Indexed OCR Text
Pages 381-400
أَهْلِهِ، فَقَالَ: لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلائِكَةَ يُؤْمِنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ ، ثم قَالَ: اللهمَّ اغْفِرْ لِأَبِى سَلَمَةَ، وارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِى الَّهْدِيِّينَ، واخْلُفْهُ فى عَقِبِه فِى الْغَابِرِينَ(١)، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَارَبَّ العَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ قَبْرَهُ، ونَوْرْ لَهُ فِیهِ* خرجه مسلم (٢) . أقول: أى: قالت أم سلمة - رضى الله عنها - . ,٠ قوله: "وقد شق بصره" حال من أبى سلمة، وهو بفتح الشين ، و"بصرُه" مرفوع على أنه فاعل "شق"، وضبطه بعضهم "بصرَه" بالنصب، وله وجه. قال صاحب الأفعال: يقال: شُق - بضم الشين - ، وشق الميت بصره، معناه: شَخَصَ. وقال ابن السكيت : يقال : شق بصر الميت ، ولا يقال: شق الميت بصره، وهو الذى حضره الموت، وصار ينظر إلى الشىء لا يرتد إليه طرفه . قوله: "فأغمضه" أى: أغمض رسول الله بصره، والحكمة أن لا يقبح منظره إذا ترك إغماضه . قوله: "إن الروح إذا قبض يتبعه البصر" يعنى: إذا خرج الروح من الجسد، يتبعه البصر ناظرا أين يذهب . قوله: "يتبعه"(٣) أى: يتبع الروح البصر ، الروح يذكر ويؤنث ، والأصل التذكير، فلذلك جاء فى الحديث بالتذكير، وذكر بعض شراح المصابيح أن قوله : "إذ قبض تبعه البصر" يحتمل وجهين: أحدهما، أن الروح إذا قبض تبعه البصر فى الذهاب ، فلهذا أغمضه، لأن فائدة الانفتاح ذهب بذهاب البصر عند ذهاب الروح، والوجه الآخر: إن (١) فى الأصل: "واخلفه من الغابر من" والتصويب من الكلم الطيب وصحيح مسلم. (٢) مسلم: كتاب الجنائز، باب فى إغماض الميت والدعاء له إذا حُضر (٨،٧/٩٢٠). (٣) كذا، وفى المتن والكلم الطيب وصحيح مسلم: "تبعه". (٣٨٠) روح الإنسان إذا قبضها الملائكة نظر إليها الذى حضره الموت نظرًا شزرا، لا يرتد إليه طرفه ، حتى تضمحل بقية القوة الباصرة الباقية بعد مفارقةٍ الروحِ الإنسانَ ، التى يقع بها الإدراك والتمييز دون الحيوانى، الذى به الحس والحركة، وغير / ٢٧٩ / مستنكر من قدرة الله سبحانه أن یکشف عنده الغطاء ساعتئذ ، حتی یبصر ما لم يكن يبصر . قوله : "فضج ناس" أى : صاحوا بصوت شديد، والضجة : الصيحة . قوله: "فقال: لا تدعوا على أنفسكم" إشارة إلى نهيه - عليه السلام - إياهم عن(١) الضجة، كأنهم قالوا : يا ويلاه علينا، ويا مصيبتاه علينا، فنهاهم عن (١) ذلك، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، لكن هذا دعاء عليه بالشر . قوله : "فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون" إشارة إلى أن كل داع يؤمن فى دعائه الملائكة لا يرد . قوله: "فى الغابرين" أى: الباقين، كقوله تعالى: ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾(٢). قوله : "وأفسح له" أى: وسع "قبره" . واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : إن الحضور عند المحتضر للنظر فى حاله مستحب، ولا سيما إذا حضر للدعاء وقراءة القرآن . والثانية : فيه دليل على استحباب إغماض الميت ، وعليه الإجماع. والثالثة : فيه دليل على أن الروح أجسام لطيفة متحللة فى البدن ، وتذهب الحياة من البدن بذهابها ، وليست عرضا كما قاله بعض المتكلمين ، وفيه بحث عظيم بينهم . ٠٠ والرابعة : يجب على الذى يحضر الميت أن لا ينوح ولا يضج . (١) فى الأصل "من" . (٢) سورة العنكبوت (٣٢). ( ٣٨١) والخامسة : فيه دليل على حضور الملائكة عند الميت . والسادسة : فيه دليل على أنهم يؤمنون على كل ما يقال عند الميت . والسابعة : إن کل دعاء يوافقه تأمينهم لا يرد . والثامنة : فيه دليل على استحباب الدعاء للميت عند موته، ولأهله وذريته بأمور / ٢٨٠ / الآخرة والدنيا . ٠٠ والتاسعة : فيه دليل على إثبات عذاب القبر. والعاشرة : فيه دليل على أن القبر يفسح لبعض الموتى ، ويضيق على البعض . والحادية عشر: فيه دليل على أن القبر ينور للبعض ، ويظلم على آخرين . والثانية عشر: ينبغى أن يقال بعد إغماض الميت : "اللهم اغفر لفلان، وارفع درجته" إلى آخر ما قال عليه الصلاة والسلام لأبى سلمة . وروى البيهقى فى "سنته" بإسناد صحيح، عن بكر بن عبد الله التابعى الجليل قال : "إذا أغمضت الميت فقل: باسم الله، وعلى ملة رسول الله. وإذا حملته فقل. باسم الله، ثم سبح ما دمت تحمله"(١). (١) البيهقى (٣٨٥/٣) كتاب الجنائز . ( ٣٨٢ ) فصل فى تتمة أدعية هذا الباب الأول(١): فيما يقوله المريض: روى فى "الصحيح" ، "أن النبى - عليه السلام - كان ينفث على نفسه فى المرض الذى توفى فيه بالمعوذات" قالت عائشة: "فلما أثقل كنت أنفث علیه بهن ، وامسح بید نفسه لیر کتها"(٢) . والثانى(٣): فيما يقول العائد للمريض: روى ابن السنى فى كتابه عن أنس - من - ، "أن رسول الله وط دخل على أعرابى يعوده وهو محموم فقال: كفارة(٤)، طهور"(*). وفى رواية البخارى: "لا بأس، طهور إن شاء الله"(٦). وفى الترمذى وكتاب ابن السنى عن أبى أمامة قال: قال رسول الله 3 /3: "تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته، أو على يده، فيسأله كيف هو(٧)؟" وفى رواية ابن السنى أيضا: "يقول: کیف أصبحت ؟ أو: كيف أمسيت ؟" (٧). (١) انظر "الأذكار" (ص/١٢٢). (٢) البخارى: كتاب فضائل القرآن، باب فضل المعوذات (٥٠١٦)، مسلم: كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث (٥٠/٢١٩٢، ٥١). (٣) انظر الأذكار (ص/١٢٥). (٤) فى الأصل : "فقال: لا كفارة" والتصويب من مصدر التخريج. (٥) أخرجه أحمد (٢٥٠/٣) وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٢٩) من طريق حماد بن سلمة، عن سنان بن ربيعة ، عن أنس بن مالك، أن النبى وَّ دخل على أعرابى يعوده وهو محموم، فقال النبى وَ ﴿: كفارة وطهور. فقال الأعرابى: حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور. فقام النبي ◌َّ وتركه". وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٦٩/٤). وقال الهيثمى فى المجمع (٢٩٩/٢): "رجاله ثقات" . (٦) البخارى: كتاب المناقب ، باب علامات النبوة (٣٦١٦) من حديث ابن عباس . (٧) أخرجه الترمذى فى كتاب الاستئذان، باب ما جاء فى المصافحة (٢٧٣١)، وأحمد (٢٦٠/٥) وغيرهما من طريق عبيد الله بن زحر، عن على بن يزيد. وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٣٠) من = ( ٣٨٣) والثالثة :(١) فيما يقول من به حمى أو صداع أو نحوهما من الأوجاع: وفى كتاب ابن السنى عن / ٢٨١ / ابن عباس - رضى الله عنهما -، "أن رسول الله وَ ل﴿ كان يعلمهم من الأوجاع كلها ومن الحمى أن يقول : باسم الله الكبير، نعوذ بالله العظيم من شر عرق نعار ، ومن شر حر النار"(٢). والرابع(٣): فيما يقال على البثرة: وفى كتاب ابن السنى، عن بعض أزواج النبى - عليه السلام - قالت: "دخل عَلَىَّ رسول الله لَّ وقد خرج فى إصبعى بَخْرَةٌ فقال: عندك ذَرِيرَةٌ؟ فوضعها عليها وقال : قولى : اللهم مصغر الكبير، ومكبر الصغير ، - طريق يحيى بن سعيد المدنى، كلاهما عن القاسم أبى عبد الرحمن ، عن أبى أمامة به . وقال الترمذى : "هذا إسناد ليس بالقوى. قال محمد - يعنى: البخارى - وعبيد الله بن زحر ثقة، وعلى بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن يكنى أبا عبد الرحمن، وهو مولى عبد الرحمن بن خالد بن يزيد بن معاوية وهو ثقة ، والقاسم شامى" اهـ. قلت : ويحيى بن سعيد المدنى متروك. وقد روى من طرق أخرى لا تخلو من مقال. وقال الحافظ فى "الفتح" (٤٦/١١) بعد أن عزاه للترمذي: "سنده ضعيف" اهـ. وقال أيضا كما فى "الفتوحات الربانية" (٧٠/٤) بعد أن ضعفه : "ولأصل وضع اليد على المريض شاهد من حديث عائشة فى "الصحيحين" ، ومن حديث سعد بن أبى وقاص فى البخارى" اهـ. وقد ضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١٢٨٨) . (١) انظر الأذكار (ص/١٢٦). (٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الطب، باب (٢٦)، رقم (٢٠٧٥)، وابن ماجه فى كتاب الطب، باب ما يعوذ به من الحمى (٣٥٢٦)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٦٠) وغيرهم من طرق عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبى حبيبة الأشهلى، عن داود بن الحصين عن عكرمة ، عن ابن عباس به . وقال الترمذى : "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل، وإبراهيم يضعف فى الحديث. ويروى: "عرق يَعار" . وضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف الجامع" (٤٥٨٧). (٣) انظر الأذكار (ص/١٢١). ( ٣٨٤ ) صغر ما بى، فطفيت"(١) . البثرة بفتح الباء الموحدة، وإسكان الثاء المثلثة، من بئر وجهه . والذريرة : نبات قصب من قصب الطيب ، يجاء به من الهند . والخامس(٢): فيما يقوله من بلغه موت صاحبه: وفى كتاب ابن السنى عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَلّ: "الموت فزع، فإذا بلغ أحدكم وفاةُ أخيه فليقل: إنا لله، وإنا إليه راجعون ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، اللهم اكتبه عندك فى المحسنين ، واجعل كتابه فى عليين، وأخلفه فى أهله فى الغابرين، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده"(٢). والسادس(٤): فيما يقول إذا بلغه موت عدو الإسلام: وفى كتاب ابن السنى عن ابن مسعود - رؤيته - قال: "أتيت رسول الله - عليه السلام - فقلت: يا (١) أخرجه أحمد (٣٧٠/٥)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (١٠٣١)، وابن السنى (٦٢٩)، والحاكم (٢٠٧/٤) وغيرهم من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج قال: أخبرنى عمرو بن يحيى بن عمارة، قال: حدثتنى مريم بنت إياس بن البكير صاحب رسول الله وَ ﴿، عن بعض أزواج النبي ◌َّ زاد الحاكم: وأظنها زينب قالت: فذكرته. وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي. وصححه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٤٨/٤-٤٩). وقال الهيثمى فى "المجمع" : "رواه أحمد وفيه مريم بنت إياس تفرد عنها عمرو بن يحيى، وهو ومن قبله من رجال الصحيح" اهـ . (٢) انظر الأذكار (ص/١٣٢). (٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٥٥)، والطبرانى فى "الكبير" (١٢٤٦٩/١٢) من طریق قيس بن الربيع الأسدی ، عن أبى هاشم الرمانی ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس به . وفيه قيس بن الربيع قال الهيثمى فى المجمع (٣٣١/٢): "فيه كلام". وقال الحافظ فى "التقريب" : "صدوق، تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به". وقال أيضا كما فى "شرح الأذكار" (١٢٤/٤): "حديث غريب، أخرجه ابن السنى، وفيه قيس بن الربيع وهو صدوق ، لكنه تغير فى الآخر ، ولم يتميز ، فما انفرد به يكون ضعيفا" اهـ. (٤) انظر الأذكار (ص/١٣٣). (٣٨٥) - رسول الله، قد قتل الله - عز وجل - أبا جهل، فقال: الحمد لله الذى نصر عبده، وأعز دينه"(١) . والسابع: فيما يقول عند التعزية : قال الشيخ محيى الدين النووى: يستحب أن يقول فى تعزيه المسلم بالمسلم: أعظم الله أجرك ، وأحسن عزاءك ، وغفر لميتك . وفى المسلم / ٢٨٢ / بالكافر: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وفى الكافر بالمسلم: أحسن ٠٠ الله عزاءك ، وغفر لميتك. وفى الكافر بالكافر: أخلف الله عليك(٢). والثامن: فيما يقول من مرت به جنازة أو رآها : قال الشيخ محيى الدين : يستحب أن يقول : سبحان الحى الذى لا يموت. وقال القاضى الإمام أبو المحاسن الرويانى فى كتابه "البحر": يستحب أن يدعو ويقول : لا إله إلا الله الحى الذى لا يموت(٣)، والله أعلم. (١) أخرجه أحمد (٤٢٢،٤٠٦/١) والنسائي في الكبرى، فى كتاب السير (٨٦٧٠/٥)، وابن السنى (٥٥٦) عن أمية بن خالد القيسى ، عن شعبة ، عن أبى إسحاق ، عن أبى عبيدة ، عن ابن مسعود به. وقال الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (١٢٥/٤): "رجاله رجال الصحيح، لكن أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه" اهـ. فالحديث منقطع . (٢) انظر الأذكار (ص/١٣٦) باب التعزية . (٣) انظر الأذكار (ص/١٤٦) باب ما يقوله من مرت به جنازة أو رآها . ( ٣٨٦ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٢٤ - فصل فى الدّیْنِ أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقوله عند الدّيْنِ . [قال شيخ الإسلام:] ١٤٠ - عن على - ه - ، أن مكاتبا جاءه فقال: إنى عجزتُ عن كِتَابَتِى فَأَعْنِّى. قال: أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رسول الله ﴿ لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ دَيْنَا أَدَّاهُ اللهُ عَنْكَ؟ قال: "اللهمَّ اكْفِى بِحَلَاَلِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِى بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ" قال الترمذى: حديث حسن(١). أقول: أى : جاء عن على - هيعنه - . قوله : "مكاتبا" المكاتب : العبد الذى قال له مولاه: إن أديت إلى ألفا مثلا، كل شهر مائة فأنت حر فقبله . فهذا عقد الكتابة ، فإذا أدى المال المشروط عتق ، والولاء له ، فإذا عجز رُدَّ إلى الرق . قوله: "لو كان عليك مثل جبل دينا" فرض وتقدير خارج مخرج المبالغة ، ومما يناسب هذا الفصل "فصل ما يقول إذا تعسرت معيشته" : روى ابن السنى فى كتابه عن ابن عمر - رضى الله عنهما - ، عن النبى - عليه السلام - قال: "ما يمنع أحدكم إذا عسر عليه أمر معيشته أن يقول إذا خرج من بيته: باسم الله على نفسى ومالى ودينى ، اللهم (١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات باب (١١١)، رقم (٣٥٦٣)، وأحمد (١٥٣/١)، والحاكم (٥٣٨/١) وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن إسحاق القرشى، عن سيار أبى الحكم، عن أبى وائل قال: أتى عليا رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنى عجزت ... " فذكره. وحسنه الترمذى، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي . وحسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٢٦٦) . ( ٣٨٧ ) رضنى بقضائك، وبارك لي فيما قدر لى، حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، /٢٨٣/ ولا تأخير ما عجلت"(١). (١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٤٤)، وابن عدى فى "الكامل" (٢٤٢/٥) كلاهما عن أبى عروبة ، حدثنا محمد بن المصفى ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن عيسى بن ميمون ، عن سالم ، عن أبيه ابن عمر به . وقال ابن عدى: "ولعيسى بن ميمون غير ما ذكرت من الأحاديث، وعامة ما يرويه لا يتابعه أحد عليه" اهـ. وضعفه الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (٢٦/٤) وقال: "فی سنده عیسی بن ميمون ضعيف جدا" . (٣٨٨ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٢٥ - فصل فى الرقى أقول : هذا الفصل فى بيان الرقى ، وهى جمع رقية ، وهى العوذة التى يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع، وغير ذلك من الآفات . [قال شيخ الإسلام:] ١٤١ - قال أبو سعيد الخدرى: "انطلَقَ نَفَرٌ مِن أَصْحَابٍ رسول الله(١) ﴿ فِى سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حتى تَزَلُواْ عَلَى حَىٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ(٢)، فُدِغَ سَيْدُ ذلك الحِىُّ، فَسَعَوْ لَه بكلُ شَىءٍ (٣) فلم ينفعْهُ شَىءٌ، فقال بعضُهُم: لو أَتَيْثُم هَؤْلاَءِ الرَّهْطَ الذين نَزَلُواْ لَعَلَّهُم أن يكونَ عِندَهُم بَعْضُ شَىءٍ(٤)، فَأَتَوْهُمْ فقالُوا(٥): أَيُّهَا الرَّهْطُ (٦)، إن سَيِّدَنَا لُدِغَ، وسَعَيْنَا لَهُ بِكِلُ شَىءٍ لا يَنْفَعُهُ، فهلْ عِندَ أحدٍ مِنكُمْ شَىءٌ؟ قال(٧) بعضُهُم: إِنِّى لِأَرْقِى(٨)، وَلكِنْ واللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّقُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لكمْ خَتَّى تَجْعُلُوا لَنَا جُعْلاً، فَصَالَحُوهُمْ (٩) عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبُ الْعَالَمِينَ﴾ فَكَأَنْمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالِ، فانطلقَ يَمْشِى مَا بِه قَلَبَةٌ(١٠)، فَأَوْفُوهُمْ جُعْلَهُمْ (١) فى الكلم الطيب : "النبى". (٢) فى الكلم الطيب: "فأبوا أن يضيفوهم" وهى رواية البخارى، وما عندنا رواية مسلم . (٣) فى الكلم الطيب : "لا ينفعه شىء" وكذا عند البخارى. (٤) فى "ج" و"هـ": "لعله أن يكون عند بعضهم شىء" وفى البخارى: "لعله أن يكون عند بعضهم من شىء" . (٥) فى "د" : "قالوا" . (٦) فى "هـ": "يا أيها الرهط" وهى رواية البخارى . (٧) فى الكلم الطيب: "فهل عند أحد منكم من شىء؟ فقال" وهى رواية البخارى. (٨) فى "ج"، و"هـ": والله إنى لأرقى" وفى "د": "فقال أحدهم: إنى والله لأرقى" (٩) فى "د" وصالحوهم. (١٠) فى الكلم الطيب: "وما به قلبة" وكذا عند البخارى . ( ٣٨٩ ) الذى صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ. وقالَ بَعْضُهُم(١): اقْسِمُوا . فقالَ الذى رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِىَ رسول الله ◌َ ﴿ وَنَذْكُرَ لَهُ(٢) الذى كَان، فَقَدِمُواْ عَلَى النَّبِىِّ ◌َ﴿ فَذَكَرُوا له ذلكَ، فقال(٣): وَمَا يُدْرِيِكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُواْ لِى مَعَكُمْ سَهْمًا، وَضَحِك(٤) النّبِىُّ ◌َل". متفق عليه(٥). أقول : الحى اسم قبيلة من الحى، وهو الجمع، سمى حيا لأنها تجمع الناس . قوله: "فاستضافوهم" أى: طلبوا منهم الضيافة . قوله: "فلدغ" اللدغ / ٢٨٤ / اللسع، من لدغ الحية والعقرب. قوله: "هؤلاء الرهط" الرهط من الرجال فما دون العشرة . وقيل: إلى الأربعين، ولا يكون فيهم امرأة ، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط ، وأراهط جمع الجمع . قوله: "جُعلا" الجعل بالفتح: المصدر، وبالضم الاسم، وهنا بالضم . يقال: جعلت لك كذا جعلا(٦)، وهو الأجرة على الشىء فعلا أو قولا . قوله: "قطيع" القطيع الجماعة من الغنم . (١) فى الكلم الطيب وصحيح البخارى : "فقال بعضهم" . (٢) فى الكلم الطيب وصحيح البخارى: "فنذكر له" . (٣) فى الكلم الطيب وصحيح البخارى: "فذكروا له فقال" وفى صحيح مسلم: "فذكروا ذلك له فقال" . (٤) فى "ج" و "هـ" وصحيح البخارى: "فضحك" وفى صحيح مسلم: "فتبسم" . (٥) البخارى: كتاب الإجارة، باب ما يعطى فى الرقية على أحياء العرب بفاتحة الكتاب (٢٢٧٦)، مسلم: كتاب السلام، باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (٦٦،٦٥/٢٢٠١) . (٦) مكررة فى الأصل . (٣٩٠) قوله: "نشط من عقال" أى: حل. قال ابن الأثير: أُنشط من عقال، أى: حُلَّ، وكثيرا ما يجئ فى الرواية "كأنما نَشِطَ من عقال" وليس بصحيح. يقال: نشطتُّ العقدة إذا عقدتها، وأنشطتها وانتشطتها إذا حللتها(١). والعقال: الذى يعقل به البعير. قوله: "مَا بِه قَلَبَةٌ" يفتح القاف واللام والباء الموحدة، أى: وجع وعلة . قوله: "وما يدريك؟" أى: أى شىء أدراك، أى: علمك وأخبرك؟ قوله: "أنها رقية" أى: إن قراءة الفاتحة . هذا الذى ذكره الشيخ لفظ رواية البخارى، وهى أتم الروايات، وفى رواية: "فجعل يقرأ أم القرآن، ويجمع بزاقه ويتفل، فبرأ الرجل"(٢). وفى رواية: "فأمر له بثلاثين شاة"(٣). فإن قلت : هل تجوز الرقية لنا بهذا الحديث أم لا؟ وهل يحل أخذ الأجرة على ذلك أم لا؟ قلت: أما الرقية فقد جاء فى بعض الأحاديث جوازها ، وفى بعضها النهى عنها ، فمن الجواز قوله : "استرقوا لها، فإن بها النظرة"(٤). أى: اطلبوا لها من يرقيها، وهذا الحديث أيضا يدل على جوازها، حيث قال - عليه السلام -: "وما يدريك أنها رقية؟" وقال: / ٢٨٥ /"قد أصبتم". ومن النهى قوله: "لا يسترقون، ولا يكتوون"(٥) والأحاديث فى القسمين كثيرة ، ووجه الجمع بينهما ، أن الرقى يكره منها ما يكون بغير اللسان العربى ، وبغير (١) انظر النهاية (٥٧/٥). (٢) البخارى: كتاب الطب، باب الرقى بفاتحة الكتاب (٥٧٣٦)، مسلم (٦٥/٢٢٠١ مكرر) . (٣) البخارى : كتاب فضائل القرآن ، باب فضل فاتحة الكتاب (٥٠٠٧). (٤) البخارى : كتاب الطب، باب رقية العين (٥٧٣٩)، مسلم: كتاب السلام ، باب استحباب الرقية من العين ... (٥٩/٢١٩٧). (٥) البخارى: كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو (٥٧٠٤)، مسلم: كتاب الإيمان ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (٣٧٥،٣٧٤/٢٢٠) . ( ٣٩١ ) أسماء الله وصفاته ، وكلامه فى كتبه المنزلة ، وأن يعتقد أن الرقيا نافعة لا محالة، فيتكل عليها، ولا يكره منها ما كان فى خلاف ذلك، كالتعوذ بالقرآن ، وأسماء الله تعالى، والرقى المروية ، وما كان بغير اللسان العربى مما لا يعرف له ترجمة، ولا يمكن الوقوف عليه ، فلا يجوز استعماله . فإن قلت : الرقية إذا جازت بطريق ما ذكرت ، هل تجوز فى جميع الأشياء أم لا؟ قلت : تجوز فى كل شىء من أنواع البلايا والأمراض ونحوهما . فإن قلت : ما تقول فى قوله - عليه السلام - : "لا رقية إلا من عين أو حُمَةٍ"(١)؟ قلت: معناه: لا رقية أولى وأنفع، وهذا كما قيل: "لا فتى إلا على" ، والجواب عن قوله - عليه السلام - : "لا يسترقون، ولا يكتوون" أن هذا فى صفة أهل الجنة الذين يدخلونها بغير حساب، لأنهم الأولياء المعرضون عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفتون إلى شىء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، فأما العوام فمرخص لهم فى التداوى والمعالجات ، فمن صبر على البلاء، وانتظر الفرج من الله، كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له فى الرقية والعلاج والدواء. وأما أخذ الأجرة فصريح الحديث يدل على جوازه ، وعلى جواز شرط الأجرة المعينة . (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الطب، باب فى تعليق التمائم (٣٨٨٤)، وأحمد (٤٣٨،٤٣٦/٤، ٤٤٦) وغيرهما من طريق مالك بن مغول. والترمذى فى كتاب الطب ، باب ما جاء فى الرخصة فى ذلك (٢٠٥٧) من طريق سفيان ، كلاهما عن حصين ، عن الشعبى، عن عمران بن حصين، عن النبى ◌ّ به. وقال الترمذى: وروى شعبة هذا الحديث عن حصين، عن الشعبى، عن بريدة، عن النبى و﴿﴿ي مثله" اهـ. وقال الحافظ فى "الفتح" (١٥٧/١٠): "والمحفوظ رواية حصين مع الاختلاف عليه فى رفعه ووقفه، وهل هو عن عمران أو بريدة؟ والتحقيق أنه عنده عن عمران وعن بريدة جميعا" اهـ. قلت : وحديث بريدة عند ابن ماجه (٣٥١٣) بلفظه. وأخرجه البخارى موقوفا على عمران (٥٧٠٥) كتاب الطب . وصححه الشیخ الألبانی فی "صحیح أبى داود" . ( ٣٩٢ ) [قال شيخ الإسلام:] ١٤٢ - وقال عبد الله بن عباس / ٢٨٦ / - رضى الله عنهما - " كَانَ رسول اللهَ وَّ يُعَوِّذُ الحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ: أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ(١)، مِن كُلٌ شَيْطَانِ وَهَامَّةٍ ، ومِن كُلُ عَيْنِ لاَمَّةٍ ، ويَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِمَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ" خرجه البخارى(٢). أقول : هذا الحديث فيما يعوذ به الصبيان وغيرهم . قوله: "بكلمات الله التامة" المراد من الكلمات : أسماؤه الحسنى، وكتبه المنزلة، ووصفها بالتمام ، لخلوها عن العوارض والنواقص . قوله : "هامّة" بتشديد الميم، وهى كل ذات سم يقتل، كالحية وغيرها، والجمع: الهوام. قالوا: وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان ولم يقتل کالحشرات . قوله: "عين لامَّة" بتشديد الميم أيضا، وهى التى تصيب ما نظرت إليه بسوء. قال أبو عبيد: أراد ذات لم، ولذلك لم يقل: ملمة، وأصلها من: ألممت بالشىء . قوله: "ويقول: إن أباكما" أى : إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ذكر الأب وأراد به جد الآباء والجدات أيضا، لأن إبراهيم - عليه السلام - جد آباء النبى - عليه السلام - وقد احتج أبو عبد الله أحمد بهذا الحديث على القائلين بخلق القرآن ، فقال : لو كانت كلمات الله مخلوقة لم يعذهما رسول الله بها، إذ لا يجوز له أن يعيذ مخلوقا بمخلوق، واحتج (١) فى "د": "التامات" . ٠٠ (٢) البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل (٣٣٧١)، ووقع عند البخارى تقديم قوله "ويقول إن أباكما ... " على قوله: "أعيذكما بكلمات الله التامة ... " . ( ٣٩٣ ) أيضا بقوله : "التامة" فقال: ما من مخلوق إلا وفيه نقص. قال بعضهم: واحتجاجه بالقول الأول أقوى وأوجد، وفى الثانى للتوسعة والمجاز مدخل ، فيقول المنازع: بل كان أراد التامة فى المعنى الذى ورد ، لقوله - عليه السلام -: "اللهم رب هذه الدعوة التامة"(١). [قال شيخ الإسلام :] ١٤٣ - وعن عائشة - رضى الله عنها - ، "أن النبيَّ صلى الله / ٢٨٧ / عليه وسلم كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإنسانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانت قَرْحَةٌ(٢) أو جُرْعٌ قال النبيُّ ◌َ﴿ّ هكذا(٣) - ووضعَ سفيانُ بن عُبَيْنَةَ إِصْبَعَهُ(٤) بِالأَرْضِ ثم رَفَعَهَا - وقال: بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةِ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا(٥)، بِإِذْنِ رَبِّنَا"(٦). أقول : جاء عن عائشة - رضى الله عنها - فى صحيحى البخارى ومسلم وسنن أبى داود وغيرها ، "أن النبى - عليه السلام - كان إذا اشتكى الإنسان الشىء منه" يعنى : إذا اشتكى عن وجع وألم . (١) تقدم برقم (٧٠) . (٢) فى الكلم الطيب "قَرح". (٣) فى الكلم الطيب وصحيح مسلم: "قال النبى بيَّ بإصبعه هكذا" . (٤) فى صحيح مسلم : "سبابته" . (٥) فى "ج" و"د" وصحيح البخارى: "يشفى سقيمنا"، وفى "د" ليشفى سقيمنا" ، وعند مسلم: ليشفى به سقيمنا" وفى رواية "يشفى" . (٦) البخارى: كتاب الطب، باب رقية النبى وغرّ (٥٧٤٥)، مسلم: كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين ... (٥٤/٢١٩٤)، أبو داود : كتاب الطب ، باب كيف الرقى (٣٨٩٥)، ابن ماجه : کتاب الطب ، باب ما عوَّذ به النبی څ وما ◌ُوِّد به (٣٥٢١)، ولیس عند البخارى وأبى داود وابن ماجه قوله: "كان إذا اشتكى الإنسان الشىء ... " . ( ٣٩٤ ) قوله: "قرحة أو جرح" القرحة: بالفتح أو الضم. وقيل: بالضم الاسم، وبالفتح المصدر ، وكذلك الجرح، وقد فسر البعض القرحة بالجرح ، فالعطف بكلمة "أو" ينافى هذا التفسير، لأنه لو كان بالواو ربما يقال أنه عطف تفسير، والذى يلوح لى من الاستعمال أن القرح أعم من الجرح. قوله: "ووضع سفيان بن عيينة" وهو راوى هذا الحديث، ابن أبى عمران الهلالى الكوفى، واسم أبى عمران ميمون مولى محمد بن مزاحم أخى الضحاك، سكن مكة ومات بها ، سمع الزهرى، وعمرو بن دينار ، وأبا إسحاق السبيعى، وأيوب السختياني، وجماعة كثيرة، روى عنه الأعمش، ومسعر، وابن جريج، وشعبة، وهمام بن يحيى، وعبد الله بن المبارك، ووكيع، ويحيى القطان ، وأبو بكر بن أبى شيبة، والحميدى، وإسحاق بن راهويه، وجماعة كثيرة . قال عبد الله بن المبارك: سئل الثورى عن سفيان بن عيينة فقال: ذاك أحد الأحدين . وقال أبو حاتم: سفيان بن عيينة / ٢٨٨ / ثقة إمام. وقال أحمد بن عبد الله: كان سفيان بن عيينة حسن الحديث، وكان يعد من حكماء أصحاب الحديث، وكان حديثه نحوا من سبعة آلاف، ولم يكن له كتب . قال الواقدى: مات يوم السبت غرة رجب، سنة ثمان وتسعين ومائة، وهو ابن إحدى وتسعين، روى له الجماعة(١). قوله : "تربة أرضنا" أى: هذه تربة أرضنا "بريقة بعضنا" أى: معجونة بها ومخمرة، فالذى يسبق إلى الفهم من صيغة ذلك ، ومن قوله : "تربة أرضنا" إشارة إلى فطرة أول مفطور من البشر ، وريقة بعضنا إشارة إلى النطفة التى خلق منها الإنسان ، فكأنه يتضرع بلسان الحال، ويعرض بفحوى المقال، أنك اخترعت الأصل الأول من طين ، ثم ابتدعت بَنِيهِ من ماء مهين، فَهِيِّنٌ عليك أن تشفى من كنت(٢) نَشأتَهُ، وَتَمُنَّ بالعافية على من (١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٢٤١٣/١١). (٢) فى الأصل : "كانت" كذا . (٣٩٥) استوى فى ملكك موته وحياته . فإن قلت : صحت المناسبة بين التربة وفطرة الإنسان ، فما وجه المناسبة بين الريقة والنطفة ؟! قلت : هما من فضلات الإنسان ، يعبر بأحدهما عن الآخر، لما فى الآخر من القذارة، وكان من عادته التنزه عن الإفصاح بأمثال ذلك، ونظير ذلك ما ورد فى حديث يُسر بن حَحَّاش(١)، "أنه وَّ بصق على كفه، ثم وضع عليه إصبعه ، ثم قال : يقول الله - عز وجل - : ابن آدم، أَنّ تعجزنى وقد خلقتك من مثل هذه ؟"(٢) وأراد بها النطفة، فكذلك فى هذا الحديث . قوله : "بريقة بعضنا" أى: بيصاقه، والمراد: بصاق ابن آدم. قال ابن فارس: الريق ريق الإنسان / ٢٨٩ / وغيره، وقد يؤنث فيقال: ريقة. قال الجوهرى فى "الصحاح": الريقة أخص من الريق . قوله: "يشفى به سقيمنا" أى: قلنا هذا القول، أو صنعنا هذا الصنيع، ليشفى سقيمنا، والله أعلم. [قال شيخ الإسلام:] ١٤٤ - وعنها، "أن النبىَّ ◌َّ كَانَ يُعَوَّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ: اللهمَّ رَبَّ النَّاسِ، أَذْهِبِ الْبَاسَ، واشْفِ أَنْتَ الشَّافِى، لاَ شِفَاءَ إِلاَّ شِفَاؤُكَ، شِفَاءٌ لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا" متفق عليهما(٢) . (١) فى الأصل: "بشر بن الخصاصية" خطأ ، والتصويب من مصدر التخريج . (٢) أخرجه ابن ماجه فى كتاب الوصايا، باب النهى عن الإمساك فى الحياة والتبذير عند الموت (٢٧٠٧)، وأحمد (٢١٠/٤)، وابن سعد فى "الطبقات" (٤٢٧/٧) من طريق حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن جبير بن نفير، عن بُسر بن حَحَّاش به. وقال البوصيرى فى "الزوائد": "إسناده صحيح، ورجاله ثقات" . وصححه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٠٩٩). (٣) البخارى: كتاب الطب، باب مسح الراقى الوجع بيده اليمنى (٥٧٥٠)، مسلم: كتاب السلام، باب استحباب رقية المريض (٤٦/٢١٩١: ٤٨) ورواية البخارى بلفظ: كان النبى يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه ... " ورواية مسلم: "كان رسول الله ربّ إذا أتى المريض يدعو له قال : أذهب ... " . ( ٣٩٦ ) أقول: أى: عن عائشة - رضى الله عنها - ، وفى رواية "كان يرقى يقول: امسح الباس ، رب الناس، بيدك الشفاء، لا كاشف له إلا أنت"(١). قوله : "الياس" الشدة والمرض . قوله : "شفاء" مفعول لقوله: "اشف". وقوله: "أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك" معترض بينهما . قوله : "لا يغادر" صفة لقوله: "شفاء" أى: لا يترك. قوله: "متفق عليهما" أى: على هذين الحديثين اللذين روتهما عائشة - رضى الله عنها -. [قال شيخ الإسلام: ] ١٤٥ - وعن عثمان بن أبي العاص، "أَنْهُ شَكَى إلى رسول الله ﴿ وَجَعًا يَجِدُهُ فِى جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فقالَ رسول اللهِلَّ: ضَعْ يَدَكَ عَلَى الذى تَأَلْمَ (٢) من جَسَدِكَ وَقُلْ: بِاسْمِ اللّهِ ثَلاثًا، وقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرُ مَا أَجِدُ وأُحَافِرٌ" خرجه مسلم(٣). أقول: عثمان بن أبى العاص مر فى "فصل الشيطان يعرض لابن آدم" . قوله: "يجده" صفة لقوله "وجعًا". قوله: "منذ أسلم" أى: من حين أسلم . قوله: "ضع" أمر من وضع يضع . ٠٠ (١) مسلم (٤٩/٢١٩١) وفيه "أذهب" بدل "أمسح" . (٢) فى الكلم الطيب: "يألم" وفى صحيح مسلم كما عندنا . (٣) مسلم: كتاب السلام ، باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (٦٧/٢٢٠٢). ( ٣٩٧ ) قوله : "ثلاثا" أى: ثلاث مرات، فإن قلت: ما الحكمة فى تعيين الثلاث فى "باسم الله" / ٢٩٠ / وتعيين السبعة فى "أعوذ بالله"؟ قلت: الذى لاح لى من الأنوار الربانية، والأسرار الرحمانية ، أن التكرار فى اسم الله تعالى ممدوح. هو المسك ما كررته يتضوع أعيد ذكر نعمان لنا إن ذكره والعدد لا نهاية له، وأقل العدد المعتبر ثلاثة، فاعتبر فى التسمية أقل العدد، وأما تعيين السبعة فى التعوذ، فكأنه أمر بسبع مرات ليكون كل مرة سببا فى ذهاب ألم كل يوم من الأيام السبعة، وأيام العمر سبعة أيام، والزيادة بالشهور والسنين بتكرار هذه الأيام السبعة . قوله : "بعزة الله" العزة: الغلبة والقهر، ومنه العزيز الغالب القاهر. قوله : "وقدرته" من قدر يقدر ، أى : أطاق . قوله: "ما أجد" أى: من الألم والوجع . قوله: "وأحاذر" من الحذر. [قال شيخ الإسلام :] ١٤٦ - وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - ، عن النبيِّ قال: "مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِندَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ ، رَبَّ العَرْشِ العَظِيمِ، أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّ عَافَاهُ اللهُ" خرجه أبو داود والترمذى، وقال: حديث حسن(١). أقول : تعيين العدد السبعة كالتعيين فى الحديث السابق . (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الجنائز، باب الدعاء للمريض عند العيادة (٣١٠٦)، والترمذى فى كتاب الطب، باب (٣٢)، رقم (٢٠٨٣)، والحاكم (٣٤٢/١) و(٤١٦،٢١٣/٤) وغيرهم من طريق المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به . وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي . وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود" وغيره . ( ٣٩٨) قوله : "يشفيك" بفتح الياء . قوله: "وقال: حديث حسن" أى: قال الترمذى: هذا حديث حسن. وقال الحاكم أبو عبد الله فى كتابه "المستدرك على الصحيحين": هذا حديث حسن صحيح على شرط البخارى . فإن قلت : من أين يعرف العائد أن المريض يحضر أجله أم لا يحضر؟ قلت : المعنى أن الرجل إذا عاد مريضا، وقرأ عنده هذا الدعاء سبع / ٢٩١ / مرات، وكان هذا المريض فى علم الله لم يحضر أجله، يعافى له ببركة هذا الدعاء، وإلا إذا كان الأجل حاضرا لم ينفع الدعاء إلا فى ثواب القراءة خاصة ، والله أعلم . F. ( ٣٩٩ )