Indexed OCR Text

Pages 481-500

اتفقا منها على ثمانية أحاديث ، وانفرد البخارى بأربعة ، ومسلم بتسعة ، روى عنه
أبو رجاء العطاردي، ومطرف بن عبدالله بن الشخير، ومحمد بن سيرين وغيرهم، نزل
البصرة وكان قاضيا بها ، استقضاه عبد الله بن عامر ، فأقام أياما ثم استعفاه فأعفاه ،
ومات بها سنة اثنتين وخمسين ، روى له الترمذى والنسائى وأبو داود(١) .
واعلم أن الشيخ أورد هذا الحديث الذى رواه الترمذى فى بيان كيفية السلام، وهى أن
الأفضل أن يقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، يكتسب ثلاثين، لكل كلمة
عشرة، ألا ترى. إلى ما قال عليه السلام: "عشر" لما قال الرجل: "السلام عليكم"، أى:
عشر حسنات ، ثم قال: "عشرون" لما قال الآخر: "السلام عليكم ورحمة الله"، أى:
عشرون حسنة، ثم قال: "ثلاثون" لما قال الآخر: "السلام عليكم ورحمة الله
وبر كاته" ، وروى هذا الحديث أيضا الدارمى فى "مسنده"، وأبو داود فى "سنته"، وفى
رواية أبى داود من رواية معاذ بن أنس، زيادة على هذا قال : "ثم أتى آخر فقال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته / ٣٤٩ / ومغفرته، فقال : أربعون ، وقال :
هكذا تكون الفضائل"(٢) . فعلم من هذا أن الأفضل أن يأتى المسلم بهذه الزوائد، فإن
اكتفى بقوله "السلام عليكم" حصل السلام . واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى :
ترتيب الزيادة فى السلام .
والثانية: إن المستحب أن يسلم عليه بضمير الجمع، وإن كان المسلَّم عليه واحداً ، وإن
قال : السلام عليك حصل السلام .
والثالثة : يستحب أن يعرف السلام، فإن قال : سلام عليكم حصل السلام .
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٩٩٢/٣)، أسد الغابة (٤٠٤٢/٤)، الإصابة (٦٠١٤/٤).
(٢) أخرجه أبو دود فى كتاب الأدب ، باب كيف السلام (٥١٩٦) من طريق أبى مرحوم، عن
سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه به. وضعفه الحافظ فى "الفتح" (٦/١١)، والشيخ الألبانى فى
"ضعيف أُبی داود" .
( ٤٨٠ )

والرابعة : ينبغى أن يعطف بالواو من الزيادة ، وأما الرد فأقله: وعليك السلام، أو :
وعليكم السلام، فإن حذف "الواو" فقال : عليكم السلام أجزأه ذلك وكان جوابا، ولو
قال: عليكم وسكت لم يكن جوابا لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيُيْتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحِيُّواْ بِأَحْسَنَ
مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾(١)، وكذلك لو قال: وعليكم بالواو وسكت، وللشافعية فيه وجهان ،
وذكر الزمخشرى من(٢) قوله تعالى: ﴿فَحْيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ أن يقول: "وعليكم السلام
ورحمة الله" إذا قال: السلام عليكم"، وأن يزيد "بركاته" إذا قال: "السلام عليكم
ورحمة الله".
قوله : ﴿أَوْ رُدُّوهَا﴾ أى : "(٣)ر أجيبوا مثلها ، ورد السلام ورجعه جوابه مثله، وجواب
التسليم واجب ، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها . وعن النخعى : السلام سنة والرد
فريضة . وعن ابن عباس: الرد واجب ، وما من رجل يمر على قوم فيسلم عليهم
ولا يردون عليه، إلا نزع عنهم روح القدس، وردت عليه الملائكة".
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٤ - وعن / ٣٥٠ / أبى أمامة قال: قال رسول الله حماس :
"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ باللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ" قال الترمذى: حديث حسن(٤).
(١) سورة النساء (٨٦) .
(٢) كذا .
(٣) انظر تفسير الكشاف (٥٤٤/١).
(٤) أخرجه أبو داود بلفظه فى كتاب الأدب ، باب فى فضل من بدأ بالسلام (٥١٩٧) من طريق
أبى عاصم، عن أبى خالد، عن أبى سفيان الحمصى ، عن أبى أمامة به .
وأخرجه الترمذى فى كتاب الاستئذان ، باب ما جاء فى فضل الذى يدأ بالسلام (٢٦٩٤) من
طريق أبى فروة الرهاوى ، عن سليم بن عامر الكلاعى ، عن أبى أمامة قال : قيل: يا رسول الله !
الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: أولاهما بالله". وقال الترمذى: "هذا حديث
حسن". أبو فروة الرهاوى مقارب الحديث، إلا أن ابنه محمد بن يزيد يروى عنه مناكير" اهـ.
قلت : وقال الحافظ فى "التقريب" : "يزيد بن سنان أبو فروة ضعيف" .
-
( ٤٨١ )

أقول : أورد الشيخ هذا الحديث تنبيها على أن الابتداء بالسلام أفضل، وإنما كان البادئ
أولى الناس بالله، لأنه سبق صاحبه من الفضيلة ، والسابق هو المقرَّب، ولأن فى ذلك
المسارعة إلى الخير، واكتساب الفضيلة .
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٥ - وخرج أبو داود عن على - ه -، عن النبيِّوَ ل قال:
"يُجْزِئُ عنِ الجَمَاعَةِ إِذا مَرُّوا أن يُسَلِّمَ أَحَدُهُم، ويُجْزِئُ عن الْجُلُوسِ أن يَرُدَّ أَحَدُهُمْ"(١).
أقول: أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث تنبيها على أن السلام سنة كفاية، حتى
إذا مر جماعة على رجل فسلم أحدهم، يسقط عن الباقين ، كما روى فى "الموطأ" عن
زيد بن أسلم، أن رسول الله وَ ◌ّ قال: "إذا سلم واحد من القوم أجزاً عنهم"(٢) وعلى
- وأخرجه أحمد (٢٦٤،٢٦١،٢٥٤/٥)، والطبرانى (٢٥٢،٢٣٧،٢١٠/٨)، وابن عدى
(٢٤٤٠/٦) من طرق عن عبيد الله بن زَحْر، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة
بلفظ: "من بدأ بالسلام فهو أولى بالله ورسوله" وعبيد الله قال الحافظ فى "التقريب" : "صدوق
يخطئ" . وعلى بن يزيد هو الألهانى "ضعيف" .
وأخرجه ابن عدى (١٦٧٠/٥) من طريق بقية، عن عمر بن موسى، عن القاسم به. وبقية قال
الحافظ: "صدوق كثير التدليس عن الضعفاء". وعمر بن موسى قال النسائى: "متروك الحديث". والحديث
حسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٢٧/٥)، والشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٢٠١١).
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما جاء فى رد الواحد عن الجماعة (٥٢١٠) من طريق
سعيد بن خالد الخزاعى قال: حدثنى عبد الله بن المفضل، ثنا عبيد الله بن أبى رافع، عن على بن
أبى طالب به. وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٠٥/٥): "حديث حسن، رجاله رجال
الصحيح، إلا أن سعيد بن خالد فى حفظه مقال، وقد تفرد به، لكن له شاهد" وذكره. قلت: وقد
حسنه الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (٧٧٨) وذكر له ثلاثة شواهد ، فانظرها .
(٢) أخرجه مالك فى "الموطأ" فى كتاب السلام، باب العمل فى السلام (١) عن زيد بن أسلم
مرسلا. وحسنه الإمام النووى فى "الأذكار" لشواهده، والشيخ الألبانى فى "الصحيحة"
(١١٤٨). وقد رواه أبو نعيم فى "الحلية" (٢٥١/٨) من طريق يوسف بن أسباط، عن
عباد البصرى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار ، عن أبى سعيد الخدرى قال:
-
( ٤٨٢ )

أن الرد فرض كفاية ، حتى إذا سلم رجل على جماعة فرد عليه واحد منهم يسقط عن
الباقين .
قوله: "عن الجلوس" جمع جالس، كقعود جمع قاعد فى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ
الله قِيَامًا وَقُعُودًا﴾(١) .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٩٦ - قال أنس - راه -: "مَرَّ النبيُّ ﴿ّ على صِبْيَان يَلْعُبُون
فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ" حديث صحيح(٢).
أقول : هذا الحديث رواه البخارى ومسلم، أورده الشيخ تنبيها على أن السلام على
الصبيان سنة، وفى رواية لمسلم عن أنس "أن رسول الله وَلات / ٣٥١/ مر على
صبیان، فسلم عليهم(٢) .
وفى "سنن أبي داود" وغيره بإسناد الصحيحين عن أنس، "أن النبى ◌ُ﴾ مر على غلمان
يلعبون فسلم عليهم"(٤) .
وفى كتاب ابن السنى وغيره قال: "فقال: السلام عليكم يا صبيان"(٥).
- قال رسول الله ◌ُله: "إذا مر رجال بقوم، فسلم رجل من الذين مروا على الجالسين ورد من
هؤلاء واحد ، جزأ عن هؤلاء وعن هؤلاء" وقال : غريب من حديث زيد وعباد، لم نكتبه إلا من
حديث يوسف .
(١) سورة آل عمران (١٩١).
(٢) البخارى: كتاب الاستئذان ، باب التسليم على الصبيان (٦٢٤٧)، مسلم: كتاب السلام،
باب استحباب السلام على الصبيان (١٥/٢١٦٨).
(٣) مسلم: (١٤/٢١٦٨).
(٤) أبو داود: كتاب الأدب، باب فى السلام على الصبيان (٥٢٠٢) وهو بعينه حديث
الصحيحين، إلا أن فيه زيادة "يلعبون" قاله الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٥٧/٥).
(٥) أخرجه أحمد (١٨٣/٣)، وابن السنى (٢٢٣)، وأبو نعيم فى "الحلية (٣٧٨/٨) من طرق عن
وكيع بن الجراح، ثنا حُبَيِّبُ بن حجر القيسى، عن ثابت ، عن أنس به. وقال الحافظ كما فى
( ٤٨٣ )

وهل يجب على الصبى الرد؟ الأصح أن الأدب والمستحب أن يرد، لأنه ليس من أهل
التكليف ، ولو سلم الصبى على البالغ يجب عليه الرد ، وقيل: لا يجب ، وهو قول بعض
الشافعية .
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٧ - وقال أبو هريرة - -: قال رسول الله ﴿: "إذا
انتَهَى أحدُكم إلى المَجْلِسِ فَلْيُسَلُمْ، فَإِذَا (١) أَرَادَ أَن يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى
بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ" قال الترمذى: حديث حسن(٢).
٠٫
أقول : هذا الحديث رواه أبو داود فى "سنته" والترمذى وغيرهما بالأسانيد الجيدة عن
أبى هريرة - ظه - ، أورده الشيخ تنبيها على مسألتين مستفادتين من هذا الحديث،
الأولى : إن السلام عند الانتهاء إلى مجلس سنة .
والثانية : إن السلام عند قيامه من المجلس سنة ، مثل التسليمة الأولى ، ألا ترى إلى قوله :
"فليست الأولى بأحق من الآخرة"؟ أى: ليست التسليمة الأولى بأحق من التسليمة
الآخرة .
- "شرح الأذكار" (٣٥٧/٥): "وأخرجه من طريق عثمان بن مطر، عن ثابت، عن أنس
أبو أحمد بن عدى فى "الكامل" (١٦٣/٥) وعثمان ضعفوه بخلاف حبيب".
تنبيه : وقع عند أحمد : "حبيب ، عن قيس، عن ثابت" وهو خطأ .
(١) فى "الكلم الطيب": "فإن بدا له أن يجلس فليجلس، ثم إذا قام فليسلم ... " وهى رواية
الترمذى ، ورواية أبی داود کما عندنا .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب السلام إذا قام من المجلس (٥٢٠٨)، والترمذى فى
كتاب الاستئذان ، باب ما جاء فى التسليم عند القيام وعند القعود (٢٧٠٦) وأحمد
(٤٣٩،٢٨٧،٢٣٠/٢) وغيرهم من طريق محمد بن عجلان ، عن سعيد المقبرى، عن أبى هريرة
به. وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٦٣/٥-٣٦٤)، والشيخ الألبانى فى
"الصحيحة" (١٨٣) لشواهده .
( ٤٨٤ )

فإن قلت : هل يجب على الجماعة أن يردوا على هذا الذى سلم عليهم وفارقهم؟ قلت :
ظاهر الحديث يدل على الوجوب، وقد قال بعض الناس : إن هذا دعاء يستحب جوابه
ولا يجب ، لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف، وفيه نظر، لأن السلام
كما هو سنة عند / ٣٥٢ / الجلوس ، فكذلك سنة عند الانصراف بهذا الحديث ،
فالجواب مثله ، ومما يناسب هذا الباب مسائل :
الأولى : "(١) أقل السلام الذى يصير به مؤديا سنة السلام، أن يرفع صوته بحيث يسمعه
المسلّم عليه ، فإن لم يسمعه لا يجب الرد عليه، وإذا سلم على أيقاظ وعندهم نيام،
فالسنة أن يخفض صوته بحيث يسمع سماع الأيقاظ ، ولا يستيقظ النائم، لما روى فى
"(صحيح مسلم" من حديث المقداد الطويل قال: "كنا نرفع للنبى - عليه السلام -
نصيبه من الليل ، فيجئ من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ، ويسمع اليقظان"(٢).
وأقل الرد الذى يتحقق به المسلم أنه رد عليه. وعن أبى حنيفة: لا يجهر بالرد، أى:
الجهر الكثير، وإذا سلم على أصم لا يسمع أصلا ينبغى أن يشير باليد حتى يحصل الإفهام،
فلو لم يجمع بينهما لا يستحق الجواب، وكذا فى الرد على الأصم، وسلام الأخرس
ورده بالید .
الثانية: إن الجواب ينبغى أن يكون على الفور، فإن أخره لم يُعَد جوابًا إلا لضرورة(٣).
الثالثة :(٤) تكره الإشارة بالسلام بالید والرأس ونحوهما بلا لفظ ، لما روى الترمذى، عن
عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده، عن النبى - عليه السلام - قال: "ليس منا من
(١) انظر الأذكار (ص/٢٢١،٢١٩).
٢٠
(٢) مسلم: كتاب الأشربة، باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (١٧٤/٢٠٥٥).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من الأذكار .
(٤) انظر الأذكار (ص/٢٢٠).
( ٤٨٥ )

تشبه بغيرنا ، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى ، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع ،
وتسليم النصارى الإشارة بالأكف"(١×٢).
الرابعة :(٣) إذا بعث إنسان مع إنسان سلاما، قال أبو يوسف : وجب عليه أن يفعل ،
ووجب على المبلّغِ / ٣٥٣ / أن يرد، فيقول: "وعليك وعليه السلام" .
وفى "سنن أبى داود" عن غالب القطان ، عن رجل قال : حدثنى أبى، عن جدى قال:
"بعثنى أبى إلى رسول الله ﴿ فقال: انته فأقرئه السلام. فأتيته فقلت: إن أبى يقرئك
السلام، فقال: عليك وعلى أبيك السلام"(٤). هذا وإن كان رواية عن مجهول فقد
يتسامح فى مثله عند أهل العلم كلهم فى أبواب الفضائل .
الخامسة :(٥) إذا سلم عليه إنسان ، ثم لقيه على قرب يسن له أن يسلم عليه ثانيا وثالثا
وأكثر، لما روى فى "سنن أبى داود" عن أبى هريرة، عن رسول الله - عليه السلام -
(١) فى الأصل: "بالكتف" خطأ .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الاستئذان ، باب ما جاء فى كراهية إشارة اليد بالسلام (٢٦٩٥) من
طريق ابن لهيعة ، عن عمرو بن شعيب به . وقال الترمذى : "هذا حديث إسناده ضعيف . وروى
ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه" اهـ. والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى
"الصحيحة" (٢١٩٤) لشواهده، وذكر أن الطبرانى رواه فى "الأوسط" من طريق يزيد بن
أبى حبيب ، عن عمرو بن شعيب به .
(٣) انظر الأذكار (ص/٢٢١).
(٤) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب فى الرجل يقول: فلان يقرئك السلام (٥٢٣١)،
والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (١٥٧١١/١١ تحفة)، وأحمد (٣٦٦/٥)، وابن السنى
(٢٣٤)، وأبو نعيم فى "الحلية" (٢٥٨/٧)، والبيهقى (٣٦١/٦) وغيرهم من طريق غالب
القطان، عن رجل من بنى نمير ، عن أبيه ، عن حده به . وفيه ثلاثة لم يسموا. وضعفه الشيخ
الألبانی فی "ضعیف أبی داود" .
(٥) انظر الأذكار (ص/٢٢٢).
( ٤٨٦ )

قال: "إذا لقی أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة ، أو جدار ، أو
حجر ثم لقیه فليسلم عليه"(١) .
السادسة :(٢) لا يسلم على المشغول بالبول والغائط ، والنائم والناعس، ولاعب النرد
والشِطْرَنِج، والْمُغَنِّى، ومطير الحمام، والعارى من غير عذر فى حمام أو غيره، والآكل
واللقمة فى يده، وإذا لم تكن اللقمة فى فمه يسلم، ولا يرد فى الخطبة، وقراءة القرآن
جهرا(٣، ورواية الحديث، وعند مذاكرة العلم، والأذان والإقامة(٣)، والقاضى لا يجب
عليه الرد على المدعى ، وكذلك لا يجب الرد على السائل، وإذا ترك السلام على الفاسق
المعلن فلا بأس به .
السابعة : (٤) يسلم على امرأته إذا دخل عليها ، وجاريته ومحارمه، ولا يسلم على الأجنبية شابة
أو عجوزة، وقيل: لابأس على العجوزة، ولا تسلم الأجنبية على الرجل، فإن سلمت
لا تستحق جوابا ، فإن أجابها كره له ذلك، وقيل: لابأس إذا كانت عجوزة(٥).
(١) أبو داود: كتاب الأدب، باب فى الرجل يفارق الرجل ثم يلقاه أيسلم عليه ؟ (٥٢٠٠) من
طريق ابن وهب قال : أخبرنى معاوية بن صالح، عن أبى موسى ، عن أبى مريم، عن أبى هريرة
قال: "إذا لقى ... ". وقال معاوية: وحدثنى عبد الوهاب بن بَحْتٍ، عن أبى الزناد، عن
الأعرج، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﴿ مثله سواء. وصححه الحافظ كما فى "شرح
الأذكار" (٣١٨/٥). وصححه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٨٦) وقال: "وإسناد المرفوع
صحيح ، رجاله كلهم ثقات ، وأما إسناد الموقوف ففيه أبو موسى وهو مجهول" .
(٢) انظر الأذكار (ص/٢٢٤).
(٣) تقدَّم التعليق على هذه الأحكام تحت الحديث رقم (٦٩).
(٤) انظر الأذكار (ص/٢٢٥).
(٥) قلت: ويجوز السلام على النسوة اللاتى على صفة الصحابيات، الملتزمات بالحجاب والآداب ، لما رواه
الترمذى من حديث أسماء بنت يزيد قالت: "مر علينا رسول الله - صَلّ - فى نسوة فسلم علينا".
( ٤٨٧ )

/ ٣٥٤ / الثامنة: (١) يسلم الماشى على القاعد، والراكب على الماشى ، وراكب
الفرس على راكب الحمار، والصغير على الكبير، والأقل على الأكثر، والقروى على
المدنى ، وقيل بالعكس، وإذا التقيا ابتدرا، فإن وقعت المعاكسة فى واحد من هذه،
یکون ترك أدب .
التاسعة : ذكر الطحاوى أن المستحب رد السلام على الطهارة، وعن النبى - عليه
السلام - "أنه تيمم لرد السلام"(٢) .
,٠
العاشرة : "لا يبتدأ بالسلام على أهل الذمة، فإن سلموا هم على مسلم لا يزيد على
قوله: "وعليكم". وقيل: يقول: "السلام على من اتبع الهدى" . قال الشيخ محيى الدين
النووى - ناقلا عن أبى سعد - (٣): "ولو سلم على رجل ظنه مسلما، فبان أنه كافر،
يستحب أن يسترد سلامه فيقول له: رُدَّ علىَّ سلامى. والغرض من ذلك إدخال الوحشة
فيه، وإظهار عدم الألفة بينهما، وروى أن ابن (4 عمر - رضى الله عنهما - سلم٤) على
رجل فقيل: إنه يهودى، فتبعه وقال له: رُدَّ علىَّ سلامى. ثم قال أبو سعد(٣): لو أراد
تحية ذمى فعلها بغير السلام، بأن يقول: هداك الله. وأنعم الله صباحك، وصبحت
بالخير . قلت(٥): لا بأس به، لأن فيه إظهار محاسن الإسلام والمسلمين ، وإذا مر على
(١) انظر الأذكار (ص/٢٢٩).
روى معناه عن جماعة من الصحابة ، منهم مارواه أبو داود فى كتاب الطهارة، باب التيمم فى
الحضر (٣٣١) من حديث ابن عمر قال: "أقبل رسول الله مطّ من الغائط فلقيه رجل عند بئر
جمل، فسلم عليه، فلم يرد عليه رسول الله ﴿3 حتى أقبل على الحائط ، فوضع يده على الحائط ،
ثم مسح وجهه ويديه، ثم رد رسول الله وال على الرجل السلام" ، وانظر صحيح أبى داود .
(٣) فى الأصل: "أبى سعيد" خطأً والتصويب من الأذكار.
(٤) فى الأصل "عن ابن عمر" والتصويب من الأذكار .
(٥) القائل هو الإمام النووى .
( ٤٨٨ )

جماعة مسلمين وفيهم من أهل الذمة يسلم عليهم(١)، ويقصد المسلمين . وإذا كتب كتابا
إلى مشرك ، ويريد أن يكتب فيه سلاما ، ينبغى أن يكتب : "سلام على من اتبع الهدى" ،
لما روى البخارى، أن رسول الله وَ ◌ّ كتب إلى هرقل: "من محمد رسول الله إلى هرقل
عظيم الروم: سلام على من / ٣٥٥ / اتبع الهدى"(٢) .
الحادية عشر (٣): إن التحية التى يفعلها العوام عند الخروج من الحمام (٤)، بأن يقولوا :
طاب حمامك، أو : أول حمامك لا أصل لها ، ولكن إذا قال بعضهم لبعض على سبيل
المروءة واستجلاب المحبة: أدام الله لك النعيم، ونحو ذلك فلا بأس به(٥) .
الثانية عشر(٦): إذا ابتدأ المار المرور عليه فقال: صبحك الله بالخير أو بالسعادة، أو : قواك
الله، أو: لا أوحش الله منك، أو غير ذلك من الألفاظ التى يستعملها الناس فى العادة، لم
يستحق جوابا ، لكن لو دعا له قبالة ذلك كان حسنا، إلا أن يترك جوابه بالكلية زجرا له فى
تخلفه وإهماله السلام، وتأديبا له ولغيره فى الاعتناء بالابتداء بالسلام.
الثالثة عشر(٦): تقبيل اليد حرام إلا لسلطان عادل، وشيخ، والوالدين، وعالم متورع،
وكذلك تقبيل يد نفسه عند الملاقاة ، ويجوز تقبيل الرجل خد ولده الصغير وأخيه ، وقبلة
غير خده من أطرافه ونحوها على وجه الشفقة ، وكذلك قبلته ولد صديقه وغيره من
(١) بهامش الأصل : "كيفية السلام على الذمى" .
(٢) البخارى: كتاب بدء الوحى، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن رافع (٦)، مسلم: كتاب الجهاد
والسير، باب كتاب النبى ◌ّ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (٧٤/١٧٧٣) من حديث
أبي سفيان .
(٣) انظر الأذكار (ص/٢٣٤) .
(٤) بهامش الأصل: "ما يقوله العامة عند الخروج من الحمام".
(٥) قلت: بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة، فَيُظَنَّ أنها سنة ، ويتخذ دينا بعد ذلك، والله أعلم.
(٦) انظر الأذكار (ص/٢٣٤).
( ٤٨٩ )

صغار الأطفال على هذا الوجه ، وأما التقبيل بالشهوة فحرام بالاتفاق ، سواء فى ذلك
الولد وغيره، ويكره تقبيلُ الرجلِ الرجلَ ومعانقتهُ، وفى "الجامع الصغير": يكره أن يُقَبِّلَ
فَمَ الرجلِ ، أو يَدهُ، أو شيئا منه، أو يعانقه. وقال أبو يوسف: الناس بالتقبيل والمعانقة.
وقيل: هذا إذا لم يكن عليهما إزار، وأما إذا كان عليهما إزار فلا بأس بالمعانقة ، وأما
المصافحة فلا باس بها ، لما روى فى "صحيح البخارى" عن قتادة قال: "قلت لأنس:
أكانت المصافحة فى عهد رسول الله؟ قال: نعم"(١) / ٣٥٦/ ويستحبٍ معها
البشاشة بالوجه ، والدعاء بالمغفرة وغيرها .
قال الشيخ محيى الدين: "(٢) ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك(٣)، لما روى فى
البخارى فى الحديث الطويل فى وفاة رسول الله قال : "دخل أبو بكر فكشف عن وجه
رسول الله ﴿ فقبله، ثم بكى"(٤).
وما يلحق هذا بابُ الاستئذان(*)، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ لا تَدْخُلُواْ بُيُوتًا غَيْرَ
بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَى أَهْلِهَا﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ
(١) البخارى: كتاب الاستئذان ، باب المصافحة (٦٢٦٣) .
(٢) انظر الأذكار (ص/٢٣٦).
(٣) أما تقبيل وجه الميت فلا شىء فيه، وأما بنية التبرك فلا، واستدلاله - رحمه الله - بتقبيل
أبى بكر لرسول الله له لا يدل على ما ذهب إليه، فإننا لا نستطيع أن نجزم بأن تقبيل أبى بكر
لرسول الله 83 كان بنية التبرك، ولو سلمنا ذلك، فإنه يكون خاصا بالنبى وُ ﴾﴾، لأن تقواه
وإمامته أمر مقطوع به ، وأما فى غيره فهو أمر مظنون ، ولا يقاس الظنى على اليقينى ، والله
تعالى أعلم .
(٤) البخارى: كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبى ◌ّ: "لو كنت متخذا خليلاً" (٣٦٦٧) من
حديث عائشة .
(٥) انظر الأذكار (ص/ ٢٣١).
(٦) سورة النور (٢٧) .
( ٤٩٠ )

فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾(١)، وروى فى "صحيحى البخارى ومسلم" عن
أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله : "الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا
فارجع "(٢)، وينبغى إذا استأذن على إنسان بالسلام، أو بدق الباب، فقيل له: من أنت؟ أن
يقول: فلان ابن فلان، أو فلان الفلانى، أو فلان المعروف بكذا، وما أشبه ذلك حتى يحصل
التعريف التام، ويكره أن يقتصر على قوله: "أنا"، أو: "الخادم"، أو: "بعض الغلمان"، أو:
"بعض المحبين".
٠٠
(١) سورة النور (٥٩).
(٢) البخارى: كتاب الاستئذان ، باب التسليم والاستئذان ثلاثا (٦٢٤٥)، مسلم: كتاب الآداب،
باب الاستئذان (٣٦:٣٣/٢١٥٣).
( ٤٩١ )

[قال شيخ الإسلام :]
٤٤ - فصل فى العُطَاس والثاؤب
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند العطاس ، وما يفعل عند التثاؤب .
[قال شيخ الإسلام:] ١٩٨ - قال أبو هريرة: عن النبى {﴿ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ العُطَاسَ،
ويَكْرَهُ الَّْاؤُبَ، فإِذا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللهَ، كان حَقًّا عَلَى كُلُّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أن
يَقُولَ: يَرْحَمُكَ الله. وأما التََّاؤُبُ فِإِنَّمَا هو مِنَ الشَّيْطَانِ، فإذا تَشَاءَبَ أحدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ
ما اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذا تَكَاءَبَ / ٣٥٧ / ضَحِكَ منه الشيطانُ(*(١).
أقول : وجه الحكمة أن الله يحب العطاس، أن العطاس يورث الخفة فى الدماغ،
ويروحه، ويزيل كدر النفس، وسببه محمود، وهو خفة الجسم، التى تكون لقلة
الأخلاط ، وتخفيف الغذاء، وهذا أمر مندوب إليه ، لأنه يضعف الشهوة، ويسهل
الطاعة ، ولهذا عده الشارع نعمة ، فسن الحمد عقيبه، وأما التثاؤب فإنه ينشأ من ثقل
النفس وامتلائها ، فيورث الغفلة والكسل، وبذلك يجد الشيطان إليه سبيلا ، ويقوى
سلطانه عليه ، فيستلذه ويرضى ، وهو المعنى من ضحكه، فلذلك أمر الشارع برده
ما أمكن، ولهذا قيل: "ما تثاءب نبى قط" . واستفيد من هذا الحديث فوائد:
الأولى : إن المستحب للعاطس أن يحمد الله، لأن الوجوب على السامع بـ "يرحمك الله"
إنما يترتب بحمد العاطس ، فيكون الحمد مستحبا .
والثانية : وجوب القول بـ "يرحمك الله" على السامع.
والثالثة : إن قلة الأكل محمودة ، لأنها سبب لتسهيل الطاعة .
والرابعة : كثرة الأكل مما يرضى الشيطان ، فلذلك يضحك فى التثاؤب ، لأن سببه امتلاء
المعدة من الأخلاط .
(١) البخارى: كتاب الأدب ، باب إذا تثاءب فليضع يده على فيه (٦٢٢٦).
( ٤٩٢ )

والخامسة: إن السنة أن يرده ما استطاع، والسنة أن يضع يده على فمه، لما روى فى "صحيح
مسلم" عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله: "إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على
فمه، فإن الشيطان يدخل"(١) . وسواء كان فى الصلاة أو خارجها .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٩٩ - وقال أيضا: عن النبيِّمُ ﴿: "إِذَا عَطَّسَ / ٣٥٨/
أَحَدُكُم فليقلْ: الحمدُ للهِ، وَلْيقلْ أَخُوهُ(٢) وصَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ الله. فإذا قالَ له
يَرْحَمُكَ الله فليقلْ: يَهْدِيكُمُ اللهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ" خرجهما البخارى(٣)، وفى لفظ
أبى داود : "الحمدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ "(٤).
أقول: أى: وقال أبو هريرة أيضا: عن النبى - عليه السلام -، واستفيد من هذا
الحديث ثلاث مسائل: الأولى: إن على العاطس أن يحمد الله عقيب عطاسه .
والثانية : أن يقول له صاحبه : يرحمك الله .
والثالثة: أن العاطس ينبغى أن يقول له: يهديكم الله ويصلح بالكم، أى: شأنكم. هذا [فى]
رواية البخارى، وفى رواية أبى داود عن أبى هريرة، عن النبى - عليه السلام - قال: "إذا
عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل أخوه ... " الحديث.
قوله: "خرجهما" أى: خرج هذا الحديث والذى قبله البخارى فى "صحيحه".
(١) مسلم: كتاب الزهد والرقائق ، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (٥٧/٢٩٩٥ : ٥٩).
(٢) فى الكلم الطيب وصحيح البخارى: "وليقل له أخوه" .
(٣) البخارى: كتاب الأدب، باب إذا عطس كيف يُشَمَّتْ (٦٢٢٤).
(٤) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما جاء فى تشميت العاطس (٥٠٣٣)، وذكر الشيخ
الألبانى فى "الإرواء" (٧٨٠) أن هذه اللفظة شاذة فى هذا الحديث، ولكنها صحت من حديث
ابن عمر، وعلى بن أبى طالب أو أبى أيوب الأنصارى، وسالم بن عبيد، ثم ذكرها جميعها،
فانظرها هناك .
( ٤٩٣ )

[قال شيخ الإسلام: ] ٢٠٠ - وقال أبو موسى الأشعرى: سمعتُ رسول الله﴿ يقولُ: "إِذَا
عَطَّسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمْثُرُهُ، فَإِثْ لَمْ يَحْمِدِ اللهَ فَلَا تُشَمْتُوهُ" خرجه مسلم(١) .
أقول: هذا الحديث أورده الشيخ تنبيها على أن العاطس إذا لم يحمد الله لا يجب على
السامع أن يقول : "يرحمك الله".
واستفيد من هذا الحديث هذه المسألة ، ومسألة أخرى ، وهى أن العاطس إذا قال لفظا
آخر غير "الحمد لله" ينبغى أن لا يستحق التشميت بظاهر هذا الحديث .
٠٫
قوله: "فشمتوه" من التشميت ، والتشميت بالشين والسين: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة
أعلاهما، يقال: شمت فلانا، وشمت عليه تشميتا فهو / ٣٥٩ / مشمت، واشتقاقه من
الشوامت وهى القوائم، كأنه دعاء للعاطس بالثبات على طاعة الله. وقيل: معناه أبعدك الله عن
الشماتة ، وجنبك ما شمت به عليك، وما يُلحق به مسائلُ أخرى من هذا الباب:
الأولى: "(٢)إذا تكرر العطاس من إنسان متابعا، فالسنة أن يشمته لكل مرة إلى أن يبلغ
ثلاث مرات، لما روى فى "سنن أبى داود والترمذى" قالا: قال سلمة: "عطس رجل
عند رسول الله وأنا شاهد، فقال رسول الله: يرحمك الله، ثم عطس الثانية أو الثالثة
فقال رسول الله: يرحمك الله، هذا رجل مزكوم". قال الترمذى: حديث حسن
صحيح(٣).
(١) مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب (٥٤/٢٩٩٢).
(٢) انظر الأذكار (ص/٢٤٢).
(٣) أبو داود: كتاب الأدب، باب كم [مرة] (كذا فى الأصل بين معقوفتين) يشمت العاطس
(٥٠٣٧)، الترمذى: كتاب الأدب، باب ما جاء كم يشمت العاطس (٢٧٤٣)، ورواه مسلم
(٥٥/٢٩٩٣) بلفظ: "أنه سمع النبى ◌َّ وعطس رجل عنده فقال له: يرحمك الله. ثم عطس
أخرى، فقال له رسول الله ﴿: الرجل مزكوم".
( ٤٩٤ )

الثانية : (١) إذا عطس يهودى ، روى فى [جامع] الترمذى و"سنن أبى داود" وغيرهما
بالأسانيد الصحيحة ، عن أبى موسى الأشعرى قال: "كان اليهود يتعاطسون عند
رسول الله يرجون أن يقول لهم يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم".
قال الترمذى: حديث حسن صحيح(٢) .
الثالثة: روى فى "مسند أبى يعلى الموصلى"، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: "من
حدث حديثا فعطس عنده فهو حق"(٣).
قال الشيخ محيى الدين النووى - رحمه الله : "كل إسناده ثقات متقنون، إلا بقية بن
الوليد المختلف فيه، وأكثر الحفاظ والأئمة يحتجون بروايته عن الشاميين، وقد روى هذا
الحديث عن معاوية بن يحيى الشامى"(٤).
(١) انظر الأذكار (ص/٢٤٣ -٢٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب، باب ما جاء كيف يشمت الذمى (٥٠٣٨)، والترمذى فى كتاب
الأدب ، باب ما جاء كيف تشميت العاطس (٢٧٣٩)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة"
(٢٣٢ مكرر)، وأحمد (٤٠٠/٤)، وابن السنى (٢٦٢)، والحاكم (٢٦٨/٤) من طريق حكيم بن
الديلم، عن أبى بردة، عن أبيه أبى موسى الأشعرى به. وحكيم بن الديلم قال الحافظ: "صدوق".
والحديث حسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار"، والشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" .
(٣) أخرجه أبو يعلى (٦٣٥٢/١١)، والبيهقى (٣١/٦) من طريق بقية بن الوليد، عن معاوية بن يحيى
الصدفى، عن أبى الزناد ، عن الأعرج، عن أبى هريرة به . ومعاوية بن يحيى قال ابن معين: "هالك
ليس بشىء". وقال الساجى: "ضعيف الحديث جدا". وقال البيهقى عقب إخراجه: "معاوية بن يحيى
عن أبى الزناد منكر". وقال الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١٣٦): "حديث باطل".
(٤) انظر الأذكار (ص/٢٤٤) باب تشميت العاطس وحكم التثاؤب . أقول: وقد ذكر الشيخ
الألبانى كلام الإمام النووى وقال: "فهذا من أوهامه - رحمه الله - ، فإن بقية معروف
بالتدليس ، وقد رواه عن معاوية معنعنا ... ولهذا قال مسهر: أحاديث بقية ليست نقية ، فكن
منها على تقية ، ذكره الذهبى ثم قال : وبقية ذو غرائب ومناكير .
( ٤٩٥ )

٤٥ - فصل فى النكاح
[قال شيخ الإسلام: ] / ٣٦٠/
أقول : هذا الفصل فيما يقال عند عقد النكاح، وما يقال للمتناكحَيْنِ.
[قال شيخ الإسلام:] ٢٠١ - قال عبد الله بن مسعود: "عَلَّمَنَا رسول اللهعَ لّ
خُطبةَ الحاجَةِ: الحمد لله، نَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونعوذُ بالله من شرُورِ أنفُسِنَا (١)، مَنْ يَهْدِهِ الله
فَلاَ مُضِلَّلَهُ، ومن يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وأشهدُ أنْ لا إِلَه إِلَّ الله(٢)، وأشهدُ أنَّ
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورسولُهُ" وفى رواية: "أَرْسَلَهُ بالحقُ بَشِيرًا ونَذِيرًا بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ، من يُطِعِ اللّهَ
,٠
ورسولَهُ فقد رَشَدَ، ومن يَعْصِهِمَا فإنه لا يَضُرُّ إلا نَفْسَهُ وَلا يَضُرُّ اللهَ شَيْئًا.
﴿يَا أَيُّهَا النّاسُ الْقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا
رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٌ وَ اتَّقُواْ الله [ِالَّذِى] تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(٣)،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ
الْقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذَنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(٥). خرجه الأربعة . قال الترمذى: حديث حسن(٦).
(١) فى "ج" زيادة: "وسيئات أعمالنا" بعد قوله: "من شرور أنفسنا".
(٢) فى "ج" زيادة: "وحده لا شريك له" بعد قوله: "وأشهد أن لا إله إلا الله" .
(٣) سورة النساء (١) .
(٤) سورة آل عمران (١٠٢).
(٥) سورة الأحزاب (٧١،٧٠).
(٦) أبو داود: كتاب الصلاة، باب الرجل يخطب على قوس (١٠٩٧)، وكتاب النكاح، باب فى
خطبة النكاح (٢١١٩،٢١١٨)، الترمذى: كتاب النكاح، باب ما جاء فى خطبة النكاح
(١١٠٥)، والنسائى: كتاب الجمعة، باب كيف الخطبة (١٠٥/٣)، ابن ماجه: كتاب
النكاح ، باب خطبة النكاح (١٨٩٢) وانظر خطبة الحاجة للشيخ الألبانى وقد قال الشيخ :
حديث صحيح ، له أربع طرق عن ابن مسعود ، إحداها صحيح على شرط مسلم ، وأما الرواية
الأخرى - يعنى : قوله "أرسله بالحق بشيرًا ونذيرا ... " فهى ضعيفة ، تفرد بها رجل مجهول .
( ٤٩٦ )

أقول : أورد الشيخ - رحمه الله - هذا الحديث تنبيها على أن المستحب أن يخطب بين
يدى العقد خطبة تشتمل على الحمد والثناء على الله بما هو أهله، والصلاة على
رسول الله ، وأفضلها ما رواه أبو داود فى "سننه" والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم
بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الله بن مسعود قال "علمنا رسول الله ... " إلى آخره.
قوله : "خطبة الحاجة" وفى رواية "خطبة الحاجة فى النكاح وغيره". الخطبة هاهنا بضم
/ ٣٦١ / الخاء من خطب يخطب إذا تكلم بكلام يشتمل على الحمد والثناء وغيرهما،
وأما الخِطبة بالكسر، وهو أن يخطب الرجلُ المرأةَ .
قوله : "نستعينه" أى : نطلب العون منه .
قوله : "ونستغفره" أى: نطلب المغفرة منه، فإنه أهل للمغفرة .
قوله: "ونعوذ بالله من شرور أنفسنا" إنما استعاذ من شرور النفس، لأن النفس أمارة
بالسوء، ميالة إلى الهوى والأغراض الفاسدة .
قوله : "وفى رواية" وهی رواية أبى داود ، وهى إحدى رواياته .
قوله: "أرسله" أى: أرسل الله محمدا "بالحق".
قوله: "بشيرا" أى: مبشرا بالجنة لمن أطاع الله فى الآخرة، وفى الدنيا بالنصرة .
"ونذيرا" من النار، يعنى: مخوفا لمن عصى، "وبشيرًا ونذيرًا" منصوبان على الحالية، أو
علی تقدیر : أرسله بشيرا ، وأرسله نذيرا .
قوله: "بين يدى الساعة" أى: القيامة، وذلك أن رسول الله ﴿ّ خاتم الأنبياء، وظهوره فى
الدنيا من أشراط الساعة على ما ثبت عنه وَل أنه قال: "بعثت أنا والساعة كهاتين"(١).
(١) البخارى: كتاب الطلاق ، باب اللعان (٥٣٠١)، مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة ، باب
قرب الساعة (١٣٢/٢٩٥٠) من حديث سهل بن سعد .
( ٤٩٧ )

قوله: "فقد رشد" أى : اهتدى .
قوله: "ومن يعصهما" أى: ومن يعص الله ورسوله، وبعض الناس كرهوا أن يشركه
بين الله وغيره فى الضمير، وقد ورد فى هذا الحديث ما يرد هذا المذهب ، حيث قال :
"ومن يعصهما" .
قوله: ﴿اَتْقُواْ اللّهَ﴾ أى: خافوا الله واخشوه. وقيل: أطيعوا الله ﴿الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾
أى: تساءلون به الحاجات، يعنى: الذى يسأل الناس بعضهم بعضا فيقول الرجل:
أسألك / ٣٦٢ / بالله، وأنشدك بالله، أصله: تتساءلون به ، فأدغم إحدى التاءين فى
السين ، فأقيم التشديد مقامه، وقرئ بالتخفيف ، فأصله : تتساءلون فحذف إحدى
التاءين للتخفيف .
قوله: ﴿وَالأَرْحَامِ﴾ بكسر الميم فى قراءة حمزة، فيكون "الأرحام" معطوفا على المجرور،
يقول : واتقوه فى ذوى الأرحام فصلوها ولا تقطعوها، وهذا ليس بسديد، لأن الضمير
المجرور لا يعطف عليه إلا بإعادة الجار، فلا يقال: مررت به وزيد، بل: وبزيد ، وفى
قراءة غيره بالفتح، فله وجهان : إما أن يعطف على : واتقوا الله والأرحامَ، أو أن يعطف
على محل الجار والمجرور كقولك: مررت بزيد وعمرًا، وتنصره قراءة ابن مسعود
"تساءلون به وبالأرحام" وقرئ بالرفع على أنه مبتدأ وخبره محذوف ، كأنه قيل :
والأرحام كذلك، على معنى: والأرحام مما يتقى، أو : الأرحام مما يتساءل به .
قوله : ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ أى: حافظا لا يغيب عنه شىء، فعيل بمعنى فاعل .
قوله: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ التقاة من اتقى كالتؤدة من اتأد، أى: أطيعوا الله حق طاعته،
وحق طاعته أن يطاع فلا يعصى طرفة عين ، وأن يشكر فلا يكفر طرفة عين ، وأن يذكر
فلا ينسى طرفة عين ، وهذه الآية نسخت بقوله ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾(١) وآخر الآية
(١) سورة التغابن (١٦) .
( ٤٩٨ )

غير منسوخة، وهو قوله: ﴿وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ يعنى: اثبتوا على
الإسلام، وكونوا بحال يلحقكم الموت وأنتم على الإسلام. قال صاحب "الكشاف" :
يعنى: "ولا تكونن على / ٣٦٣ / حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما
تقول لمن تستعين به على لقاء العدو : ولا تأتنى إلا وأنت على حصان ، فلا تنهاه عن
الإتيان ، ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التى شرطت عليه فى وقت الإتيان"(١).
قوله: ﴿أَتَّقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا﴾ أى: أطيعوا الله وقولوا قولاً قاصدا إلى الحق،
وقد فسرناه فى أول الكتاب .
قوله: "خرجه الأربعة" أى: أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.
"(٢) واعلم أنه يستحب أن يقول مع هذه الخُطبة: أزوجك على ما أمر الله - عز وجل -
به من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، وأقل هذه الخُطبة أن يقول: "الحمد لله،
والصلاة على رسول الله، أوصى بتقوى الله، ولو لم يأت بشىء من هذا صح النكاح
بالإجماع، خلافا لداود الظاهرى، وخلافه لا يعتبر فى خرق الإجماع"، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام: ] ٢٠٢ - وعن أبى هريرة، "أن النبىَّ ◌ِ ﴿ كَانَ إذَا رَفََّ الإنسان إذا
تَزَوَّجَ قَالَ: بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِى خَيْرٍ" . قال الترمذى:
حديث حسن صحيح(٣).
(١) انظر تفسير الكشاف (٣٩٤/١).
(٢) انظر الأذكار (ص/٢٥٠)، باب ما يقول عند عقد النكاح .
(٣) أبو داود: كتاب النكاح، باب ما يقال للمتزوج (٢١٣٠)، الترمذى: كتاب النكاح، باب
ما جاء فيما يقال للمتزوج (١٠٩١)، ابن ماجه: "كتاب النكاح، باب تهنئة النكاح (١٩٠٥)
٢٠
وأحمد (٣٨١/٢) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردى، عن سهيل بن أبى صالح،
عن أبيه، عن أبى هريرة به. وقال الحاكم (١٣٨/٢): "صحيح على شرط مسلم" ووافقه
الذهبى . وقال الشيخ الألبانى فى "آداب الزفاف" (ص/١٧٥): "وهو كما قالا".
( ٤٩٩ )