Indexed OCR Text
Pages 1-20
ر جـ اِ السُّنْنُ ٧ تأليف الحَّالتّائِالعَلامِ مُوْلاَناظّفَرَ اجِدِالجُمَانِى الَّهَانُوِيَّاللّه على ضوء ما أفاده جَنَّة الأمر الأِ الفِفِةِ الدّاعية كتيرَنا الشّرع المشرفة على التّهاتِ حققه وعلق عليه محمد فى عثمانى أستاذ الحديث بدار العلوم كراتشى أول طبعة على الكمبيوتر مزينة بترقيم الأحاديث، وعنوان البحث فى أعلى كل صفحة، مع تصحيح الأخطاء المطبعية الواقعة فى الطبعة السابقة الجزء الأول إِخْلِرَةُ القُرْ وَالنَجَاوُ الأَثْلامِيَةَ أشرف منزل د/٤٣٧، مكاردن البيت، كراتشى، باكستان إنَّارَةُ القَّانِ جميع الحقوق محفوظة لإدارة القرآن يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع ALL RIGHTS RESERVED FOR IDARATUL QRAN WAL ULOOMIL ISLAMIA No Part of this Book may be reproduced or uttilized in any form or by an / means ١٤١٨ هـ سنة الطباعة : بإدارة القرآن كراتشي الصف والطبع والإخراج نعيم أشرف نور أحمد اعتنى بإخراجه الفني وت مميمه على الكمبيوتر. أشرف على طباعته : فهيم أشرف نور من منشورات إدارة القرآن والعلوم الإسلامية ٢/ ٤٣٧ گارذن ایسک کراتشي ٥ - باكستان الهاتف : ٧٢١٦٤٨٨ فاكس : ٧٢٢٣٦٨٨-٠٠٩٢٢١ E. Mail: quran@biruni.erum.com.pk ويطلب أيضا من : باب العمرة مكة المكرمة - السعودية المكتبة الإمدادية السمانية، المدينة المنورة - السعودية مكتبة الإيمان . الرياض - السعودية مكتبة الرشد . انار كلي لاهور - باكستان إدارة إسلاميات ٣ ج - ١ بسم الله الرحمن الرحيم تقريظ بقلم العلامة المحقق البحاثة النقاد الشيخ عبد الفتاح أبى غدة حفظه الله تعالی الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين . وبعد، فمن أهم ما خدمت به السنة المطهرة: شرح أحاديث الأحكام، واستخراج ما فيها من فقه وتعليم، وأمر ونهى، وحلال وحرام ... وقد تبارت همم المحدثين الفقهاء من كل عصر ومصر، فى جمع تلك الأحاديث فى صعيد واحد، لتكون مرجعا سهلا قريب المنال لكل متفقه ومستفيد. ومن أفضل بل أفضل ما ألف فيها فى هذا القرن الرابع عشر، وأوسعه جمعا- من وجهة نظر السادة الحنفية -: كتاب "إعلاء السنن"، تأليف شيخنا العلامة المحدث الفقيه الأصولى البارع المتتبع الشيخ ظفر أحمد العثمانى التهانوى -رحمه الله تعالى- الذى بدئ بطبعه فى الهند بالطباعة الحجرية سنة ١٣٤١ وما بعدها، وتم طبع أپهزه هناك، ثم استكملت طباعته فى كراتشى من باكستان، فظهر فى عشرين مجلدا، ومنها مجلدان جعلا مقدمتين للكتاب، إحداهما مقدمة حديثية (١)، والأخرى أصولية فقهية، نظرا لما (١) وطبعت هذه المقدمة الحديثية النافعة الجامعة المسماة: "إنهاء السكن إلى من يطالع إعلاء السنن" فى الهند سنة. ١٣٤٥ بالطباعة الحجرية، ثم طبعت فى كراتشى من باكستان سنة ١٣٨٣ بالطباعة الحديثة ثم قد أنعم الله على- وله الفضل والمنة- بخدمة هذه المقدمة الحديثية الفذة، وتحقيقها والتعليق عليها وطبعها ونشرها باسم "قواعد فى = ٤ تقريظ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة إعلاء السنن انطوى عليه الكتاب من الأحاديث الشريفة فى المتن، والأحكام الفقهية، المستخرجة منها فى الشرح، فكان الكتاب بهذا الاستيفاء والعناية فى ذروة ما ألف فى موضوعه وكان سبب تأليف هذا الكتاب النافع العظيم، ما حدث من حوالى منتصف هذا القرن إذ قامت فى بعض بلاد الهند- قبل انقسام باكستان منها- نغمة من بعض الناس المسمين أنفسهم "أهل الحديث"! زعموا فيها أن مذهب السادة الحنفية- الذى هو مذهب جمهور المسلمين فى تلك البلاد الواسعة العريضة- يخالف الأحاديث النبوية فى كثير من مسائله، كما زعموا أيضا أن السادة الحنفية يقدمون القياس على الحديث الشريف، وكما أنكروا أيضا تقليد الأئمة الأربعة المتبوعين -رضى الله عنهم- وأطالوا لسانهم فى جنب فقه الحنفية، وجنب فقيه الملة الإمام أبى حنيفة بوجه أخص. فتصدى لرد هذه المزاعم الزائفة فحول العلماء فى تلك الديار الهندية، وأبطلوا هذه الدعاوى، بالتأليف الحديثية الكثيرة المحققة، وبينوا فيها استناد السادة الحنفية فى فقههم ومذهبهم إلى الأحاديث الشريفة، وأنهم يقدمون الحديث الشريف حتى الحديث الضعيف- على القياس، وأن القياس بشروطه: من الأدلة التى يجب العمل بها، وأن الحنفية لا ينقصون استدلالا بالسنة وتمسكا بها من غيرهم من الأئمة، إن لم يكونوا أقوى من سواهم تمسكا بالحديث والأثر. بل إن شيخنا مؤلف "إعلاء السنن" - رحمه الله تعالى- وزاد فى حسناته، قرر فى مقدمته الحديثية: "قواعد فى علوم الحديث" ص ٢٨٩ أن الحنفية يقدمون أقوال الصحابة على القياس- زيادة اتباع منهم للأثر - فضلا عن الأحاديث النبوية الشريفة. وبهذا الكتاب النادر الجامع الفريد "إعلاء السنن" وما قاربه من المؤلفات الحديثية، التى نهض بها علماء الهند وباكستان، فى تلك الديار التى تضطلع الآن من بين أمصار المسلمين بأعباء علوم السنة وخدمتها ونشرها: ذهب ذلك الإدعاء الزائف على الحنفية أدراج الرياح، وأسكت كل راغ متعاظم، أو والغ متعالم، وبدا لكل ذى عينين أن علوم الحديث"، وتم طبعها فى بيروت سنة ١٣٩٢ فى ٥٥٠ صفحة، وجاءت بفضل الله تعالى وتوفيقه تحفة ٠ علمية رائعة المنظر والمخبر، ولقيت أطيب القبول والاستحسان من كبار أولى العلم والعارفين بهذا الفن، والحمد لله رب العالمين. ...... ج - ١ تقريظ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة الحنفية من أعظم الناس تمسكا بالحديث والأثر، إلى جانب أنهم أهل رأى ونظر. وقد استوفى العلامة التهانوی - أجزل الله ثوابه وأجره، ورفع لدیه مقامه وذ کره - فی كتابه "إعلاء السنن"، أدلة أبواب الفقه كلها من باب الطهارة إلى ختام الأبواب الفقهية، بجهد بارع، وصناعة حديثية فقهية دقيقة، لفتت الأنظار إلى هذا الكتاب، حتى تخاطفته أيدى العلماء من حين صدوره وأصبح الحصول على نسخة منه من الأمانى الكبار فى نفوس العلماء الذين عرفوا هذا الكتاب عن كتب أو سمعوا عنه. وحسبك شاهدا على عظيم موقع هذا الكتاب: أن ترى مثل شيخنا الإمام الكوثرى -رحمه الله تعالى- يثنى عليه أطيب الثناء، ويطريه أصدق الإطراء، فى كتابه "مقالات الكوثرى" ص ٧٥، فى مقالته التى تحدث فيها عن تناوب الأقطار فى الاضطلاع بأعباء علوم السنة، فبعد أن أشار إلى جهود علماء الهند وباكستان، ومآثرهم فى خدمة السنة المطهرة فى القرون الأخيرة، ونهوضهم بأعباء علوم السنة من القرن العاشر حتى الآن، قال: "ولبعض علمائهم أيضا مؤلفات خاصة فى أحاديث الأحكام، على طراز بديع مبتكر، وهو استقصاء الأحكام من مصادرها، وحشدها فى صعيد واحد فى الأبواب، والكلام على كل حديث منها جرحاً وتعديلا وتقوية وتوهینا" . وبعد أن أشاد الإمام الكوثرى فى مدح كتاب "آثار السنن" المؤلف لمثل هذه الغاية للعلامة المحدث الفقيه الضليع الناقد الشيخ محمد بن على الشهير بظهير أحسن النيموى -رحمه الله تعالى- قال ما ملخصه: "وكذلك عنى بهذا الأمر العلامة الأوحد، والحبر المفرد، شيخ المشايخ فى البلاد الهندية، المحدث الكبير والجهبذ الناقد، مولانا حكيم الأمة محمد أشرف على التهانوى صاحب المؤلفات البالغ عددها نحو خمس مائة مؤلف ما بين صغير وكبير، - بل قد زادت مؤلفاته على ألف عند وفاته - فألف كتاب "جامع الآثار" فى هذا الباب. ويغنى عن وصف هذا الكتاب ذكر اسم مؤلفه العظيم، وهو مطبوع بالهند، إلا أن الظفر به أصبح بمكان من الصعوبة، حيث نفدت نسخه المطبوعة، لكثرة الراغبين فى اقتناء ٦ تقريظ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة إعلاء السنن مؤلفات هذا العالم الربانى، وهو بركة البلاد الهندية، وله منزلة سامية عند علماء الهند حتى لقبوه: حكيم الأمة. وهذا العالم الجليل قد أشار على تلميذه وابن أخته، المتخرج فى علوم الحديث لديه، المحدث الناقد، والفقيه البارع، مولانا ظفر أحمد التهانوى - زادت مآثره -. أن يستوفى أدلة أبواب الفقه، بجمع أحاديث الأحكام فى الأبواب من مصادر صعبة المنال، مع الكلام على كل حديث فى ذيل كل صفحة، بما تقضى به صناعة الحديث، من تقوية وتوهين، وأخذ ورد على اختلاف المذاهب. فاشتغل هذا العالم الغيور بهذه المهمة الشاقة نحو عشرين سنة اشتغالا لا مزيد عليه، حتى أتم مهمته بغاية من الإجادة بتوفيق الله سبحانه. والحق يقال: إنى دهشت من هذا الجمع وهذا الاستقصاء، ومن هذا الاستيفاء البالغ فى الكلام على كل حديث بما تقضى به الصناعة متنا وسندا، من غير أن يبدو عليه آثار التكلف فى تأييد مذهبه، بل الإنصاف رائده عند الكلام على آراء أهل المذاهب، فاغتبطت به غاية الاغتباط، وهكذا تكون همم الرجال وجد الأبطال. فيا ليت بعض أصحاب المطابع الكبيرة بمصر، سعى فى جلب الكتاب المذكور من مؤلفه، وطبعه بالحروف الجميلة المصرية، ولو فعل ذلك أحدهم لخدم العلم خدمة مشكورة، وملأ فراغا فى هذا الباب" انتهى كلام شيخنا الإمام الكوثرى رحمه الله. ولقد من الله تعالى بتحقيق هذه الأمنية الغالية الكريمة، وطبع هذا الكتاب الحديثى الفقهى العجاب، فى مدينة كراتشى من باكستان، متوجا بخدمة علمية ممتازة، من العلامة المحقق المحدث الفقيه الأريب الأديب فضيلة الشيخ محمد تقى العثمانى، نجل سماحة شيخنا المفتى الأكبر مولانا محمد شفيع مد ظله العالى فى عافية وسرور. فقام ذاك النجل الوارث الألمعى بتحقيق هذا الكتاب والتعليق عليه، بما يستكمل غاياته ومقاصده، ويتم فرائده وفوائده، فى ذوق علمى رفيع، وتنسيق فنى طباعى بديع، مع أبهى حلة من جمال الطباعة الحديثة الراقية فجاء المجلد الأول منه تحفة .- ٧ ج - ١ تقريظ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة علمية رائعة. تتجلى فيها خدمات المحقق اللوذعى تفاحة باكستان (١) فاستحق بهذا الصنيع العلمى الرائع: شكر طلبة العلم والعلماء. والله المسئول أن يتم على يديه إخراج هذا الكتاب الموسوعى النافع الكبير، ليكون ثقلا كبيرا فى زاخر حسناته إن شاء الله، وجزاه الله عن العلم وأهله خير الجزاء، وجزى بالخير أيضا ناشره وطابعه وكل من أعان على إخراجه فى هذه الحلة القشيبة والجمال المطبوع. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات. و كتبه الفقير إليه تعالی عبد الفتاح أبو غدة الرياض - كلية الشريعة ٣-٢-١٣٩٦ (١) هذا لقب لقبت به محقق هذا الكتاب حفظه الله تعالى ورعاء، وهو فى مقتبل الشباب من نحو خمسة عشر عاما، فى رحلتى الأولى لباكستان عام ١٣٨٢، وقد رأيت فيه النبوغ المتوثب، والذهن الوقاد، والعلم الغزير، والألمعية الفياضة، مع الروح الشفافة العالية والفصاحة العربية النادرة فى خطبه وارتجالاته. زاده الله من فضله وتوفیقه، ونفع به العباد والبلاد، وأکرمنی بصالح دعواته. ٨ إعلاء السنن بسم الله الرحمن الرحيم .... مقدمة التحقيق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه أجمعين، وعلى كل من حذا حذوهم إلى يوم الدين. وبعد: فإنى لا أجد فى هذه اللحظة السعيدة البهيجة لفظا ولا عبارة ولا أسلوبا يعبر عما فى خاطرى من عواطف السرور والشكر لله تبارك وتعالى على ما وفقنى لإخراج هذا الكتاب وتقديمه إلى القارئين فى هذه الحلة البهية واللباس الفاخر من الكتابة والطبع. وما كان لمثلى أن يطمع فى مثل هذه السعادة العظيمة، ولكنه خالص فضل من الله تعالى ومحض إحسان منه على عبد ضعيف كليل لا يقدر على الشكر كما هو حقه، وليس له إلا أن يستعير كلمات رسوله الكريم مرّظاهر: لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. وأود قبل الحديث عن الكتاب أن أتحف القارئ الكريم بترجمة موجزة للإمام الجهبذ الداعية الكبير حكيم الأمة الشيخ أشرف على بن عبد الحق التهانوى، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، فإنه أول من قام بهذا المشروع العلمى العظيم، وخطط له المنهاج، ودعا له العلماء، وأنار لهم السبيل، وصار معهم طوال العمل قائدا يقودهم وهاديا يهديهم، ینظر فی کل حرف مما کتبوا فیمدهم بإفاداته، ویفیض عليهم من معارفه. .... ..- ٩ ج - ١ ترجمة حكيم الأمة الإمام الشيخ أشرف على التهانوى كان رحمه الله من العلماء العباقرة الأفذاذ والدعاة البررة المخلصين الذين أناروا فى الهند مصابيح التجديد باهرة الشعلة ساطعة النور، وأخلصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله وإحياء علوم الدين، مرابطين على ثغور الإسلام، مثابرين فى الدعوة إليه، ومصابرين على ما يصيبهم فى هذا السبيل. ولد رحمه الله صباح الخامس من ربيع الثانى سنة ١٢٨٠ من الهجرة النبوية على صاحبها السلام، فى أسرة كريمة يبلغ نسبها إلى أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وأرضاه، بقرية "تهانه بهون" التابعة لمدينة " مظفر نيرر"، وهى تعتبر من القرى التى عرفت فى البلاد الهندية برجالها المبرزين، وعلماءها المهرة، وأولياءها الكبار، مثل العلامة المحقق الشيخ محمد أعلى التهانوى صاحب "كشاف إصطلاحات الفنون" - تلك الموسوعة العلمية الكبيرة التى حازت ثناء أهل العلم وثقة أهل المعرفة فى مشارق الأرض ومغاربها - ومثل العلامة الشيخ محمد التهانوى، والحافظ محمد ضامن الشهيد، والعارف المحقق الحاج إمداد الله المهاجر المكى، الذين لقبوا فى أنحاء هذه البلاد بالأقطاب الثلاثة، رحمهم الله تعالى رحمة واسعة. ولد حكيم الأمة رحمه الله فى هذه القرية العامرة بالعلم والدين، والورع والتقى، وترعرع فى بيئة دينية خالصة، وحفظ فيها القرآن وتعلم مبادئ الفارسية والعربية وعلوم الدين على أيدى أساتذة مهرة، وكان منذ نعومة أظفاره مكبا على العلم والعلماء، ميالا إلى الطاعات، بعيدا عن اللهو، وكان من رقة طبعه منذ ميعة صباه أنه لم يكن يتحمل النظر إلى بطن أحد وهو عريان، وكان إذا فاجأه صبى من الصبيان ببطنه المكشوف غلبه القىء، فكان الصبيان يعاكسونه ويكشفون أمامه عن بطونهم ليقىء، فكان رحمه الله ربما يتعب من القىء مرة بعد أخرى، وكانت هذه الرقة فى طبعه سببا تكوينيا من الله تعالى، جعلته لا يميل إلى مخالطة عامة الصبيان فأصبح بعيدا عن لهوهم وعبثهم. ١٠ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن وقد تعود رحمه الله صلاة الليل وهو ابن اثنتى عشرة سنة، وكانت زوجة عمه ربما تستيقظ فى منتصف الليل وتراه يصلى، فتحاول إشفاقا عليه أن يقلل منها، ولكنه لتأصلها فى نفسه لا يهتم بهذا، ويستمر فى صلاته. وهكذا صار يتعلم فى وطنه مبادئ العلوم الدينية، حتى إذا بلغ الخامس عشر من عمره رحل إلى "دار العلوم ديوبند" وكانت - ولا تزال - أكبر مركز للعلوم الدينية فى الهند، وجامعة علمية مكتثة بأولى العلم والفضل والمعرفة والتقوى، ومنهلا عذبا من مناهل العلم والدين، قد صدر منه ألوف من الرجال بعلم غزير، وخبرة واسعة، ونظر عميق، وعمل صالح، وتصلب دينى، ومذاق سليم فى الدعوة إلى الله والجهاد فى سبيله. فدخل - رحمه الله - هذه الدار المباركة وتلقى جميع العلوم العربية والأدبية، والعقلية والنقلية، لدى أساتذة قد جددوا ذكريات القدماء فى سعة إطلاعهم وجودة إتقانهم، مثل الإمام المجاهد الكبير الشيخ محمود الحسن الديوبندى، الذى لقب بـ "شيخ الهند" لمكانته الرفيعة فى العلم والتقوى، ولجهوده البنّاءة المتواصلة فى سبيل تحرير الهند من أيدى الاستعمار الإنكليزى الغاشم، ومثل مولانا العارف المحقق الشيخ محمد يعقوب النانوتوى، الذى عرف ببراعته فى جميع العلوم والفنون، واشتغاله بالذكر والطاعات، ومثل الإمام الفيلسوف مولانا الشيخ محمد قاسم النانوتوى مؤسس دار العلوم بديوبند، الذى طار صيته فى دقة نظره وعمق فكره ومؤلفاته البديعة فى علم الكلام والعقائد والفقه والحديث، ومثل مولانا الشيخ سيد أحمد الدهلوى، الذى بلغ فى العلوم العقلية الذروة، وكان قد نبغ فى العلوم الرياضية بمجرد المطالعة من غير أن يدرسها عند أستاذ. وبالجملة، فقد عاش حكيم الأمة التهانوى رحمه الله فى دار العلوم بين هؤلاء الأساتذة وأمثالهم رحمهم الله، واستفاد من علومهم وخدمتهم وصحتهم، ولم یکن له طول دراسته أى شغل غير دراسة كتبه وخدمة أساتذته ومشايخه، وكان له فى ديوبند عدة أقارب، كثيرا ما يوجهون إليه الدعوة لتناول الطعام عندهم، ولكنه كان يعتذر إليهم بأنه لم يدخل هذه البلدة إلا للتعلم والدراسة، فلم يذهب إليهم مدة خمس سنوات إلى أن فرغ من دراسته. وكانت النصارى والهنود زمن دراسته بديوبند قد نشروا بعثاتهم التبشيرية فى ....... ... ....... ....................... ......- ..................... ............... ١١ ج - ١ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى جميع أنحاء الهند، وكانوا يهددون المسلمين ويدعونهم إلى المناظرة والبحث فكان - رحمه الله - إذا وجد فرصة ذهب إليهم وناظرهم وغلب عليهم ببالغ حججه وناصع بيانه، حتى اشتهر فيما بين الطلبة والعامة بقوة المناظرة وملكة الخطابة. ولکن کان هذا کله زمن دراسته بديوبند، وأما بعد كونه شيخا محنكا فكان رحمه الله أبعد الناس عن المناظرة والجدل، لما كان يرى أن أمثال هذه المناظرات والبحوث يعوزها الإخلاص والصدق، وقلما تجدى فى جلب الناس إلى الهداية والرشاد. وهكذا تعلم رحمه الله فى دار العلوم بدیوبند، حتى فرغ من دراسته سنة ١٣٠٠ هـ، وكان من تواضعه أنه لما عزم أهل المدرسة على عقد حفلة كبيرة لتوزيع الشهادات والعمائم(١) على المتخرجين، فزع الشيخ رحمه الله وذهب مع بعض رفاقه إلى أستاذه مولانا الشيخ محمد يعقوب النانوتوى رحمه الله - وكان رئيس المدرسين يومئذ - وقال: "إننا قد سمعنا أن المدرسة ستمنحنا شهادة الفراغ من العلوم، وتضع على رؤوسنا العمائم، ولكن الحقيقة أننا لا نستحق هذه الشهادة وهذا الإكرام، ونخشى أن يكون ذلك سببا لسوء الظن بالمدرسة بأنها تخرج أمثالنا من الذين لا علم عندهم". ولكن أجاب الشيخ النانوتوى: "إنما تزعمون ذلك لأنكم فيما بين أحضان الأساتذة، فلا ترون علمكم شيئا أمام هؤلاء، وأشهد أنكم كما خرجتم من هذه المدرسة، عرف قدركم إن شاء الله، وكنتم أنتم المبرزين فى ميدان العلم لا يشق لكم غبار" . وصدق قوله رحمه الله حتی صار حکیم الأمة التهانوی قدس سره أكبر مرجع للعلماء والعامة، وأعظم مركز للعلم والدين، وقد شهد العلماء فى ذلك الوقت بأنه وحيد عصره فى العلم والتقوى، لا یجاری فیه ولا یباری. تدریسه: كان فى " كانبور" مدرسة شهيرة تسمى "الفيض العام" يدرس فيها مولانا الشيخ (١) قد جرت عادة المشايخ فى الديار الهندية منذ زمان أنهم يضعون العمامة على رأس تلميذهم حينما يفرغ من دراسته لتكون علامة على علمه وسيرته المرضية. ١٢ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن أحمد حسن الأمروهوى، وكان أستاذا متفوقا طار صوته فى جميع العلوم ولا سيما فى العلوم العقلية، وقد واجهه بعض ما يكره من قبل أصحاب المدرسة، فاستقال عن التدريس فيها وأسس مدرسة أخرى. فطلب أصحاب مدرسة "الفيض العام" من علماء ديوبند أن يبعثوا إليهم أستاذا، وكان الشيخ التهانوى قد تخرج من دار العلوم فى تلك السنة، فاختاره أساتذته لإجابة دعوتهم، فتحول رحمه الله إلى كانبور فى شهر صفر سنة ١٣٠٠ هـ، وهكذا صار بداية خروجه لإفادة الناس فى مطلع القرن الرابع عشر، ومن هنا اعتبره بعض العلماء مجدد هذا القرن فى الديار الهندية. وبالجملة، فقد اشتغل رحمه الله فى كانبور بالتدريس والدعوة والإرشاد والتأليف، وسرعان ما اشتهر فيما بين الطلبة بغزير علمه وحسن تدريسه وقوة خطابه، على رغم أنه تولى منصب شيخ محنك وهو فى ريعان شبابه. ثم أسس فى " كانبور" مدرسة أخرى باسم "جامع العلوم" وهى باقية بفضل الله تعالى حتى اليوم، فتتلمذ على يديه خلق كثير، ومن أجل تلاميذه مولانا الشيخ محمد إسحاق البر دوانى، الذى كان يحفظ صحيح البخارى كله عن ظهر قلبه، ومولانا الحكيم محمد مصطفى البجنورى صاحب التصانيف النافعة باللغة الأردية، ومولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى، الذى يكفى "إعلاء السنن" شاهدا على غزارة علمه وواسع خبرته. رجو عه إلى موطنه وبالجملة، فقد مكث الشيخ التهانوى رحمه الله فى كانبور مدة أربع عشرة سنة يفيد الناس بدروسه ومواعظه وتصانيفه، ثم حببت إليه الخلوة، فاستقال عن مدرسة كانبور فى شهر صفر سنة ١٣١٥ هـ وخلف فيها تلميذه مولانا الشيخ محمد إسحاق البردوانی، ورجع إلى موطنه "تهانه بهون" ولزم زاوية شيخه المسماة بالخانقاه الإمدادى، لأن شيخه الحاج إمداد الله المهاجر إلى مكة: كان قد أوصاه بذلك، ثم لم يزل مقيما بهذه الزاوية إلى أن توفاه الله تعالى فى سنة ١٣٦٢ هـ، وفى هذه الزاوية أظهر الله على يديه تلك الأعمال الدينية العظام التى تعجز عنها الجمعيات الكبيرة والمجالس العالمية. ١٣ ج - ١ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى وأنه ليصعب أن نذكر جميع هذه الأعمال أو أكثرها فى هذه الترجمة الموجزة، ولكننا نلم بشىء منها والله الموفق. مؤلفاته: كان حكيم الأمة الشيخ التهانوى رحمه الله أكثر الناس تأليفا فى عصره، ولا يوجد فى هذا القرن من يجاريه أو يدانيه فى كثرة المؤلفات، فإنه قد ترك خلفه نحو ألف كتاب مطبوع ما بين صغير وكبير. وليس موضوع دينى يحتاج إليه المسلمون فى هذا العصر إلا وله فيه كتاب أو رسالة أو موعظة مطبوعة. ولسنا نستطيع أن نستوعب ذكر جميعها فى هذه العجالة الموجزة، ولكن إليكم ذكر البعض الأهم منها :- فأما فى التفسير فله تفسير بديع باللغة الأردية باسم "بيان القرآن" فى أربع مجلدات صخيمة على القطع الكبير. يحوى مباحث علمية هامة من التفسير والنحو والبلاغة والفقه والكلام والتصوف. وإنما يعرف قدر هذا الكتاب إذا رجع إليه الرجل بعد مطالعة المطولات من كتب التفسير، فإنه يجمع لبها ومغزاها بعبارة موجزة علمية جامعة. وكان يود أن يؤلف "أحكام القرآن" باللغة العربية بنفسه، ليجمع فيه المسائل الفقهية والكلامية المستنبطة من القرآن الكريم، ولا سيما المسائل التى حدثت فى هذه العصور الأخيرة وليس لها ذكر فى كتب المتقدمين، ولكنه كان فى آخر عمره حين تعذر عليه التأليف بنفسه، ففوض تأليفه إلى أربعة من العلماء: فضيلة والدى مولانا الشيخ المفتى محمد شفيع، وفضيلة مولانا المفتى جميل أحمد، حفظهما الله. ومولانا الشيخ ظفر أحمد العثمانى صاحب إعلاء السنن ومولانا المحدث الشيخ محمد إدريس الكاندهلوى صاحب "التعليق الصبيح على مشكاة المصابيح" رحمهما الله تعالى. فألف مولانا الشيخ العثمانى منه جزئين، وفضيلة والدى الشيخ المفتى محمد شفيع جزئين. ومولانا الشيخ الكاندهلوى جزأ، وطبعت هذه الأجزاء بكراتشى طبعا ١٤ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن حجريا والباقى لم يطبع بعد، وفقنا الله تعالى لإخراج هذا الكتاب(١) على وجه يرضى القارئين . وللشيخ أيضا رسالة "التقصير فى التفسير" انتقد فيها بعض التفاسير العصرية، وشرح فيها قواعد نفيسة من أصول التفسير مما يغفل عنها كثير من الناس فى عصرنا، وله ثلاث وعشرون رسالة غيرها فى التفسير وعلوم القرآن. وأما فى الحديث فقد صنف بنفسه "جامع الآثار" و"تابع الآثار" واهتم بتأليف "إعلاء السنن" وسيأتى ذكر هذه الكتب مستقلا إن شاء الله. وأما فى الفقه فله "إمداد الفتاوى" فى ست مجلدات ضخمة باللغة الأردية، وهى مجموعة لفتاواه التى كتبها بنفسه، وكان رحمه الله أكبر مرجع للفتيا فى الهند، يرجع إليه المستفتون من مشارق الأرض ومغاربها ويكتب إليه العلماء الأفاضل فى مسائل عويصة أشكل عليهم أمرها فيجيبهم الشيخ ويحل مشكلات المسائل وغامضها بكل تحقيق وتدقيق، بما يثلج صدورهم ويشفى غلتهم. وإن "إمداد الفتاوى" شاهد عدل لعمق نظره فى الفقه. وفيها مباحث فقهية نفيسة وشرح لمعظم المسائل التى حدثت فى العصور الأخيرة، ويعتبر هذا الكتاب الآن أكبر مأخذ للمفتين فى باكستان والهند وبنغلا دیش. وله أيضا كتاب "بهشتى زيور" (حلىّ أهل الجنة) وهو فى سبعمائة صفحة تقريبا فى القطع الكبير. قد جمع فيه مسائل جميع أبواب الفقه والعقائد والتصوف، وصنفه فى الأصل لتعليم النساء، فجمع فيه علاوة على المسائل الدينية جميع ما تحتاج إليه النساء فى حياتهن الأسرية، وساعده فى تأليف هذا الكتاب جماعة من العلماء. وهذا الكتاب. وإن كان قد قصد به إفادة النساء فقد انتفع به الرجال كثيرا، ولم يجد العلماء عنه غنى، وترجم إلى عدة لغات محلية. وله أيضا " تحذير الإخوان عن الربا فى الهندوستان" و"رافع الضنك عن منافع البنك" فى تحقيق مسألة الربا و"الاقتصاد فى التقليد والإجتهاد" و"الحيلة الناجزة للحيلة (١) وقد تشرفت إدارة القرآن بفضل الله سبحانه وتعالى بطبع هذه الأجزاء طباعة حديثة جميلة والحمد لله . ١٥ ج - ١ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى العاجزة التى حقق فيها مسائل زوجات المفقود والعنين والمجنون والمتعنت ومسائل تفويض الطلاق وخيار البلوغ وأفتى فى معظم هذه المسائل بمذهب المالكية وحقق مذهبهم بالاستفتاء عن علمائهم، وله كثير من الرسائل غيرها فى تحقيق مسائل فقهية جزئية. وأما فى العقائد والكلام فله "الانتباهات المفيدة فى الاشتباهات الجديدة" وهو كتاب فريد فى بابه، جمع فيها الشبهات التى أوردها الملحدون على الإسلام، والتحريفات التى ارتكبها الذين يحاولون السير فى ركاب الغربيين ورد عليهم ردا بليغا ناجعا، وأثبت العقائد الإسلامية الأساسية بأدلة عقلية تقنع كل ذى عقل سليم وطالب حق، وقد طبعنا حالا بتوفيق الله تعالى ترجمته الإنكليزية، وله أيضا " المصالح العقلية للأحكام النقلية" وقد طبع ترجمته الإنكليزية أيضا- وله "شهادة الأقوام على صدق الإسلام" جمع فيه ثناء الكفار على الإسلام وتعاليمه، وله "إصلاح الخيال" و"أشرف. الجواب" و"الإكسير فى إثبات التقدير" و"الخطاب المليح فى تحقيق المهدى والمسيح ،، و "ذيل على شرح العقائد النسفية" و"دراية العصمة" فى الرد على فلسفة" هداية الحكمة" وكثير من الرسائل غيرها . وأما فى التصوف فله "مسائل السلوك من كلام ملك الملوك" باللغة العربية، استنبط فيه مسائل السلوك والتصوف من القرآن الكريم. و"التشرف بمعرفة أحاديث التصوف" جمع فيه الأحاديث التى يستنبط منها مسائل التصوف، وشرحها شرحا وافيا مع ذكر أصول التصوف ومسائله الأساسية، و"شرح المثنوى لمولانا الرومى فى ثمانى مجلدات و "معارف العوارف" فى مجلدين و"التكشف عن مهمات التصوف و"تلخيص البداية للغزالى" وتربية السالك وتنجية الهالك وهى مجموعة لما كتب إلى مسترشديه جوابا لأسئلتهم فى أمراضهم النفسية، ويحتوى على نكات بديعة فى إدراك العلل النفسية وعلاجها، لم يؤلف فى هذا الموضوع كتاب غيره فيما نعلم، وله رسائل کثیرة سوی ما ذكرنا فى التصوف. وأما فى الدعوة والإرشاد فله "حيات المسلمين" و"تعليم الدين" و"فروع الإيمان و "جزاء الأعمال" و"آداب المعاشرة" و"حقوق الإسلام" و"حقوق الوالدين" و"إرشاد الهائم فى حقوق البهائم" و"القول الصواب فى مسئلة الحجاب" و"إلقاء السكينة فى ١٦ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن إبداء الزينة، و"إصلاح الرسوم" و"حفظ الإيمان" فى الرد على البدع والعقائد الباطلة و "أغلاط العوام" و"إصلاح انقلاب الأمة" و"حقوق العلم" و"كثرة الأزواج لصاحب المعراج مَ لّه " و"إصلاح النساء" وكثير من الكتب غيرها. وأما فى الأذكار والأدعية فله "المأمول المقبول فى قربات عند الله وصلوات الرسول" اختصر فيها الأدعية المأثورة من الحصن الحصين وقسمها على سبعة أحزاب وقد بلغ هذا الكتاب أكثر بيوت المسلمين فى هذه البلاد يقرأ كل يوم، وله "زاد السعيد" فى صيغ الصلاة على النبى مَّه و"الخطب المأثورة" جمع فيه خطب النبى الكريم مَّهِ والخلفاء الراشدين و"خطبات الأحكام لجمعات العام" و"زوال السنة عن أعمال السنة" . وأما فى السيرة فألف فيها "نشر الطيب فى ذكر النبى الحبيب مَ له". وفى النوادر المتفرقة: "بوادر النوادر" و"بدائع الفرائد" و"اللطائف والظرائف". فهذه إلمامة يسيرة ببعض تصانيفه. وهذا كله سوى مواعظه المطبوعة فى مجلدات ضخمة، وسیأتی ذکرها فی ما يلى: مواعظه: وكان الشيخ رحمه الله زمن دراسته بديوبند، يتمرن على الوعظ والخطابة ويعقد كل ليلة الجمعة حفلة يجتمع فيها الطلاب، ويلقون كلماتهم مرة بعد أخرى، وكان الشيخ رحمه الله من سباق هذه الحلبة ومبرزى هذا الميدان، حتى أصبح بعد فراغه من الدراسة من أشهر الخطباء والوعاظ فى عصره، وجعل أثناء إقامته بكانبور يعظ الناس ويدعوهم إلى الخير، تعقد له الحفلات فى كل ناحية من نواحى البلد، ثم فى كل بلدة من بلاد الهند، واشتهرت مواعظه فى جميع أنحاء البلاد، تشد لأجلها الرحال، وتتحمل لاستماعها المشاق، وتنتهز لذلك الفرص. وحقا! کانت مواعظه کالبحر لا یری له ساحل، فيها من العلم والحكمة والأمثال والنوادر واللطائف والغرائب ما لا تحمله الأسفار. وفيها من بدائع التفسير والحديث والفقه والتصوف ما لا يوجد فى الكتب المتداولة، ينثر فيها ١٧ ج - ١ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى الشيخ من لآلى عرفانه ما يجلو القلوب وينور الأذهان. وكان لمواعظه من التأثير فى إصلاح النفوس وتقويم الأفكار ما لا يوجد له نظير فى هذا العصر، فكم من رجل كف بعد سماعها عما اعتاد من المعاصى. وكم من ضال قد تاب بها عن البدع والأهواء، وكم من متخبط فى الشكوك قد اهتدى بها إلى الإيمان واليقين. والذين قد أحدثت هذه المواعظ إنقلابا فى حياتهم قد يجاوز عددهم الآلاف من الرجال والنساء، ونحمد الله تعالى أن العدد الكبير من هذه المواعظ قد دونها تلامذته ومسترشدوه أثناء الوعظ، وطبع منها ما يبلغ نحو عشرين مجلدا، كل مجلد منه يحتوى على ستمائة صفحة على الأقل. فهذه المواعظ المطبوعة عين جارية مستمرة حتى اليوم، لا تكدى ولا تنقطع، ولا تنفد ولا تغور، وهناك رجال لا يحصون لم يصحبوا الشیخ التهانوى ولا رأوه، ولكنهم نالوا فوائد صحبته بمواعظه المطبوعة، وحدث فى حياتهم إنقلاب دينى عظيم. وكان من عاداته فى الوعظ أنه لم يكن يقبل عليه من عوض حتى لو أهدى إليه رجل بعد الوعظ شيئا بما يجعله كالعوض صورة لم يقبله أبدا، وكان يرجح فى مواعظه جانب الترغيب على الترهيب ويقول: "قد جربت طباع الناس فى هذا العصر فوجدتهم ينتفعون بما يشوقهم أكثر من إنتفاعهم بما يخوفهم، ولذلك أكثر فى مواعظى من الترغيب وأقل من الترهيب" (سيرة أشرف ص: ١٣٧ عن وعظ الباطن ص: ١٣٧) وكان يدعو الله سبحانه قبل الشروع فى الوعظ قائلا: "اللهم وفقنى لبيان ما (أيضا عن ذم النسيان: ص ١٥) يحتاج الحاضرون إليه وما يصلح أحوالهم". وكان لا يتعرض فى مواعظه للمسائل الخلافية فيما بين المسلمين، إلا إذا جاءت مسئلة خلافية أثناء كلامه، فيشرحها شرحا وافيا برفق ولطف. وحكمة ونصيحة، لا يغلظ فيه الكلام على مخالفيه، ولا يبالغ فى التشنيع عليهم كما هو عادة الوعاظ فى عصرنا، وإنما يتبع أسوة الأنبياء عليهم السلام فى قول لين وموعظة حسنة. ١٨ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن ملفوظاته: كان رحمه الله يعقد كل يوم بعد الظهر مجلساً عاما فى الخانقاه الإمدادى. يجتمع فيه تلاميذه ومسترشدوه وعامة الناس، فكان يعظهم ويجيب عن أسئلتهم المتفرقة، ويحدثهم بما بدا له من غير اقتصار على موضوع دون موضوع، وكان بعض الحاضرين فى هذه المجالس يدون كلامه وما يلقى فيه من إفادات، فطبع كلامه هذا باسم "الملفوظات" فى أكثر من عشرين مجلدا وتشتمل هذه "الملفوظات" على نوادر من علم وحكمة، ولطائف وظرائف، وقصص وأخبار، وموعظة وعبرة، وإصلاح وإرشاد، وأدب وخلق، ونقد ورد، وقد جرب علماء هذه الديار بأن لها أثرا بالغا فى تكوين المذاق الدينى السليم والتشجيع على الأعمال الصالحة. بيعته رحمه الله فى السلوك: قد شهدت التجربة أن مجرد غزارة العلم وسعة المطالعة لا يكفى فى تربية الإنسان تربية دينية قويمة. فإن إصلاح النفوس وتزكية القلوب وتقويم الملكات وتعديل الأخلاق لا يكاد يتحصل لرجل إلا بأن يتأسى فى حياته أسوة رجل من رجال الله، ويتمتع بملازمته وصحبته، ويستفيد من تعاليمه وتربيته، ويجلب إلى نفسه تلك المواهب العالية وذلك المذاق السليم الذى وفق له ذلك الرجل، ولذلك فسر سبحانه "الصراط المستقيم" بقوله "صراط الذين أنعمت عليهم" إشارة إلى أن الصراط المستقيم إنما هو صراط مشى عليه الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وفسره النبى من له بقوله: "ما أنا عليه وأصحابى" وقال تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلى﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ دلالة على أن الصراط المستقيم المطلوب إنما يهتدى إليه الرجل باتباع من ينيب إلى الله، وملازمة الصادقين الذين تهذبت نفوسهم واعتدلت عواطفهم النفسية. ولذلك قد استمرت عادة العلماء منذ عهد الصحابة والتابعين أنهم لا يكتفون بمجرد مطالعة الكتب وحفظ الأحاديث وتلقى الدروس، وإنما يهتمون بملازمة رجال الله والإستفادة من صحبتهم وخدمتهم. فكان الشيخ التهانوى رحمه الله ولوعا بملازمة شيوخه. حريصا على خدمتهم، ١٩ ج - ١ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى وبعد الفراغ من دراسته بايع العارف المتبصر الحاج إمداد الله المهاجر المكى بيعة السلوك ولا زمه مدة، واستفاد من صحبته، وذلك عند ما ذهب به والده إلى الحجاز للحج والزيارة سنة ١٣٠٠ فارتحل فى شوال وحج بيت الله وزار روضة النبي الكريم مَ لَّه. ومكث عند شيخه مدة، ثم حج مرة ثانية فى سنة ١٣١٠ هـ وبقى عند شيخه مدة ستة أشهر. ولازمه ملازمة لا تفتر ولا تنقطع، وبقوة استعداده وكمال عناية الشيخ أصبح فى هذه المدة اليسيرة كالمرآة تتجلى فيها سيرة شيخه وتترقرق فيها أخلاقه ومذاقه حتى أصبح معروفا فى دياره بعبادته وزهده وورعه، وبحسن تعليمه وتربيته، ونظف طريق التصوف عن الخرافات المحدثة والبدع الشنيعة وجدده تجديدا، ولنشرح عمله هذا بشىء من البسط: تجديده التصوف والسلوك: كان الناس فى أمر التصوف والسلوك ما بين إفراط وتفريط، فطائفة تزعم أن التصوف والسلوك من البدعات المحدثة ليس له أصل فى الكتاب والسنة، وأخرى تعتقد أن التصوف والسلوك اسم لبعض الكشوف والمواجيد والإشراقات التى تعترض لسالك هذا الطريق، وأن هذه الأحوال والتجارب النفسية هى المقصودة بالدين، ومن فاز بها تخلص عن ربقة الأحكام الشرعية الظاهرة. والذى صدرت منه بعض الشعوذة والتصرفات أو ظهرت له بعض الكشوف والمواجيد فى اليقظة أو المنام اتخذه الناس قدوة وإماما ، مهما زاغت عقيدته أو فسدت أعماله وأخلاقه. فقام حكيم الأمة الشيخ التهانوى رحمه الله بالرد على هاتين الفكرتين نظريا وعمليا. أما نظريا فقد أثبت فى كتبه وخطبه ومواعظه ومجالسه أن التصوف والإحسان جزء من أجزاء الدين وشعبة من شعب الإسلام، وأن أحكام الكتاب والسنة تنقسم إلى قسمين، قسم يتعلق بالأعمال الظاهرة التى تصدر من الأعضاء والجوارح مثل الصلاة والصوم والزكاة والحج والنكاح والطلاق وما إلى ذلك من الاحكام الشرعية التى بسطها الفقهاء فى كتبهم، والقسم الثانى من أحكام الكتاب والسنة يتعلق بالأعمال الباطنة التى محلها القلوب والأرواح، وفيها مأمورات ومنهيات، أما المأمورات فمثل الصدق والإخلاص، والخشية والرجاء، والشوق والأنس، والصبر والشكر، والتواضع ٢٠ ترجمة الشيخ أشرف على التهانوى إعلاء السنن والخشوع، وحب الله ورسوله مرّ لله والإنابة والإخبات إليه تعالى، وما إلى ذلك، وأما المنهيات فمثل الرياء والسمعة، والعجب والتكبر، والحقد والحسد واليأس والقنوط، وحب المال والجاه، وكثير من أمثالها . فالتصوف إنما يعتنى بهذا القسم من الأحكام الالهية كما أن الفقه يعتنى بالقسم الأول منها ، وإن القرآن والسنة مليئان بالنصوص الواردة فى هذا الصدد، غير أن الأحكام التى تتعلق بباطن الانسان لا يمكن امتثالها عادة إلا بتدريب وتمرین، وتربية ومراس، لأن الأمراض الباطنة مثل الرياء والعجب وغيرهما أمراض خفية ربما لا يدركها المريض بنفسه، وإنما يحتاج لإدراكها إلى رجل عارف محنك يشرف على حركاته وسكناته، وأعماله وخواطره، وأفكاره ووساوسه، وهذا الرجل المشرف يسمى فى التصوف شيخا. والرجوع إليه بيعة. وأما هذه الكشوف والخوارق، والشعوذة والتصرفات، والرويا والمواجيد، فأثبت الشيخ التهانوى رحمه الله أنها ليست من التصوف فى شىء. لا شك أن الله سبحانه وتعالى قد أظهر بعض الكرامات على أيدى الصحابة والأولياء، ولا ريب أنه تعالى قد من على بعض عباده بالكشوف الصادقة، ولكنها ليست مقصودة فى الدين، ولا حجة فى الشرع، ولا شاهدة لصاحبها بالولاية والتقوى والتقرب إلى الله، فإن أمثال هذه الكشوف والتصرفات لا يشترط لها الصلاح والتقوى، بل ولا الإسلام والإيمان، فانها ربما تحصل بالتمرين والممارسة للرجال فسقة كفرة، كما هو مشاهد من أصحاب ميسمرزم. فالمقصود فى التصوف إنما هو التخلق بالأخلاق الفاضلة، واجتناب الرذائل النفسية، والفائز الناجح فى هذا الطريق هو الذى تحلى بهذه الفضائل مع الامتثال التام للشريعة الإسلامية، والاتباع الكامل للسنة النبوية، فإن أعطاه الله بعد ذلك نصيبا من فراسة الإيمان، أو حظا من الكشوف الصادقة فهو منة زائدة من الله تعالى، وأما الذى حرم من هذه الأخلاق الفاضلة واتباع السنة النبوية، ولم يجتنب هذه الرذائل النفسية، فهو بعيد كل البعد عن التصوف والطريقة والولاية والسلوك، سواء كان يطير فى الهواء، أو يمشى على الماء أو يرقى فى السماء. فهذه الفكرة السليمة المعتدلة فى أمر التصوف مبسوطة فى شتى مؤلفات الشيخ ر