وأنت جنب؟ فأخبرته بالذى منعنى من الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله
يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) فضحك رسول الله
صَلىالله،
ولم يقل شيئا)). رواه أبو داود والحاكم، وإسناده قوى (فتح البارى
على وسلم
التيمم أيضا مطهر كالوضوء والغسل، فالثلاثة مشتركة فى ذلك، ولولاذلك لذكر منه
التطهير بعد الوضوء والغسل فقط.
وأما ما فى الزيلعى (١ :٨٣) " وروى البيهقى من حديث نافع عن ابن عمر رضى
الله عنه قال: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث وقال: إسناده صحيح" فهو محمول على
الاستحباب.
باب الرخصة فى الجماع لعادم الماء
قال المؤلف: دلالته على الباب حيث لم ينكر مرٍّ فعله هذا، وأقره عليه ظاهرة.
باب التيمم لخوف البرد وللجرح
قال المؤلف: دلالة مجموع الحديثين على الباب ظاهرة.
(١) آخر حديث فى باب التيمم ١: ٢٦٣.

٣٣٠
ج - ١
٣٥٨:١).
٣٠٢- عن: ابن عباس رضى الله عنه فى قوله عز وجل ﴿وإن كنتم
مرضى أو على سفر﴾ إلخ قال: "إذا كانت بالرجل الجراحة فى سبيل الله
والقروح فيجنب فيخاف أن يموت إن اغتسل، تيمم". رواه الدارقطنى موقوفا،
ورفعه البزار وصححه ابن خزيمة والحاكم (بلوغ المرام ص ٢١).
باب أن فاقد الطهورين لا تصح صلاته فيجب عليه القضاء
٣٠٣- عن: ابن عمر رضى الله عنه عن النبى مرّ لّ قال: ((لا يقبل الله
صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)). رواه الجماعة إلا البخارى كذا فى نيل
الأوطار (١٩٨:١).
باب أن فاقد الطهورين لا تصح صلاته فيجب عليه القضاء
قال المؤلف: وفى نيل الأوطار (١٨١:١): "المراد بالقبول هنا وقوع الطاعة مجزئة
رافعة لما فى الذمة، وهو معنى الصحة" اهـ. وفى قوت المغتذى على جامع الترمذى
(٢٠:١) "قال ابن دقيق العيد: فإن أريد تقرير الدليل على انتفاء الصحة من انتفاء
القبول، فلا بد من تفسير معنى القبول، وقد فسر بأنه ترتب الغرض المطلوب من الشىء
على الشىء، يقال: قبل فلان عذر فلان، إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه، وهو
محو الجنابة والذنب، فإذا ثبت ذلك فيقال مثلا فى هذا المكان: الغرض من الصلاة
وقوعها مجزئة بمطابقتها للأمر، فإذا حصل هذا الغرض ثبت القبول على ما ذكر من
التفسير وإذا ثبت القبول على هذا التفسير ثبتت الصحة، وإذا انتفى القبول على هذا
التفسير انتفت عن عائشة رضى الله عنها أنها استعارت من أسماء رضى الله عنها قلادة
فهلكت فبعث رسول الله عَظِلِّ رجالا فى طلبها فوجدوها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم
ماء، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا رسول الله عَ لِّ شكوا ذلك إليه، فأنزل الله عز وجل
أية التيمم. رواه الجماعة إلا الترمذى". وفيه أيضا: "استدل بذلك جماعة من المحققين
منهم المصنف (الشيخ ابن تيمية) على وجوب (أداء) الصلاة عند عدم المطهرين الماء
والتراب وليس فى الحديث أنهم فقدوا التراب وإنما فيه فقدوا الماء فقط ولكن عدم الماء

٣٣١
فاقد الطھورین لا تصح صلاته
إعلاء السنن
٣٠٤- عن: عمران بن حصين رضى الله عنه قال: قال رسول الله عز له
((لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول)). رواه الطبرانى فى الكبير
ورجاله رجال الصحيح، كذا فى مجمع الزوائد(١).
فى ذلك الوقت كعدم الماء والتراب، لأنه لا مطهر سواه ووجه الاستدلال به أنهم صلوا
معتقدين وجوب ذلك، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر عليهم النبى مرّ لته، وبهذا
قال الشافعى وأحمد وجمهور المحدثين، وأكثر أصحاب مالك، لكن اختلفوا فى وجوب
الإعادة، فالمنصوص عن الشافعى وجوبها، وصححه أكثر أصحابه. واحتجوا بأنه عذر
نادر، فلم يسقط الإعادة.
والمشهور عن أحمد، وبه قال المزنى وسحنون وابن المنذر، لا تجب. واحتجوا
بحديث الباب، لأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبى معَظ ◌ٍّ إذ لا يجوز تأخير البيان عن
وقت الحاجة. وتعقب بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت
الحاجة، وعلى هذا فلا بد من دليل على وجوب الإعادة" اهـ.
قلت: قد علمت بما ذكرنا من تقرير حديث المتن أن الصلاة لا تصح إلا بطهور،
وأدلة القضاء مشهورة، فلا تصح صلاته ويجب القضاء، والقضاء يجب على الفور
عندنا، كما سيأتى فى بابه، فالجواب عن الحديث بأنهم صلوا تشبها بالمصلين مع علمهم
أن القضاء يجب بالدليل الذى ذكر فى المتن، فلا حاجة إلى الأمر بالإعادة، وهذا
محتمل، والاحتمال يبطل الاستدلال.
وفى الدر المختار (٢٥٩:١ مع رد المحتار): "((والمحصور فاقد) الماء والتراب
(الطهورين) بأن حبس فى مكان نجس، ولا يمكنه إخراج تراب مطهر، وكذا العاجز
عنهما المرض يؤخرها عنده وقالا: يتشبه) بالمصلين وجوبا، فيركع ويسجد إن وجد
مكانا يابسا، وإلا يؤمى قائما، ثم يعيد كالصوم، (به يفتى، وإليه صح رجوعه) أى
٠١
الإمام
(١) باب فرض الوضوء ١: ٢٨٨، وروى هذا المعنى عن أنس والزبير بن العوام وأبى سعيد الخدرى وعبد الله بن
مسعود وأبى هريرة أيضا، ولكن بأسانيد ضعيفة.

ج - ١
٣٣٢
باب جواز التيمم فى الحضر
إذا کان الماء بعیدا عنه علی میل أو میلین
٣٠٥- عن: نافع عن ابن عمر قال: "رأيت النبى مَّ الله تيمم بموضع يقال
وفى رد المحتار: "لكن فى الحلية: الصحيح على هذا القول أنه يؤمى كيفما كان،
لأنه لو سجد صار مستعملا للنجاسة" ... ويمكن أن يكون الدليل على وجوب هذا
التشبه ما أخرجه الشيخان والإمام أحمد كما فى نيل الأوطار (٢٥٢:١) عن أبى هريرة
رضى الله عنه أن رسول الله مَّ ه قال: ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)).
تذييل فى اشتراط دخول الوقت للتيمم:
فى نيل الأوطار (٢٥٠:١): "عن أبى أمامة رضى الله عنه أن رسول الله مَّ فيٍ قال:
((جعلت الأرض كلها لى ولأمتى مسجداً وطهوراً، فأينما أدركت رجلا من أمتى الصلاة
فعنده مسجده وعنده طهوره)). رواه الإمام أحمد وإسناده ثقات إلا سيار الأموى وهو
صدوق" اهـ وفيه أيضا: "وقد استدل المصنف بالحديث على اشتراط دخول الوقت
للتيمم لتقييد الأمر بالتيمم بإدراك الصلاة وإدراكها لا يكون إلا بعد دخول الوقت
قطعاً(١)" (٣٥٢:١).
قلت: لا دليل فيه على ما ذكر، فإن الحديث فيه بيان وقت الحاجة، لأن وجوب
أداء الصلاة لا يتحقق قبل الوقت، وليس فيه تعرض للتيمم قبل الوقت، فلا يصح
الإستدلال به، ولما كان التيمم خلفا عن الوضوء والغسل، ويجوز كل منهما قبل الوقت
فجاز التيمم أيضا قبله.
باب جواز التیمم فى الحضر إذا كان الماء بعیدا عنه علی میل أو میلین
قوله: "عن نافع" فإن قيل: ما الدليل على كون النبى مرّ لتر أو ابن عمر مقيما فى
(١) قلت: قال الشوكانى بعد ذلك: "وقد ذهب إلى ذلك الاشتراط العترة والشافعى ومالك وأحمد بن حنبل وداود،
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجزئ قبل الوقت كالوضوء وهذا هو الظاهر ولم يرد ما يدل على عدم
الإجزاء (النيل ١: ٢٢٨ آخر باب اشتراط دخول الوقت للتيمم).

٣٣٣
جواز التيمم فى الحضر إذا كان الماء بعيدا
إعلاء السنن
له مربد النعم، وهو يرى بيوت المدينة" أخرجه الحاكم فى المستدرك (١: ١٨٠)
وقال: هذا حديث صحيح تفرد به عمرو بن محمد بن أبى رزين وهو صدوق
ولم يخرجاه، وقد أوقفه يحيى بن سعيد الأنصارى وغيره عن نافع قال: تيمم
ابن عمر على رأس ميل أو ميلين من المدينة، فصلى العصر فقدم والشمس
مرتفعة، ولم يعد الصلاة" . قلت: وأقره عليه الذهبى فى تلخيصه.
هذه الحالة حتى يتم الاستدلال به على جواز التيمم فى الحضر؟ وما المانع من كونهما
مسافرين وأنهما تيمما قبل الدخول فى البلد؟ قلت: أما النبى مرّ اتٍ فلم أقف على كونه
مقيما أو مسافرا فى هذا الوقت، وأما ابن عمر فكان مقيما حتما لما فى الموطأ من
التصریح عن نافع: أنه أقبل هو وعبد الله بن عمر من الجرف، حتى إذا كان بالمرید نزل
عبد الله بن عمر فتيمم صعيدا طيبا" اهـ (ص٧٥). قال العينى فى العمدة: "قال
الشافعى: الجرف قريب من المدينة، وزعم الزبير أن الجرفة على ميل من المدينة، وقال
ابن إسحاق: على فرسخ، وهناك كان المسلمون يعسكرون إذا أرادوا الغزو" (١٦٦:٢)
وفى التعليق الممجد "المربد بكسر الميم وسكون الراء وموحدة مفتوحة ودال مهملة على
ميل أو ميلين (١) من المدينة، قاله الباجى، قال: وفيه التيمم فى الحضر لعدم الماء إذ ليس
بين الجرف والمدينة مسافة القصر اهـ وإلى جوازه فى الحضر ذهب مالك وأصحابه وأبو
حنيفة والشافعى، وقال زفر وأبو يوسف لا يجوز التيمم فى الحضر بحال، قاله الزرقانى".
(ص٧٤).
قال فى مراقى الفلاح: "الثانى من شروط صحة التيمم العذر المبيح للتيمم، وهو
على أنواع كبعده ميلا (٢) وهو ثلاث فرسخ بغلبة الظن (فإن لها حكم اليقين فى
الفقهيات) هو المختار (أى التقدير بالميل هو المختار، وهو المشهور عند الجمهور) للحرج
بالذهاب إلى هذه المسافة، وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج، فيتيمم لبعده ميلا عن ماء
(١) قلت: لعله أزيد من ميل وأقل من ميلين، فحذف الكسر مرة واعتبر به أخرى، لأن المربد مجلس الإبل وفضاء
وراء البيوت ترتفق به كذا فى العينى، وهو لا يكون إلا بقرب البلد متصلا به، جزم الحافظ فى الفتح بأنه من
المدينة على ميل (١: ٣٧٤) (مؤلف).
(٢) قال فى الفتح: الميل فى اللغة منتهى مد البصر، كذا فى الطحطاوى على مراقى الفلاح (ص٦٦).

٣٣٤
ج - ١
باب جواز التیمم من صخرة لا غبار عليها
٣٠٦- عن: أبى الجهيم بن الحارث بن الصمة الأنصارى أنه سلم على
طهور، ولو كان بعده عنه فى المصر على الصحيح للحرج" (ص٦٦).
قلت: ودلالة أثر ابن عمر موقوفا ومرفوعا عليه ظاهرة، لأنه تيمم فى فناء المصر
ولها حكمه، فدل على جواز التيمم فى المصر أيضا إذا كان على بعد من ماء.
باب جواز التیمم من صخرة لا غبار عليها
قوله: "عن أبى الجهيم" قال العينى: استدل به (أى بحديث أبى الجهيم) بعض
أصحابنا على جواز التيمم بالحجر، قال: وذلك لأن حيطان المدينة مبنية بحجارة سود،
قال ابن بطال: فى تيمم النبى معَ ◌ّه بالجدار رد على الشافعى فى اشتراط التراب، لأنه
معلوم أنه لم يعلق به تراب، إذ لا تراب على الجدار وقال الكرمانى: ليس فيه رد على
الشافعى، إذ ليس معلوما أنه لم يعلق به تراب، وما ذلك إلا تحكم بارد إذ الجدار قد
يكون عليه التراب وقد لا يكون، بل الغالب وجود الغبار على الجدار مع أنه قد ثبت أنه
مُ ظلِ حت الجدار بالعصا ثم تيمم، فيجب حمل المطلق على المقيد، انتهى (١) قلت:
الجدار إذا كان من حجر لا يحتمل التراب، لأنه لا يثبت عليه. خصوصا جدران
المدينة، لأنها من صخرة سوداء، (وهى حجر أملس) وقوله: "مع أنه قد ثبت إلخ"
ممنوع، لأن حت الجدار بالعصا رواه الشافعى عن إبراهيم بن محمد (عن أبى الحويرث)
كما ذكرناه عن قريب (٢)، وهو حديث ضعيف، فإن قلت: حسنه البغوى كما ذكرنا،
قلت: كيف حسنه؟ وشيخ الشافعى وشيخ شيخه ضعيفان (٣) لا يحتج بهما قاله مالك
وغيره. وأيضا فهو منقطع، لأن ما بين الأعرج وأبى جهيم عمير، كما سبق من عند
(١) أى انتهى كلام الكرمانى، وكلام العينى مستمر، واعلم أن جميع ما بين القوسين فى هذه العبارة إدراج من
المؤلف.
(٢) أى فى ٢: ١٦٧ من العينى (مؤلف).
(٣) قلت: كلاهما مختلف فيه، أما شيخ الشافعى فوثقه هو، وأما أبو الحويرث فضعفه مالك والأكثرون، ووثقه ابن
حبان وابن معين فى رواية، وروى عنه شعبة، وهو لا يروى إلا عن ثقة، كذا فى التهذيب فى اسم "عبد الرحمن
ابن معاوية" (مؤلف).

22
إعلاء السنن
· جواز التيمم من صخرة لا غبار عليها
٣٣٥
النبى مرّ له، فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد عليه
السلام رواه البخارى (١: ٤٨).
٣٠٧- عن: عائشة قالت: كان رسول الله ◌ّ له إذا واقع بعض أهله
فكسل أن يقوم، ضرب يده على الحائط فتيمم. رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه
بقية بن الوليد وهو مدلس كذا فى مجمع الزوائد(١) قلت: ولكنه لا يضرنا، فإن
التدليس كالإرسال، وأيضا فقد اعتضد بما رواه البيهقى عنها: "أنه مّ له كان
إذا أجنب فأراد أن ينام توضأ أو تيمم" إسناده حسن كما فى فتح البارى(".
البخارى وغيره، ونص عليه أيضا البيهقى وغيره، وفيه علة أخرى، وهى (أن) زيادة حك
الجدار لم يأت بها أحد غير إبراهيم، والزيادة إنما تقبل من ثقة" انتهى (٣) ملخصا.
قلت: ومع ذلك فالحت بالعصا لا ينقر الحجارة حتى يخرج منها التراب، فالظاهر
أنه ◌ٍّ إنما حكه للتنظيف الظاهر، فإن سلم حسن الحديث وثبوت زيادة الحك، لزم
منه زوال تراب عسى أن يكون علق بالجدار، فيعود الحديث عليهم بالنقص، فالحق ما
قاله ابن بطال. وما قاله الكرمانى فى جوابه لا يخلو عن تعسف وتكلف. ويؤيد ما قلنا
حديث "الصعيد وضوء المؤمن المسلم" وقد مر ذكره، وقوله تعالى ﴿فتيمموا صعيدا
طيبا﴾ لأن الصعيد لا يختص بالتراب بل يعمه وغيره لقوله تعالى ﴿ فتصبح صعيدا
زلقا﴾ أى حجرا أملس قاله فى مراقى الفلاح (ص٦٩) فلا يصح قصره على التراب،.
وتفسير ابن عباس به لكونه أغلب، فلا ينافى التعميم.
قوله: "عن عائشة إلخ" قلت: وحيطان بيوت أزواج النبى مظلةٍ كانت من لبن،
ولها حجر، وأبيات مطرورة بالطين، كما ذكره السمهودى فى خلاصة الوفاء (ص ١١٩)
والجدار أكثر ما یکون خالیا عن الغبار ولم يثبت أنه کان یحته فثبت جواز التيمم بدون
الغبار.
(١) باب التيمم على الجدار ١: ٢٦٤ وباب من أراد النوم وهو جنب ١: ٢٧٤.
(٢) باب الجنب يتوضأ ثم ينام، ١: ٣١٣.
(٣) عمدة القارى، باب التيمم فى الحضر إذا لم يجد الماء ٢: ١٦٨ و١٦٩.

٣٣٦
. ج - ١
باب استحباب تأخير التيمم لراجى الماء فى الوقت
٣٠٨ - نا: شريك عن أبى إسحاق عن الحرث عن على قال: "إذا أجنب
الرجل فى السفر تلوم ما بينه وبين آخر الوقت فإن لم يجد الماء تيمم وصلى" .
أخرجه الدارقطنى(١) وسنده حسن.
٣٠٩- عن: يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه (٣) أن عمر بن
الخطاب اعتمر فى ركب فيهم عمرو بن العاص وإن عمر عرس ببعض الطريق
فاحتلم وقد كاد أن يصبح فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء.
الحديث أخرجه مالك وابن وهب وعبد الرزاق وسعيد بن منصور والطحاوى،
باب استحباب تأخير التيمم لراجى الماء فى الوقت
قوله: "نا شريك إلخ" قلت: دلالته على معنى الباب ظاهرة والتلوم التأنى
والانتظار ولم يقل أحد بوجوب ذلك، فوجب الحمل على الاستحباب.
قوله: "عن يحيى بن عبد الرحمن إلخ" قلت: دلالته على الباب ظاهرة حيث لم
يتيمم عمر رضى الله عنه لعدم الماء فى الركب، بل تلوم وسار حتى أدرك الماء واغتسل،
ويجب الطلب لو ظن بقرب الماء أقل من ميل لما روى عبد الرزاق عن على قال: "إذا
أجنبت فاسأل عن الماء جهدك، فإذا لم تقدر عليه فتيمم وصل، فإذا قدرت على الماء
فاغتسل". كذا فى الكنز (١٤٣:٥) وإنما قدرناه بالميل لما مر عن ابن عمر أنه تيمم على
رأس ميل أو ميلين من المدينة وروى عنه مرفوعا أنه رآى النبى مّ لتّه تيمم بموضع يقال له
(١) باب فى بيان الموضع الذى يجوز التيمم فيه ١: ١٨٦.
(٢) قلت: ليس فى الموطأ "عن أبيه" بل فيه: "مالك عن هشام عن أبيه عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب أنه
اعتمر مع عمر بن الخطاب إلخ" (ص ١٧) والصحيح ما فى كنز العمال، لأن يحيى لم يدرك عمر رضى الله عنه
كانت ولادته فى خلافة عثمان رضى الله عنه، كذا فى التهذيب (١١: ٢٥٠) فافهم وتنبه له (مؤلف) قلت: قال
الزرقانى: قال أبو عبد الملك: هذا مما عد أن مالكا وهم فيه، لأن أصحاب هشام الفضل بن فضالة وحماد بن
سلمة ومعمرا قالوا عن هشام عن أبيه عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه، فسقط لمالك "عن أبيه"
(الزرقانى: شرح الموطأ ١: ١٠١ فى إعادة الجنب الصلاة وغسله إذا صلى ولم يذكر) - تقى ...

٣٣٧
إعلاء السنن
ورواه ابن وهب فى مسنده أيضا من طريق سليمان بن يسار قال: "حدثنا من
كان مع عمر بن الخطاب فى سفر فأصابته جنابة وليس معه ماء، فقال: أ ترونا
لو رفعنا ندرك الماء قبل طلوع الشمس؟ قالوا: نعم! قال فرفعوا دوابهم فجاءوا
الماء قبل طلوع الشمس فاغتسل عمر". الحديث أخرجه فى كنز العمال،
وسنده الأول صحيح، وفى السند الثانى رجل مبهم، ولعله عبد الرحمن بن
حاطب كما يدل عليه السند الأول، وله رؤية وعدوه من كبار ثقات التابعين
كذا فى التقريب (ص ١١٦) على أن الانقطاع لا يضر عندنا.
أبواب المسح على الخفين
باب جواز المسح على الخفين واشتراط الطهارة له وخلعهما من الجنابة
٣١٠- عن: صفوان بن عسال رضى الله عنه قال: ((كان النبى عَّ
يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع خفافنا ثلثة أيام ولياليهن إلا من جنابة ولكن
مربد النعم، وقدمنا أن الراجح فى مريد النعم كونه على ميل من المدينة، فتذكر، والله
تعالى أعلم. وسند عبد الرزاق لم أقف عليه (١) وظنى أنه حسن لما له من الشواهد، منها
ما ذكرناه فى المتن عن الدارقطنى.
أبواب المسح على الخفين
باب جواز المسح على الخفين واشتراط الطهارة له وخلعهما من الجنابة
قوله: "عن صفوان إلخ" دلالته على الجزء الأول والثالث ظاهرة.
(١) قلت: أخرجه عبد الرزاق عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن الحارث عن على (المصنف ١: ٢٤٢ باب الرجل
يعرب عن الماء رقم ٩٢٤) فأما إسرائيل وأبو إسحاق فلا يسأل عن مثلهما، وإسرائيل أثبت تلامذة أبى إسحاق،
(كما صرح به الترمذى فى باب الاستنجاء بالحجرين ١: ٤) وأما الحارث فالغالب أنه الأعود الهمدانى والكلام
فيه طويل مشهور، قال الذهبى: وحديث الحارث فى السنن الأربعة والنسائى مع تعنته فى الرجال، فقد احتج
به وقوی أمره، والجمهور علی توهین أمره مع روایتهم حديثه فی الأبواب، فهذا الشعبی یکذبه، ثم یروى عنه،
والظاهر أنه كان يكذب فى لهجته وحكاياته، وأما فى الحديث فلا، وكان من أوعية العلم" (ميزان الاعتدال ١:
٤٣٧ رقم ١٦٢٧) ولكن قال شعبة: "لم يسمع أبو إسحاق منه إلا أربعة أحاديث"، و كذلك قال العجلى، وزاد:

ج - ١
المسح على الخفين
٣٣٨
من غائط وبول ونوم". أخرجه النسائي والترمذى، واللفظ له، وابن خزيمة
وصححاه، كذا فى بلوغ الجرام (ص١١).
٣١١- عن: أبى بكرة رضى الله عنه عن النبى ◌ّ ◌ّ أنه رخص للمسافر
ثلاثة أيام ولياليهن وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما .
أخرجه الدارقطنى والحاكم وصححه (بلوغ المرام ص١١).
٣١٢- عن: أنس رضى الله عنه مرفوعا: ((إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه
فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة)). أخرجه
الدارقطنى والحاكم وصححه (بلوغ المرام ص١١).
قوله: "عن أبى بكرة إلخ" دلالته على جميع أجزاء الباب ظاهرة، وهو يدل على
أن المسح رخصة لا عزيمة، فإن قلت: هذا الحديث معارض بحديث صفوان بن عسال .
الذى مر آنفا، حيث قيل فيه "أمرنا إلخ" فإن الأمر إذا لم يكن للوجوب الذى هو معناه
الحقيقى فهو للندب، وهو مناف للرخصة التى معناها عدم الإثم لا ترتب الثواب، قلت:
هذا باطل أما أولا فلأنه صرح فى كتب الأصول أن الخلاف بين كون الأمر موضوعا
للوجوب أو للندب أو للإباحة وكون الأصح وضعه للوجوب إنما هو فى صيغ الأمر لا
فى لفظ "الأمر" فإنه مشترك الإطلاق ومتساوى الاستعمال فى جميع الصيغ، سواء
استعملت للوجوب أو لغيره، فليس الوجوب معنى حقيقيا للأمر ولا للفظ "أمرنا" أو
"أمرنى" أو " كان يأمرنا" دلالة على وجوب المأمور به أو ندبه ما لم تنضم إليه قرينة
خارجية، فمعنى "أمرنى ربى" أذن لى ربى سواء كان واجبا أو مندوبا أو مباحا ورخصة،
فاجتمع معنى الأمر والرخصة.
وأما ثانیا فلأن الأمر عند عدم کونه للوجوب لا یتعین حمله على الندب، بل
الظاهر حمله على الأدنی وهو الإباحة، إلا أن يدل دليل على ما فوقه.
وسائر ذلك كتاب أخذه (الميزان ١: ٤٣٥) ولم أقف على تعيين هذه الأربعة ولما كان حديث الدارقطنى المذكور
فى المتن فى أول الباب مرويا عن أبى إسحاق عن الحارث عن على وقد حسنه المؤلف، فلا جرم يكون هذا
الحديث حسنا عنده أيضا.

٣٣٩
إعلاء السنن
٣١٣- عن: أبى أيوب رضى الله عنه أنه كان نزع خفيه، فنظروا إليه،
فقال: "أما إننى قد رأيت رسول الله مرّ ه يمسح عليهما، ولكن حبب إلى
الوضوء". رواه أحمد والطبرانى فى الكبير، وزاد عن أبى أيوب أنه كان يأمر
بالمسح على الخفين ويغسل رجليه، فقيل له فى ذلك، فقال: "بئس مالى إن
كان لكم مهناه وعلى مأتمه " ورجاله موثقون. كذا فى مجمع الزوائد(١).
باب أن المسح موقت
٣١٤- عن: عبد الرحمن بن أبى بكر عن أبيه أن رسول الله عز لتي وقت
فى المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، وللمقيم (يوم) (٢) وليلة رواه
ابن حبان فى صحيحه (زيلعى ١ :٨٧).
قوله: "عن أبى أيوب إلخ" قال المؤلف: وجه الدلالة أن أبا أيوب رضى الله عنه
لما قال حبب إلىّ الوضوء" فهم منه استحباب الوضوء، أى استحباب غسل القدمین،
فإنه يستحيل أن يكون ما هو خلاف السنة محبوبا للأنقياء فلا جرم أنه كان عنده علم
استحباب غسل القدمين وجواز مسح الخفين فعمل بالعزيمة وأمر غيره بالجواز فلا
تعارض بین قوله وفعله فافهم.
فائدة:
فى تدريب الراوى (ص١٩١): "وحديث المسح على الخفين من رواية سبعين
صحابيا" (أى من المتواتره).
باب أن المسح موقت
قوله: "عن عبد الرحمان إلخ" قال المؤلف: دلالته على الباب ظاهرة، وقد مر
(١) باب المسح على الخفين ١: ٢٥٥.
(٢) كذا فى الأصل، ومثله فى نصب الراية (١: ١٦٨) ولعله تصحيف والصحيح "يوما" كما فى موارد الظمآن
للهیثی ص ٧٢ رقم ١٨٤ .

ج - ١
المسح على الخفين موقت
٣٤٠
نحو ذلك فى حديث أبى بكرة المذكور فى الباب السابق (١).
وأما ما جاء فى عدم التوقيت فمنها ما فى التلخيص الحبير (٥٩:١) حديث خزيمة
ابن ثابت رضی الله عنه: "رخص رسول الله مپێ للمسافر ان يمسح ثلاثة أيام ولياليهن
ولو استزدناه لزادنا" أبو داود بزيادته وابن ماجة بلفظ " ولو مضى السائل على مسئلته
لجعلها خمسا" ورواه ابن حبان باللفظين جميعا، ورواه الترمذى وغيره بدون الزيادة، قال
الترمذى: قال البخارى: لا يصح عندى، لأنه لايعرف للجدلى سماع من خزيمة، وذكر
عن يحيى بن معين أنه قال: هو صحيح (١).
ومنها ما رواه الدارقطنى عن عقبة بن عامر قال خرجت من الشام إلى المدينة يوم
الجمعة، فدخلت المدينة ودخلت على عمر بن الخطاب، فقال: متى أولجت خفيك فى
رجليك؟ قلت: يوم الجمعة! قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا! قال: أصبت السنة. قال أبو
بكر: هذا حديث غريب، قال أبو الحسن: وهو صحيح الإسناد" اهـ (٧٢:١).
ومنها ما رواه أبو داود (٦٠:١): "عن أبى بن عمارة رضى الله عنه أنه قال: يا
رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم! قال: يوما؟ قال: يوما! قال: ويومين؟ قال:
ويومين! قال: ثلاثة؟ قال: نعم، وما شئت. قال أبو داود: رواه ابن أبى مريم المضرى عن
يحيى بن أيوب عن عبد الرحمان بن رزين عن محمد بن يزيد بن أبى زياد عن عبادة
ابن نسى عن أبى بن عمارة قال فيه "حتى بلغ سبعا، قال رسول الله مرّله: نعم ما بدا
لك" قال أبو داود: "وقد اختلف فى إسناده، وليس هو بالقوى. ورواه ابن أبى مريم
ويحيى بن إسحاق والسليخی ويحيى بن أيوب، واختلف فى إسناده" اهـ.
(١) وقد اختلف الناس فى ذلك، فقال مالك والليث بن سعد: لا وقت للمسح على الخفين، ومن لبس خفيه وهو
طاهر مسح ما بدا له، والمسافر والمقيم فى ذلك سواء، وروى مثل ذلك عن عمر وعقبة بن عامر وعبد الله بن
عمر والحسن البصرى وقال أبو حنيفة والثورى والأوزاعى والحسن بن صالح بن حى والشافعى وأحمد بن
حنبل وإسحاق بن راهويه وداود الظاهرى ومحمد بن جرير الطبرى بالتوقيت للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة
أيام ولياليهن، (نيل الأوطار ١: ١٥٩ باب اشتراط الطهارة قبل اللبس).
(٢) هنا انتهى كلام الحافظ فى التلخيص ١: ١٦١ رقم ٢١٩.