Indexed OCR Text

Pages 1-20

الدَّائية،
للإِمَاء الْحَافِظ ◌َبِى الفَصَلِ شَهَابْ الدِّين أخَّدُنْ عَلَّ
ابْنْ مُحمّد بْنٌ حَجَرُ العَسْقَلَانيّ
المتوفى سنة ٨٥٢ هجرية
صَحّصَه وَعَلّق عَلَيه
السَّعَبِ اللّه هَ سِمِ اليَمَانِى المدنى
الجزءُ الأول
دار المعرفة
بَيْروت- لبنان

:
.

٠
غبية الله الرّحَمُ الرَّحْمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، وتمسك
بسنته ، ودعا بدعوته .
وبعد: فإن أفضل الأعمال وأرجاها ، وأجلها وأعلاها ، نشر العلم الصحيح الذى نزل
به الروح الأمين على أطهر قلب، وأشرف لسان ، وأفضل رسول ، المجتبى لحمل الرسالة
العظمى ، فى الهدى ورسول الإنسانية، ورحمة الله للعالمين، سيدنا محمد صلوات الله
وسلامه عليه ، الذى أدى الأمانة على أكمل وجه وأحسنه ، وبلغ الرسالة فى شريعة مرسومة
النظام ، واضحة التعاليم ، لاتناقض فيها ولا اضطراب ، وبين للناس مانزل إليهم من ربهم ،
تبياناً جلياً مستقيماً لا لبس فيه ولا إبهام، أزال كل الشكوك والأوهام ، فبدد المخاوف
وحدد العلاقات ، ورسم الخطط الكفيلة بسعادة كل المجتمعات ، بتأييد سماوى من الله
وبروح ووحى منه.
إن لنشر كتب الحديث النبوى والتشريع الإسلامى ومحاسنه ومزاياه ، مزية رفيعة عالية
فى قلوب المسلمين منذ بعثة الرسول الكريم بعون الله. فقد حرص المسلمون على حفظ السنة
النبوية وإذاعتها ونشرها والدعوة إليها والذود عنها ، باذلين فى هذا السبيل النفس والنفيس ،
وكل غال ورخيص ، فالحرص على التعليم والمثابرة عليه والنشاط الملحوظ دأبهم ، والتحصيل
والحفظ والإتقان غايتهم ، ونشر السنة أغلا أمانيهم ، وإيصالها إلى أكبر عدد ممكن
من الأمم والاهتداء بهديها للانتفاع بها أسمى عدفهم ، غايات مقدسة سداها ولحمتها معرفتهم
التامة بمقدار هذا الدين الإسلامى المختار لهداية البشرية جمعاء.
إن من خير الكتب المؤلفة فى هذا الشأن ، كتاب ((الدراية فى تخريج أحاديث الهداية»
لخاتمة الحفاظ الإمام الجليل أحمد بن على بن محمد بن حجر العسقلانى ، فهو من خير ما ألف
فى أحاديث الأحكام، اختصره من كتاب (( نصب الراية فى تخريج أحاديث الهداية))
المحافظ الزيلعي ، وكم كان حسناً هذا العمل الرائع من كليهما :

- ٤ -
١ - الزيلعى: الذى خرج أحاديث الهداية تخريجاً واسعاً متقناً على طريقة الحفاظ
الأجلاء المحدثين ، وتكلم على الأحاديث جرحاً وتعديلا بما يتفق وأصول الحديث ،
بنزاهة وإخلاص وإنصاف ، غير متأثر إلا بالحق والحق وحده ، فهو بعمله هذا قد أثلج
صدور المنصفين بإقامة الدلائل على مسائل الفقه ، والرجوع بها إلى منابعها الأصلية :
كتاب الله العظيم، وسنة رسوله الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، ولفت النظر إلى أن
الأصل فى دراسة الحديث النبوى الشريف ، هو الاهتداء بهدى الرسول والعمل بما يقتضيه
الدليل، لأن هذه هى الثمرة التى يجنيها المتدين الذى يخشى أن يقدم أحداً بين يدى اللهورسوله،
فالرسول الأعظم وحده هو المطاع والمقدم . لأن طاعته من طاعة الله ، وغيره تبعاً له
إذا أطاعه ، فلا خير إلا دعا إليه ، ولا شر إلا حذر منه .
أما الحافظ الزيلعى صاحب الأصل مؤلف كتاب ((نصب الراية)) فهو الإمام الجليل
أبو محمد عبد الله بن يوسف بن محمد الزيلعى - نسبة إلى زيلع - البلدة المعروفة ، تفقه
ودرس على كبار العلماء، دراسة متقنة منظمة وبرع . وأدام النظر والتحصيل والاشتغال.
وطلب الحديث واعتنى به اعتناءاً خاصاً أكسبته شهرة واسعة وجعلته نجماً مرموقاً
فى الأوماط العلمية على اختلاف أنواعها ، لقد كان موضع إعجاب وتقدير كل من عرفه ،
فهذه كتب التراجم والطبقات تصفه بأنه كان نابغة واسع الاطلاع ، سمح النفس ، لطيف
الحس، يحمل روحاً رياضية صافية مشرقة ، متواضعاً أليفاً محبوباً، اجتمع مع بعض الحفاظ
الفحول الأجلاء من علماء عصره ، للمطالعة والدراسة والاستفادة والمذاكرة ، ومنهم
الحافظ العراقى ، ولعمر الله إن هذا التواضع، وكبح جماح النفس عن أهوائها، والحرص
على النفع والانتفاع مهما كان مصدره ، دلائل على سمو نفسه ، ورفعة شأنه، ونضوج عقله
وتفكيره. وهذا الحافظ ابن حجر يصفه فى الدرر الكامنة فيقول : ذكر لى - شيخنا
العراقى - أنه كان يرافقه فى مطالعة الكتب الحديثية ، لتخريج الكتب التى كانا قد اعتنيا
بتخريجها ، فالعراقى لتخريج أحاديث الإحياء ، والأحاديث التى يشير إليها الترمذى فى الباب،
والزيلعى لتخريج أحاديث الهداية والكشاف ، فكان كل واحد منهما يعين الآخر اه.
فهذه الصور الصحيحة تعطينا فكرة وضاءة عن متانة خلق الحافظ الزيلعى، وبالتالى
عن عبقريته الفذة ونبوغه ، وقد ظهر ذلك جلياً واضحاً فى تحصيله للعلوم ـ- والحديث منها .-
٠
:

- ٥ -
بنوع خاص ، وهكذا عاش طول حياته حريصاً على الإفادة والاستفادة درساً ودراسة
وتأليفاً وعبادة وتقى ، حتى وافته منيته فى القاهرة فى الحادى عشر من المحرم سنة اثنين وستين
وسبعمائة - ٧٦٢ - هجرية فى وقت كان العالم الإسلامى فى أشد الحاجة إلى فضله وعلمه،
ومواهبه الفذة وعبقريته النادرة ، وانتشر نعيه فى العالم الإسلامى كله بسرعة البرق ، وكان
هذا النعى شديداً عليهم لدرجة كبيرة ، بكوا فيه الأخلاق الفاضلة ، والمزايا الرفيعة ،
سقى الله جد ثه من وابل رحمته ، ونور ضريحه .
٢ - والحافظ ابن حجر الذى اختصر كتاب ((نصب الراية)، وسماه «الدراية فى تخريج
أحاديث الهداية ، لم يخرج عن دائرة تفكير الزيلعى فى تأليف كتابه ، ومشى معه فى نفس
الطريق ، سوى الاختصار فى العبارات وحذفها ، ومن قارن بين الكتابين يقضى العجب
من براعة ابن حجر فى الاختصار الذى لم يخل بأصل الكتاب ، ولا عجب فمن عرف ابن حجر
وحفظه وحذقه وذكاءه الخارق وسعة اطلاعه ، وسرعة قراءته المركزة واستيعابه مطالعة
دواوين كثيرة من كتب السنة لم يطلع على كثير منها إلا الأفراد ، عرف أنه ابن بحدتها ،
والحائز قصب السبق فى هذا المضمار. وابن حجر كما يظهر من تأليفه هذا أراد أن ينتفع به
أكبر عدد ممكن من الناس . الأمر الذى جعلنا نجزم بأنه هو الآخر يحمل روحاً رياضية
صافية وضاءة يمشى مع الحق. متأثراً به إلى حد كبير، شأنه فى ذلك شأن من يحكم كتاب الله
وسنة رسوله ، ويجعلهما قدوته وإمامه .
وأما الحافظ ابن حجر مؤلف ((الدراية، وإن كنا نترجم له ترجمة موجزة، فإننا نقف
أمام شخصيته الفذة ، موقف الإكبار والإجلال . فهو الإمام الحافظ الجليل أحمد بن على
ابن محمد بن حجر العسقلانى . المولود فى مصر القديمة سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة
- ٧٧٣ - هجرية، كان ملء السمع والبصر فى زمانه، ولا يزال اسمه غضاً طرياً يذكره
العلماء والطلاب فى كثير من الجامعات والمعاهد والمدارس والمساجد ، فلا ندرى من أى ناحية
نبتدىء، وأمامنا نواح ضخمة هيأت له هذه الشهرة الواسعة النطاق التى طبقت الخافقين،
فالذكاء الوقاد ، والحافظة الواعية، والنشاط الموصول ، وسعة الاطلاع ، وجمال النفس ،
وصفاء الذهن، ولطافة الحس، ورقة العاطفة، وجمال الأسلوب وجزالته، ودقة الملاحظة ،
وقراءته المنظمة المركزة مع السرعة الفائقة ، وجودة الفهم . كل صفة من هذه الصفات

- ٦ -
جديرة بالبحث والمقارنة ، فكيف وكلها مجتمعة فيه هيأت له مكاناً رفيعاً ، وجعلته نجماً
لامعاً مرموقاً فى المجتمع الإسلامى فى كافة أقطاره وأمصاره . ونابغة من كبار النوابغ
فى العلوم كافة - وفى علم الحديث خاصة - لاسما وقد حصل له من العناية الإلهية،
والتوفيقات الصمدانية الشىء الكثير، وحظى بأساتذة حول كبار ، أخلصوا فى تثقيفه
وتعليمه وتوجيهه وإرشاده ، فهل مثل الحافظ العراقى حافظ الحديث ونابغته، وهو أستاذه
فيه. أو مثل إبراهيم بن أحمد التنوخى أستاذ القراءات والحائز قصب السبق فيه ، وقد قرأ
عليه ابن حجر هذا الفن قراءة متقنة. وكذلك قرأ على الحافظ الهيثمى. وهو كما عرفناه
نابغة فى الحديث وسعة الاطلاع وكثرة المحفوظات لمتون الأحاديث واستحضارها ، وقرأ
على ابن الملقن وقد كان آية من آيات الله واسع الاطلاع، كثير التصانيف ، حاضر البديهة ،
دقيق الملاحظة ، وتحصل اللغة العربية على المجد الفيروز آبادى صاحب القاموس المحيط
فى اللغة العربية، وغيرهم، هؤلاء الحفاظ الكبار تأثر بهم تأثراً كبيراً ظهر ذلك جلياً
فى مؤلفاته العديدة الكثيرة ، وبعد أن قام بواجبه فى هذه الحياة الدنيا خير قيام ، ناداه ربه
فاستجاب لندائه ، وفاضت روحه المطمئنة إلى ربها راضية بلقائه ليلة السبت المسفرة عن اليوم
الثامن والعشرين من ذى الحجة سنة اثنين وخمسين وثمانمائة هجرية - ٨٥٢ - وشيعته
القاهرة كلها فى موكب مهيب إلى مثواه الأخير باكية حزينة ، ودفن بالفرافة بالقاهرة ،
بالقرب من الليث بن سعد، وقد قوبل نعيه فى الأقطار الإسلامية الأخرى بوجوم وحزن
عميقين ، بكوا فيه مادة العلم الغزيرة والنبوغ والحفظ والذكاء المنقطع النظير . متضرعين
إلى الله بأن يسبغ على جدثه شآبيب الرحمة والرضوان، ويكرمه فى دار كرامته بالحسنى وزيادة .
إن كتاب (( نصب الراية، ومختصره (الدراية فى تخريج أحاديث الهداية» حظى الأول
برعاية واهتمام الزيلعى ، وحظى الثانى بنشاط ودقة ملاحظة ابن حجر ، وتكلمنا على ترجمتيهما
باختصار، وعلى مزايا كتابيهما ، فقد أردنا بعد الاعتماد على الله والاتكال عليه وحده
أن نشارك بقدر الاستطاعة والإمكان فى وضع تعليق على الدراية ، فرجنا الكثير من الأحاديث
واستوعبنا ذكر مخرجيها وعزوناها إليهم ممن لم يذكرهم ابن حجر . وذكرنا أسباب الضعف
وأشرنا أيضاً إلى الراجح الذى يوجبه الدليل ، رائدنا فى كل ذلك تبيان الحقيقة، والسير
وراء الدليل بقوة ، كما أننا صححنا فى طبعتنا هذه الأغلاط التى وجدناها فى الطبعة الهندية

- ٧ -
التى طبعنا عليها وهى النسخة المطبوعة فى مطبعة محبوب المطابع بدهلى ، وذلك بالرجوع إلى
الأصل ، وإلى الأصول المطبوعة الموجودة لدينا، والتى كانت من مصادر المؤلف ، كما أننا بذلنا
قصارى جهدنا فى إصدار طبعتنا هذه فى ثوب جد قشيب من حيث الورق ، وجودة
الطباعة ، والاعتناء التام بالتصحيح والتنسيق والمراجعة ، راجياً أن ينال عملنا هذا لدى القراء
الكرام استحساناً وتقديراً للمجهود، أو نقداً يراد به وجه الحق، فأتدارك ذلك فى الطبعة
القادمة إن شاء الله تعالى.
إن فى كتاب ((الدراية)) الآنف الذكر نقولا من كتب نادرة لم تطبع حتى الآن
ولم تر النور ، ومن المؤكد أنه لم يطلع عليها إلا القليل من الرجال الأفذاذ كابن حجر وأمثاله،
كصحاح ابن خزيمة وأبى عوانة وابن حبان وأبن السكن ، ومصنف ابن أبى شيبة ، ومصنف
عبد الرزاق ، ومجموعة كبيرة من المسانيد والسنن والمعاجم ، النافعة فى الحديث والفقه
المقارن والجرح والتعديل ، كل هذا زاد فى تراثنا الدين الإسلامى بحيث أصبح الكتاب
دائرة معارف عامة شاملة لأدلة الفقهاء لأنه أحاط بأدلتها ، فالمالكى والحنفى والشافعى
والحنبلى وغيرهم ، كل واحد منهم يجد فيه ضالته المنشودة ، وذخيرته النفيسة .
إن كتاب ((الدراية)) وتعليقى عليه بشكل الكتاب الخامس فى سلسلة مطبوعاتنا لكتب
السنة التى أصدر ناها وبيانها كالآتى :
١ - (١) جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد، للإمام الجليل محمد بن محمد
ابن سلمان الروداني المغربى ، الذى جمع فيه ١٤ كتاباً هى خلاصة كتب السنة وأشهر أمهاتها ،
وأعنى بها: الموطأ للإمام مالك، والصحيحين البخارى ومسلم، والسنن : للنسائى وأبى داود
والترمذى وابن ماجة، والمسانيد للأئمة : أحمد بن حنبل والدارمى وأبي يعلى الموصلى
وأبى بكر البزار ، والمعاجم الثلاثة الطبرانى: الكبير والأوسط والصغير ، فهذه الموسوعة
العلمية الدينية الشاملة تعتبر أكبر دائرة معارف فى الحديث النبوى والتشريع الإسلامى ظهرت
فى عالم المطبوعات حتى الآن ، وزاد عدد أحاديثها على العشرة آلاف حديث فى العقائد
والعبادات والمعاملات والتفسير والسير والمغازى والإرشاد والتوجيه ، محذوفة الأسانيد
والمكررات، وهو فى مجلدين عظيمين. (٢) وبذيل جمع الفوائد كتابنا (أعذب الموارد
فى تخريج جمع الفوائد)، لمحرر هذه الأسطر ، خرجت أحاديثه لمعرفة درجتها من الصحة

- ٨ -
والحسن والضعف ، وعزوتها إلى مصادرها ، نقلا من كتب الحفاظ الأجلاء المشهود لهم.
بطول الباع، والنبوغ فى هذا العلم، وذلك إتماماً للفائدة المرجوة من هذا الكتاب .
٢ - (١) منتقى ابن الجارود، الكتاب الملحق بالصحيح والذى يعتبره الحفاظ
فى درجة الموطإ وصحيح ابن خزيمة وأبى عوانة وابن السكن والمستخرجات على الصحيحين ،
والعزو إلى هذه الكتب معلم بالصحة ، ولنقاد الحديث وكبار رجاله فى مختلف عصورهم.
وأقطارهم ثناء وعرفان بقدر المنتقى . ومراجع كتب الحديث والرجال تحمل الكثير من هذا
الثناء. (٢) وبذيل المنتقى كتابنا ((تيسير الفتاح الودود فى تخريج المنتقى لابن الجارود)).
لمحرر هذه الأسطر ، قمت بتخريج المنتقى تخريجاً متقناً يسر الناظر المنصف.
٣ - عقود الجواهر المنيفة فى أدلة مذهب الإمام أبى حنيفة مما وافق فيه الأئمة الستة.
أو أحدهم، وهم: البخارى ومسلم والنسائى وأبو داود والترمذى وابن ماجة ، للإمام السيد
محمد مرتضى الحسينى الزبيدى ، صاحب تاج العروس شرح القاموس . نهج فيه مؤلفه نهجاً
قوياً فى أسلوبه ، وأطال النفس فى بيان طرق الأحاديث وجمعها ، وقد سار وراء الدليل بقوة،
وأى قول تشهد له دلائل القرآن الكريم والسنة المطهرة ، فقبوله متحتم على العين والرأس ،
وليكن فقهاً أو حديثاً فالأمر سيان .
٤ - (١) تلخيص الحبير فى تخريج أحاديث الرافعى الكبير، ذلك الكتاب الذى
حاز إعجاب وتقدير كبار الحفاظ والباحثين والنقاد فقرظوه ووصفوه بأنه أجمع كتاب
فى أحاديث الأحكام والفقه المقارن ، وقد كاد أن يصل إلى الإحاطة التامة بأدلة فقهاء
المسلمين . فهو مرجع وافى لمن يريد النقصى فى استيفاء الأدلة وجمع طرقها ، وفيه تجلت
عبقرية الحافظ ابن حجر ونبوغه واتزانه وإنصافه ، وسعة اطلاعه . فقد تكلم على الأحاديث
وحققها تحقيقاً علمياً رصيناً، ورجح الصواب وزيف الخطأ ، كلام المطلع الناقد البصير.
(٢) وبذيل التلخيص تعليقنا عليه تعليقاً وجيزاً حسبما يقتضيه المقام.
٥ - (١) الدراية فى تخريج أحاديث الهداية للحافظ ابن حجر. (٢) تعليقنا عليه
وهو بذيل الدراية ، وقد تقدم الكلام عليهما آنفاً .
قبل أن أختم هذه المقدمة ، أرى لزاماً على: شكر السادة الأجلاء الأفاضل الذين تفضلوا

- ٩ -
وشجعونى مادياً وأدبياً مما حفزنى على إصدار هذه المجموعة الكبيرة المتقدمة الذكر
فالتشجيع أعظم حافز ، وأكبر باعث على مواصلة الأعمال النافعة ، وتذليل الصعاب ، واجتياز
العقبات الكأداء، وقد كان لتشجيعهم وتقديرهم أحسن الأثر وأطيبه فى نفسى ، فلهم جميعاً
وافر الشكر وجزيل الثناء .
ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون،
وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين ، وصل اللهم على عبدك ورسولك ونبك
وحبيبك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
محب السنة النبوية وخادمها
المدينة المنورة ( الحجاز ) المملكة العربية السعودية
السيد عبد اللّه هاشم اليمانى المدنى
١٦ ربيع الثانى سنة ١٣٨٤ هـ

1
◌ِ الله ◌ِالرَّ الرَّم
الحمد لله على التوفيق إلى الهداية، وسلوك طريق أهل الدراية، وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لاشريك له، وله على ذلك فى كل شىء آية ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذى له
فى الشرف أعلى غاية، وفى السؤدد أقصى نهاية ، صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه صلاة وسلاماً
دائمين ما استلزمت النهاية والبداية .
أما بعد: فإنى لما لخصت تخريج الأحاديث التى تضمنها شرح الوجيز، للإمام أبى القاسم
الرافعى ، وجاء اختصاره جامعاً لمقاصد الأصل ، مع مزيد كثير ، كان فيما راجعت عليه
تخريج أحاديث الهداية للإمام جمال الدين الزيلعى، فسألنى بعض الأحباب الأعزة أن ألخص
الكتاب الآخر ، لينتفع به أهل مذهبه ، كما انتفع أهل المذهب ، فأجبته إلى طلبه ، وبادرت
إلى وفق رغبته ، فلخصته تلخيصاً حسناً مبيناً، غير مخل من مقاصد الأصل إلا ببعض
ماقد يستغنى عنه ، والله المستعان فى الأمور كلها ، لا إله إلا هو .
وهذه فهرسة كتبه : الطهارة ، الصلاة ، الجنائز، الزكاة ، الصوم، الحج ، النكاح
وتوابعه ، العتق وتوابعه ، الأيمان والنذور ، الحدود والسير ، وفيه الجزية ، والموادعة
والبغاة ، وأحكام المرتدين ، واللقيط واللقطة، والآبق والمفقود، والشركة ، الوقف ،
البيوع ، الصرف، الحوالة والكفالة ، القضاء والشهادات ، وفيه الوكالة والدعوى ،
والإقرار والصلح، المضاربة والوديعة ، العارية ، الهبة ، الإجارة ، المكاتب، الولاء،
الإكراه، الحجر ، الغصب ، الشفعة، القسمة ، المزارعة، المساقاة، الذبائح، الأضحية،
الكراهية، إحياء الموات، الأشربة، الصيد، الرهن، الجنايات ، الديات، القسامة ،
العقول ، الوصايا ، آخر الكتاب .

- ١١ -
(١)
كتاب الطهارة
قوله: روى المغيرة بن شعبة: أن النبي صَ لّه أتى سباطة قوم فبال قائماً، وتوضأ ومسح
على ناصيته وخفيه انتهى. وهذا منتزع من حديثين .
١ - أما حديث السباطة فرواه ابن ماجة(١) من طريق شعبة، عن عاصم هو ابن أبى
النجود، عن أبى وائل، عن المغيرة بن شعبة: أن رسول الله صلي الله أتى سباطة قوم فبال
قائماً ، قال شعبة ، قال عاصم : وهذا الأعمش يرويه عن أبى وائل ، عن حذيفة وما حفظه،
قال شعبة: فسألت منصوراً تحدثفيه عن أبى وائل عن حذيفة انتهى. قلت: قد وافق عاصماً
عليه حماد بن أبى سليمان كما بينته فى شرح الترمذى ، وقول عاصم: إن الأعمش ماحفظه ليس
بمقبول لموافقة منصور له ، وهما أحفظ من عاصم وحماد ، لكن الذى يظهر أن الحديث عند
أبى وائل عنهما معاً، لأن فى رواية الأعمش ومنصور زيادة ليست فى رواية عاصم، والله
أعلم ، وطريق الأعمش(٢) متفق عليه وفيها ذكر مسح الخف عند مسلم .
٢ - وأما حديث المسح على الناصية والخفين: فأخرجه مسلم (١) من رواية عروة
١ - (١) رواه أيضاً أحمد. والبيهقى، وأشار إليه الترمذى بعد أن ذكر حديث
أبى وائل عن حذيفة ، وقال : حديث أبى وائل عن حذيفة أصح ، قال ابن حجر : هو كما
قال الترمذى ، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين ، لكون حماد وافق على قوله عن
المغيرة ، جاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معاً ، لكن من حيث الترجيح
رواية الأعمش . ومنصور لانفاقهما، أصح من رواية حماد. وعاصم ، لكونهما فى حفظهما
مقال اهـ (٢) رواه أيضاً الأربعة. وابن أبى شيبة فى مصنفه بألفاظ متقاربة. وأخرجه
البيهقى من عدة طرق .
٢ - (١) لقد وهم ابن الجوزى. والمنذرى. والمجد ابن تيمية، فعزوا الحديث إلى
الصحيحين ، وليس كذلك ، بل انفرد به مسلم فقط ، والحديث : رواه أيضاً الطبرانى ولم
يذكر العمامة .

- ١٢ -
ابن المغيرة عن أبيه: أن النبي صَّ اله توضأ ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين، وفى المسح
على العامة أحاديث، منها حديث أنس(٢) رأيت النبى معَّ اللّهٍ يتوضأ، وعليه عمامة قطرية،
فأدخل يده من تحت العمامة ، فمسح مقدم رأسه ، ولم ينقض العمامة ، أخرجه
أبو داود والحاكم.
(٢) رواه أيضاً البيهقى. وابن ماجة. وقال الحاكم: وهذا الحديث، وإن لم يكن
إسناده على شرط الكتاب ، فإن فيه لفظة غريبة ، وهى : أنه مسح بعض رأسه ولم.
ينقض العمامة، اهـ. والحديث سكت عنه أبو داود ، وقد روى عنه أنه قال : ما كان
فى كتابى هذا من حديث فيه وهن شديد بينته ، ومالم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضها
أصح من بعض . وقال: ذكرت فيه الصحيح. وما يشبهه . ومايقاربه، ولأجل كلامه.
هذا، فقد أجاز ابن الصلاح . والنووى. وغيرهما من الحفاظ ، العمل بما سكت عنه أبو
داود ، قال النووى : إلا أن يظهر فى بعضها أمر يقدح فى الصحة . والحسن ، وجب ترك.
ذلك، والحافظ المنذرى : اعتنى بسنن أبي داود ، اعتناء شديداً ونقده نقداً مركزاً على
أسس سليمة. فى بعض الأحاديث التى سكت عليها ، وبين ضعفها، فيكون ذلك خارجاً
عما يجوز العمل به ، وما سكنا عليه فلا شك أنه صالح للاحتجاج ، والحديث المذكور :
سكت عنه أبو داود، ووافقه على ذلك كثير من الحفاظ فسكتوا عنه ، منهم الخطابى ((فى
معالمه)). والمنذرى (( فى مختصر السنن)). والزيلعى (( فى نصب الراية)). وابن القيم (( فى.
تهذيب السنن والزاد)). وغيرهم. فلم يتعقبوه بما يوجب ضعفه، وأما ابن حجر : فقد
قال : فى إسناده نظر اهـ. وذلك لأن أبا معقل الراوى عن أنس ، مجهول. وبقية رجال
إسناده رجال الصحيح، وقد مشى بعضهم على هذا ، فضعف الحديث ، وأبو معقل: روى
عن أنس ، وعنه عبد العزيز بن مسلم ، مجهول ، روى له أبو داود وابن ماجة ، وحديث
أنس على مافيه من مقال ، واختلاف أنظار الحفاظ فى صلاحيته . أو عدمه ، فقد عضده
حديث مرسل رواه الشافعى عن عطاء: (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، وحسر
العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه)). فهذا وإن كان مرسلا فقد أفاد أنه صلى الله عليه
وسلم مسح مقدم الرأس من غير مسح على العمامة . ولا تعرض للسفر ، وقد اعتضد كل
من المرسل والموصول بالآخر ، وحصلت القوة من الصورة المجموعة ، وهذا مثال لما
يذكره الشافعى من أن المرسل يعتضد بمرسل آخر. أو مسند، وأيضاً عضد بما أخرجه=

- ١٣ -
٣ - حديث: ((إذا استيقظ (١) أحدكم من منامه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها
ثلاثاً ، فإنه لا يدرى أين باتت يده ) أخرجه مسلم من طريق عبد الله بن شقيق عن أبى هريرة
بهذا، إلا أنه قال: من نومه. وأخرجه من رواية أبى صالح عن أبى هريرة أيضاً بلفظ :
((إذا قام أحدكم من الليل)) الحديث. وأخرجه البخارى من طريق الأعرج عنه بلفظ
(((إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها فى الإناء)) الحديث ، ذكره بلفظ
الأمر بالغسل ولم يذكر العدد . وأخرجه البزار من طريق ابن سيرين عن أبى هريرة بلفظ :
((فلا يغمسن يده فى طهوره)) بزيادة نون التأكيد فى يغمسن ، وهى موافقة لإيراد الأصل .
وفى الباب عن جابر (٢) أخرجه ابن ماجة بلفظ: ((إذا قام أحدكم من النوم فأراد أن يتوضأ
= سعيد بن منصور من حديث عثمان فى صفة الوضوء (( أنه مسح مقدم رأسه ، وفيه : راو
مختلف فيه ، وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الرأس ، قاله ابن المنذر وغيره ، ولم
يصح عن أحد من الصحابة إنكار ذلك ، قاله ابن حزم ، وهذا ما يقوى المرسل . والموصول
المتقدم ذكرهما ، ومعظم الصحابة الذين وصفوا وضوءه صلى اللّه عليه وسلم . وصفوا أنه
استوعب مسح الرأس ، ولكن قد ثبت أنه مسح على الرأس فقط ، وعلى العمامة فقط ،
وعلى الرأس والعمامة فقط، وكل ذلك صحيح ثابت . ومدون فى أشهر أمهات كتب السنة
المطهرة ، وهو صلوات الله وسلامه عليه بين لنا مانزل إلينا من ربنا جل شأنه بياناً شافياً،
لايدع مجالا للشك والارتياب ، فقصر الأجزاء على بعض ماورد بلا موجب أو مرجح ،
ليس هو من دأب طالب الحق ، وقال فى النيل : وبعد هذا فلا شك فى أولوية استيعاب
المسح لجميع الرأس ، وصحة أحاديثه، ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز وعقبات اهـ.
ومن هذا تعلم أن ماقاله ابن القيم فى الزاد : إنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم فى حديث
واحد أنه اقتصر على مسح بعض رأسه البتة، مردود، لما ذكر ناه آنفاً . والله أعلم .
٣ - (١) حديث أبى هريرة: رواه أيضاً مالك. وأحمد. والأربعة والشافعى.
وابن الجارود، بألفاظ متقاربة وصححه الترمذى. وفى لفظ الترمذى وأحمد وابن ماجه ((إذا
استيقط أحدكم من الليل)). وللحديث طرق، منها: عند ابن عدى بزيادة ((فليرقه)) وقال :
إنها زيادة منكرة، ومنها: عند ابن خزيمة وابن حبان . والبيهقى بزيادة ((أين باتت يده منه))
قال ابن مندة هذه الزيادة رواتها ثقات ، ولاأراها محفوظة. (٢) رواه أيضاً الدار قطنى =

- ١٤ -
فلا يدخل يده فى وضوئه حتى يغسلها فإنه لا يدرى أين باتت يده ولا على موضعها)).
٤ - حديث: ((لا وضوء لمن لم يسم اللّه تعالى)) لم أجده بهذا اللفظ. وروى أبو داود
وابن ماجة والحاكم من طريق يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبى هريرة (١) رفعه: ((لا صلاة
لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)). ووقع فى رواية الحاكم: يعقوب
ابن أبى سلمة فظنه الماجشون فصححه على شرط مسلم فوهم ، ويعقوب بن سلمة هو الليثى
مجهول الحال ، وأخرجه الدارقطنى من رواية أيوب النجار ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبى
سلمة عن أبى هريرة(٢) بلفظ: (( ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه)) ورجاله ثقات، إلا أن
أيوب لم يسمعه من يحيى ، فقد ثبت عنه أنه قال: لم أسمع من يحمي إلا حديثاً واحداً ، وفى
الباب عن أبى سعيد(٣) أخرجه ابن ماجة والحاكم، من طريق كثير بن زيد ، عن ربيح
ابن عبد الرحمن بن أبى سعيد ، عن أبيه عن أبى سعيد باللفظ الأول ، وأسنده الحاكم
إلى الأثرم ، قال: سألت أحمد عن التسمية فى الوضوء فقال: أحسن ما فيها حديث كثير
إبن زيد ، وعن سعيد(٤) بن زيد أخرجه الترمذى وابن ماجة والحاكم من طريق رباح
أبى عبد الرحمن أنه سمع جدته بنت سعيد بن زيد ، تحدث أنها سمعت أباها ، ونقل الترمذى
عن البخارى أنه قال : أحسن شىء فى هذا حديث رباح. وعن أحمد قال: لا أعلم فى هذا الباب
حديثاً له إسناد جيد . وقال ابن أبى حاتم: ليس عندنا بذاك الصحيح . وعن سهل بن سعد (٥)
أخرجه ابن ماجة من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل ، عن أبيه عن جده. وعن أبى
= وفى الباب: عن ابن عمر. رواه الدار قطنى من عدة طرق بأسانيا. حسنة. وابن ماجة وابن
خزيمة بزيادة لفظ (منه)، وعن عائشة. رواه ابن أبى حاتم فى العلل. وحكى عن أبيه أنه وهم .
٤ - (١) رواه أيضاً أحمد. والترمذى فى العلل. والدار قطنى. وابن السكن.
والبيهقى . (٢) رواه أيضاً البيهقى، وفى إسناده. محمود بن محمد الظفرى وليس بالقوى،
وفيه أيضاً: أيوب النجار. قال ابن معين: إنه لم يسمع من يحيى بن كثير إلا حديثاً واحداً
غير هذا. (٣) رواه أيضاً أحمد. والدارمى. والترمذى فى العلل. وابن ماجة. والحاكم.
وابن عدى . وابن السكن. والبزار . والدارقطنى. والبيهقى. (٤) رواه أيضاً أحمد .
والبزار . والدار قطنى. والعقيلى. (٥) رواه أيضاً الطبرانى. وفيه: عبد المهيمن بن عباس.
وهو ضعيف .

- ١٥ -
سبرة(٦) أخرجه الطبرانى من رواية عبد الله بن سبرة عن جده أبى سبرة به .
وفى هذا الباب عن أنس (٧) قال: طلب بعض أصحاب التى صِّ الّ وضوءاً، فقال
رسول الله صَّ اله: ((هل مع أحد منكم ماء؟ فوضع يده فى الماء وقال: توضؤا بسم الله))
الحديث أخرجه ابن خزيمة والنسائى، ترجم عليه النسائى ، ثم البيهقى : باب التسمية عند
الوضوء. وعن عبد الله بن مسعود سمعت رسول الله صلّ له يقول: ((إذا تطهر أحدكم فليذكر
اسم الله، فإنه يطهر جسده كله)) الحديث أخرجه البيهقى من طريقه، ومن طريق أبى هريرة،
وابن عمر. وأسانيدها ضعيفة(٨). وعن عائشة: كان رسول اللّه عَ لّه إذا مس طهوراً سمى
الله، أخرجه الدار قطنى ، وإسناده ضعيف ، ويعارض ذلك كله: حديث رفاعة بن رافع
فى قصة المسىء صلاته: ((إذا قمت فتوضأ كما أمرك الله)) الحديث. وليس للتسمية فيه ذكر،
أخرجه أصحاب السنن وأصله فى الصحيح من حديث أبى هريرة بدون هذه الزيادة .
وعن المهاجر(٩) بن قنفذ قال: أتيت النبي ◌ُّ له وهو يتوضأ فسلمت عليه ، فلم يرد على،
(٦) رواه أيضاً الطبرانى فى الأوسط. وفيه عيسى بن سبرة وهو ضعيف ، وفى
الباب. عن عائشة رواه البزار . وأبو بكر بن أبى شيبة. وابن عدى ، وفى إسناده حارثة
ابن محمد . وهو ضعيف ، وعن أم سبرة رواه الدولابى فى الكنى . والبغوى فى الصحابة .
وفيه : عيسى بن سبرة . وهو ضعيف ، وعن على . رواه ابن عدى : وقال إسناده ليس
بمستقيم ، وعن أنس. رواه عبد الملك بن حبيب الأندلسى ، وعبد الملك شديد الضعف .
(٧) رواه أيضاً الدارقطنى. وقال البيهقى: هذا أصح ما فى النسمية. وأصل الحديث
عن أنس متفق عليه، وإنما المقصود برواية معمر : هذه اللفظة التى ذكر فيها القسمية . قال
ابن حجر : والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوه تدل على أن له أصلا ، وقال ابن أبى
شيبة: ثبت لنا أن النبي صَّ اللّهِ قاله. قال ابن سيد الناس. ولا يخلو هذا الباب من حسن
صريح، وصحيح غير صريح. (٨) أحاديث ابن مسعود. وأبى هريرة. وابن عمر رواها
أيضاً الدار قطنى. وفى إسناد الأول يحيى بن هشام السمسار: وهو متروك وفىالثانى : مرداس
ابن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه وهما ضعيفان. وفى الثالث: أبو بكر الداهرى عبد الله
ابن الحكم وهو متروك ومنسوب إلى الوضع. (٩) رواه أيضاً أحمد. وابن ماجة .
والطحاوى ، وقال الحاكم: إنه صحيح على شرط الشيخين ولم يخر جاه ، فالنسائى يرويه من طريق
شعبة، والطحاوى . وأحمد من طريق عبد الوهاب بن عطاء ، وأبو داود من طريق عبد=

- ١٦ -
فلما فرغ قال: (( إنه لم يمنعنى أن أرد عليك إلا أنى كنت على غير وضوء )). أخرجه أبو داود
والنسائى وابن حبان وابن خزيمة والحاكم، ووجه الدلالة منه: أنه امتنع من ذكر الله قبل
الوضوء، فكيف يوجب التسمية حينئذ وهى من ذكر الله؟ وفيها من التصريح بذلك ماليس
فى السلام. وعن ابن عمر قال: من النبي صَّ له فسلم عليه رجل، فلم يرد عليه، حتى ضرب
بيده الحائط فتيعم، ثم قال له: إنه لم يمنعنى أن أرد عليك إلا أنى لم أكن على طهارة))
أخرجه أبو داود ورجح وقفه. وعن أبى الجهم أن رسول الله وس الآي أقبل من نحو بتر جل،
خلقيه رجل فسلم عليه ، فلم يرد عليه ، حتى أقبل على الجدار فمسح وجهه ويديه ، ثم رد عليه
السلام ، أخرجاه .
وعن ابن عمر قال: من رجل ورسول اللّه عَّ له يبول، فسلم عليه، فلم يرد عليه ،
أخرجه مسلم، ولم يذكر فيه التيمم. وأخرجه البزار من وجه آخر فقال فيه : فرد عليه
(( قال: إنما رددت عليك خشية أن تقول: سلمت عليه فلم يرد على، فإذا رأيتنى هكذا فلا
تسلم على، فإنى لا أرد عليك. وفى إسناده: أبو بكر رجل من آل عمر ، قال عبد الحق:
هو ابن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، قال: فما أعلمه. وتعقبه ابن القطان وقال :
من أين له أنه هو ؟ ورد عليه: بأنه ورد مصرحاً بنسبه فى مسند أبى العباس السراج، وله
شاهد من حديث جابر أخرجه البزار أيضاً وابن ماجة . وفى الباب : حديث ابن عباس
فى قصة مبيته عند خالته ميمونة، ووصفه لصلاة النبي صَّ اللّه بالليل ووضوئه ، وليس فيه
أنه سمى، وفيه أيضاً أنه قرأ أول ما انتبه من النوم خواتم سورة آل عمران.
٥ - حديث: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يواظب على السواك، متفق عليه من
حديث حذيفة(١) أن النبى عهّ الٍّ كان إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك. وعن (٤) عائشة
قالت: كان التى صِّ لّ إذا دخل بيته بدأ بالسواك، أخرجه مسلم. ولأبى داور(٣) من وجه
٦
= الأعلى، وابن ماجة. وأحمد من طريق روح بن عبادة ، والحاكم من طريق يزيد بن
زرع ، كلهم عن سعيد - يعنى ابن أبى عروبة - وهؤلاء كلهم من أصحاب سعيد ، سمعوا منه
فى حال الصحة ، أى قبل الاختلاط .
٥ - (١) رواه أيضاً: النسائى. وابن ماجة. والبيهقى. (٢) رواه أيضاً:
أحمد والنسائى . وأبو داود. وابن ماجة وابن حبان. (٣) رواه أيضاً أحمد وابن أبى =

- ١٧ -
آخر عنها: أن النبي ◌ُّ الّه كان لا يستيقظ من ليل أو نهار إلا تسوك قبل أن يتوضأ .
وعن ابن عمر (٤): كان التى ◌ُ ◌ّه لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواك،
أخرجه أحمد والطيالسى وأبو يعلى. وعن زيد (٥) بن خالد قال: ما كان رسول اللّه صَ لّ}
يخرج من بيته لشىء من الصلوات حتى يستاك ، أخرجه الطبرانى، وعن ابن عباس (٦) قال:
كان رسول اللّه مَ له يصلى بالليل ركعتين ركعتين، ثم ينصرف فيستاك، أخرجه النسائى
وابن ماجة، وفى الباب: حديث عائشة فى استنانه مَ ◌ّه فى مرض وفاته بالسواك الذى كان
مع عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق ، متفق عليه .
وعن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه صَ لله(( لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك
مع كل صلاة ، متفق عليه. وقال مسلم: عند كل صلاة. وفى رواية للنسائى وابن خزيمة
والحاكم: عند كل وضوء، وعلقها البخارى . وأخرجه أبوداود والترمذى منحديث زيد ن
خالد وفيه : قصة لزيد (٧). وأخرجه ابن عدى والبيهقى عن جابر(٨) وفيه: رفع هذه القصة .
٦ - قوله: روى أن النبى من اللّه كان عند فقد السواك يعالج بالإصبع، لم أجده من
فعله(١) وإنما جاء من قوله، فأخرج البيهقى عن أنس مرفوعاً: ((يجزىء من السواك
= شبيبة والبيهقى. وفيه: على بن زيدبن جدعان، ولايحتج به، ورواه أيضاً أبو نعيم من حديث
هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت : كانقد فإذا استيقظ تسوك . ثم توضأ .
(٤) رواه أيضاً: الطيالسى وأحمد. وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير. وإسناده ضعيف.
وفى بعض طرقة من لم يسم، وفى بعضها حسام بن مصك . (٥) ورجاله موثقون .
(٦) رواه أيضاً: الحاكم وصححه على شرطهما. (٧) رواه أيضاً أحمد. والبيهقى وصححه
الترمذى (٨) عن جابر قال: كان السواك من أذن النبي صَ لّهِ موضع القلم من أذن
الكاتب، اهـ. قال البيهقى: رواه عن ابن إسحاق: سفيان، ولم يروه عن سفيان إلا يحي بن
اليمان . ويحيى بن اليمان ليس بالقوى عندهم ، ويشبه أن يكون وهم من حديث زيد بن خالد
إلى هذا .
٦ - (١) لقد ورد ذلك من فعله فى الحديث الذى رواه أحمد فى مسنده من حديث
على بن أبى طالب ((أنه دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثاً، وتمضمض ، فأدخل
بعض أصابعه فى فيه ، الحديث، وفى آخره: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم،
هإسناده جيد .
( م ٢ الدراية ج ١)

- ١٨ -
الأصابع)). وذكره من طرق ووهاها، وقد صمح أيضاً بعض طرقه. وروى الطبر،
فى الأوسط عن عائشة قالت : قلت: يارسول اللّه الرجل يذهب فوه أيستاك؟ قال فـ ،
قلت : فكيف يصنع ؟ قال : يدخل إصبعه فى فيه ، وإسناده ضعيف .
٧ - قوله: أن التى صِّ اللّه فعل المضمضة والاستنشاق على المواظبة، لم أره صريحاً
هكذا . وكأن ذلك مأخوذ من أن الذين وصفوا وضوءه لم يختلفوا فى ذكر المضمضة
والاستنشاق. فمن ذلك حديث عبد الله (١) بن زيد بن عاصم، متفق عليه، وفيه: تمضمض
واستنشق واستنثر ، وكذا حديث عثمان(٢) لكن ليس فيه استنثر، ومن ذلك حديث ابن عباس
فى البخارى قال فيه : فأخذ غرفة فتمضمض بها واستنشق . وحديث المغيرة بن شعبة نحوه ،
دون الغرفة ، كذلك أورده فى كتاب اللباس . وحديث على(٣) عند أصحاب السنن بلفظ.
تمضمض واستنثر. وحديث المقدام(٤) بن معد يكرب فيه: ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً،
أخرجه أبوداود. وحديث الربيع(٥) بنت معوذ أخرجه أبو داودوفيه: ومضمض واستنشق
مرة . وحديث(٦) أبى مالك الأشعرى أخرجه الطبرانى وأحمد وإسحاق وابن أبى شيبة
وفيه: ومضمض واستنشق . وحديث عائشة(٧) أخرجه النسائى وفيه: ذكر المضمضة
والاستنشاق. وحديث أبى بكر (٨) أخرجه البزار وفيه: ومضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً.
٧ - (١) رواه أيضاً: مالك. وأحمد. والأربعة. وابن حبان . وابن الجارود.
(٢) رواه أيضاً: أحمد وفيه زيادة ((واستنثر)). والنسائى. وأبوداود. والدار قطنى.
والبيهقى: وابن الجارود. (٣) رواه أيضاً: البيهقى. والدارقطنى وابن حبان. وأحمد.
والدارمى: وابن الجارود. بألفاظ متقاربة وصححه الترمذى. (٤) رواه أيضاً: ابن ماجة
والبيهقى مختصراً. والضياء فى المختارة. وأحمد بزيادة ((وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً)) وسعيد
ابن منصور، والطحاوى، وابن الجارود، وإسناده صالح. (٥) رواه أيضاً. ابن ماجة.
والبيهقى والترمذى مختصراً وقال: حديث حسن. وله طرق وألفاظ مدارها على عبد الله بن
عقيل ، وفيه مقال. (٦) رواه أيضاً : عبد الرزاق فى مصنفه ، وفيه شهر بن حوشب
وجمهور الحفاظ الكبار على توثيقه. وكفى رواية مسلم عنه. (٧) ورجاله رجال الصحيح
ماعدى عبد الملك بن مروان بن الحارث فقد أخرج له النسائى. (٨) قال البزار : لايروى
إلا بهذا الإسناد، وبكارليس به بأس ، وابنه عبد الرحمن ، صالح ، قال الهيثمى : وشيخ
البزار ، محمد بن صالح بن العوام ، لم أجد من ترجمه، وبقية رجاله رجال الصحيح .

- ١٩ -
وحديث أبى هريرة أخرجه أحمد والطبرانى فى الأوسط (٦) من طريق عطاء عنه وفيه:
تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً. وأخرجه أبو يعلى(١٠) من طريق سعيد عن أبى هريرة
بلفظ: ثم تمضمض واستشر . وحديث وائل بن حجر أخرجه البزار وفيه ضعف .
وحديث جبير بن نفير عن أبيه أخرجه ابن حبان وفيه: ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً .
وحديث أبى أمامة أخرجه أحمد وفيه ضعف . وحديث أفس أخرجه الدارقطنى وفيه :
ومضمض ثلاث مرات واستنشق ثلاث مرات. وحديث طلحة بن(١١) مصرف بن عمرو،
عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود والطبرانى وسيأتى بعد هذا . وحديث أبى أيوب(١٢)
أخرجه إسحاق والطبرانى وفيه: كان يتمضمض ويستنشق. وحديث ابن أبى أوفى (١٣) أخرجه
أبو يعلى وفيه: ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً. وحديث البراء (١٤) بن عازب أخرجه أحمد وفيه:
تمضمض واستنشق . وحديث أبى كاهل (١٥) أخرجه الطبرانى وابن عدى وفيه: وتمضمض
واستنشق ثلاثاً ثلاثاً. وحديث (١٦) عبد الله بن أنيسه، أخرجه الطبرانى فى الأوسط وفيه:
ومضمض واستنشق ثلاثاً .
فصل
٨ - وورد الأمر بهما فی حدیث أخرجه البییقی ، من طریق عمار بن آبى عمار عن أبى
"هريرة(١): أن التى مَّ اله أمر بالمضمضة والاستنشاق. وروى مرسلا وهو أقوى،
(٩) ورجاله رجال الصحيح. (١٠) وفيه: أبو معشر يكتب من حديثه الرقاق. والمغازى
وفضائل الأعمال وبقية رجاله رجال الصحيح. (١١) والحديث سكت عنه أبو داود
والمنذرى ، ولكن فيه : ليث بن أبى سلم وهو ضعيف . تركه ابن القطان . وأبن مهدى.
وابن معين . وابن حنبل ، وقال النووى : اتفق العلماء على ضعفه، وفيه أيضاً : مصرف
والدطلحة ، قال ابن القطان: مجهول. (١٢) وفيه: واصل بن السائب، وهو متروك.
(١٣) وفيه فائد بن عبد الرحمن الكوفى، متروك، اتهموه. (١٤) ورجاله موثقون .
(١٥) وفيه: الهيثم بن حماد. وهو متروك. (١٦) قال الهيشمى: وفيه: عبد الرحمن بن
عباد بن يحي الزرقى . ولم أجد من ترجمه .
٨ - (١) رواه أيضاً الدار قطنى وقال: لم يسنده عن حماد غير هدية. وداود بن المحبر.
وغيرهما يرويه عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يذكر أبا هريرة . قال الشوكانى : =

- ٢٠ -
وقيل : عن عمارة عن ابن عباس ، أخرجه يعقوب بن سفيان، ثم البيهقى . وأخرج هو
والدارقطنى من طريق عروة عن عائشة مرفوعاً: ((المضمضة والاستنشاق من الوضوء.
الذى لابد منه)). وفى لفظ: (( لا يتم الصلاة إلا به)) وروى مرسلا وهو أقوى.
٩ - قوله: حكى عن وضوء رسول اللّه عَّ اللّعى أنه تمضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً
أخذ فى كل مرة ماء جديداً ، أبو داود من طريق طلحة بن مصرف ، عن أبيه عن جده
قال: دخلت على النبي صَّ اله وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته
يفصل بين المضمضة والاستنشاق . وأخرجه الطبرانى من هذا الوجه وقال : عن جده كعب.
ابن عمرو: أن رسول الله صل للع توضأ فمضمض ثلاثاً، واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكل واحدة.
ماء جديداً ، وهذا أظهر فى المقصود وهو ضعيف .
١٠ - حديث: الأذنان من الرأس، أبو داود من حديث (١) أبى أمامة قال: توضأ
= وهذا لا يضر ، لأن هدبة ثقة مخرج عنه فى الصحيحين . فيقبل رفعه وما ينفرد به أهـ.
وابن سيد الناس فى شرحه على الترمذى ذكر الحديث المذكور ولم يتكلم عليه ، وعادته
التكلم على مافيه وهن .
١٠ - (١) هذا الحديث: أعله البعض من وجهين: أحدهما الكلام فى شهر
أبن حوشب . وأجاب عنه ابن دقيق العيد: بأن شهراً قد وثقه أحمد. ويحيى ، والعجلى ،
ويعقوب بن شيبة ، وقال ابن القطان: ضعفه قوم. ووثقه آخرون ، وقال أبو زرعة :
لا بأس به ، وقال أبو حاتم: ليس بدون أبى الزبير. ولا أعرف لمضعفه حجة ، فهؤلاء كبار
الحفاظ ومن أصحاب الرغيل الأول من رجال الجرح والتعديل ، وثقوه وأثنوا عليه ، يضاف
إلى ذلك : أن الجماعة ما عدا البخارى خرجوا له، ورووا عنه. وثانيهما أنه مرفوع. ورفعه
وهم ، لأن سلمان بن حرب ثقة ، وقد وقفه. وقد أجاب عنه الزيلعي فقال: قد اختلف.
فيه على حماد ، فوقفه ابن حرب عنه ، ورفعه أبو الربيع . واختلف فيه أيضاً على مسدد
عن حماد، فروى عنه الرفع ، وروى عنه الوقف ، وإذا رفع ثقة حديثاً ، ووقفه آخر ،
أو فعلهما شخص واحد فى وقتين ترجح الرافع ، لأنه أتى بزيادة ، ويجوز أن يسمع الرجل.
حديثاً فيفتى به فى وقت ويرفعه فى وقت آخر ، وهذا أولى من تغليط الراوى ، اه. والحديث.
رواه الطبرانى من طريق سميع عن أبى أمامة، وإسناده حسن. وسميع : ذكره ابن حبان.
فى الثقات، وقال: لا أدرى من هو ، والظاهر أنه أعتمد فى توثيقه على غيره.