Indexed OCR Text

Pages 101-120

فإن قيل : الشرط فى هذا أن يقول المائة متتابعة أم لا؟ والشرط أن يكون فى مجلس واحد أم لا؟
قلت : سواء قالها متوالية أو متفرقة، فى مجلس أو مجالس، بعضها فى أول النهار، وبعضها آخره،
ولكن الأفضل أن يأتى بها متوالية أول النهار، ليكون حرزًا له فى جميع نهاره .
قوله : وقال "من قال سبحان الله" "سبحان" علم للتسبيح كعثمان علم للرجل ،
وانتصابه بفعل مضمر متروك إظهاره، تقديره : أسبح الله سبحان ، بمعنى تسبيحا ، ثم
نزل "سبحان" منزلة الفعل فسد مسده، ومعنى التسبيح التنزيه عما لا يليق به سبحانه
وتعالى من الشريك والولد والصاخبة والنقائص مطلقا، وسمات الحدث مطلقا .
قوله : "وبحمده" معطوف على محذوف تقديره: أسبح الله بتسبيحه، وأحمده بحمده .
قوله : "حطت خطاياه" أى رفعت عنه خطاياه، وهى جمع خطية كالعطايا جمع
عطية .
قوله: "وإن كانت" أى: الخطايا. "مثل زبد البحر" / ٥٤ / وهذا خارج مخرج
المبالغة ، يعنى : وإن كانت هذا المقدار إذا فرضت أجساما، والمراد بالبحر جنس البحر ،
مثل قوله تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَان الْبَحْرُ مِدَادًا﴾(١) إذ لا تَمَةَ معهود .
- كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله ؟ ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن
نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد ، ثم أتى بالزيادة ، فالأمر كما قال شيخنا لا محالة ، وإن
زاد بغير نية ، بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلا ، فرتبه هو على مائة ، فيتجه القول
الماضى . وقد مثله بعض العلماء بالدواء يكون مثلا فيه أوقية سكر ، فلو زيد فيه أوقية أخرى
لتخلف الانتفاع به ، فلو اقتصر على الأوقية فى الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم
يتخلف الانتفاع، ويؤيد ذلك أن الأذكار المتغايرة إذا ورد لكل منها عدد مخصوص مع طلب
الإتيان بجميعها متوالية لم تحسن الزيادة على العدد المخصوص ، لما فى ذلك من قطع الموالاة،
لاحتمال أن يكون للموالاة فى ذلك حكمة خاصة ، تفوت بفواتها ، والله أعلم .
(١) سورة الكهف (١٠٩).
( ١٠٠)

فإن قلت: "الواو" فى قوله: "وإن كانت مثل زبد البحر" واو العطف أولا؟ قلت:
يسمى هذا واو الوصل ، ولكنه ما خرج من العاطفية، والمعطوف عليه محذوف ،
تقديره: حطت خطاياه إن لم تكن مثل زبد البحر، وإن كانت مثل زبد البحر ، وعلى
هذا يقدر جميع ما ورد من هذا الباب .
[قال شيخ الإسلام:] ٨ - وفيهما (١) عن أبى هريرة - ﴿ - قال: قال رسول الله
*: "كَلِمَتَانِ خَفيفتان، على اللّسانِ، ثَقيلتانِ فى الِمِيزَانِ، حَبيبَتَانِ إلى الرَّحَمَنِ ،
سُبحانَ اللهِ وبَحَمْدِهِ، سُبحانَ اللهِ الَعَظِيمِ" (٢).
أقول : أى : وفى "الصحيحين" أيضا عن أبى هريرة - - إلى آخره.
قوله : "كلمتان" أطلق الكلمة على الكلام مجازا، من إطلاق اسم البعض على الكل، مثل :
كلمة الشهادة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَ كَلِمَةُ اللهِ هِىَ الْعُلْيَا﴾(٣) وهو مبتدأ مخصص بالصفة.
وقوله : "سبحان الله" خبره فى محل الرفع، وإنما كانت هاتان الكلمتان خفيفتين على
اللسان ، باعتبار قلة كلماتها، وسهولة تعلمها، وجواز ذكرها للطاهر والجنب .
وقيل : كونهما خفيفتين باعتبار أنه ليس فى حروفهما حروف متباعدة المخارج،
فيستثقله اللسان ، وكونهما ثقيلتين فى الميزان، فلأنه جاء فى الحديث: "الحمد لله تملأ
الميزان ، وسبحان الله والحمد لله يملأن ما بين السموات والأرض وما بينهما"(٤)
(١) فى نسخ الكلم الطيب" وفيهما أيضا عن ... " .
(٢) البخارى : كتاب الدعوات ، باب فضل التسبيح (٦٤٠٦)، مسلم: " الذكر والدعاء، باب
فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٣١/٢٦٩٤).
(٢) سورة التوبة (٤٠).
(٤) مسلم: كتاب الطهارة، باب فضل الوضوء(١/٢٢٣) من حديث أبى مالك الأشعرى.
( ١٠١ )

فيكون ثقلهما باعتبار كثرة الثواب، وكونهما حبيبتين إلى (١) الرحمن، لما جاء من قوله
- عليه السلام -: "لا أحد / ٥٥ / أحب إليه المدح من الله"(٢) وفيهما مدح من
الصفات السلبية التى يدل عليها التنزه ، ومن الصفات الثبوتية التى يدل عليها التحميد،
فكانتا حبيبتين إلى الرحمن .
قوله : "العظيم" أى: عظيم الشأن، والعظم فى الله تعالى ينصرف إلى جلالة القدر
والشأن ، دون العظم الذى يكون فى الأجسام .
[قال شيخ الإسلام:] ٩ - وقال أبو هريرة - -: قال رسول الله صل: "لأن
أقولُ: سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ، أحبُّ إلى مما طَلَعَتْ
عليهِ الشَّمْسُ" خرجه مسلم(٣) .
أقول : "لأن أقول"ّ فى قوة المصدر، مرفوع المحل على أنه مبتدأ .
وقوله : "أحبُّ إلى" خبره، وحث رسول الله وَ﴿ أمته بذلك على التسبيح، واستغراق
الوقت به، وأنه سبب إلى نجاة العبد، ووصوله إلى الجنة ، فلذلك قال -عليه السلام - :
"لأن أقول" هذا القول "أحبُّ إلىّ مما طلعت عليه الشمس" يعنى: أحب إلى من الدنيا،
لأنه يفضى إلى درجات الآخرة، وكل ما كان مفضيا إلى درجات الآخرة يكون أفضل
وأحب من الدنيا ، لأن الدنيا مفضية إلى الهلاك .
قوله : "والله أكبر" لفظة "أكبر" على وزن أفعل، وهو اسم التفضيل، ولا يستعمل هذا
إلا مضافا، أو معرفاً، أو مع "من" نحو : "زيد أفضل القوم" و"زيد الأفضل" و"زيد
(١) مكررة فى الأصل .
(٢) البخارى: كتاب النكاح، باب الغيرة (٥٢٢٠)، مسلم : كتاب التوبة ، باب غيرة الله تعالى،
وتحريم الفواحش (٣٤/٢٧٦٠) من حديث ابن مسعود .
(٣) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٣٢/٢٦٩٥).
( ١٠٢ )

أفضل من عمرو"، وذلك ليعلم المفضل عليه، ولا يجوز أن يقال : "زيد الأفضل من
عمر[و] " لحصول الاستغناء بواحد منهما، ولفظ "من" فى قول الشاعر :
ولست بالأكثر منهم حصى
بمعنى "فى" فلا إشكال . ولا يجوز أيضا "زيد أفضل" لعدم تعيين المفضل عليه، إلا أن
يعلم ، فيجوز بغيره أحد هذه الأمور ، كقوله : "الله أكبر" ، ومنه قوله تعالى : / ٥٦/
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ (١) السُّرَّ وَ أَخْفَى﴾(٢).
[قال شيخ الإسلام:] ١٠ - وقال سمرة بن جندب - ه -: قال رسول الله صل:
"أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ أَرْبَعٌ، لا يضرُّكَ بِأَيُّهِنَّ بَدأَتَ : سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا
إله إلا الله، والله أكْبرُ" خرجه مسلم(٣).
أقول : سمرة بن جندب هو : أبو سعيد، ويقال: أبو عبد الله. ويقال: أبو عبد الرحمن،
ويقال : أبو محمد. ويقال: أبو سليمان سمرة بن جندب بن هلال بن حَرِيج بن مرة بن
حزن بن عمرو بن جابر بن ذى الرياستين الفزارى ، وفزارة هو ابن ذبيان بن بغيض بن ريث بن
غطفان، روى له عن رسول الله ◌َّاه مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا، اتفقا على
حديثين، وانفرد البخارى بحديثين، ومسلم بأربعة ، روى عنه أبو رجاء العطاردى،
وعبد الله بن بريدة، والحسن بن أبى الحسن البصرى، وسوادة بن حنظلة، والربيع بن
عُمَيْلَةَ ، وأبو نضرة، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، مات بالكوفة فى أخر خلافة معاوية، روى له
الجماعة. قال ابن الأثير: مات بالبصرة آخر سنة تسع وخمسين. وقيل سنة ستين(٤).
(١) فى الأصل : "الله يعلم ... " والتلاوة كما أثبتناه.
(٢) سورة طه (٧) .
(٣) مسلم: كتاب الآداب، باب كراهة التسمية بالأسماء القبيحة ... (١٢/٢١٣٧)، وتمام الحديث: "ولا تسمين
غلامك يساراً، ولا رباحا، ولا نجيحاً، ولا أفلح، فإنك تقول: أَثَّمَّ هو؟ فلا يكون. فيقول: لا" .
(٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٠٦٨/٢)، أسد الغابة (٢٢٤١/٢)، الإصابة (٣٤٧٧/٣).
( ١٠٣)

وقوله : "حَرِيج" بفتح الحاء المهملة، وكسر الراء و[حزن] بالنون .
قوله : "أحب الكلام" وفى بعض نسخ "المصابيح": "أفضل الكلام" وهو رواية. قال الشيخ
محيى الدين النووى - رحمه الله- فى "شرح مسلم". "هذا محمول على كلام الآدمى، وإلا
فالقرآن أفضل من التسبيح والتهليل المطلق، فأما المأثور فى وقت أو حال أو نحو ذلك،
فالاشتغال به أفضل"(١). وقد ذكرنا مثله، فنحن نقول: قوله: "أحب الكلام" أو "أفضل
الكلام" / ٥٧ / يحتمل أن يتناول لكلام الله، لأنه موجود فى كلام الله، أما "سبحان
الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله" فلفظاً، وأما "والله أكبر" فمعنى، إذ لم يوجد اللفظ
على هذه الصيغة، وكل كلمة منها مستقلة غير مفتقرة فى تمام المعنى إلى صاحبتها، فصح أن
يقال أنها أفضل الكلام على الإطلاق ، لأنها جامعة لمعانى التنزيه والتوحيد، وأقسام الحمد
والثناء، وكل كلمة منها معدودة من كلام الله تعالى، وفى معناه حديث أبى ذر: "سئل
رسول الله وَل عن أفضل الكلام فقال: ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده"
أخرجه مسلم والترمذى(٢). ويحتمل أن لا يتناوله، لأنه فى النظم مخالف لنظم الكتاب، وإن
كانت بإفراد كلماتها داخلة فى جملة الوحى، إذ العبرة فى ذلك بالنظم، فلما فارقت الكتاب
فى النظم، لم يكن حكمها فى الفضل والكرم كحكم الكتاب، يدل عليه قوله -عليه
السلام - : "أربع هن من القرآن، ولسن بقرآن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله
إلا الله، والله وأكبر"(٣) أى: هى موجودة فى القرآن ولسن بقرآن من جهة النظم.
وقال -عليه السلام -: "أفضل الذكر بعد كتاب الله: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله
(١) انظر "شرح صحيح مسلم" (٤٩/١٧) تحت شرح الحديث رقم (٢٨٤/٢٧٣١).
(٢) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل "سبحان الله وبحمده" (٨٤/٢٧٣١)، الترمذى :
"كتاب الدعوات، باب أى الكلام أحب إلى الله؟ (٣٥٩٣).
(٣) رواه الإمام أحمد فى مسنده (١١/٥، ٢٠) من حديث سمرة بن جندب بلفظ: "أفضل الكلام
بعد القرآن أربع هن من القرآن : ... " وانظر لفظ حديث الباب .
( ١٠٤ )

إلا الله، والله أكبر"(١) فيكون التقدير على هذا: أحب الكلام إلى الله بعد القرآن أربع.
أو نقول: يجوز أن يقصد به زيادة مطلقة لا على ما يضاف إليه، فتكون هذه الإضافة
للتخصيص والتوضيح، نحو : نصيبُ أَشعرَ أهل جلدته . وعلى هذا يجوزون : يوسف أحسنَ
إخوته، لأنه يلزم اجتماع النقيضين / ٥٨ / لعدم دخوله فى المضاف إليه، بخلاف ما إذا
اشترط دخوله، فإنه ح(٢) لا يجوز أن يقال: يوسف أحسن إخوته، لاستلزامه اجتماع
النقيضين فافهم .
قوله : "أربع" أى : أربع كلمات، وإنما قال أربع ولم يقل أربعة ، لأن العدد إلى عشرة
إذا كان مميزه مذكرا يؤنث العدد، وإذا كان مؤنثا يذكر العدد، نحو : ثلاثة رجال ،
وثلاث نسوة إلى عشرة ، وهو غير جار على القياس المشهور لأن المعدود المذكر جمع
هاهنا، فيكون مؤنثا، فيلزم لحوق التاء بعدده، وإذا لحق للمذكر لم يلحق للمؤنث فرقا
بينهما . فإن قيل له: لِمَ لم تقل بالعكس؟ قلت: لكون المذكر أسبق. فإن قيل
سينقض(٢) ما قلتم بقوله تعالى: ﴿مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(٤) قلت : [لا،]
لأن الأمثال من الحسنات ، ولأنها اكتسبت التأنيث من المضاف إليه .
قوله : "لا يضرك بأيهن بدأت" أى : بأى الكلمات بدأت أولا.
[قال شيخ الإسلام:] ١١ - وخرج أيضا عن سعد بن أبى وقاص قال: "كُنا عند
رسول الله ﴿ فقال: أَيَعْجَزُ أحدُكُمْ أنَ يكسبَ فى كلُّ يومٍ أَلفَ حسنةٍ؟ فسألَهُ
(١) أخرجه الإمام أحمد فى "مسنده" (٣٦/٤) وابن خزيمة (١١٤٢/٢) من طريق الأعمش، عن
أبى صالح، عن أبى هريرة (وعند أحمد: عن بعض أصحاب النبي ◌َّ)، وذكره البخارى.
(قبل/ ٦٦٨١) تعليقا بصيغة الجزم .
(٢) كذا فى الأصل ، وهى بمعنى : "حينئذ" .
(٣) فى الأصل: "ستص" كذا ولعل الصواب ما أثبتناه، والله أعلم .
(٤) سورة الأنعام (١٦٠).
( ١٠٥)

سائلٌ من جلسائِهِ: كيفَ يَكْسُب أحدُنَا ألفَ حَسنةٍ ؟ قال: يُسُبحُ مائَةَ تسبيحةٍ فَتُكْتَبُ
لَهُ ألفُ حسنةٍ، أو تُحَطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ"(١).
أقول: أى خرج مسلم أيضا عن سعد بن أبى وقاص، واسم أبى وقاص مالك بن أهيب بن
عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى الزهرى، يلقى
رسول الله ﴿ عند الأب الخامس، وهو كلاب بن مرة، أسلم قديما وهاجر إلى المدينه قبل
رسول الله ﴿ / / ٥٩ /، وشهد بدرًا. والمشاهد كلها مع رسول الله - عليه السلام -،
وكان مجاب الدعوة، وكان أول من رَمَى بسهم فى سبيل الله، وكان يقال له فارس
الإسلام، روى له عن رسول الله - عليه السلام - مائنا حديث وسبعون حديثا، اتفقا منها
على خمسة عشر، وانفرد البخارى بخمسة ، وانفرد مسلم بثمانية عشر . روى عنه عبد الله بن
عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس، وجابر بن سمرة السوائى، والسائب بن يزيد، وعائشة
أم المؤمنين ، وأولاده: محمد، وإبراهيم، وعامر، ومصعب بنو سعد، وسعيد بن المسيب،
وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وأبو عثمان النهدى، وبشربن سعيد الحضرمى، وقيس بن
أبى حازم وغيرهم. مات سنة خمس وخمسين وهو الأصح. ومات بقصره فى العقيق على
عشرة أميال من المدينة ، وحمل على رقاب الرجال إلى المدينة ودفن بالبقيع، وصلى عليه
مروان بن الحكم. روى له الجماعة(٢).
قوله : "أيعجز أحدكم" الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار، وهذا فى قوة النهى ،
معناه : لا يعجز أحدكم عن الكسب فى كل يوم ألف حسنة .
قوله : "من جلسائه" جمع جليس، ككرماء جمع كريم، وندماء جمع
ندیم .
(١) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٣٧/٢٦٩٨).
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٩٦٨/٢)، أسد الغابة (٢٠٣٧/٢)، الإصابة (٣١٩٦/٣).
( ١٠٦ )

قوله: "أو تحط عنه"(١) فى عامة "صحيح مسلم" "أو تحط" بكلمة "أو" وفى بعضها بـ "الواو".
قال الحميدى فى "الجمع بين الصحيحين": كذا هو فى "كتاب مسلم" فى جميع الروايات: "أو
تحط" بـ "أو". وقال البرقانى: ورواه شعبة وأبو عوانة ويحيى القطان، عن يحيى الذى رواه مسلم
من جهته فقالوا: "وتحط" بـ "الواو". / ٦٠ / وإنما يكتب له ألف حسنة بالتسبيح مائة مرة، لأن
كل حسنة بعشرة أمثالها، قال الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾(٢) .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٢ - وفيه أيضا عن جويرية أم المؤمنين: "أَنَّ الْبِىَّ ﴿ُ خَرجَ من عندِهَا
بُكْرَةٌ حين صَلَّى الصبحَ وهى فى مسجدِهَا، ثم رَجَعَ بعد أن أَضْحَى وهى جَالسةٌ فقال: ما
زلتِ عَلَى الحالِ التى فارقُكِ عَلَيها؟ قالت: نعم. فقال النبيُّ ﴿ّ: لقدْ قلتُ بعدَكِ أَرْبَعَ
كَلِمَاتٍ ثلاث مرات، لو وُزِنَتْ بما قُلتِ منذ اليومِ لَوَزِنْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ
اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَّةَ عَرْشِهِ(٣)، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاِهِ(٤).
أقول : أى : فى "صحيح مسلم" أيضا عن جويرية، وهى : بنت الحارث بن أبى ضرار بن
حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة بن خزاعة، المصطلقية زوج رسول الله ﴿، وجذيمة
هو المصطلق، سباها رسول الله ﴿ يوم المريسيع، وهى من ناحية قديد، وهى غزوة بنى
المصطلق سنة خمسة من التأريخ، قاله الواحدى . وقيل سنة ست ، قاله خليفة بن خياط .
وكان اسمها بَرَّة ، فسماها النبى - عليه السلام - جويرية(٥) .
(١) انظر "شرح صحيح مسلم" (٢٠/١٧).
(٢) سورة الأنعام (١٦٠).
(٢) فى "د" تقديم "سبحان الله زنة عرشه" على "سبحان الله رضى نفسه".
(٤) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب التسبيح أول النهار وعند النوم (٧٩/٢٧٢٦).
(٥) الحديث رواه مسلم فى "صحيحه" : كتاب الآداب، باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى
حسن ... (١٦/٢١٤٠) من حديث ابن عباس قال: "كانت جويرية اسمها برة، فحوَّل
رسول الله وُّ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند بَرَّةً" .
( ١٠٧ )

روى لها البخارى حديثين ، ومسلم كذلك، روى عنها عبد الله بن عباس، ومولاه
کریب ، وعبد الله بن شداد بن الهاد ، وأبو أيوب يحيى بن مالك الأزدى. قال الواقدى :
توفيت فى ربيع الأول سنة ست وخمسين ، وصلى عليها مروان بن الحكم. وروى لها
أبو داود والترمذى وابن ماجه(١).
قوله: "بُكرة" وهى أول النهار، أى: خرج رسول / ٦١ / الله ◌َ من عندها بكرة
إلى المسجد حين أراد أن يصلى الصبح .
قوله : "وهى فى مسجدها" أى: فى الموضع الذى هيأته للصلاة.
قوله : "أن أضحى" أى : بعد أن دخل فى الضحى .
قوله : "قلت بعدكٍ" أى: بعد أن فارقتك وخرجت من عندك.
قوله : "لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن" أى: لو قلت بما قلت لساوتهن، من
قولهم : هذا يزن درهما ، أى : يعادله ويساويه . قال الشاعر .
مثل العصافير أحلامًا وَمَقْدُرَةً
لو يُوزنون بِزِفِّ الريش ما وَزَنُوا(٢)
ويحتمل أن يكون بمعنى الرجحان، أى: ربت عليهن فى الوزن ، كما تقول : حاججته
فحججته ، أى : عليت عليه بالحجة ، ولو أعاد الضمير إلى "ما" على ما يقتضيه اللفظ
لقال: لوزنته، ولكنه ذهب إلى ما يقتضيه المعنى، تنبيها على أنها كانت كلمات كثيرة.
قوله : "منذ اليوم" "اليوم" مجرور ، وهو الاختيار .
قوله: "سبحان الله عدد خلقه" الكلام فى "سبحان الله" قد مر. وقوله: "عدد خلقه" نصب
على المصدر، وكذلك البواقى نصبت على المصدر، والمعنى : سبحته تسبيحا مبلغ عدد خلقه .
(١) انظر ترجمتها فى الاستيعاب (٣٣١٨/٤)، أسد الغابة (٦٨٢٢/٧)، الإصابة (١١٠٠٢/٧).
(٢) البيت لقصب ابن أم صاحب .
( ١٠٨)

قوله : "رضا نفسه" أى: ما يقع منه سبحانه موقع الرضا، أو ما يرضاه لنفسه.
قوله: "زنة عرشه" أى: ما يوازن فى القدر والرزانة . يقال: هو زنة الجبل. أى : حذاه
فى الثقل والرزانة .
قوله : "مداد كلماته" المداد مصدر كالمدد، تقول: مددت الشىء أمده مدًا / ٦٢ /
ومدادا . وقيل: يحتمل أن يكون جمع مد، فإنه يجمع على مداد ، وعلى هذا يكون المراد
من "المداد" المكيال والمعيار، ومعناه: "(١) المبالغة فى الكثرة، فيكون مجازا، لأن كلمات
الله لا تحصى بعَدُ ولا غيره، والمراد المبالغة فى الكثرة، لأنه ذكر أولا ما يحصره العد
الكثير من عدد الخلق، ثم زنة العرش، ثم ارتقى إلى ما هو أعظم من ذلك، وعبر عنه
بهذا، أى: وما لا يحصيه عدِّ كما لا تحصى كلمات الله تعالى وتقدس" .
[قال شيخ الإسلام:]١٣ - وعن سعد بن أبى وقاص - ◌ُه -: "أَنَّهُ دَخَلَ معَ رسول الله
﴿﴿ على امْرأةٍ وبينَ يَدَيْهَا نَوَى أَو حَصَی تُسبِحُ بِهِ. فقال: أَلاَ أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَیسرُ عَلَيْكِ
من هذا أَوْ أَفضلُ؟ فقال: سُبحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فى السماءِ، وسُبحَانَ اللهِ عَدَدَ مَا
خَلَقَ فى الأَرضِ، وسُبحانَ اللهِ عَدَدَ مَا بِينَ ذَلِكَ، وسُبحانَ اللهِ عَدَدَ مَا هو خَالقٌ، والله
أَكبرُ مِثلُ ذَلِكَ، والحمدُ للهِ مِثْلُ ذَلِكَ، ولا إلهَ إلا الله مِثْلُ ذَلِكَ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا
با للهِ مِثْلُ ذَلِكَ" خرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن(٢).
(١) انظر "شرح صحيح مسلم" (٤٤/١٧).
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب التسبيح بالحصى (١٥٠٠)، والترمذى فى كتاب الدعوات،
باب فى دعاء النبي ◌َّط .... (٣٥٦٨)، والنساتى كما فى التحفة (٣٩٥٤/٣) وغيرهم من طريق عبد
الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبى هلال ، عن خزيمة ، عن عائشة بنت سعد بن
أبى وقاص ، عن أبيها به. وسعيد هذا حكى الساحى عن أحمد أنه اختلط ، وخزيمة قال الحافظ فى
التقريب : "خزيمة عن عائشة بنت سعد لا يعرف" ، وكذا قال الذهبى والعسقلانى، وضعفه الشيخ
الألبانى فى "الضعيفة" (١١٤/١) والكلم الطيب (ص/٢٥).
( ١٠٩ )

أقول : "أنه" : أى سعد .
قوله : "نوى" وهو نوى التمر "أو حصى" هو حجر قدر النواة، وكلمة "أو" للتشكيك.
قوله : "تسبح به" أى: بذلك النوى، يعنى : كلما تسبح مرة ترفع نوى وتحطه .
قوله: "فقال" أى: رسول الله لَ﴾ .
قوله : "بما" أى: بالشىء الذى هو أيسر عليك "من هذا" أى: من التسبيح بالنوى ونحوه.
قوله: "فقال" أى: رسول الله لت .
قوله : "عدد ما خلق فى السماء" أى: مبلغ عدد ما خلق فى السماء، وكذلك التقدير
فى البراقى .
قوله: / ٦٣ / "عدد ما بين ذلك" أى: يبلغ عدد ما بين السماء والأرض من المخلوقات.
قوله : "عدد ما هو خالق" أى: يبلغ عدد الشىء الذى الله خالقه فى الحال والمستقبل.
قوله : "والله أكبر مثل ذلك" أى: مثل "سبحان الله عدد ما خلق فى السماء" إلى
آخره، وكذلك تقدير البواقى، والمراد من هذه المبالغة فى الكثرة ، لا أن يكون تسبيحه
وتكبيره وتحميده وتهليله مثل عدد ما خلق فى السماء، أو عدد ما خلق فى الأرض ، بل
أكثر من ذلك بحيث أن لا يحصى ولا يعد، ككلمات الله كما فى آخر الحديث المتقدم .
قوله : "ولا حول ولا قوة إلا بالله" الأصل فى الحول تغير الشىء وانفصاله عن غيره، ويفسر
بالحيلة، وهو ما يتوصل به إلى حالة ما فى خفية . وقيل: الحيلة هى الحول، قلبت واوه ياء،
لانكسار ما قبله، ومنه: رجل حول، والمعنى: لا يتوصل إلى تدبير أمر وتغيير حال إلا
بمشيئتك ومعونتك. وأما قولهم: "بحول الله وقوته" فقد يفسر بالقوة وليس بسديد، لأن
القوة معطوفة عليه، والوجه فيه أن يقال: بقدرته التى يحول بها بين المرء وقلبه، ونحو ذلك
من المعانى، كذا قيل. وقوله: "ليس بسدید" لیس بسدید، لأنه يجوز أن يكون عطف
تفسير، وهو سائغ كثير فى الكلام. و"حول" منصوب بـ "لا" النفى، ويكون الجار والمجرور
خبراً له. واعلم أنه إذا عطف على اسم "لا" بتكرر "لا" جاز فيه خمسة أوجه: الأول:
( ١١٠)

فتحهما، نحو : "لا حولَ ولا قوةً" أى: لا حولَ إلا بالله ولا قوةَ إلا بالله، فـ "لا حول" فى
محل الرفع بأنه مبتدأ، و"بالله" خبره، وكذلك / ٦٤ / "لا قوةً" فى محل الرفع بأنه مبتدأ،
و"بالله" خبره، فعلى هذا الوجه هى جملتان .
والثانى: فتح الأول ونصب الثانى: فـ "لا حول" فى محل الرفع بالابتداء، و"لا قوةً" زائدة لتأكيد
النفى، و"قوة" عطف على لفظ: "لا حول" وخبره "بالله"، فعلى هذا هى جملة واحدة.
والثالث : فتح الأول ورفع الثانى، فـ "لاحول" فى محل الرفع بالابتداء، و"لا" فى
"لاقوةُ" زائدة لتأكيد النفى، و"قوة" عطف على محل "لاحول"، و"بالله" خبره، فعلى
هذا هى جملة واحدة .
والرابع : رفع الأول والثانى، فجعل "حولُ" مبتدأ، و"قوةُ" عطف عليه، و"بالله" خبره،
ولا يكونُ لِ"لا" عملٌ.
والخامس : رفع الأول وفتح الثانى، فـ "حولُ" مرفوع بأنه اسم "لا"، وخبره محذوف
وهو "بالله"، و"لا" بمعنى "ليس" وعمل "لا" بمعنى "ليس" شاذ بذًا .
"خرجه" أى خرج هذا الحديث "أبو داود والترمذى، وقال" أى: الترمذى:
"هذا حديث حسن".
[قال شيخ الإسلام: ] ١٤ - وعن سعد بن أبى وقاص: "أنَّ أعرابيًا جاءَ إلى النبيِّ ل ◌َّ
فقالَ: يا رسول الله، عَلِّمْنِى كَلِماتٍ أَقُولُهنَّ. قَالَ: قُلْ: لاَ إلهَ إلاَّ الله، وحدَهُ لا
شريكَ له ، اللهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للهِ كثيرًا، وسُبحانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ولا حولَ
ولاَ قوةَ إلا باللهِ العَزيزِ الحكيمِ. قال: هؤلاءِ لِربى فما لى؟ فقال: قل: اللهمَّ
اغفرْلِى، وارحمنى، واهدِنِى، وعافِنِى، وارزُقْنِى. فلما وَلَّى الأعرابىُّ قال النبيُّ - عليه
السلام - لقد مَلاَّ يديْه مِنَ الخَيْرِ". خرجه مسلم(١) .
(١) مسلم : كتاب الذكر والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٣٦:٣٣/٢٦٩٦) بدون
قوله : "فلما ولى الأعرابى" إلى آخره .
( ١١١)

أقول : "كبيرا" نصب على أنه مفعول مطلق، أى: أکبره کبیرا .
قوله : "کثیرا" نصب على أنه صفة لمصدر محذوف ، أى : حمدا كثيرا .
قوله: "رب العالمين" الرب من ربه يرب فهو رب، كما يقول: م / ٦٥ / عليه ينم
فهو نم، ويجوز أن يكون وصفا بالمصدر للمبالغة، كما يقول: رجل عدل، ولا يطلق
الرب إلا على الله وحده، وفى غيره على التقييد بالإضافة ، كقولهم: رب الدار، ورب
الناقة. والرب بمعنى المالك، وبمعنى السيد، وبمعنى المصلح، و "العالمين" جمع عالَم، وهو
اسم لما سوى الله، وإنما جمع ليشمل كل الجنس، ولما كان فيه معنى الوصفية ، وهى
الدلالة على معنى العلَم، جمع بالواو والنون ، وإن كان لا يجمع بهما إلا صفات العقلاء ،
أو ما فى حكمها من الأعلام .
قوله : "العزيز الحكيم" إسمان من أسماء الله تعالى. والعزيز معناه الغالب القاهر، يقال:
عَزَّ فلان فلانا يعزه عِزا إذا غلبه. قال الله: ﴿وَعَزَّنِى فِى الْخِطَّابِ﴾ (١) أى غلبنى.
والحكيم : المحكم بخلق الأشياء .
قوله: "قال: هؤلاء" أى: قال الأعرابي: هؤلاء الكلمات "لربى" أى لشأن ربى، أى: حقه،
لأنها أوصافه، لأنها تهليل وتوحيد، وتحمید وتسبيح، وثناء وتمجيد، وذلك کله حقه .
قوله : "فما لى" أى: أى شىء يكون لى، أى: ما أذكره لحقى.
قوله : "قال" أى: الرسول - عليه السلام - .
قوله : "اللهم اغفر لى" أصل "اللهم": يا ألله، والميم عوض من الياء، ولذلك
لا يجتمعان ، هذا بعض خصائص هذا الاسم، كما اختص التاء فى القسم، وبدخول
حرف النداء عليه وفيه لام التعريف ، وتقطع همزته فى "يا ألله" وبغير ذلك. وقيل:
(١) سورة ص (٢٣) .
( ١١٢)

أصل هذا فى اللغة: يا ألله أمّنا، يعنى: اقصدنا، ولكن لما كثر استعمال هذا اللفظ فى
الناس صارت الكلمتان كلمة واحدة فقيل : "اللهم" .
قوله : "اغفر لى" الغَفْر فى اللغة: الستر، ومنه: المغفر، والمراد : ستر الذنوب.
قوله: / ٦٦ / "وارحمنى" الرحمة فى اللغة العطف والحنو، وهى مجاز عن إنعامه
وإحسانه، لأن مآل العطف والحنو يفضى إلى هذا(١).
قوله : "واهدنى" الهدى نقيض الضلال، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية .
قوله : "وعافنى" من المعافاة(٢)، وقد جمع رسول الله - عليه السلام - فى تعليمه
هذا الدعاء بين ما يجلب المنافع الأخراوية ، وبين ما يجلب المنافع الدنياوية ، لأن
المغفرة والرحمة والهداية من المنافع الأخراوية ، والمعافاة والرزق من المنافع الدنياوية ، وقدم
المنافع الأخراوية لكونها هى المقصودة بالأصل، وهذا التعليم من الرسول - عليه
السلام - تعليم إرشاد ودلالة إلى طريق الخير، وسلوك الدعاء بكيفيته .
قوله : "فلما ولى الأعرابى" أى : أدبر ورجع.
قوله : "لقد ملأ يديه من الخير" كناية عن تحصيله الخير العظيم، ورجوعه بالحظ الوافر
من التوفيق .
[قال شيخ الإسلام:] ١٥ - وقال عبد الله بن مسعود - ظه -: قال النبى :
"لَقِيتُ إبراهيمَ - عليه السلام - لَيلةَ أُسْرِىَ بِى فَقَالَ: يَا مُحمدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مَنِّى
السَّلامَ، وأخبرهُم أَنَّ الجنةَ طيبةُ التَّرْبَةِ، عَذْبةُ الماءِ، وأنها قِيعَانُ، وأَنَّ غِراسَهَا :
٢٠
(١) تقدم التعليق على ما فيه من تأويل فى أول الكتاب ، وأن صفات الله - عز وجل - كلها على
الحقيقة ، لا تأويل فيها ولا تشبيه ، ولا تمثيل ولا تعطيل ، فراجعه هناك.
(٢) لعله سقط من الشرح قوله: "وارزقنى" والله أعلم.
( ١١٣)

سُبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ". قال الترمذى: حديث
حسن(١).
أقول : عبد الله بن مسعود بن غافل - بالغين المعجمة والفاء - ابن حبيب بن
شمخ بن قاربن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تميم بن سعد بن
هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلى ، حليف بنى زهرة، أسلم بمكة قديما،
وهاجر إلى الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدراً والمشاهد مع رسول الله وَ ﴾ ،
وهو صاحب نعل / ٦٧ / رسول الله ﴿، كان يلبسه إياها إذا قام، فإذا جلس
أدخلها فى ذراعه(٢)، وكان كثير الولوج على الرسول(٣)، وقال له رسول الله: "إِذُنُك
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب (٥٩)، رقم (٣٤٦٢) والطبرانى فى الصغير (٥٣٩)
والأوسط (٤١٨٢/٥) والخطيب فى تاريخه (٢٩٢/٢) وزادا "ولا حول ولا قوة إلا بالله" من
طريق عبد الواحد بن زياد ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ،
عن ابن مسعود به . وعبد الرحمن بن إسحاق ضعيف ، وثمة خلاف فى سماع عبد الرحمن بن
عبد الله بن مسعود من أبيه، وقد جزم الحافظ المزى فى التحفة (٧٤/٧) بسماعه منه ،
وللحديث شاهدان من حديث أبى أيوب الأنصارى، ومن حديث عبد الله بن عمر انظرهما فى
الصحيحة (١٦٦/١-١٦٧) وله شاهد ثالث رواه الطبرانى فى الكبير (٦١٠٥/٦) من حديث
سلمان الفارسى ، وقال فى المجمع (٩٠/١٠): "فيه الحسن بن علوان وهو ضعيف". والحديث
حسنه الشيخ الألبانى فى الصحيحة (١٠٥)، وذكر له شاهدين فانظرهما هناك.
(٢) روى البخارى: فى "صحيحه" (٣٧٦١) مِن طريق إبراهيم بن علقمة قال: "دخلت الشام
فصليت ركعتين فقلت : اللهم يسر لى جليسا ، فرأيت شيخا مقبلا ، فلما دنا قلت : أرجو أن
يكون استجاب الله. قال: من أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة . قال : أليس فيكم صاحب
النعلين ... " يعنى : عبد الله بن مسعود .
(٢) روى البخارى (٣٧٦٣) ومسلم (١١٠/٢٤٦٠) عن أبى موسى الأشعرى قال: "قدمت أنا
وأخرى من اليمن، فمكثنا حينا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبى لت﴿،
لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبى ﴿ ﴿ي".
( ١١٤ )

علىَّ أن ترفعَ الحجابَ ، وتَسمعَ سِوادى حتى أنهاكِ"(١). والسِّواد بكسر السين:
لسرار .
روى له عن رسول الله و ثمانمائة حديث وثمانية وأربعون حديثا، اتفقا منها على أربعة
وستین ، وانفرد البخاری بأحد وعشرين، ومسلم مخمسة وثلاثین . روى عنه أنس بن مالك،
وأبو رافع مولى النبى - عليه السلام -، وأبو موسى الأشعرى، وعمرو بن حريث،
وطارق بن شهاب، والنزال بن سبرة، والأحنف بن قيس، وعلقمة بن قيس، والأسودبن
يزيد، وأخوه عبد الرحمن، وعبيدة بن عمرو السلمانى ، ومسروق بن الأجدع، وعمرو بن
ميمون الأودى، وزيد بن وهب الجهنى، وأبو عثمان النهدى ، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل
الهمدانى ، وأبو عائشة الحارث بن سويد التيمى وغيرهم. نزل الكوفة ومات بها سنة اثنتين(٢)
وثلاثين . وقيل سنة ثلاث(٣) وثلاثين. وقيل: مات بالمدينة، وصلى عليه عثمان بن عفان.
وقيل : بل صلى عليه الزبير. وقال ابن نمير: مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع،
وأوصى إلى الزبير بن عوام، وصلى عليه . وروى له الجماعة (٤).
وقوله : "شمخ" بفتح الشين المعجمة وسكون الميم، والخاء المعجمة. و"قار" بالقاف
والراء. و"صاهلة" بالصاد المهملة واللام .
قوله : "ليلة أسرى بى" أى ليلة المعراج.
قوله: "فقال: يا محمد" أى قال إبراهيم - عليه / ٦٨ / السلام -: "يا محمد أقرئ
أمتك منى السلام" . واعلم أنه لم يسلم على أمته ليلة المعراج من الأنبياء خلاف
(١) رواه مسلم فى "صحيحه" : كتاب السلام ، باب جواز جعل الإذن رفع الحجاب (١٦/٢١٦٩)
ووقع عند مسلم : "وأن تستمع سوادى" .
(٢) فى الأصل "اثنين" خطأ .
(٣) فى الأصل "ثلاثة" خطأ .
(٤) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (١٦٧٧/٣)، أسد الغابة (٣١٧٧/٣)، الإصابة (٤٩٥٧/٤).
( ١١٥ )

إبراهيم - عليه السلام - ، ولذلك أُمِرْنَا أن نصلى عليه فى التشهد فى الصلوات،
تخصيصا إياه من بين سائر الأنبياء، شكرًا على صنيعه ، ومجازاة له على فعله .
قوله : "طيبة التربة" أى: التراب، لأنه من الزعفران، كما روى الترمذى عن
أبى هريرة - ت - قال: "قلت: يا رسول الله مم خُلق الخلقُ؟ قال: من الماء. قلنا :
الجنةُ ما بناؤُهَا؟ قال: لَبِنَةٌ من فِضةٍ وَبِنَةٌ من ذَهب، ومِلاَطُها المسكُ الإِذُر ،
وحَصْبَاؤُهَا؟ اللُّؤْلُؤْ والْيَاقُوتُ، وَتُربِتُهَا الزَّعْفَرَانُ، من يدخلُهَا ينعمُ ولا يَبْسُ، وَيَحُلُد
ولا يَموتُ، ولا تُبْلَى ثِيَابُهمْ، ولا تَفْنى(١) شَیَابُهم»(٢).
قوله : "وإنها" أى: الجنة. "قيعان" وهى جمع قاع، وهو المستوى من الأرض،
وكذلك القيعة ، والجمع أقرع وأقواع وقيعان . أصلها : قرعان ، قلبت الواو ياء لسكونها
وانكسار ما قبلها .
قوله : "وإن غراسها" الغِراس جمع غَرس وهو ما يغرس، والغراس أيضا وقت الغَرس،
مثل : الحصاد ، والجداد ، والقطاف . والغَرس إنما يصلح فى التربة الطيبة ، وينمو بالماء
العذب، وأحسن ما يتأتى فى القيعان. أشار بذلك رسول الله و ح أن هذه الكلمات
تورث قائلها الجنة ، وأن الساعى فى اكتسابها هو الذى لا يضيع سعيه، لأنها المغرس
الذى لا يتلف ما استودع، ولا يخلف ما نبت فيه . واستفيد من هذا الحديث فوائد:
(١) فى جامع الترمذى "يفنى" .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب صفة الجنة، باب ما جاء فى صفة الجنة ونعيمها (٢٥٢٦) من طريق
زياد الطائى عن أبى هريرة مطولاً، وقال الترمذى: "هذا حديث ليس إسناده بذاك القوى،
وليس هو عندى بمتصل ، وقد روى هذا الحديث بإسناد آخر عن أبى مدلة ، عن أبى هريرة ، عن
النبى طَّ اهـ. ورواه أحمد (٣٠٤/٢ -٤٤٥،٣٠٥) وغيره من طريق سعد بن عبيد الطائى ، ثنا
أبو مدلة ، سمع أبا هريرة به . وحسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٦٩٣/٢) بشواهده، وقد
ذكرها محقق "صحيح ابن حبان (٧٣٨٧/١٦) فانظرها .
( ١١٦ )

الأولى : فيه دليل على ثبوت الإسراء إلى السموات، ردًّا على المعتزلة، حيث أنكروا غير
ما ذكر فى القرآن من / ٦٩ / إسرائه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وإنما قلنا فيه
دليل على ذلك، لأن الظاهر [أنه] - عليه السلام - ما لقى إبراهيم - عليه السلام - إلا فى
السماء، كما ثبت فى "الصحيحين": "أنه لقى (١) إبراهيمَ فى السماء السابعةِ، فسلم عليه،
فرد عليه السلام، ثم قال: مَرحبًا بالابنِ الصالحِ، والنبىِّ الصالحِ"(٢).
والثانية : فيه دليل على فضل أمة محمد - عليه السلام - على سائر الأمم، حيث بعث
إبراهيم - عليه السلام - السلامَ مع النبى إليهم .
والثالثة : فيه دليل على جواز بعث السلام إلى الغائب .
والرابعة : ينبغى أن يبلغ الذى يحمل السلام إلى الذى بعث إليه .
والخامسة: فيه دليل على وجود الجنة، ردًّا على من أنكرها بالكلية، وعلى من أنكر
وجودها الآن .
والسادسة : فيه دليل على أن قائل "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله
أكبر" من أهل الجنة .
[قال شيخ الإسلام] ١٦ - وقال أبو موسى الأشعرى - ه -: قال لى النبى *:
أَلاَ أَذُلُّكَ عَلى كَنزِ مِن كُوزِ الْجَنّةِ؟ قُلتُ:(٣) بَلَى يا رسول الله. قال: قُلْ: لاَ
حَولَ ولا قُوةَ إلاَّ بِاللهِ" متفق عليه(٤).
(١) فى الأصل : "التقى" خطأ.
(٢) البخارى: كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج (٣٨٨٧) ، مسلم: كتاب الإيمان، باب الإسراء
برسول الله وَل إلى السموات وفرض الصلوات (٢٦٤/١٦٤) من حديث مالك بن صعصعة.
(٣) فى الكلم الطيب "فقلت" .
(٤) البخارى: كتاب المغازى، باب غزوة خيبر (٤٢٠٥) و(٦٣٨٤) و(٦٤٠٩) و(٦٦١٠) و(٧٣٨٦)،
مسلم: كتاب الذكر والدعاء ، باب استحباب خفض الصوت بالذكر (٤٤/٢٧٠٤ : ٤٦).
( ١١٧)

أقول : قد ذكرت أن "لا" كلمة تنبيه، ينبه المتكلم السامع على أمر عظيم الشأن .
قوله : "على كنز" والكنز فى اللغة: ما دفن من الأموال والأمتعة، ومعناه هنا أن هذا
القول يُعد لقائله، ويدخر له من الثواب، ما يقع له فى الجنة موقع الكنز فى الدنيا، لأن
من شأن الحائزين أن يسْعدُوا به ، ويستظهروا بوجدان ذلك عند الحاجة إليه .
قال الشيخ محيى الدين النووى فى "شرح مسلم": "قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة
استسلام، وتفويض إلى / ٧٠ / الله، واعتراف بالإذعان له، وأنه لا صانع غيره،
ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئا من الأمر، ومعنى "الكنز" هنا أنه ثواب مدخر فى
الجنة، وهو ثواب نفيس، كما أن الكنز أنفس أموالكم"(١).
قوله : "متفق عليه" أى: اتفق على صحته البخارى ومسلم فى "صحيحيهما"،
وكل ما ذكر من قولهم متفق عليه، فالمراد به اتفاق البخارى ومسلم، لا اتفاق الأمة فافهم .
(١) انظر "شرح صحيح مسلم" (٢٦/١٧) تحت شرح الحديث السابق.
( ١١٨)

[قال شيخ الإسلام : ]
. ٢ - فصل فى ذكر الله طرفى النهار
أقول : لما بين فضائل الذكر مطلقا، أراد أن يبين فضائل الذكر فى أوقات مخصوصة .
قوله : "فى طرفى النهار" المراد منهما أول النهار وآخره، واستدل على ذلك بالآيات
التى تلاها ، وبالأحاديث التى رواها .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمُواْ اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا *
وَسَبْحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾(١) وهو ما بين العصر والمغرب. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ
فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ القَوْلِ بِالْغُدُّوُ وَالْآصَالِ﴾(٢). ﴿وَسَبُخْ
بِحَمْدِ رَبُّكَ بِالعَشِىِّ وَالإِبْكَارِ﴾(٣). ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ
الْغُرُوبِ﴾ (٤) (٥). [﴿وَمِنِ اللَّيْلِ فَسَيُحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودٍ﴾](٦). ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ
يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشَى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾(٧). ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبْحُوا بُكْرَةً
وَعَشِيًّا﴾(٨). ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَيُحْهُ وَإِذْبَارَ النَّجُومِ﴾(٩)، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُون
وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِى السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَعَشِيًّا وَجِينَ
(١) سورة الأحزاب (٤١، ٤٢).
(٢) سورة الأعراف (٢٠٥) .
(٣) سورة غافر (٥٥) .
(٤) سورة ق (٣٩) .
(٥) فى "د": ﴿ ... وقبل غروبها﴾ (سورة طه: ١٣٠)، وشرحها المصنف على أنها من
سورة "ق" .
(٦) ساقطة من الأصل والكلم الطيب ، وأثبتناها من الشرح، والآية فى سورة ق (٤٠).
(٧) سورة الأنعام (٥٢) .
(٨) سورة مريم (١١).
(٩) سورة الطور (٤٩) .
( ١١٩ )