Indexed OCR Text
Pages 201-220
يُحَدُثْ بِهِ إلا من يُحبُّ، وإذا(١) رأى ما يَكْرَهُ فَلاَ يُحَدُثْ بِهِ، وَلْيَْفُلْ (٢) عَلَى(٣)
يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ منَ الشيطانِ الرجِيمِ، [ومن شرِّ مَا رَأَى](٤)، فإنها لن تَضُرَّهُ"
متفق عليه (٥)
.
أقول : أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهرى القرشى المدنى ، أحد الفقهاء
السبعة المشهورين بالفقه فى المدينة ، ومن مشاهير التابعين وأعلامهم، ويقال: إن اسمه
كنيته، وهو كثير الحديث، واسع الرواية، سمع ابن عباس، وأبا هريرة، وابْنْ عمر،
وعائشة، وغيرهم، روى عنه: الزهرى، ويحيى بن أبى كثير، ويحيى بن سعيد
الأنصارى ، والشَّعبى ، مات سنة أربع وتسعين، وقيل : سنة أربع ومائة ، وله اثنتان
وتسعون سنة(٦) .
وأما أبو قتادة فهو الحارث بن رَبْعِى بن بلدمة بن خناس بن سيان بن عبيد بن عدى بن
[كعب بن] غنم بن سَلِمة - بكسر اللام - ، الأنصارى السلمى المدنى، ويقال: بلدمُة
بالضم، وبالفتح أشهر، ويقال: بلذُمة بالذال المعجمة المضمومة ، فارس رسول [الله]
، شهد أحدا، والخندق، وما بعد ذلك / ١٣٧ / من المشاهد، روى له عن
رسول الله وَ ل مائة حديث، وسبعون حديثا، اتفقا منهما على أحد عشر حديثا وانفرد
البخارى بحديثين وانفرد مسلم بثمانية أحاديث ، روى عنه: ابنه عبد الله، وأبوسعيد
(١) فى "ج" : "وإن" وفى "د": "فإذا" .
(٢) فى "د": "فليتفل" .
(٣) فى الكلم الطيب "عن" .
(٤) ساقط من "د" .
(٥) البخارى: كتاب التعبير ، باب إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها (٧٠٤٤)، مسلم :
كتاب الرؤيا (٤/٢٢٦١).
(٦) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٣٧٠/٣٣، رقم/٧٤٠٩).
( ٢٠٠ )
الخدرى، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب ، وسعيد بن كعب بن نافع، وأبو الخليل
صالح بن أبى مريم(١)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن سليم الزرقى، ومعبد بن
كعب بن مالك، وأبو محمد نافع مولاه، وعبد الله بن رباح الأنصارى، وعبد الله بن
معبد الزمانى - بالزاى المعجمة ، وعُلى بن رباح، وعطاء بن يسار، وعمار مولى بنى
هاشم، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين ، وهو ابن سبعين سنة، وقيل بالكوفة سنة ثمان
وثلاثين، وصلى عليه على بن أبى طالب، وقيل: ابن اثنين وسبعين، والأصح أنه مات
بالمدينة سنة أربع وخمسين ، روى له الجماعة (٢) .
قوله : "الرؤيا من الله" الرؤيا كالرؤية، جعل ألف التأنيث فيها مكان تاء التأنيث للتفريق
بين ما يراه فى المنام ، وبين ما يراه فى اليقظة، والحلم عند العرب يستعمل استعمال
الرؤيا ، يدل عليه قول القائل :
وكنت للأحلام عبارا
***
رأيت رؤيا ثم عبرتها
ولكن النبى وَّ فرق بينهما، فجعل الرؤيا من الله، والحُلم من الشيطان، كأنه كره أن
يسمى ما كان من الله، وما كان من الشيطان باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن
القسم الصالح ، لما فى صيغة لفظها من الدلالة على مشاهدة الشىء بالبصر ، أو البصيرة ،
وجعل الحُلم عبارة عما كان / ١٣٨ / من الشيطان ، لأن أصل الكلمة لم تستعمل إلا
فيما يخيل إلى الحالم فى منامه، ولهذا خص الاحتلام بما يخيل إلى المحتلم فى منامه من قضاء
الشهوة ، وذلك بما لا حقيقة له .
قوله : "فإذا رأى أحدكم الشىء ... " إلى آخره. كأنه تفسير للحلم، لأن الحلم هو
المكروه، والرؤيا هى المحبوبة .
(١) قال الحافظ المزى فى " تهذيب الكمال" (١٩٥/٣٤): "وأبو الخليل لم يسمع منه" .
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣١٦١/٤)، أسد الغابة (٦١٦٦/٦)، الإصابة (١٠٤٠٥/٧).
( ٢٠١ )
قوله : "يكرهه" جملة فعلية وقعت حالا من الضمير الذى فى "رآى"، وقد علم أن
الفعلية إذا كانت مضارعا مثبتا تجىء بدون الواو ، نحو : "جاءنى زيد يركب" لأنها
مشابهة باسم الفاعل ، فتمتنع الواو .
قوله : "فلينفث عن يساره" وقد علم أن النفث نفخ لطيف لا ريق معه، وفى رواية :
"فليبصق" (١) وإنما أمر أن ينفث عن اليسار لأن الشيطان يأتى ابن آدم من قبل اليسار،
لأنه يريد أن يوسوس فى القلب ، والقلب قريب من جهة اليسار، فيأتى الشيطان من
جهته القريبة .
قوله : "من شرها" الضمير راجع إلى الحُلم، وتأنيثه باعتبار الرؤيا .
قوله: "إن شاء الله تعالى" إنما استثنى لأن عدم الضرر غير مقطوع به، فلذلك استثنى، أو للتبرك.
قوله : "فما كنت أباليها" ، أى : أخافها .
قوله : "إلا من تحب"، أى: من تحبه، أى: لا تحدث إلا للرجل الذى تحبه أنت ، إنما
أمر بذلك، لأن الراد لا يحب أن يستقبلك فى تفسيرها إلا ما تحب ، لا أن تغييرها يزيلها
عما جعلها الله عليه ، واستفيد من هذا الحديث فوائد، الأولى : إن الرؤيا تدل على
حصول الخير ، والحُلم على عدمه .
الثانية : إن المستحب للذى رآى الرؤيا المكروهة أن ينفث عن يساره ثلاثا، ويتعوذ بالله
من شرها / ١٣٩ / حين استيقظ .
الثالثة : إن ترك هذا يضره .
الرابعة : إنه ينبغى أن لا يحدث بالرؤيا المكروهة بل يفعل ما قلنا ، ويسكت .
الخامسة : فيه دليل على أن يتكلم بالرؤيا الصالحة .
السادسة : لا يتكلم بها إلا لمن يحبه هو ، ولا يتكلم لمن يبغضه .
(١) البخارى (٧٠٠٥)، مسلم (١/٢٢٦١).
( ٢٠٢ )
[قال شيخ الإسلام:] ٤٨ - وخرج مسلم عن جابر - ظله - عن رسول الله ح﴿،
قال : "إِذَا رَأَى أحدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَن يَسَارِهِ ثَلاَثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ من
الشيطان ثَلاَثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عِن جَنْبِهِ الَّذِى كَانَ عَلَيْهِ"(١) .
أقول : جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بن عمرو بن سواد بن سلمة، ويقال : ابن
حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن سلمة بن سعد بن على بن أسد بن ساردة بن تزيد بن
جشم بن الخزرج الأنصارى السلمى، روى له عن رسول الله وَل ألف حديث،
وخمسمائة حديث ، وأربعون حديثا ، أخرجا له مائتى حديث ، وعشرة أحاديث ، اتفقا
منها على ثمانية وخمسين ، وانفرد البخارى بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين،
وروى عن: أبى بكر ، وعمر ، وعلى، وأبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل،
وخالد بن الوليد ، وأبى هريرة .
روى عنه: أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وأبو جعفر محمد بن على بن
الحسين بن على بن أبى طالب، ومحمد بن المنكدر، وعطاء بن أبى رباح، وسالم بن
أبى الجعد ، وسعيد بن المسيب، وعمرو بن دينار، وعبد الرحمن بن كعب بن مالك،
وبجاهد بن جبر، وأبو الزبير محمد بن / ١٤٠ / مسلم، والشَّعبى، ومحارب بن دثار،
وأبو المتوكل الناجى ، وسليمان بن القيس اليشكرى ، وشهر بن حوشب ، وعروة بن
رويم اللخمى ، وعبد الرحمن بن آدم صاحب السقاية ، وخلق كثير، مات بالمدينة سنة
ثلاث وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين، وقيل سنة ثمان وستين، وَسِنَّهُ أربع وتسعون
سنة ، وكان قد ذهب بصره، وصلى عليه أبان بن عثمان بن عفان ، روى له
الجماعة(٢) .
٢٠
(١) مسلم: كتاب الرؤيا (٥/٢٢٦٢).
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٩٠/١)، أسد الغابة (٦٤٧/١)، الإصابة (١٠٢٧/١).
(٢٠٣ )
قوله : "إذا رأى أحدكم الرؤيا" إلى آخره فيه ثلاثة أوامر، الأول: البصق عن اليسار،
وذلك ترغيما للشيطان ، وزجرا له(١).
والثانى : الاستعاذة بالله ليأمن من(٢) شره، ووسواسه .
والثالث : التحول عن جنبه الذى كان عليه حين رأى الرؤيا المكروهة، تفاؤلا بالقلب
من جنب إلى جنب للتحول(٣) من هذه الحالة المسيئة إلى الحالة المسرة، كتقليب الرداء فى
صلاة الاستسقاء. فإن قلت : كيف يتعوذ؟ قلت: روى فى كتاب ابن السنى: "إذا
رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليتفل ثلاث مرات ، ثم ليقل: اللهم إنى أعوذ بك من
عمل الشيطان ، وسيئات الأحلام ، فإنها لا تكون شيئا "(٤).
[قال شيخ الإسلام:] ٤٩ - ويذكر عن النبى و﴿ أن رَجُلاً قَصَّ عليه رُؤْيَا، فقال:
"خَيْرًا رأيْت، وخَيْراً يكون)) (٥)
(١) فى الأصل : "عليه" .
(٢) فى الأصل: "عن" .
(٣) فى الأصل : "لتحول" .
(٤) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٧٦٦) قال: حدثنا أبو محمد ابن صاعد قال: ذكره
إبراهيم بن يوسف أخو عصام البلخى ، حدثنا المسيب بن شريك، عن إدريس بن يزيد ، عن
أبيه ، عن أبى هريرة مرفوعًا. وقال الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (١٩٢/٣): "أخرجه
ابن السنى من طريق إدريس بن يزيد الأودى ، عن أبيه ، عن أبى هريرة، والراوى إدريس ليس
متروك الحديث، وفى السند إليه من ابن السنى انقطاع" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى
"ضعيف الجامع" (٤٩٨).
(٥) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٧٦٩) مس طريق محمد بن سلمة ، عن الفزارى
[محمد بن عبيد الله العرزمى] ، عن سعيد بن أبى بردة ، عن أبيه ، عن أبى موسى به . قال الحافظ
كما فى "الفتوحات" (١٩٣/٣): "محمد بن عبيد الله العرزمى ضعيف جدا، حتى قال الحاكم
=
( ٢٠٤ )
[وفى رواية](١) " خيرًا(٢) تَلْقَاهُ، وشرا تَوَقَّاهُ، وخيرًا(٢) لَنَا، وشَرًّا على أعدائِنَا ،
والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ"(٣).
أقول : هذا الحديث أخرجه ابن السنى فى "كتابه" ، وذكره الشيخ محيى الدين النووى فى
"أذكاره" ، وجعل له بابا ، وقال : "باب ما يقول إذا قصت عليه رؤيا" .
قوله: "قص عليه" أصل القص من قص أثره إذا اتبعه ، لأن الذى يقص الحديث يتبع ما
حفظ منه شيئا / ١٤١ / فشيئا .
قوله : "خيرا" منصوب على أنه مفعول "تلقاه" مقدما، أى: تلقى ما رأيته خيرا، لأن
"لقى" تستدعى مفعولين ، تقول : لقيته فاضلا .
- أبو أحمد: أجمعوا على تركه، وأصل القصة سجود الشجرة عند قرآة آية (ص) والله أعلم.
وفى "طرف الفوائد وظرف الفرائد" لابن حجر الهيتمى: فى [حديث] سنده منقطع ، لكن
رجاله ثقات ، أن المعبر إذا قصت عليه رؤيا يقول: "خيرٌ لنا، وشر لأعدائنا" ، وفى حديث سنده
ضعيف بالمرة، أنه ﴿﴿ّ قصت عليه رؤيا فقال: "خيرٌ تلقاه، وشرَّ تتوقاه، وخيرٌ لنا" اهـ.
وضعفه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" .
(١) زيادة من "الكلم الطيب" والأذكار (ص/٩٣).
(٢) فى "الكلم الطيب" : "خيرٌ" بالرفع وله وجه .
(٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٧٧٠) من طريق سليمان بن عطاء عن مسلمة بن
عبدالله الجهنى، عن عمه أبى مشجعة بن ربعى، عن ابن زمل به . قال الحافظ كما فى
"الفتوحات" (١٩٣/٣): "سليمان بن عطاء منفى الحديث، قال ابن حبان: يروى عن مسلمة
أشعياء موضوعة، لا تشبه حديث الثقات، لا أدرى التخليط فيها منه أو من مسلمة .
وأبو مشجعة شيخ مسلمة لا يعرف اسمه ولا حاله" اهـ. وقال الهيثمى فى "المجمع" (١٨٣/٧):
"رواه الطبرانى وفيه سليمان بن عطاء وهو ضعيف" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى "الكلم
الطيب" .
( ٢٠٥)
قوله : "وشرا توقاه"، أى ثصان وتحفظ منه، وتوقى واتقى بمعنى واحد، وأصل اتقى
او تقى ، قلب الواو ياء لكسرة ما قبلها ، فصار ايتقى ، ثم أبدلت الياء تاء ، وأدغمت التاء
فى التاء، أصله من الوقى وهو الحفظ ، وتوقاه هنا أصله تتوقاه حذفت إحدى(1) التاءين
للتخفيف ، لأنه من باب تفعل يتفعل ، مثل تجنب يجتنب ، وقد علم أن التاءين إذا اجتمعتا .
فى أول الكلمة حَذَفت إحديهما، كقوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَى﴾(٢) أصله: تتلظى.
قوله : "خيرا لنا"، أى: يكون خيرا لنا، ويكون "شرا على أعدائنا".
(١) مكرره فى الأصل .
(٢) سورة الليل (١٤) .
( ٢٠٦ )
[قال شيخ الإسلام : ]
٧ - فصل فى فضل العبادة بالليل
أقول : لما فرغ عن بيان فضل الذكر مطلقا، وبيان ما يقال عند النوم، وعند الانتباه فى
الليل ، شرع فى بيان فضل العبادة بالليل، ثم يذكر ما يقال عقيب النوم عند الانتباه ،
وغير ذلك من(١) ترتيب حال المكلف.
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ إلى قوله:
﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الْلَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْنَا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْلَيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ
وَسَبْحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾(٣) .
أقول : "(٤) المزمل المتزمل، وهو الذى تزمل فى ثيابه، أى: تلفف بها ، بإدغام التاء فى
الزاى ، ونحوه المدثر فى المتدثر، وقرئ "المتزمّل" على الأصل، "والمزَمِل" بتخفيف الزاى،
وفتح الميم وكسرها على أنه اسم فاعل، أو مفعول من زمله، وهو الذى زمله غيره ، أو
زمل نفسه، وكان رسول الله ﴿ نائما بالليل، متزملا / ١٤٢/ فى قطيفة، فَنْبِّهَ
ونودى بما يهجن إليه الحالة التى كان عليها من التزمل فى قطيفة ، واستعداده للاشتغال
فى النوم كما يفعل من لا يهمه أمر، ولا يعنيه شأن ، وأمره بأن يختار على الهجرة
التهجد، وعلى التزمل التشمر(٥)، والتخفف للعبادة والمجاهدة فى الله، ولا جرم أن
رسول ◌َ الله قد تشمر لذلك مع أصحابه حق التشمر، وأقبلوا على إحياء لياليهم، ورفضوا
له الرقاد والدعة، وجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم، واصفرت ألوانهم، وظهرت
السيما فى وجوههم، وتراقى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم، فخفف عنهم، وقيل:
(١) فى الأصل: "عن".
(٢) سورة المزمل (١: ٦) .
(٣) سورة الإنسان (٢٦) .
(٤) انظر تفسير الكشاف (٦٣٤/٤-٦٣٨).
(٥) فى الأصل : "التمشر" خطأ .
( ٢٠٧ )
كان متزملا فى مرطٍ لعائشة يصلى ، فهو على هذا ليس بهجين ، بل هو ثناء عليه ،
وتحسينٌ لِحَالِهِ التى عليها، وأمر بأن يدوم على ذلك، ويواظب عليه .
وعن عائشة - رضى الله عنها - : "أنها سئلت ما كان تزميله؟ قالت : كان مرطا طوله
أربع عشر ذراعا، نصفه على، وأنا نائمة ، ونصفه عليه، وهو يصلى، فسئلت ما كان ؟
قالت: والله ما كان خزا(١)، ولا قزا(٢)، ولا مرعزى(٣)، ولا إِبْرَيْسيمًا (٤)، ولا صوفا،
بل كان سداه(٥) شعرًا، ولحمته(٦) وبرا" (٧).
٠٠
وقيل : دخل على خديجة - رضى الله عنها - وقد حُئِثَ(٨) فرقا أول ما أتاه جبريل -
عليه السلام - وبوادره ترعد ، فقال : "زملونى، وحسب أنه عرض له، فبينما هو على
ذلك إذا ناداه جبريل - عليه السلام -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُؤَمِّلُ﴾(٩).
(١) الخز من الثياب: ما ينسج من صوف وإِنْرَيْسَمٍ، وما ينسج من إِبْرَيْسٍَ خالص.
(٢) القَزُّ: الحرير على الحال التى يكون عليها عندما يستخرج من الصُّلِّحة.
(٣) المَرْعَزُ: الزَّغب الذى تحت شعر العنز. والزَّغب: هو صغار الريش والشعر ولينه.
(٤) الإِبْرَيْسَم : أحسن الحرير.
(٥) السُّدَى من الثوب : خيوطُ نسيجِهِ التى تُمد طولا .
(٦) اللحمة من الثوب: خيوطُ النسيج العرضية ، يلحم بها السدى .
(٧) نقله المصنف من تفسير الكشاف الزمخشرى (٦٣٦/٤)، وقال الحافظ الزيلغى فى تخريج أحاديثه
(١٠٧/٤-١٠٨): غريب، رواه البيهقى فى الدعوات الكبير، وابن الجوزى فى العلل المتناهية
[٦٧/٢] وأعله بابن أبى كريمة، وقال: إن له مناكير اهـ. قلت: ورواه البيهقى فى فضائل
الأوقات (٢٦).
(٨) جُبِثَ : فزع .
(٩) البخارى : كتاب بدء الوحى ، باب كيف كان بدء الوحى ... (٤)، مسلم: كتاب الإيمان ،
باب بدء الوحى إلى رسول الله جملة (٢٥٥/١٦١: ٢٥٨).
( ٢٠٨ )
قوله : ﴿قُمِ الْلَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ يعنى: قم الليل فى الصلاة إلا قليلا، يعنى: من الليل
نصفه ، يعنى : قم نصفه، فاكتفى بذكر الشطر الأول من الثانى ، لأنه دليل عليه .
قال الزمخشرى(١): "نصفه بدل من الليل، / ١٤٣ / و"إلاَّ قَلِيلاً" استثناء من النصف،
كأنه قال: قم أقل من نصف الليل، والضمير فى "مِنْهُ" و"عَلَيْهِ" للنصف، والمعنى:
التخيير بين أمرين : بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت ، وبين أن يختار أحد(٢)
الأمرين ، وهما : النقصان من النصف ، والزيادة عليه، وإن شئت جعلت "نصفه" بدلا
من "قليلا" ، وكان تخييرا بين ثلاث : بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه،
وبين قيام الزائد عليه ، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل .
قوله : ﴿أَوِ القُصْ مِنْهُ قَلِيلاً﴾ يعنى: أو انقص من النصف قليلا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أى:
على النصف ، يعنى : ما بين الثلث إلى الثلثين ، ثم إن قيام الليل هل كان فرضا، أم نفلا؟
اختلفوا فيه فعن عائشة: "إن الله جعله تطوعا بعد أن كان فريضة"(٣)، وقيل: كان
فرضا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ، ثم نسخ بهن ، إلا ما تطوعوا به ، وعن الحسن :
"كان قيام ثلث الليل فريضة، وكانوا على ذلك سنة". وقيل: كان واجبا وإنما وقع
التخيير بين المقدار، ثم نسخ بعد عشر سنين ، وقيل : كان نفلا ، بدليل التخيير فى
المقدار، ولقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةٌ لَّكَ﴾(٤).
(١) انظر تفسير الكشاف (٦٣٦/٤-٦٣٧).
(٢) مكررة فى الأصل .
(٣) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب جامع صلاة الليل .... (١٣٩/٧٤٦).
(٤) سورة الإسراء (٧٩) .
( ٢٠٩ )
قوله: ﴿وَرَتْلِ الْقُرْأَنَ تَرْتِيلًا﴾ ترتيل القرآن قراءته على ترسل، بتبيين الحروف ، وإشباع
الحركات، حتى يجىء المتلو منه شبيها بالثغر المرتل، وهو المفلج المشبه بنور الأقحوان(١)،
وأن لا يَهُذُّهُ(٢) هَذًّا ، ولا یسرده سردا .
قوله : ﴿تَرْتِيلاً﴾ منصوب على أنه مفعول مطلق، وهو تأكيد لإيجاب الأمر به، وأنه
لابد منه .
٠٫
قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى / ١٤٤ / عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلًا﴾ يعنى بالقول الثقيل: القرآن، وما فيه
من الأوامر والنواهى التى هى تكاليف شاقة ، ثقيلة على المكلفين خصوصا على
رسول الله ﴿، لأنه يتحملها على نفسه، ويحملها على أمته، فهى أثقل عليه"(٣).
وفى "صحيح مسلم"، والبخارى، عن عائشة - ظه - "أن الحارث بن همام سأل
النبى ، فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحى؟ فقال رسول الله حالات :
أحيانا يأتينى مثل صَلْصَلَةِ الجرسِ وهو أشدُّه علىَّ فَيَفْصِمُ عنى وقد وعيتُ
ما قاله، وأحيانا يتمثل لى الملك رجلا، فيكلمُنى فأعى ما يقول ، قالت عائشة: ولقد
رأيته ينزل عليه الوحى فى اليوم الشديد البرد، فَيُفَصْمُ عنه، وإن جبينه لَيَتَفَصَّدُ
عرقا"(٤): "يُفصم" بضم حرف المضارعة ، يعنى: الوحى، من "أفصم المطر" إذا أقلع،
وانكشف .
(١) نبت زهرة أصغر أو أبيض ، ورقه مسنن كأسنان المنشار .
(٢) الهذ: سرعة القطع، ومنه قول ابن مسعود: "أهذًّا كهذ الشعر"؟ أراد: أتهذ القرآن هَذَّا فتسرع
فيه كما تسرع فى قراءة الشعر؟ اهـ. قاله فى النهاية (٢٥٥/٥).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف.
(٤) البخارى: كتاب بدء الوحى، باب حدثنا عبد الله بن يوسف (٢)، مسلم : كتاب الفضائل،
باب عرق النبى وَّ فى البرد .... (٨٧/٢٣٣٣). واللفظ للبخارى
( ٢١٠ )
قوله: "لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا"، أى: يسال عرقا، وعن الحسن: ثقيل فى الميزان، وقيل: ثقيل
على المنافقين ، وقيل : كلام له وزن ، ورجحان ، ليس بالسفساف .
قوله : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الْلَيْلِ﴾ يعنى: "(١) ساعات الليل كلها، ﴿هِىَ أَشَدُّ وَطْفَا﴾ يعنى:
أشد نشاطا من النهار إذا كان الرجل محتسبا، ويقال : يعنى أرق لقلوبهم. وقيل:
الساعات الأُوَلُ، وعن على بن الحسين ، أنه كان يصلى من المغرب والعشاء، ويقول :
"أما سمعتم قول الله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الْلَيْلِ﴾ هذه ناشئة الليل" .
وقوله : ﴿أَشَدُّ وَطْنَا﴾ قرىء بالفتح والكسر، والمعنى: أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل، أو
أثقل وأغلظ على المصلى من صلاة النهار، وعن الحسن: أشد / ١٤٥ / موافقة بين السر
والعلانية ، لانقطاع رؤية الخلائق، أو أشد موافقة لما يراد من الخشوع، والإخلاص.
قوله : ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ يعنى: أشد مقالا، وأثبت قراءة، لهدوء الأصوات، وعن أنس أنه
قرأ: "وأصوب قيلا، فقيل له: يا أبا حمزة، إنما هى: وأقوم، فقال: إن أقوم وأصوب
وأهيا واحد"، وقيل: أخلص للقول، وأسمع له .
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْلَيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾(٢) يعنى: وبعض الليل فصل له، يعنى: صلاة المغرب
والعشاء، وأدخل "مِنَ" على الظرف للتبعيض كما دخل على المفعول فى قوله: ﴿يَغْفِرْ لكُم
مُّنَ ذْتُوبِكُمْ﴾(٢) ﴿وَسَبُحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ من الليل: ثلثيه، أو نصفه، أو ثلثه. قال الشيخ
أبو الليث فى تفسير ﴿وَسَبُحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ يعنى: "بعد المكتوبة، فهذا للنبى ◌َّ خاصة،
ويقال: له ولأصحابه، وهذا أمر استحباب، لا أمر وجوب"(٤) والله أعلم.
(١) انظر تفسير الكشاف (٦٣٨/٤-٦٣٩).
(٢) سورة الإنسان (٢٦) .
(٢) سورة نوح (٤).
(٤) انظر تفسير السمرقندى (٤٣٣/٣).
( ٢١١ )
[قال شيخ الإسلام: ] ٥٠ - وفى "الصحيحين"، عن أبى هريرة - ﴿ه - عن رسول الله
مَّ، قال: "يَنْزِلُ رَّبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ الليل الأَخِرِ،
فيقولُ: مَن يَدْعُونِى فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، من(١) يَسْأَلُنِى فَأُعْطِيَهُ، مَنْ (١) يَسْتَغْفِرُنِى فَأَغْفِرَ
لَهُ "(٢).
أقول: أتى فى صحيحى البخارى، ومسلم، عن أبى هريرة - ظُه - ... إلى آخره،
وفى رواية لمسلم: "إن الله - عز وجل - يُمْهِلُ حتى إذا ذهبَ ثلثُ الليلِ الأولِ ينزلُ
إلى السماء الدنيا، فيقولُ: هل منْ مُستغفرٍ؟ هل من تَائبٍ؟ هل من سائل؟ هل من
دَاعٍ؟ حتى ينفجرَ الفجرُ"(٣)، وفى أخرى له: "إِذَا مضَى شَطْرُ الليلِ، أو ثُلْكَاهُ ، ينزلُ
الله تباركَ / ١٤٦ / وتعالىَ إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائلٍ فَيُعْطى؟ هل
من داعٍ فَيُستجابُ؟ هل من مُستَغفِرٍ يُغْفَرُ له، حتى يَنفجَر الصبحُ"(٤)، وفى أُخرى
له : "حتى يمضِى ثُلُثُ الليلِ الأولِ، فيقول: أنا الَّلِكُ، أنا الملِكُ، مِنْ ذَا الذَى
يَدْعُونى ... " الحديث إلى آخره، "حتى يُضِىءَ الفَجْرُ"(٥)، وفى أخرى له نحوه، وفى
آخره، ثم يقول: "مَن يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيمٍ، وَلاَ ظَلُومٍ"(٦)، وفى أخرى نحوه، وفيه :
"بَسَطَ يَدَيْهِ تباركَ وتَعالى، يقول: مَن يُقْرِضُ" الحديث(٧).
(١) فى الكلم الطيب "ومن".
(٢) البخارى: كتاب التهجد ، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل (١١٤٥)، مسلم: كتاب صلاة
المسافرين، باب الترغيب فى الدعاء والذكر فى آخر الليل ... (١٦٨/٧٥٨).
(٣) مسلم (١٧٢/٧٥٨) من حديث أبى سعيد وأبى هريرة .
(٤) مسلم (١٧٠/٧٥٨).
(٥) مسلم (١٦٩/٧٥٨).
(٦) مسلم (١٧١/٧٥٨).
(٧) مسلم (١٧١/٧٥٨ مكرر).
( ٢١٢ )
وأخرج [فى] "الموطأ"، والترمذى، وأبو داود الرواية الأولى(١)، وأخرج الترمذى الرواية
الخامسة أيضاً(٢).
قوله : "ينزل ربنا" اعلم أن النزول، والصعود، والحركة، والسكون من صفات
الأجسام، والله تعالى منزه عن ذلك، فقيل: معناه ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى
صفات الرحمة، والكمال، وقيل: المراد به نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من
العباد، أو نزول ملك من خواص ملائكته، فينقل حكاية الرب، قيل: هذا من
المتشابهات(٣)، وهذا الحديث روى من طرق صحاح، بألفاظ متقاربة، ومعنى واحد
- كما رأيت - ومن أحسن الألفاظ فى هذا الحديث ، وأبعدها من سوء التأويل ما روى
أبو هريرة، وأبو سعيد، قالا: قال رسول الله ﴿: "إن الله يُمْهِلُ حتى يمضى شَطْرُ
الليلِ الأولِ ، ثم يأمر مُنَادِيا ينادِى: هل من داعٍ يُستجابُ له؟ هل من مُستغفرٍ يُغفرُ
له؟ هل من سائلٍ فَيُعْطَى؟(٤)" واختصاص نزول أمر الله تعالى(٥) إلى السماء الدنيا حتى
يبقى ثلث الليل الآخر، لأن الثلث الآخر وقت هدوء الأصوات، / ١٤٧ / وانقطاع
(١) أبو داود: كتاب الصلاة ، باب أى الليل أفضل (١٣١٥) وكتاب السنة، باب فى الرد على
الجهمية (٤٧٣٣)، والترمذى: كتاب الدعوات، باب (٧٩) رقم (٣٤٩٨)، الموطأ : كتاب
القرآن، باب ما جاء فى الدعاء (٣٠).
(٢) الترمذى : كتاب الصلاة ، باب [ما جاء] (كذا فى الأصل بين معقوفتين) فى نزول الرب - عز
وجل- إلى السماء الدنيا كل ليلة (٤٤٦).
(٣) بل مذهب أهل السنة والجماعة أن الله - عز وجل - ينزل نزولا حقيقيا ، يليق بكماله وجلاله ،
بلا تأويل ، ولا تمثيل ، ولا تكييف ، ولا تعطيل، ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾،
إجماع أهل السنة والجماعة ، وانظر "شرح حديث النزول" لابن تيمية .
(٤) مسلم : كتاب صلاة المسافرين ، باب الترغيب فى الدعاء والذكر فى آخر الليل ...
(١٧٢/٧٥٨) .
(٥) بل نزول الله نزولا يليق به كما تقدم .
( ٢١٣ )
الحركات، واشتغال أكثر الخلق بالنوم، والغفلة فى هذا الوقت ، وأنه استقبال وقت
انتشار الأنوار، ووقت نشور الخلائق من الموت الذى هو النوم، فيكون وقتا شريفا ،
وكان أقرب للإجابة ، والإعطاء، والمغفرة، وإن كان الله تعالى يستجيب دعوة الداعى،
ويعطى سؤال السائلين ، ويغفر ذنوب المستغفرين فى جميع الأوقات .
[قال شيخ الإسلام:] ٥١ - وعن عمرو بن عَبْسَةَ، أنه سمع النبى وَ لّ، يقول: "أَقْرَبُ
مَا يَكُونُ الرَبُّ مِنَ العَبْدِ فِى جَوْفِ الليلِ الآخرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أن تَكُونَ مَمَّنْ يَذْكُرُ
الله تعالى فى تلك الساعةِ فَگن" . قال الترمذى : حديث حسن صحيح(١).
أقول : أبو نجيح عمرو بن عبسة بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب ، ويقال : ابن
غفار بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن
مضر، قدم على النبى ﴿ مكة ، ثم قدم عليه المدينة ، وكان رابع أربعة فى الإسلام،
وهو أخو أبى ذر الغفارى لأمه، أمه رملة بنت الرقيعة بن حرام بن غفار، روى له عن
رسول الله * ثمانية وثلاثون حديثا، روى له مسلم حديثا واحدا، روى عنه: أبو أمامة
الباهلى، وعبد الله بن مسعود، وسهل بن سعد الساعدى ، وأبو ظبية الكلاعى - بالظاء
المعجمة - ، وأبو عمار شداد بن عبد الله، وعدى بن أرطاة، ومعدان بن أبى طلحة ،
وسليم بن عامر ، وأبو إدريس الخولانى، وعبد الرحمن بن عسيلة / ١٤٨ /
الصنابحی(٢)، وجُبیر بن نُفیر ، وغيرهم، نزل الشام، وسكن حمص إلى أن مات، روى
له : أبو داود ، والترمذى ، والنسائى ، وابن ماجه(٣) .
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات ، باب (١٩)، رقم (٣٥٧٩)، وأبو داود بنحوه فى كتاب
الصلاة ، باب من رخص فيهما إذا كانت الشمس مرتفعة (١٢٧٧) وغيرهما من طريق أبى أمامة
الباهلى، عن عمرو بن عبسة به، وصححه الحاكم (١٦٤/١) على شرط مسلم ، ووافقه
الذهبى ، وقال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم : وهو كما قالا.
(٢) فى الأصل "الصنابحى" خطأ .
(٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٩٥٩/٣)، أسد الغابة (٣٩٧٨/٤)، الإصابة (٥٩٠٧/٤).
( ٢١٤ )
قوله : "أقرب ما يكون الرب من العبد" المراد منه قرب الرحمة والمغفرة(١)، وهو مبتدأ،
والخبر محذوف، لأن غير الخبر وهو قوله: "فى جوف الليل" سَدَّ مَسَد الخبر، تقديره:
"أقرب كون الرب من العبد حاصل إذا كان فى جوف الليل" ، فحذف "حاصل" لدلالة
"إذا كان" عليه، وحذف "إذا كان" أيضا، لدلالة الظرف عليه، فيكون دالا على الخير،
لأن الدال على الدال على الشىء دال على ذلك الشىء.
قوله : "الآخر" صفة الجوف، والحكمة فى قرب الرب من العبد فى هذا الوقت ، أن
هذا الوقت وقت نزول الرحمة ، ووقت نداء الرب، ألا ترى إلى الحديث الذى قبله :
"ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حتى يبقى ثلث الليل الآخر"(٢)؟ والنزول المكانى
محال على الله، بل المراد نزول رحمته، وأمره كما ذكرنا(٣)، فيكون الرب فى هذا
الوقت قريبا من عبده، ولا سيما هذا الوقت ، وقت هدوء الأصوات ، وانقطاع
الحركات، واستغراق أكثر الناس بالنوم، والغفلة، ولا ينال هذا الحظ الوافر إلا من له
استعداد ، وترقب لتحصيل هذه الفائدة العظيمة ، التى ينبنى عليها المنافع الدينية،
والدنياوية .
وهذا الحديث رواه أبو داود أيضا فى "سنته".
(١) بل المراد منه قربا حقيقيا يليق به سبحانه ، وهو كنزوله فى الثلث الأخير من الليل، وكتقربه من
عباده المتقربين إليه ذراعا بشبر، وباعا بذراع .. ، ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾،
اعتقاد أهل السنة والجماعة ، وانظر الرسالة الحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية، ومجموع الفتاوى
(١٢٤/٥ : ١٣٤) و(٢٢٦/٥: ٢٤٤)، (٥/٦ : ٣٢).
(٢) تقدم تحت الحديث رقم (٥٠) .
(٣) تقدم التنبيه على هذا التأويل تحت الحديث رقم (٥٠) وذكرنا أن مذهب أهل السنة والجماعة ،
هو أن النزول على حقيقته .
( ٢١٥)
[قال شيخ الإسلام:] ٥٢ - وقال جابر: سمعتُ النبىَّ مَ﴿ّ، يقولُ: "إِنَّ فِى اللَّيْلِ
لَسَاعَةٌ لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْألُ اللهَ خَيْرًا مِن أمرِ الدنيا والآخِرَةِ، إلا أُعْطَاهُ إياهُ،
وذلكَ كُلُّ لَيْلَةٍ" خرجه مسلم (١) .
أقول : جابر هو ابن عبد الله / ١٤٩ / وقد مضى بيانه، واعلم أن الشيخ - رحمه الله -
أتى بالحديث الأول ليدل على أن أفضل أوقات المتهجد بالله الثلث الآخر ، وأنه أقرب
للإجابة باعتبار نزول أمر الله تعالى(٢)، وأمره بالمناداة فى ذلك الوقت بأنه يستجيب دعاء
الداعين ، ويعطى سؤال السائلين، وغير ذلك ، وأتى بالحديث الثانى الذى رواه جابر،
ليدل على أن فى كل ليلة ساعة يعطى فيها السؤال من الدنيا والآخرة ، وتلك الساعة فى
جميع ساعات الليل فى كل الليالى ، لا يختص لا بأول الليل ، ولا بآخره، ولا بأوسطه ،
بل ساعة مخفية فى ساعات الليل أجمع، كما أخفى ليلة القدر فى ليالى رمضان ليطلبها
المسلم فى جميع ساعات الليل، ويستغرق أوقاته بالذكر ، والصلاة ، والقراءة، والاشتغال
بالعلوم ، لعله يجدها ، ويدعو فيها ، فيستجاب دعاؤه، ويعطى سؤاله .
[قال شيخ الإسلام:] وقال الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾(٢).
٥٣ - ويذكر عن أنس - ◌َ ه - قال: "أمرنا أن نستغفر بالليل سبعين استغفارة".
أقول : إنما أتى الشيخ بهذه الآية الكريمة ليدل على أن الاستغفار بالسَّحَرِ من عبادة الليل،
لأن الله تعالى مدح المستغفرين بالأسحار على الخصوص، وليدل على أن المستغفرين
بالأسحار تستجاب دعوتهم ، لأنهم كانوا يقدمون قيام الليل ، ثم يستغفرون الله تعالى
(١) مسلم: كتاب صلاة المسافرين ، باب فى الليل ساعة مستجاب فيها الدعاء
(١٦٧،١٦٦/٧٥٧).
(٢) تقدم التنبيه على أن النزول على حقيقته تحت الحديث رقم (٥٠).
(٣) سورة آل عمران (١٧)، وهذه الآية سقطت من "د".
( ٢١٦ )
وقت الأسحار ، ويطلبون حوائجهم، وعن الحسن : "كانوا يصلون فى أول الليل،
حتى إذا كان السَّحَر أخذوا فى الدعاء، والاستغفار ، هذا نهارهم، وهذا ليلهم،
فلذلك مدحهم الله بقوله: ﴿الصَّابِرِينَ | ١٥٠ / وَالصَّادِقِينَ وَالقَانِتِينَ وَالْنْفِقِينَ
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ .
قوله : "سبعين استغفارة" ليس بنص على تعيين العدد، بل المراد منه كثرة الاستغفار، ألا
ترى إلى ما ورد فى "صحيح البخارى"، أنه {﴿، قال: "إنى لأستغفر الله، وأتوب إليه
فى اليوم أكثر من سبعين مرة"(١)، وفى "صحيح مسلم"، "إنه ليغان على قلبى، وإنى
لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة"(٢).
(١) البخارى: كتاب الدعوات، باب استغفار النبى ◌ُ® فى اليوم والليلة (٦٣٠٧) من حديث
أبى هريرة .
(٢) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه (٤١/٢٧٠٢) من
حديث الأغر المزنى .
( ٢١٧)
[قال شيخ الإسلام :]
٨ - فصل فى تتمة ما يقول إذا استيقظ
أقول : هذا الفصل فى بيان تتمة ما يقول المستيقظ من النوم، وإنما قال: "فى تتمة"،
لأنه قد ذكر بعض ما يقول المستيقظ فيما قبل .
[قال شيخ الإسلام: ] ٥٤ - وعن أبى هريرة - ه - عن النبى ﴿ ﴿، قال: "إذا
اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الحمدُ للهِ الذى رَدَّ عَلَىَّ رُوحِى، وَعَافَانِى فِى جَسَدِى، وأَذِن
لی بِذِكْرِهِ" حديث صحيح(١) . .
أقول: إنما أمر بالحمد بعد الاستيقاظ لأن قيامَه من نومه، ورَدَّ روحه إلى بدنه من أعظم
النعم، فالحمد على النعمة واجب ، ولذلك وصف الله بقوله: "الذى رد على روحى"،
ولم يصفه بصفة أخرى من صفاته ، لأن هذا المقام يقتضى ذكر هذه الصفة المناسبة .
قوله : "وعافانى فى جسدى" من المعافاة، وهى دفاعُ اللهِ عن العبدِ الأسقامَ والبلايَا،
أمر بحمده حيث أقامه من نومه على عافية ، وحفظه فى فراشه من لسع حية ، ولدغ
عقرب، ونحوه من المهلكات ، والأشياء الغائبة عنه .
قوله : "وأذن لي بذكره" ، أى: يسر، وسهل لى ذكره .
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات ، باب (٢٠)، رقم (٣٤٠١)، والنسائى (٨٦٦) وابن
السنى (٩) كلاهما فى "عمل اليوم والليلة" من طريق سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان عن
سعيد المقبرى، عن أبى هريرة به . وقال الترمذى : حديث حسن. وصحح إسناده النووى فى
"الأذكار" . وقال الحافظ كما فى الفتوحات (٢٩١/١) تعليقا على قول النووى: "وأما قوله
"صحيح الإسناد" ففيه نظر ، فإن الشطر الثانى الذى اقتصر عليه - يعنى حديث الباب - من
أفراد محمد بن عجلان ، وهو صدوق لكن فى حفظه شىء خصوصا عن المقبرى، فالذى ينفرد به
من قبيل الحسن، وإنما يصحح له من يدرج الحسن فى الصحيح ، وليس ذلك من رأى
الشيخ" اهـ. وحسنه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٣٢٩).
( ٢١٨ )
قوله : "حديث صحيح"، أى : هذا الحديث الذى رواه أبو هريرة فى هذا الباب
صحيح، رواه ابن السنى فى "كتابه" بإسناد صحيح، / ١٥١ / عن أبى هريرة،
ورواه أيضا مسلم، والترمذى، وأبو داود(١)، وقد مر مرة فى "فصل: ما يقال
عند النوم" .
[قال شيخ الإسلام:] ٥٥ - وعنه أيضا قال: قال رسول الله وَلّ: "مَا مِن رَجُلٍ يَنْتَبِهُ
مِن نَوْمِهِ فَيقولُ: الحمدُ للهِ الذى خَلَقَ النَّوْمَ وَالْيَقَظَّةَ، الحمدُ للهِ الذى بَعَثَنِى سَالِمًا
سَوِيًّا، أشهدُ أنَّ اللهَ يُحْيِى الَوْتَى، وهو على كلُ شَىءٍ قديرٌ، إِلاَّ قَالَ: صَدَقَ
عبْدِی"(٢) .
أقول : أى : عن أبى هريرة - ﴿ه - هذا الحديث أيضا، رواه ابن السنى فى "كتابه".
قوله : "سالما"، أى: من لدغ الهوام، والهدم، ونحوهما.
قوله : "سويا"، أى: سَوِىُّ الخلقِ، لم ينتقص من صورة الآدمية شيئا .
قوله : "أشهد أن الله يحيى الموتى"، يجوز أن يكون المراد إحياء الموتى بالموت الحقيقى،
وهو الظاهر، ويجوز أن يكون إحياءُ النَّوَّمِ عن نومهم، لأن النوم أخ الموت .
قوله : "وهو على كل شىء قدير" من باب التكميل ، والتتميم.
قوله : "إلا قال"، أى: إلا قال الله: "صدق عبدى" فإنى مثل ما قال، فانظر إلى هذه
الفضيلة العظيمة التى حصلت للعبد ببركة الذكر، وهو تصديقُ اللهِ إِياهُ، وحُفظ عن كل
ما يكرهه ويسوؤه .
(١) بل عدّه الحافظ ابن حجر فى الفتح (١٠٦/١١) من أفراد الترمذى، والله أعلم.
(٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٣) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمى، عن
محمد بن واسع، عن محمد بن سيرين، عن أبى هريرة به. ومحمد بن عبيد الله متروك . وقال
الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب": "ضعيف جدا" .
( ٢١٩)