Indexed OCR Text

Pages 61-80

عينه فيه إمام من الأئمة، ويُؤيّدُ ذلك اختلافُ الألفاظ الواردة فيه مع
الاختلاف في العدد، وكذا اختلافُ الصلاة التي يُقال فيها؛ هل يعم جميع
الصلوات؟ أو يخصُّ كل صلاة بخصوص؟ والثاني أولى في طريق الجمع،
فنقول :
• يُشرع قول الباقيات الصالحات عشراً عشراً عند إرادة الصلاة في الليل،
ويُضاف إليها سؤال المغفرة، ويُشرع أيضاً في دعاء الافتتاح. وقد تنزل
على حالين؛ فمن يذكرها قبل الدخول في الصلاة قالها خارجها، ومن
نسيها استدركها بين دعاء الافتتاح والقراءة، وهذا ينطبق على قوله: ((إذا
قمتِ إلى الصلاة)) فإنه يُفهم منه ما قبل الدخول على تقدير الإِرادة،
ويُفهم منه ما بعد الدخول فيها.
• ويُشرع أيضاً في صلاة التسابيح، التي لها هيئة مخصوصة، وإليه جنح
الترمذي .
• ويُشرع أيضاً عند الفراغ من التشهد والصلاة على النبي بصّر، فيذكر
الذكر المذكور، فإذا فرغ منه دعا بما وردَ مأثوراً، وما كان له من طلب
ثم يُسَلِّم، وإلى هذا جنح النسائي، فإنه ترجم: باب الذكر بعد التشهد؛
وأورد حديث أنس في سؤال أم سليم المذكور، ولعله أخذه من قوله في
الحديث الآخر، عن عبد الله بن عمرو وغيره في دبر كل صلاة، فإن دبر
الشيء حقيقة حيثية؛ هو جزء منه مؤخر، ويُطلق أيضاً على ما يلحقه ولا
تخلل بينهما، فعلى الأول أليق المواضع به ما بين التشهد والسلام؛ فإنه
الجزء الأخير من الصلاة اتفاقاً؛ إن كان المراد بدبر الصلاة الحقيقة.
وعلى الثاني فهو موافق لما ورد به الحديث الآخر، عن أبي ذر في
الصحيحين، في قصة فقراء المهاجرين، وقولهم: ذهب أهل الدثور
بالأجور، وفيه: ((تسبحون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين)) فقد وقع الاتفاق
على أن المراد بدبر الصلاة هنا ما بعد السلام، بخلاف قوله مّ لمعاذ:
((لا تدعنّ دبَرَ كلِّ صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك
٦١

وحسن عبادتك)) فإنهم اختلفوا: هل يُقال في الجلوس الأخير قبل
السلام؟ أو يقال بعد السلام؛ كما في حديث أهل الدثور؟ فلعل النسائي
ممن رجح قول: ((اللهم أعني ... )) قبل السلام. فهذا طريق الجمع بين
ما وقع فيه الاختلاف في المحل.
• وأما إذا احتجنا إلى الترجيح، فإنا نقول: يمكن رد الجميع إلى ما بعد
السلام من الصلاة، ويكون قوله: ((إذا قمت إلى الصلاة)) أي: إذا
صليت وفرغت، فقولي .. ، ويحمل قوله: ((أفتتح به صلاتي .. )) أي:
دعائي إذا فرغتُ من الصلاة المكتوبة، أو غيرها. ويحمل قوله: ((في
الصلاة)) أي: عقبها، ويكون أطلق ذلك مجازاً للمجاورة، ولا يخفى
تكلف ذلك كله، فالأولى ما تقدم.
الفصل الثالث
(الخاتمة)
• تحرر من الذي ذكرته من طريق الترجيح أنه لا مدخل لذلك في القول
قبل الدخول في الصلاة أصلاً.
• وتحرر من الذي ذكرتُه من طريق الجمع أنه يُشرع قبل الصلاة، لكنه
مخصوص بصلاة قيام الليل، وهو منزل على الحالتين اللتين ذكرتُهما من
حال المستحضر للذكر المذكور عند إرادة الدخول في صلاة الليل، ومن
حال مَنْ نسي ذلك، فيستدركه في الافتتاح.
هذا الذي يقتضيه النظر فيما دلَّ عليه اختلاف ألفاظ هذا الحديث
مِن حمل مطلقها على مقيدها، ورد مجملها إلى مبينها.
وأما تنزيله منزلة الذكر المذكور والمشهور في قصة أهل الدثور،
واجتماع المصلين عليه قبل الشروع في الصلاة؛ كما يجتمعون عليه بعد
الفراغ من الصلاة، فلا يُحفظ ذلك من صُنْعِ أحدٍ من السلف، لا عن
٦٢
٠

الصحابة الأطهار، ولا من التابعين لهم بإحسان، وهم الأئمة الأبرار. ولا
من جاء بعدهم من فقهاء الأمصار، ولا المشايخ المقتدى بهم في
الأعصار، فالأولى لمن أراد المواظبة على هذه الأذكار أن يقولها في
نفسه، فأفضل الذكر ما يلحق بالسرائر.
(تمت رسالة الحافظ ابن حجر)
٦٣

(الدُّعَاءُ عِنْدَ الإِقَامة)
٣٣ - قوله: روى الإِمام الشافعي(١) في الأم بإسناده حديثاً مرسلاً ...
إلى آخره.
قال الحافظ: أخرجه في أواخر الاستسقاء عمن لا يُتهم، عن
عبد العزيز بن عثمان، عن مكحول. وهو مرسل أو معضل؛ لأن جُلّ
رواية مكحول عن التابعين، وله شاهد أخرجه سعيد بن منصور(٢)،
عن عطاء مثله. وهو مقطوع جيد له حكم المرسل؛ لأن مثله لا يُقال
من قبل الرأي.
(ما يَقُولُه بعدَ تكبيرةِ الإِحْرام)
٣٤ - قوله: وجاء في الباب أحاديث أُخر؛ منها حديث عائشة: كان
النبيّ ◌َ﴿ إذا افتتح الصَّلاةَ قال: ((سبحانك اللهم وبحمدِكَ، تبارَك
اسمُك، وتعالى جَدُّك، ولا إلَهَ غيرُك)). رواه أبو داود والترمذي وابن
ماجه(٣)، بأسانيد ضعيفة.
(١) الحديث رواه الشافعي في كتاب الأم ٢٢٣/١ - ٢٢٤، عن مكحول؛ أن رسول الله اح لاه
قال: ((اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة، ونزول الغيث)).
(٢) ذكره الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٣٩٢/١.
(٣) الحديث رواه أبو داود في «سننه)) رقم (٧٧٦) في الصلاة، والترمذي في ((جامعه)) رقم
(٢٤٣) في الصلاة، وابن ماجه في ((سننه)) رقم (٨٠٦) في الصلاة؛ كلهم عن عائشة =
٦٤

قال الحافظ: ليس له عند هؤلاء الثلاثة سوى إسنادين: أخرج
أحدَهما أبو داود، والآخر عند الآخرين، وقد أخرجه الحاكم(١) في
المستدرك، من الطريق الأول، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وقال العراقي في مستخرجه على المستدرك: رجاله ثقات،
وأخرجه من الطريق الثاني شاهداً للأول.
وأخرجه أيضاً ابن خزيمة(٢) في صحيحه، وله طرق أخرى عن
عائشة ضعيفة، ساقها البيهقي في الخلافيات.
٣٥ - قوله: وضعَّفه أبو داود والبيهقي وغيرهم.
قال الحافظ: لم يُصرِّحْ أبو داود بضعفه، وإنما أشار إلى
غرابته فقال بعد تخريجه: هذا الحديث ليس بالمشهور، ولم يروه إلا
طلق بن غنام، عن عبد السلام.
وأما الترمذي والبيهقي؛ فروياه من الطريق الثاني وضعَّفَاه
بحارثة بن محمد، وكذا الدارقطني، ولو وقعت له الطريق الأولى؛
لكان على شرطه في الحسن.
قال: وأما قوله: وغيرهم. فقد يُوهم الاتفاق على تضعيفه،
وليس كذلك، بل هم مختلفون.
٣٦ - ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي(٣)، من رواية
أبي سعيد الخدري، وضعَّفُوه .
= رضي الله عنها. ورواه أبو داود (٧٧٥)، والترمذي (٢٤٢)، وابن ماجه (٨٠٤)، والنسائي
١٣٢/٢، والبيهقي ٣٣/٢؛ كلهم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٣٥/١، عن عائشة، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال:
وشاهده عند أحمد في مسنده.
(٢) صحيح ابن خزيمة (٤٧٠) وإسناده ضعيف، فيه: حارثة بن محمد، قال ابن خزيمة: ليس
ممن يحتج أهل الحديث بحديثه.
(٣) انظر تخريج الحديث في الفقرة السابقة رقم ٣٥، ص ٦٤، ح ٣. و((ضعَّفُوه)): أي الحديث.
٦٥

قال الحافظ: لم أر عن واحد منهم التصريح بتضعيفه، وهو
حديث حسن.
أما أبو داود فأخرجه من طريق جعفر بن سليمان، عن علي بن
علي، عن أبي المتوكل الباجي، عن أبي سعيد، وقال: يقولون: عن
علي بن علي، عن الحسن (مرسلاً)، الوهم فيه من جعفر(١).
وأما الترمذي فقال: حديث أبي سعيد أشهرُ شيء في هذا
الباب، وبه يقول أكثر أهل العلم، وقد تكلم بعضهم في سنده؛ كان
يحيى بن سعيد يتكلم (في علي بن علي الرفاعي(٢).
وأما النسائي فسكت عليه؛ فاقتضى أنه لا علة له عنده، وأما
ابن ماجه فلم)(٣) يتكلم عليه أصلاً كعادته.
وأما البيهقي؛ فحاصل كلامه في السنن الكبير(٤) وفي
الخلافيات؛ أن حديث علي في ((وجَّهْتُ .. )) أرجح من هذا
الحديث، لكون حديث علي مخرجاً في الصحيح، ولكن هذا وإن
جاء من طرق متعددة، لكن لا يخلو سند منها من مقال، وإن أفاد
مجموعها القوة. وهذا أيضاً حال كلام ابن خزيمة في صحيحه(٥)،
وأشار إلى أن حديث أبي سعيد أرجح طرقه.
وقال العقيلي (٦) بعد أن أخرجه من طريق حارثة، في ترجمته، في
(١) سنن أبي داود ٤٩/١، ونتائج الأفكار ٤١٢/١.
(٢) سنن الترمذي ٣٢٥/١ - ٣٢٦.
(٣) ما بين القوسين سقط من الأصل، وأثبته من نتائج الأفكار ٤١٣/١، والفتوحات الربانية
١٧٦/٢.
(٤) السنن الكبرى، للبيهقي ٣٤/٢.
(٥) صحيح ابن خزيمة (٤٦٢) و(٤٦٣).
(٦) الكامل في ضعفاء الرجال؛ للعقيلي ٦١٧/٢؛ وفيه: «هذا الحديث روي بأسانيد جياد غير
هذا)) .
٦٦

الضعفاء: هذا الحديث روي بأسانيد حسان غير هذا، وقد وثق علي
ابن علي، يحيى بن معين وأحمد وأبو حاتم، وسائر رواته رواة
الصحيح.
٣٧ - قوله: قال البيهقي: ورُوي الاستفتاحُ بسبحانك اللهم وبحمدك
عن ابن مسعود مرفوعاً، وعن أنس مرفوعاً، وكلّها ضعيفة.
قال الحافظ: عبارة البيهقي بعد حديث ابن مسعود: ((رواه
ليث عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، وليس
بالقوي، وروي عن حُميد، عن أنس مرفوعاً))(١)، ثم ساقه بسنده
إليه. ولم أر الكلام الأخير في كلامه.
وقد أخرج الطبراني في ((الدعاء)) حديث ابن مسعود(٢) بسندين
آخرين، وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن حُميد، ومن وجه ثالث
عن أنس، وأخرجه في المعجم الكبير من حديث واثلة بن الأسقع،
ومن حديث الحكم بن عُمير، ومن حديث عمرو بن العاص،
وأخرجه البيهقي بسند جيد عن جابر بن عبد الله، وأخرجه(٢)
الدارقطني عن عمر موقوفاً ومرفوعاً، وصحَّحه ابنُ الجوزي في
(التحقيق)).
٣٨ - قوله: وروينا في سنن البيهقي(٣)، عن الحارث، عن علي .. إلى
قوله: وهو حديث(٣) ضعيف، فإن الحارث الأعور متفق على ضعفه،
وكان الشعبي يقول: الحارث كذاب.
(١) سنن البيهقي ٣٤/٢.
(٢) انظر نتائج الأفكار ٤١/٤١٤/١، وسنن الدارقطني ٢٩٩/٢ - ٣٠٠، وسنن البيهقي
٣٤/١ - ٣٥؛ وقال الحافظ: وغفل ابن الجوزي في ((التحقيق)) فصحح الحديث المرفوع
ظناً منه أن عبد الرحمن بن عمرو بن شيبة أحد شيوخ البخاري في صحيحه، وليس
كذلك، فإن شيخ البخاري إنما هو عبد الرحمن بن شيبة، لا ذكر لعمرو في نسبه، وعلى
التنزل فوالد عبد الرحمن لا يُعرف.
(٣) الحديث رواه البيهقي في سننه ٣٣/٢؛ عن الحارث الأعور، عن عليٍّ رضي الله عنه، =
٦٧

(قال الحافظ - بعد تخريجه بسند له - بلفظ:) قال البيهقي :
ذكره الشافعي عن هشيم بلا رواية، لكن قال عن أبي الخليل بدل
الحارث، قال: فيحتمل أن يكونَ لأبي إسحاق فيه شیخان.
قال الحافظ: وعلى هذا الاحتمال يكون الحديثُ صحيحاً،
ويقوي ذلك أن الرواية الصحيحة الماضية(١) عن عليٍّ بطولها،
تشتمل على ألفاظ هذا الطريق، وليس فيها إلا الاختصار وتأخير:
((وجهت ... ).
قال: وأما قول المصنف: إن الحارث متفق على ضعفه، فهو
متعقبٌ، فقد وثقه يحيى بن معين في سؤالات عثمان الدارمي(٢)،
وفي تاريخ عباس الدوري(٢).
وأما ما نقله عن الشعبي فقد أوضح أحمد بن صالح ذلك إذ
قال: الحارث صاحبُ عليٍّ ثقة، ما أحفظه، وما أحسن ما روى عن
عليٍّ. قيل له: فما يقوله الشعبي فيه؟ قال: لم يكن يكذب في
حديثه، وإنما کان یكذب في رأيه.
وأبدى الذهبي ذلك احتمالاً، والمراد بالرأي المذكور التشيّع،
وبسببه ضعَّفه الجمهور(٣).
= قال: كان النبي ◌َّ﴾: إذا استفتحَ الصَّلاةَ قال: ((لا إلَهَ إلا أنتَ سبحانَك ظلمتُ نفسي،
وعملتُ سوءاً، فاغفر لي، إنه لا يغفرُ الذنوب إلا أنت، وجهت وجهي ... )) إلى قوله:
((وأنا من المسلمين)».
(١) المراد بهذه الرواية حديث علي رضي الله عنه في دعاء الاستفتاح، رواه مسلم في
((صحيحه)) رقم (٧٧١) في صلاة المسافرين، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٧٦٠) في
الصلاة، والترمذي في ((الجامع)) رقم (٣٤١٧) و (٣٤١٨) و (٣٤١٩) في الدعوات،
والنسائي ٣٠/٢ في الافتتاح. ولفظه ((وجَّهْتُ وجهي للذي فطرَ السماواتِ والأرضَ حنيفاً
وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونُسكي .. )) الخ.
(٢) سؤالات عثمان الدارمي ص ٩٠، وتاريخ الدوري ٣٦١/٣.
(٣) نتائج الأفكار ٤١٨/١ - ٤١٩، وقول أحمد بن صالح: ذكره ابن شاهين في كتاب
الثقات ص ٧١ - ٧٢ .
٦٨

:
(بابُ القِرَاءَةِ بَعْدَ التَّعَوّذ)
٣٩ - قوله: وفي الصحيحين(١)، عن رسول الله الله: ((لا صلاة إلا
بفاتحة الكتاب)).
قال الحافظ: لم أر هذا اللفظ في الصحيحين، ولا في.
أحدهما، والذي فيهما (١) حديث عبادة بن الصامت بلفظ: ((لا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)).
(بابُ أَذْكَارِ الرُّكُوع)
٤٠ - قوله: وروينا عن عوف بن مالك، قال: قمتُ مع رسول الله وَل
ليلة(٢) .. إلى قوله: هذا حديث صحيح رواه أبو داود، والنسائي،
في سننيهما والترمذي في كتاب ((الشمائل)) بأسانيد صحيحة.
قال الحافظ: فيه نظر من وجهين:
أحدهما: الحكم بالصحة؛ فإن عاصم بن حُميد، أحدُ رواته،
ليس من رجال الصحيحين، وهو صدوقٌ مُقِلِّ.
الثاني: أن الحديث ليس له في هذه الكتب الثلاثة طرقٌ إلا
(١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٧٥٦) في صفة الصلاة، ومسلم في ((صحيحه)) رقم
(٣٩٤) في الصلاة، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٨٢٢) في الصلاة، وزاد ((فصاعداً))،
والترمذي في ((سننه)) رقم (٢٤٧)، في الصلاة، والنسائي في ((المجتبى)) ١٣٧/٢ و١٣٨
في الافتتاح، وزاد في رواية له ((فصاعداً)). ومعنى ((فصاعداً)): أي فما زاد على الفاتحة من
القرآن .
(٢) رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (٨٧٣) في الصلاة، والنسائي في ((سننه)) ١٩١/٢ في
الافتتاح، والترمذي في ((الشمائل)) رقم (٢٦٢).
وتتمة الحديث، عن عوف بن مالك قال: قمتُ مع رسول اللّهِ وَّه ليلةً، فقام فقرأ سورة
البقرة، لا يمرُّ بآية رحمة إلا وقفَ وسألَ، ولا يمرُّ بآية عذاب إلا وقف وتعوَّذ، قال: ثم ركع
بقدر قيامه، يقول في ركوعه: ((سبحان ذي الجبروتِ والملكوتِ والكبرياءِ والعظمةِ))، ثم
قال في سجوده مثل ذلك.
٦٩

واحدة، ومدارُه عندهم على: معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس،
عن عاصم بن حُميد، عن عوف بن مالك. فليس له ثَمَّ أسانيد
صحيحة بل ولا دونها. ومعاويةُ بن صالح؛ وإن كان من رجال مسلم
مختلف فيه، فغاية ما يُوصف به أن يُعَدَّ ما ينفردُ به حسناً، وتعدّدُ
الطرق إليه لا يَستلزمُ مع تفرده تعدّد الأسانيد للحديث.
(بابُ أذْكَارِ السُّجود)
٤١ - قوله: ولا خلاف أنه لا يأتي بتكبيرتين في هذا الموضع.
يقع في نفسي الخلاف للرافعي، وقد قال الشيخ تاج الدين بن
الفركاح في ((الإِقليد)) في بعض التعاليق: إنه يكبر تكبيرة يفرغ منها
في الجلوس، ثم يبتدىء أخرى للنهوض. قال: وهذا وجه غريب
أنكره الرافعي، وقال: لا خلاف فيه.
وقال ولده الشيخ برهان الدين في تعليقه على ((التنبيه)): إن
هذا الوجه متجه قوي، وينبغي أن يكون هو الراجح؛ لحديث: ((كان
يكبر في كل خفض ورفع))(١).
(بابُ السَّلَام للتحلّلِ مِن الصَّلاَة)
٤٢ - قوله: ولا يُستحب أن يقول معه: وبركاته .. الخ.
قال الحافظ ابن حجر: قد وردت عدّةُ طرقٍ ثبتَ فيها
((وبركاتُه)) بخلاف ما يُوهمه كلام الشيخ؛ أنها رواية فردة.
قال الأذرعي في ((المتوسط)): المختار استحبابُها في
(١) رواه الترمذي في ((الجامع)) رقم (٢٥٣) في الصَّلاة، والنسائي في ((سننه)) ١٨٢/٢ في
الافتتاح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وإسناده حسن.
٧٠

التسليمتين، فقد قال في شرح المهذب: إن حديث أبي داود(١)
إسناده صحيح. وثبت ذلك أيضاً من حديث ابن مسعود(٢)، رواه ابن.
ماجه في سننه، وابن حبان في صحيحه. قال: والعجب من الشيخ -
مع شدة ورعه - كيف يُصوِّبُ تركه، مع ثبوت السُّنة، وحكمه بصحة
إسناد الحديث الأول(٣)، وزيادة الثقة مقبولة عند الفقهاء.
وقد استحسنها أيضاً الدارمي في ((الاستذكار))، وغيره من
المتقدمين، من أصحابنا، ويؤيّده إثباتُها في التشهد وفاقاً .
واختار الشيخ تقي الدين السبكي أيضاً استحبابَها في
التسليمتين، وله في ذلك تأليف. وقال الكمال الدميري في شرح
((المنهاج)): حديث إثباتها صحيح، فلا يحسن تركها.
٤٣ - قوله في ((شرح المهذب)): إن الصحيح - أو الصواب - خلافه.
وقال الغزي في شرح ((المنهاج)): ثبت في رواية أبي داود(١)
زيادة «وبركاته)) في التسليمة الأولى، فيتعين العمل بها.
وقال الشيخ ولي الدين العراقي في ((شرح سنن أبي داود)):
وقد ذكر النووي في الخلاصة؛ أن حديث أبي داود إسناده صحيح،
والموجود في أصولنا من سنن أبي داود ذكرها في التسليمة الأولى
دون الثانية. وعن أمِّ جماعة إليه بذكرها في التسليمتين.
(١) حديث أبي داود: رواه في ((سننه)) رقم (٩٩٧) في الصلاة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه
قال: صلَّيْت مع النبيِ نَّه، فكان يُسلِّم عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))،
وعن شماله: ((السلام عليكم ورحمة الله وبركاته))، قال النووي في المجموع ٤٢٢/٣ :
هذا الحديث إسناده في سنن أبي داود إسناد صحيح.
(٢) حديث ابن مسعود، رواه ابن ماجه في ((سننه)) رقم (٩١٤) ولم يذكر فيه وبركاته، وابن
حبان في «صحيحه)) رقم (٥١٦) موارد، وفيه ((وبركاته)).
(٣) الحديث الأول: المراد به حديث أبي داود، وقد صححه الإِمام النووي في المجموع شرح
المهذب ٤٢٢/٣.
٧١

ووردت أيضاً من حديث زيد بن أرقم عند الطبراني(١) في
الكبير.
(بابُ ما يُقالُ عندَ الصَّباحِ وعندَ المساء)
٤٤ - قوله: ((أَيَعْجَزُ أحدُكم أن يكون كأبي ضمضم ... ))(٢).
قال الحافظ: في بعض طرقه: ((إنه كان مثلكم ... )) وزعم
ابن عبد البر أنه صحابي (٢)، وذكره في الاستيعاب.
(بابُ تِلَوَةِ القُرآنِ)
٤٥ - قوله: ومن البدع المنكرة ما يفعلُه كثيرون من جهلة المصلين
بالناس التراويح، من قراءة سورة الأنعام بكمالها في الركعة الأخيرة
منها في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، زاعمين أنها نزلت
جملة واحدة ...
قال الحافظ: ورد أنها نزلت جملة واحدة في عدة أحاديث(٣).
(١) حديث زيد بن أرقم: ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٤٦/٢ وقال: رواه الطبراني في
الكبير، وفيه إبراهيم بن المختار، وثقه أبو داود وأبو حاتم، وقال ابن معين: ليس بذاك،
وبقية رجاله ثقات.
(٢) رجح الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((الإصابة)) ١١٢/٤ أن أبا ضمضم غير مسمى
ولا منسوب، وأنه ليس بصحابي، وإنما هو رجل ممن كان قبلنا، وأورد في ذلك رواية أبي
داود وأبي بكر الخطيب، عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان؛ أن
النبي ◌َّه قال: ((أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم؟ قالوا: ومن أبو ضمضم يا
رسول الله؟ قال: رجل ممن كان قبلكم ... )).
(٣) ذكر الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٩/٧ - ٢٠ ثلاثة أحاديث رواها الطبراني في معاجمه،
عن ابن عمر، وعن أنس، وعن أسماء بنت يزيد. تفيد أن سورة الأنعام نزلت جملة
واحدة .
٧٢

فأخرجه أبو عُبيد في ((فضائله))، وابن المنذر، والطبراني، عن
ابن عباس بسند حسن. وأخرجه الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في
الحلية بسند ضعيف. وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود بسند
ضعيف، وأخرجه الدارقطني في ((الأفراد))، والطبراني في ((الأوسط))،
وابن مردويه عن أنس بن مالك بسند حسن.
وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، والطبراني عن أسماء
بنت يزيد بسند حسن، وأخرجه الحاكم في المستدرك(١)، عن جابر
وقال صحيح على شرط مسلم، وتعقبه الذهبي فقال: أظن الحديث
موضوعاً، وليس كما ظن لما قدمته من شواهده، وفي الباب غير هذا
من الواهيات ضعفاً وانقطاعاً، وفيما ذكرته كفاية ودلالة على أن لذلك
أصلاً.
قلت: وقد استوفيتُ جميعَ ما وردَ في ((التفسير بالمأثور))(٢).
٤٦ - قوله: يجوز أن يُقال سورة البقرة ... إلى قوله: وقال بعضُ أهل
السلف: يُكره ذلك.
قال الحافظ: مستند هذا القائل ورود النهي عن ذلك في
حديث: ((لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة
النساء ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والسورة التي يذكر
فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها النساء)) أخرجه الطبراني(٣)
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٣١٥/٢، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، فإن
إسماعيل هذا هو السدي، ولم يخرجه البخاري.
وتعقبه الذهبي في ((التلخيص)) فقال: لا والله، لم يدرك جعفرُ السديَّ، وأظن هذا
موضوعاً.
(٢) انظر ((التفسير بالمأثور))؛ للسيوطي ٢/٣ - ٣.
(٣) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) ١٥٧/٧، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عبيس
ابن ميمون، وهو متروك.
٧٣

في الأوسط من حديث أنس، والجمع بينه وبين حديث: ((من قرأ
الآيتين من آخر سورة البقرة .. )) (١)، يمكن بأن يكون هذا البيان
للجواز، وصرف النهي عن التحريم، ولا سيما إذا قلت بما قال
الشيخ: إنه يُعمل في الفضائل بالحديث الضعيف.
(بابُ حَمْدِ اللهِ تَعَالى)
٤٧ - قوله: وعن أبي نصر التمَّار، عن محمد بن النضر، قال: قال آدمُ
عليه السلام: يا ربِّ شغلتني بکسب يدي ... الخ.
قال ابنُ الصَّلاح في ((مشكل الوسيط)): هذا حديث ضعيف
منقطع الإِسناد.
وقال الحافظ: رجال إسناده إلى محمد بن النضر ثقات، لكن
محمد بن النضر لم يكن صاحب حديث، ولم يجيء عنه شيء
مسند. وقد روى عنه من كلامه جماعة: منهم عبد الله بن المبارك،
وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن عبد الملك بن أبي عُتبة، وأبو
أسامة حمّاد بن أسامة، وقال: كان أعبدَ أهل الكوفة. وأبو نصر التمَّار
راوي هذا الأثر عنه، واسمُه عبد الملك بن عبد العزيز، ووهم من زعم
أنه داود بن صالح، ذاك شيخ قديم مديني. وروى محمد بن النضر
هذا، عن الأوزاعي حديثين موقوفين بغير سند من الأوزاعي إلى
النبي ◌َّ﴿، ويُستفاد من هذا معرفة طبقته، وأن شيوخه من أتباع
التابعين، ولعله بلغه هذا الأثر عن بعض الإِسرائيليات.
(١) الحديث رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٥٠٠٩) في فضائل القرآن، ومسلم في
((صحيحه)) رقم (٨٠٨) في صلاة المسافرين، وأبو داود في ((سننه)) رقم (١٣٩٧) في
الصلاة، والترمذي في ((الجامع)) رقم (٢٨٨٤) في ثواب القرآن، كلهم عن أبي مسعود
رضي الله عنه.
ولفظ البخاري: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه)).
٧٤

(بابُ الصَّلاة على رسولِ اللهِ وَلَّ)
٤٨ - قوله: وروينا في سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه بالأسانيد
الصحيحة، عن أوس بن أوس قال: قال رسول الله وَله: ((إن من
أفضل أيامكم يوم الجمعة .. ))(١).
قال الحافظ: في قوله: بالأسانيد الصحيحة نظر؛ لأنه يُوهم أن
للحديث في السنن الثلاثة طرقاً إلى أوس بن أوس، وليس كذلك؛
فإِنَّ مَدارَه عندَهم وعندَ غيرهم على حسين بن علي الجعفي، تفرَّدَ به
عن شيخه، وكذا مَنْ فوقَه، عن من فوقه، وكأنه قصدَ بالأسانيد
شيوخهم خاصة .
٤٩ - قوله: وأما ما قاله بعضُ أصحابنا وابنُ أبي زيدٍ المالكي من
استحباب زيادةٍ على ذلك، وهي: وارحم محمداً وآل محمد. فهذا
بدعةٌ لا أصلَ لها، وقد بالغَ الإِمام أبو بكر بن العربي المالكي(٢) في
كتابه ((شرح الترمذي)) في إنكار ذلك، وتخطئة ابن أبي زيد في
ذلك.
هذه مسألة مهمة، وتكلم الناسُ فيها، وأنا أسوقُ كلامَهم فيها
لیستفاد.
قال الإِمام أبو الخطاب بن دحية في كتاب ((التنوير في كلام
السراج المنير))، قالوا: إذا ذكرَ رسولَ الله وَّر أحدٌ من أمته انبغى له
(١) رواه أبو داود في ((سننه)) رقم (١٠٤٧) في الصلاة، والنسائي في ((سننه)) ٩١/٣ -٩٢ في
الجمعة، وابن ماجه في «سننه» رقم (١٠٨٥) في إقامة الصلاة، وإسناده صحيح.
(٢) عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي، للحافظ ابن العربي المالكي ٢٧١/٢ - ٢٧٢
ونص إنكاره: ((مسألة: حذار ثم حذار من أن يلتفت أحدٌ إلى ما ذكره ابن أبي زيد، فیزید
في الصلاة على النبي عليه السلام ((وارحم محمداً)) فإنها قريب من بدعة؛ لأن النبي عليه
السلام علَّم الصلاة بالوحي، فالزيادة فيها استقصار له واستدراك عليه، ولا يجوز أن يُزاد
على النبي عليه السلام حرف، بل إنه يجوز أن يترحم على النبي ◌َّا في كل وقت.
٧٥

أن يُصلِّيَ عليه؛ لقوله ◌َّهِ: ((من صلَّى عليَّ مرةً صلى الله عليه
عشراً))(١)، ولا يجوز أن يترحم عليه؛ لأنه لم يقل: من ترجَّمَ عليَّ،
ولا من دعا لي؛ وإن كانت الصلاة بمعنى الرحمة؛ فكأنه خُصَّ بهذا
اللفظ تعظيماً له. قال الله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يُصلّون على
النبي، يا أيُّها الذين آمنوا صَلُّوا عليه وسلّموا تسليماً }
[الأحزاب: ٥٦]، ولم يقل: إن اللهَ وملائكته يترحمون على النبيّ،
وإن كان المعنى واحد.
وقال الرافعي في ((الشرح الكبير)): قال الصيدلاني: ومن
الناس من يزيدُ: وارحمْ محمّداً وآلَ محمّدٍ كما رحمتَ على
إبراهيمَ، وربما يقولون: كما تَرَجَّمْتَ على إبراهيمَ. قال: وهذا لم
يردْ(٢) في الخبر، وهو غيرُ فصيح(٢)، فإنه لا يُقال: رحمتَ عليه،
وإنما يُقال: رحمته. وأمَّا الترحم ففيه معنى التكلّف والتصنع، فلا
يحسن إطلاقه في حق الله تعالى.
ونقل الأذرعي في ((التوسط)) مثل ذلك عن القفَّال والروياني،
وقال الزركشي في ((الخادم))، قال النووي في ((شرح مسلم)):
المختار أنه لا يذكر الرحمة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام علَّمهم
الصَّلاَةَ بدونها، وإن كان الدعاء الرحمة، فلا تفرد بالذكر. وكذا قال
القاضي عياض وغيره.
وممن نصَّ على إطلاق منع الرحمة في حقِّ النبيِّ وَّر على
الانفراد الحافظ أبو عمر بن عبد البر، وأبو القاسم الأنصاري شارح
((الإِرشاد)) والقاضي عياض في ((الإِكمال)) ونقله عن الجمهور.
(١) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٤٠٨) في الصلاة، وأبو داود في ((سننه) رقم (١٥٣٠) في
الصلاة، والترمذي في ((الجامع)) رقم (٤٨٥) في الصلاة، كلهم عن أبي هريرة رضي الله
عنه .
(٢) كذا في الأصل، وفي ((الفتوحات الربانية))؛ لابن علان: ((وهذا لم يرو، وهو غير صحيح)).
٧٦

وقال الحافظ زين الدين أبو الفضل العراقي في ((شرح
الترمذي)»: اختُلف في جواز ذلك أو مشروعيته، فمنع أبو عمر بن
عبد البر الدعاء له بالرحمة والمغفرة، وذهب أبو محمد بن أبي زيد
من المالكية إلى استحباب الإِتيان في الصلاة عليه بالترحم. وكذلك
اختلفَ أصحابُ الشافعي أيضاً في ذلك؛ فحكى الرافعيُّ عن
أبي بكر الصيدلاني .. وذكر ما تقدم.
ثم قال: وقوله: إنه لم يرد في الخبر، ليس بجيد، فقد ورد،
لكنه لم يصحّ، ويجوزُ أن يُقال: في الضعيف ورد(١).
وهو ما رواه الإِمام أحمد في ((المسند)) من رواية أبي داود
الأعمى، عن بُريدة، قال: قلنا يا رسولَ الله! قد عَلِمْنا كيفَ نُسَلِّم
عليك، فكيف نُصَلَّ عليك؟ قال: ((قولوا اللهم اجعلْ صلواتِك
ورحماتك وبركاتِك على محمد وعلى آل محمد، كما جعلتَها على
إبراهيم، إنك حميد مجيد))(٢). وأبو داود الأعمى اسمه نُفَيْع ضعيف
جداً، رافضيٌّ (٣) متهم بوضع الحديث.
وروى التيمي في مسلسلاته(٤)، والقاضي عياض في
(١) شرح الترمذي؛ للحافظ العراقي لوحة ١٩٨/١ مخطوط.
(٢) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) ٣٥٣/٥، وفي إسناده أبو داود الأعمى نفيع بن الحارث،
قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه وكذبه. وقال النسائي: متروك. الكامل في الضعفاء
٢٥٢٣/٧، وميزان الاعتدال ٢٧٢/٤ - ٢٧٣. وذكر الحديث الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
١٤٤/٢ وقال: رواه أحمد وفيه أبو داود الأعمى، وهو ضعيف.
(٣) في الأصل: ((وأقصى))، وفيها تحريف وتصحيف ظاهر، ووجدتها صحيحة كما أثبتها في
شرح الترمذي؛ للحافظ العراقي لوحة ١٩٦/١ مخطوط.
(٤) الحديث المسلسل: هو الحديث المسند المتصل الخالي من التدليس، الذي تتكرر في
وصف روايته عبارات أو أفعال متماثلة ينقلها كل راو عمن فوقه في السند حتى ينتهي إلى
رسول الله لو .
قال الحافظ ابن كثير: وفائدة التسلسل بُعده عن التدليس والانقطاع، ومع هذا قلّما
يصح حديث بطريق مسلسل.
٧٧
=

((الشفا))(١) من طريق حرب بن الحسن الطحان، عن يحيى بن
المساور، عن عمرو بن خالد، عن زيد بن علي بن الحسين، عن
أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب قال: عدّهن في يدي رسولُ
الله وَلّ، قال: ((عدَّهن في يدي جبريل، وقال: هكذا نزلت من عند
ربِّ العزة: اللهم صلِّ على محمّدٍ وعلى آل محمد، كما صَّيْتُ
على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيد. اللهم وترحِّمْ على
محمّدٍ وعلى آلٍ محمّد، كما ترحمتَ على إبراهيمَ وعلى آلٍ
إبراهيم إنك حميدٌ مجيد. اللهم وتحنَّن على محمّد وعلى آلٍ
محمّد، كما تحنّنْتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ
مجيد. اللهم وسلّم على محمّدٍ وعلى آلٍ محمّدٍ، كما سلَّمْتَ على
إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إِنكَ حميدٌ مجيد))(٢).
قال العراقي: وعمرو ويحيى كلٌّ منهما غير ثقة، والإِسناد
ضعيف جداً، عمرو بن خالد الكوفي كذاب وضّاع، ويحيى بن
المساور كذبه الأزدي أيضاً، وحرب بن الحسن الطحان أورده الأزدي
في الضعفاء، قال: وليس حديثه بذاك.
ثم قال العراقي: وفي إنكار جواز الدعاء له بالرحمة نظر، فقد
ثبت في التشهد: ((السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ... ))، ففي
والعبارة التي وردت في هذا الحديث على ألسنة الرواة، فدلت على التسلسل هي قول
=
كل منهم: ((وعدَّهن في يدي)).
(١) الشفاء؛ للقاضي عياض ٧٠/٢.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في أماليه: أخرجه الحاكم مسلسلاً هكذا في نوع المسلسل من كتابه
((علوم الحديث)) قال: وفي سنده ثلاثة من الضعفاء على الولاء، نُسب أحدهم إلى وضع
الحديث، والآخر اتهم بالكذب، والثالث متروك. وقد وقع لي مسلسلاً، ولكن لا أرویه؛
لاعتقادي أنه موضوع. وقد أخرجه صاحب الشفاء من طريق الحاكم وحدَّث به ابن العربي
هكذا مسلسلاً .. الفتوحات الربانية ٣٣١/٣. وانظر المقاصد السنية في الأحاديث الإِلّهية؛
لابن بلبان. تحقيق محيي الدين مستو ود. محمد العيد الخطراوي - ص ٤٨٩ - ٤٩٠.
الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ.
٧٨

هذا الدعاء له بالرحمة. وقد ثبت في الصحيح، في قصة الأعرابي:
((اللهم ارحمني ومحمداً))(١). ومن أنكر الإتيان بهذا اللفظ في
التشهد فليس مدركه في ذلك أن الدعاء به له ممتنع؛ فقد قال ابن
العربي عقبه: ويجوز أن يترحم عليه في كل وقت، وإنما مدركه أن
هذا باب اتباع وتعبد، فيقتصر فيه على المنصوص، وتكون الزيادة
فيه بدعة؛ لأنه إحداث عبادة في محل مخصوص لم يرد بها نص،
وابن أبي زيد لم يقل هذا من عند نفسه من غير دليل ورد بجانبه،
وإنما قاله اتباعاً لأحاديث وردت فيه، وإن كانت لم تصحّ، فلعل ابن
أبي زيد رأى هذا من فضائل الأعمال التي يُتساهل فيها في الحديث
الضعيف، لاندراجه في العمومات، ويكون صح عنده بعضها. فقد
روى الحاكم في ((مستدركه)) وصححه، عن ابن مسعود، عن
النبي ◌َّ ر أنه قال: ((إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللهم صل
على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، كما صليت
وباركت وترحمت على إبراهيم، إنك حميد مجيد))(٢). فهذا أصح ما
وردَ في ذكر الرحمة في التشهد.
وقد قال القاضي عياض في ((الشفاء)): ذهب أبو عمر بن
عبد البر وغيرُه إلى أنه لا يُدعى له بالرحمة، وإنما يُدعى له بالصلاة
والبركة التي تختصُّ به، ويُدعى لغيره بالرحمة والمغفرة(٣).
ثم نقل عن بكر القشيريّ قال: الصَّلاةُ من الله تعالى لمن دون
النبي 18َّ رحمة، وله تشريف وزيادة مكرمة، فإذا عرفنا الخلاف في
(١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٢٢٠) في الوضوء، وأبو داود في ((سننه)) رقم (٣٨٠)
في الطهارة، والترمذي في ((الجامع)) رقم (١٤٧) في الطهارة، والنسائي في ((سننه))
٤٨/١ - ٤٩ في الطهارة، كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ٢٦٩/١ في الصلاة، وأورده الذهبي في ((التلخيص)) وسكت
عليه .
(٣) الشفاء؛ للقاضي عياض ٧٤/٢.
٧٩

ذلك، فسواء فسَّرْنَا الصلاة من الله بالرحمة أو المغفرة أو الثناء عليه
عند الملائكة، أو التعظيم أو التشريف وزيادة المكرمة؛ لو أتينا عقب
التشهد في الصلاة بأحد هذه الألفاظ لم يتمَّ مقامُ الصَّلاة ولم يسقط
بذلك فرضها، ولا حصلتْ سنتها عند من يراها سنة للتعبد بهذا
اللفظ دون غيره من الألفاظ، وباب العبادات يُتلقى من الشارع على
حسب ما ورد من غير رواية بالمعنى ولا زيادة ولا نقص، وهذا مدرك
ابن العربي وغيره في إنكار لفظ الرحمة في هذا المحل الخاص، مع
نقل ابن العربي عن علمائهم؛ أن الصلاة من الله الرحمة؛ فإن أتى
بلفظ الرحمة بدل الصلاة فهذا يمنع اتفاقاً عند القائل به، ولعله أرجح
لضعف الأحاديث في ذلك.
وقال الشيخ بدر الدين بن الدماميني(١) في كتاب ((حُسن
الاقتصاص فيما يتعلق بالاختصاص)): ومن خصائصه وَ ليل أنه لا
يُدعى له بالرحمة، وإنما يُدعى له بالصلاة والبركة التي يختص بها،
ويُدعى لغيره بالرحمة والمغفرة؛ كذا قال ابن عبد البر وعدَّ ذلك من
خصائصه. قال: وقد رُويت الصلاة على النبي وَّر من طرق متواترة
بألفاظ متقاربة، وليس في شيء منها ((وارحم محمداً وآل محمد))
وإنما فيها لفظ الصلاة والبركة لا غير، ولا أُحِبُّ لأحد أن يقولَ
وارحمْ محمداً. والصَّلاةُ وإن كانت من الله الرحمة فإنَّ النبيَّ وَله
خُصَّ بهذا اللفظ.
قال ابن الدماميني: وقد ذكر ابن أبي زيد في رسالته في
الصلاة على النبيّ وَّهِ: ((اللهم ارحمْ محمداً وآل محمد)) وحجته
ما ثبت في التشهد: ((السلام عليك أيُّها النبي ورحمة الله وبركاته)) فلا
(١) بدر الدين بن الدماميني: هو محمد بن أبي بكر بن عمر بن أبي بكر بن محمد،
المخزومي القرشي، عالم بالشريعة وفنون الأدب، ولي قضاء المالكية في مصر، وتوفي
بالهند سنة ٨٢٧ هـ. الضوء اللامع ١٨٤/٧، والأعلام ٥٧/٦.
٨٠