Indexed OCR Text

Pages 81-100

عليك أنت كما أثنيت على نفسك" وزاد بعضهم فى آخره: "فلك الحمد حتى
ترضى*(١).
وأما كيفية الصلاة على النبى - عليه السلام - كما روى فى "الصحيحين" عن أبى محمد
كعب بن عجرة قال: "خرج علينا رسول الله وكل فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف
تسلم عليك، فكيف نصلى عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل
محمد، كما صليت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد، وعلى آل
محمد، كما باركت على إبراهيم، "إنك حميد مجيد"(٢).
وعن أبي حميد الساعدي قال: "قالوا: يا رسول الله كيف نصلى عليك؟ قال: قولوا :
اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على
محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد" أخرجه البخارى
(١) انظر كتاب الأذكار (ص/١٠٥) من كتاب الحمد، وقال ابن علان فى شرح الأذكار
(٢٩٧/٣): قال الرافعى فى الشرح الكبير: إن جبريل علمه لآدم - عليه السلام -، وقد قال:
"علمتك مجامع الحمد". وقال الحافظ: قال ابن الصلاح: هذا حديث منقطع الإسناد ، وحدث
به الرافعى فى أماليه [و] جل رجاله ثقات عن محمد بن النضر الحارثى قال: قال آدم: "يارب
شغلتنى بكسب يدى ، فعلمنى شيئا فيه مجامع الحمد والتسبيح. فأوحى الله - تبارك وتعالى -
إليه : يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثا، وإذا أمسيت فقل ثلاثا: الحمد لله رب العالمين حمدًا يوافى
نعمه ، ويكافئ مزيده ، فذلك مجامع التسبيح والتحميد" ، لكن محمد بن النضر لم يكن صاحب
حديث ، ولم يجئ عنه شىء مسند، ... ثم قال ابن علان: وفى الإمداد لابن حجر بعد ذكر
المسألة ، وما ذكر عن جبريل : رواه ابن الصلاح بإسناد معضل تارة، وضعيف منقطع أخرى ،
ومن ثم قال فى "الروضة": ليس لهذه المسألة دليل معتمد. أى من الأحاديث، وإلا فدليله من
حيث المعنى ظاهر" .
(٢) البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل (٣٣٧٠)، مسلم: كتاب
الصلاة، باب الصلاة على النبى رَّ بعد التشهد (٦٦/٤٠٦) واللفظ لمسلم.
( ٨٠)

ومسلم وأبو داود والنسائى [ومالك فى] "الموطأ" . وعند أبى داود: "وعلى آل إبراهيم"
فى الموضعين(١).
وأما فضيلتها فقد ثبت فى "صحيح مسلم" عن عبد الله بن عمرو بن العاص،
أنه سمع رسول الله - عليه السلام - يقول: "من صلى علىّ صلاة صلى الله
عليه بها عشرا"(٢) وفى رواية أبى هريرة: "من صلى على واحدة صلى الله عليه
عشرا"(٣) .
وفى "كتاب الترمذى" عن عبد الله بن مسعود، أن رسول الله وَ ◌ّ قال: "أولى الناس بى
يوم القيامة أكثرهم علىّ صلاة". قال الترمذى : حديث حسن(٤).
(١) البخارى: كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل (٣٣٦٩)، مسلم: كتاب
الصلاة، باب الصلاة على النبى ◌َ ◌ّ بعد التشهد (٦٩/٤٠٧)، أبو داود: كتاب الصلاة ، باب
الصلاة على النبي ◌ُّ بعد التشهد (٩٧٩)، النسائى: كتاب السهو، باب كيف الصلاة على
النبى ◌َ (٤٩/٣)، الموطأ: كتاب قصر الصلاة فى السفر، باب ما جاء فى الصلاة على النبى
◌َُ (٦٩) قلت: وزيادة "آل" عند جميعهم، والحديث رواه ابن ماجه كذلك (٩٠٥).
(٢) مسلم: كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ... (١١/٣٨٤).
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبى ◌ُّ بعد التشهد (٧٠/٤٠٨).
(٤) رواه الترمذى فى كتاب الصلاة، باب ما جاء فى فضل الصلاة على النبى رُدّ (٤٨٤) قال:
حدثنا بندار، حدثنا محمد بن خالد ابنُ عثمة ، حدثنى موسى بن يعقوب الزمعى ، حدثنى عبد
الله بن كيسان ، أن عبد الله بن شداد أخبره عن ابن مسعود به، وقال : حسن غريب ، وقال
أيضا كما فى التحفة (٩٣٤٠/٧): "رواه غيره عن موسى فقال عن عبد الله بن شداد، عن
أبيه ، عن ابن مسعود" اهـ. قال الحافظ فى "النكت الظراف" : "الغير المذكور هو خالد بن
مخلد ... أخرجه ابن حبان (٩١١/٣)، وهو فى مسند ابن أبى شيبة (٥٠٥/١١)، والخطيب فى
"شرف أصحاب الحديث" (ص/٣٥) اهـ. والحديث فيه عبد الله بن كيسان قال عنه ابن القطان :
لا يعرف حاله ، وضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف الجامع (١٨٢١) وغيره .
( ٨١ )

وفى سنن أبى داود والنسائي وابن ماجه بالأسانيد الصحيحة، عن أوس بن أوس قال :
قال رسول الله وَله: "إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فأكثروا على من الصلاة فيه،
فإن صلاتكم معروضة على . فقالوا : يا رسول الله و کیف تعرض صلاتنا عليك وقد
أَرَمْتَ؟ - قال: يقول: بليت - قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء" (١).
"أَرَمْتَ" / ٣٩ / بفتح الراء، وإسكان الميم، وفتح التاء المخففة"(٢).
قال الخطابي : "أصله: أرممت، فحذفوا إحدى الميمين، وهى لغة لبعض العرب، كما
قالوا: ظلت أفعل كذا، أى: ظللت"(٣). وقال غيره: إنما هو أرَمَّتْ بفتح الراء والميم.
المشددة، وإسكان التاء، أى أرمت العظام .
وفى "سنن أبى داود" بإسناد صحيح، عن أبى هريرة، أن رسول الله - عليه السلام -
قال: "ما من أحد يسلم على إلا ردَّ الله على روحى، حتى أرد عليه السلام"(٤).
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب تفريع أبواب الجمعة (١٠٤٧)، وفى باب فى
الاستغفار (١٥٣١)، والنسائى فى كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبى وَلَّه يوم الجمعة
(٩١/٣)، وابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة، باب فى فضل الجمعة (١٠٨٥)، وفى كتاب
الجنائز، باب ذكر وفاته ودفنه وَّ (١٦٣٦) وغيرهم من طريق حسين بن على الجعفى، عن
عبد الرحمن بن یزید بن جابر ، عن أبى الأشعث الصنعانى ، عن أوس بن أوس به . ووقع عند ابن
ماجه فى الموضع الأول "شداد بن أوس" بدل "أوس بن أوس" وهو وهم كما فى التحفة
(١٧٣٦/٢) وصححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (رقم/٤).
(٢) انظر الأذكار للإمام النووى (ص/١٠٦).
(٣) انظر معالم السنن (٢٠٩/١).
(٤) أخرجه أبو داود فى كتاب المناسك، باب زيارة القبور (٢٠٤١) وأحمد (٥٢٧/٢)، والبيهقى
(٢٤٥/٥) من طريق أبى صخر حميد بن زياد، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبى هريرة
به. وقال الحافظ فى التلخيص (٢٨٧/٢): وأصح ما ورد فى ذلك ... وذكره. وحسَّن إسناده
الشيخ الألبانى فى صحيح أبى داود، والضعيفة (٢٣٧/١)، وانظر كلام الحافظ عليه فى شرح
الأذكار (٣١٥/٣-٣١٦).
( ٨٢ )

وفى "كتاب الترمذى" عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صل: "رغم أنف رجل
ذكرت عنده فلم يصل على" قال الترمذى، حديث حسن(١).
وفى "كتاب ابن(٢) السنى" بإسناد جيد، عن أنس قال: قال رسول الله و75: "من
ذكرت عنده فليصل على، فإنه من صلى على مرة صلى الله عليه عشرا"(٣).
(١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب قول رسول الله ومن "رغم أنف رجل" (٣٥٤٥)،
والحاكم (٥٤٩/١)، من طريق عبد الرحمن بن إسحاق ، عن سعيد بن أبى سعيد ، عن أبى هريرة
به ، وله عند الترمذى تتمة بلفظ : "ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر
له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة" قال عبد الرحمن: وأظنه قال: "أو
أحدهما". وله شاهد عند الحاكم (١٥٣/٤) من حديث كعب بن عجرة قال: قال رسول الله
وَل: "أحضروا المنبر، فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال آمين، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال
آمين ، فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال آمين فلما نزل قلنا : يا رسول الله سمعنا منك اليوم شيئا ما
كنا نسمعه. قال : إن جبريل - عليه الصلاة والسلام - عرض لى فقال : بعدا لمن أدرك رمضان
فلم يغفر له . قلت : آمين . فلما رقيت الثانية قال: بعدًا لمن ذكرت عنده فلم يصل عليك ، قلت
آمين. فلما رقيت الثالثة قال: بعدا لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة.
قلت آمين" وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وفيه إسحاق بن كعب بن عجرة قال الحافظ
مجهول الحال، وله شواهد أخر ذكرها الحافظ المنذرى فى "الترغيب (٤٩٤/٢)، والحديث
صححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٦) .
(٢) فى الأصل : "أبى" خطأ .
(٣) أخرجه ابن السنى (٣٧٤) من طريق إبراهيم بن طهمان، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦١)
من طريق المغيرة بن مسلم الخراسانى، كلاهما عن أبى إسحاق ، عن أنس بن مالك به .
ورومى الجملة الثانية فقط أحمد (٢٦١،١٠٢/٣)، والنسائى (٥٠/٣) وابن حبان (٩٠٤/٣)
بسند صحيح ، ولها شاهد عند مسلم (٤٠٨) من حديث أبى هريرة ، والجملة الأولى لها شواهد
كثيرة انظرها عند ابن حبان ، وكذا عند النسائى فى "عمل اليوم والليلة" ، والحديث صححه
الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٦٢٤٦).
( ٨٣ )

وفيه بإسناد ضعيف: "من ذكرت عنده ولم يصل على فقد شَقِىَ"(١).
وفى "كتاب الترمذى" عن على - نظ ◌ُبه - قال: قال رسول الله صل: "البخيل من
ذكرت عنده فلم يصل على" قال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢) . والله الموفق.
[قال شيخ الإسلام:] ٢ - وقال أبو هريرة - ظُبه - قال النبى و﴿: "سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ.
قالوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يا رسول الله؟ قال: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا والذَّاكِرَاتُ"
خرجه مسلم (٣).
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٧٥) من طريق الفضل بن المنتشر، قال: سمعت
جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﴿ فذكره. وقال الحافظ كما فى "شرح ابن علان"
(٣٢٢/٣): "فى إسناده الفضل بن المنتشر وهو ضعيف على الأظهر". وضعفه الشيخ الألبانى
فى "ضعيف الجامع" (٥٥٨٥).
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب قول رسول الله وَّ "رغم أنف رجل" (٣٥٤٦)،
وأحمد (٢٠١/١)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٧٦)، والحاكم (٥٤٩/١) من طريق
عبد الله بن على بن حسين بن على بن أبى طالب ، عن أبيه، عن حسين بن على مرفوعا ، وقال
الترمذى : حسن صحيح ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، ووافقه الذهبي وصححه الشيخ
الألبانى فى الإرواء (٥) بشواهده .
تنبيه : عزا المصنف هذا الحديث للترمذى من حديث على بن أبى طالب ، والذى عند الترمذى
وغيره كأحمد وابن السنى والحاكم أنه من حديث حسين بن على ، وقد ذكره فى التحفة فى
مسند الحسين بن على وقال : رواه يحيى بن موسى (ت الدعوات) عن أبى عامر ، فجعله من
مسند على ، ثم ذكره فى مسند على (١٠٠٧٢) فقال الحافظ ابن حجر فى "النكت الظراف"
(٣٦٤/٧): ظاهره أنه وقع فى (ت) عن أبيه ، عن حسين بن على ، عن أبيه ، كما فى الترجمة ،
ليصح كونه من مسند على، ولم أره فى (ت) كذلك، بل الذى فيه : عن عبد الله بن على بن
حسين بن على عن أبيه عن حسين بن على بن أبى طالب قال : قال رسول الله. فعلى هذا هو
من مسند الحسين ... إلخ. وانظر تعليق الشيخ الألبانى فى المشكاة (٩٢٠).
(٣) مسلم : كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى (٤/٢٦٧٦).
( ٨٤ )

أقول : أبو هريرة الدوسى اليمانى، روى الأعمش، عن أبى صالح قال : اسم أبى هريرة
عبد الرحمن بن صخر. قال خليفة بن خياط: أبو هريرة اسمه عمير بن عامر بن [عبد](١)
ذى الشريف بن طريف بن عتاب(٢) بن أبى صعب بن منبه بن سعد بن ثعلبة / ٤٠ / ابن
سليم(٣) بن فهم بن غنم بن دوس. وقيل: اسمه سكين بن دومة (٤) . وقيل : عبد عمرو بن
عبد غنم(٥). وقيل: عبد الله بن عامر . وقيل: بربر بن عِشرقة(٦). وقيل: عامر بن عبد
شمس . وقيل: عبد شمس. وقيل: عبد الله بن عامر(٧). وقيل: سفيان بن هانئ. وقيل:
عبد غنم (٨). وقيل: عبد نُهم (٩). وقيل: جرثوم. وقيل: عبد العزى. وقيل: عمرو بن
على(١٠) .
قال الشيخ : محيى الدين النووى: (١١) "اسمه عبد الرحمن بن صخر على الأصح من نحو
ثلاثين قولا، وهو أكثر الصحابة حديثا"، مات بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: تسع
وخمسين، فى آخر خلافة معاوية بن أبى سفيان ، وكان له يومَ مات ثمان وسبعون سنة ،
(١) زيادة من مصادر الترجمة .
(٢) فى الأصل: "ابن عتاب بن طريف بن عتاب" والتصويب من مصادر الترجمة .
(٣) فى الأصل: "لميم" خطأ .
(٤) فى الأصل : "رذمة" خطأ .
(٥) فى الأصل : "عبد عمر بن عبد غنم" خطأ .
(٦) فى الأصل: "بربر بن عشيرقة" خطأ .
(٧) فى الأصل : "عبد الله بن عمر" خطأ .
(٨) فى الأصل : "عبد نعم" خطأ .
(٩) فى الأصل : "عبد بهم" خطأ .
(١٠) فى الأصل: "عمر بن على" خطأ .
(١١) انظر الأذكار للإمام النووى (ص/١٦).
( ٨٥ )

وهو صلى على عائشة زوج النبى - عليه السلام - وعلى أم سلمة أيضا، ودفن بالبقيع ،
وروى له الجماعة . وروى محمد بن إسحاق قال : حدثنى بعض أصحابنا عن أبى هريرة
قال: كان أسمى عبد شمس، فسميت فى الإسلام عبد الرحمن ، إنما كنيت بأبى هريرة،
أنى وجدت أولاد هرة، فحملتها فى كمى، فقيل لى: ما هذه؟ فقلت: هرة. قيل:
فأنت أبو هريرة. روى له عن رسول الله 38 خمسة آلاف حديث وثلاثمائة حديث
وأربعة وسبعون حديثا، اتفقا على ثلاثمائة وخمسة وعشرين وانفرد البخارى بثلاثة
وتسعين، ومسلم بمائة وتسعين، روى عنه عبد الله بن عباس، وأنس بن مالك،
وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وأخوه حميد بن عبد الرحمن، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن
عتبة، وعلى بن الحسين بن على بن أبى طالب ، والقاسم بن محمد بن أبى بكر / ٤١ /
الصديق، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وحفص بن عاصم بن عمر بن
الخطاب، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو صالح السمان ، وأبو مسلم
الأغر، وعبد الرحمن بن أبى نعم البجلى ، وأبو عثمان النهدى، وزرارة بن أوفى ،
ومحمد بن سیرین ، وأبو سعيد بن كيسان المقبری ، و ابنه سعيد ، وبسر بن سعيد، وخلق
سواهم (١) .
قوله : "المُفَرِّدُون)"(٢) "بفتح الفاء وكسر الراء، كذا نقله القاضى، ونقل غيره بالتخفيف
يقال: فَرَد الرجل، وفَرَّد بالتخفيف والتشديد وأفرد. وقال ابن الأعرابى: فرّد الرجل
بالتشديد إذا تفقه واعتزل الناس ، وخلا بنفسه وحده" .
وقال ابن قتيبة : هم الذين لذّاتهم فى الدنيا ذكرُ الله عز وجل .
(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (٣٢٤١/٤)، أسد الغابة (٦٣١٩/٦)، الإصابة (١٠٦٧٤/٧).
(٢) انظر "شرح صحيح مسلم" (٤/١٧).
( ٨٦ )

وقال الزهرى: هم المتخلون عن الناس بذكر الله، لا يخلطون به غيره .
وقيل : "المفردون" الموحدون، الذين لا يذكرون إلا الله، وأخلصوا له دينهم وعبادتهم.
وقيل: "المفردون" الذين هلك أقرانهم، وانفردوا عنهم، فبقوا يذكرون الله. وقيل: هم
الذين اهتزوا من ذكر الله .
فإن قيل: ولم قالوا: "وما الْمُفَرُّدُون" ولم يقولوا: "ومن المفردون"؟ قلت : لأنهم فتشوا
عن معرفة معنى هذا اللفظ عند الإطلاق .
فإن قيل : فلم عدل النبى - عليه السلام - فى الجواب عن بيان اللفظ إلى حقيقة ما
يقتضيه؟ قلت : توقيفا للسائل بالبيان المعنوى على اللفظ اللغوى.
قوله : "الذاكرون" أى هم الذاكرون الله .
قوله : "کثیراً" أی : ذکرا کثیرا .
/ ٤٢ / قوله : "والذاكراتُ" برفع التاء أى: المؤمنات الذاكرات الله ذكرًا كثيرا،
حذف المفعول من هذا اكتفاءً بالأول. وقد حث رسول الله و5 1 بهذا القول على فضيلة
الذكر والذاكر، لأن الذاكر يكون من السابقين ، والسابقون هم المقربون عند الله، لهم
الزلفى وحسن مآب .
قوله : "خرجه مسلم" أى هذا الحديث خرجه مسلم، وهو: أبو الحسين(١) مسلم بن
الحجاج بن مسلم القشيرى نسبًا ، النيسابورى وطنا، وهو أحد أعلام أئمة هذا الشأن ،
وكبار المبرزين فيه، وأهل الحفظ والإتقان، والرحبالين فى طلبه إلى أئمة الأقطار
والبلدان ،. سمع بخراسان يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه. وغيرهما، وبالرى محمد بن
مهران الجمال، وأبا غسان وغيرهما، وبالعراق أحمد بن حنبل، وعبد الله بن مسلمة
(١) فى الأصل : "أبو الحسن" خطأ .
( ٨٧ )

القعنبى وغيرهما، وبالحجاز سعيد بن منصور، وأبا مصعب وغيرهما ، وبمصر عمرو بن
سواد ، وحرملة بن يحيى وغيرهما وخلائق كثيرين، روى عنه جماعات من كبار أئمة
عصره وحفاظه ، وفيهم جماعات فى درجته ، فمنهم أبو حاتم الرازى ، وموسى بن
هارون ، وأحمد بن سلمة ، و[أبو] عيسى الترمذى، وأبو بكر بن خزيمة، ويحيى بن
صاعد، وأبو عوانة الإسفرائينى وآخرون لا يحصون ، وصنف مسلم - رحمه الله - فى
علم الحديث كتبا كثيرة ، منها كتاب "الصحيح" الذى قبله أهل الشرق والغرب، ومنها
كتاب "المسند الكبير" على أسماء الرجال، وكتاب "الجامع الكبير" على الأبواب،
وكتاب "العلل" وكتاب "أوهام المحدثين" وكتاب "التمييز" وكتاب "من ليس له إلا راوٍ
واحد" وكتاب "طبقات التابعين" وكتاب "المخضرمين" / ٤٣ / وغير ذلك، توفى
بنيسابور سنة إحدى وستين ومائتين . وعن عبد الله بن الأخرم الحافظ يقول : توفى
مسلم بن الحجاج - رحمه الله - عشية الأحد ، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب ،
سنة إحدى وستين ومائتين، وهو ابن خمس وخمسين سنة، رحمه الله ورضى عنه(١).
[قال شيخ الإسلام:] ٣- وذكر عبد الله بن بُسر، أن رجلا قال: "يا رسول الله
إِنَّ شَرَائَعِ الإسْلامِ قد كَثُرَتْ عَلَىَّ، فأخبرْنِى بشىءٍ أَتَشَبَّتُ به. قال : لا يَزالُ
لِسَانُكَ رَطْبًا من ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى" [رواه الترمذى و](٢) قال الترمذى: حديث
حسن(٣).
(١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٤٩٩/٢٧، رقم / ٥٩٢٣).
(٢) زيادة من المطبوع من "الكلم الطيب" .
(٣) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب ما جاء فى فضل الذكر (٣٣٧٥)، وابن ماجه فى كتاب
الأدب، باب فضل الذكر (٣٧٩٣)، وأحمد (١٩٠/٤) وابن أبى شيبة (٣٠١/١٠)، وابن حبان
(٨١٤/٣)، والحاكم (٤٩٥/١) من طرق عن معاوية بن صالح، أن عمرو بن قيس الکندی حدثه ،
عن عبد الله بن بسر به. وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد (١٨٨/٤) من
طريق حسان بن نوح، عن عمرو بن قيس به. وصححه الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" .
( ٨٨ )

أقول: "عبد الله بن بُسر" بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة ، هو أبو صفوان،
ويقال: أبو بُسر عبد الله بن بُسر السلمى المازنى ، من بنى مازن بن منصور بن عكرمة بن
خصفة بن قيس عيلان . وقيل : من مازن قيس ، وأبوه بُسرّ له صحبة ، زارهم النبى عليه
السلام، وأکل عندهم، ودعا هم، روی له عن رسول الله څ خمسون حدیثا ، روى له
البخارى حديثا، ومسلم آخر، روى عنه محمد بن عبد الرحمن بن عِرق اليحصبى ،
وراشد بن سعد المَقْرَئِىُّ ، وعمرو بن قيس السكونى، وأبو الزاهرية حدير بن كريب ،
وسليم بن عامر، ومحمد بن زياد الألهانى ، وخالد بن معدان ، وجويبر بن عثمان الرحبى ،
ویزید بن حمير الشامى ، مات بالشام سنة ثمان وثمانين ، وهو ابن أربع وتسعين ، وهو آخر
من مات من أصحاب النبى - عليه السلام - بالشام، روى له الجماعة ، قال ابن الأثير:
نزل الشام، ومات بحمص فجأة وهو يتوضأ(١).
قوله : "إن شرائع / ٤٤ / الإسلام" هى جمع شريعة، وهى الطريقة المسلوكة المرضية،
أى أن أمور الإسلام كثرت على مثل: الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، والجهاد،
وغير ذلك من الأعمال البدنية والمالية ، والكف عن المحظورات، والامتناع عما فيه من
العقوبات والكفارات ، ونحو ذلك.
قوله : "فأخبرنى بشىء أتشبث به" أى لمّا لم أقدر أن أخرج عن عهدة أمور الشريعة كما هو
حقها، ولا أقدر على مواظبتها ومداومتها دائما ، فأخبرنى بشىء أتثبت به، لعلى أفوز
بذلك، ويكون ذلك شيئا كثيرا فى الميزان، يسيرا فى الإتيان ، والتشبث التعلق، أى : أتمسك
به، وأتعلق به. فقال له رسول الله : "لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل"
يعنى : لا تزال رطوبة لسانك مستمرة من الذكر ، وإنما قلنا هكذا لأن هذا الفعل من الأفعال
التى وضعت لدلالة استمرار خبرها لاسمها، فرطوبة اللسان كناية عن اشتغاله بالذكر، و[أن]
(١) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٣٣٣/١٤، رقم / ٣١٨٠).
( ٨٩ )

حياته به ، فأشار - عليه السلام - أن الذكر يحيى كل موضع يوجد فيه، فكأن اللسان ما لم
يذكر الله - عز وجل - يابس كالأرض اليابسة، فإذا ذكره رطب وحيى، كالمطر إذا نزل
على الأرض اليابسة يحييها بعد موتها، فقوله - عليه السلام - : "لا يزال لسانك رطبا من
ذكر الله" أبلغ من أن يقال: "لا يزال لسانك ذاكرا" يقف عليه من يمعن نظره .
[قال شيخ الإسلام:] ٤- وخرج البخارى عن أبى موسى الأشعرى - راه -، عن
النبىِ وَ﴿ قال: "مَثَلُ الْذِى يَذْكُرُ ربَّهُ وَالَّذِى لاَ يَذْكُرُ رِبَّهُ، مَثَلُ الْحِىِّ وَالميتِ"(١).
أقول : "البخارى" هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفى البخارى،
وإنما قيل له الجعفى لأن المغيرة أبا جده كان مجوسيا، أسلم على يديمان البخارى وهو الجعفى
والى بخارى، فنسب إليه حيث أسلم على يده، وجعفى أبو قبيلة من اليمن، وهو جعفى بن
سعد العشيرة بن مذحج، والنسبة إليه كذلك، ولد البخارى يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة
خلت من شوال، سنة أربع وتسعين ومائة ، وتوفى ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين،
وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر / ٤٥ / يوما، ولم يعقب ولداً ذكرا، رحل فى
طلب العلم إلى جميع محدثى الأمصار، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام
ومصر، وأخذ الحديث من الحفاظ، منهم مكى بن إبراهيم البلخى ، وعبدان بن عثمان
المروزى، وعبيد الله بن موسى العبسى، وأبو عاصم الشيبانى، ومحمد بن عبد الله
الأنصارى، ومحمد بن يوسف الفريابى، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وعلى بن المدينى ،
وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسماعيل بن [أبى] أويس المدنى، وغير هؤلاء من الأئمة،
وأخذ عنه الحديث خلق كثير فى كل بلدة حدث بها(٢).
قوله : "عن أبى موسى الأشعرى" هو عبد الله بن قيس بن سُلَيم بن حضّار بن حرب بن
عامر بن غنم. ويقال: عَتَر بن بكر بن عامر بن عذر بن وائل بن ناجية بن جُمَاهر بن الأشعر،
(١) البخارى: كتاب الدعوات، باب فضل ذكر الله - عز وجل - (٦٤٠٧).
(٢) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٤٣٠/٢٤، رقم ٥٠٥٩).
( ٩٠ )

وهو نَبْتُ بن أُدد بن زيد بن يَشْجُب بن يعرب بن زيد بن كهلان بن يشجب بن يعرب بن
قحطان الأشعرى. قيل: إنه قدم على رسول الله وُ ث مكة، فأسلم ثم هاجر إلى أرض
الحبشة، ثم قدم على رسول الله ﴿ّ مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر، فأسهم له ولم يسهم
لأحد غاب عن فتح خيبر غيرهم ، وعمل للنبى - عليه السلام - على زبيد وعدن وساحل
من اليمن، واستعمله عمر - رَب ◌ُبه - على الكوفة والبصرة، وشهد وفاة أبى عبيدة بالأردن ،
وخطبةً عمر بالجابية، وقدم دمشق على معاوية، روى له عن رسول الله و ثلاثمائة وستون
حديثا، / ٤٦ / اتفقا منها على خمسين حديثا، وانفرد البخارى بأربعة، ومسلم بخمسة
عشر، وقد روى عن عمر بن الخطاب ، روى عنه أنس بن مالك، وطارق بن شهاب ، وابنه
إبراهيم بن أبى موسى، والأسود بن زيد، وسعيد بن المسيب، وأبو وائل شقيق بن سلمة،
وأبو عثمان النهدى، وأبو عبد الرحمن السلمى، ومرة بن شراحيل الطيب الهمذانى، وابنه
أبو بردة بن أبى موسى ، وصفوان بن محرز المازنى، وزهدم بن مضرب الجرمى ، وزيد بن
وهب الجهنى وغيرهم، مات سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين. قال البخارى: قال
أبو نعيم: مات سنة أربع وأربعين، روى له الجماعة . قال ابن الأثير: ولاه عمر بن الخطاب
البصرة حين عزل عنها المغيرة بن شعبة سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على
البصرة إلى صدر من خلافة عثمان، ثم عزله عنها، فانتقل إلى الكوفة وأقام بها، فلما رفع
أهل الكوفة سعيد بن العاص عنهم ولوا أبا موسى عليهم، فأقره عثمانُ على الكوفة ، ولم يزل
عليها إلى أن قتل عثمان ، ثم انتقل أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم وما كان منه(١)، فلم يزل
(١) إن حادثة التحكيم هذه، قضية أسئ فهمها، وأسىء التعبير عنها، بل ووقع فيها من التحريف
والتزييف والافتراء ما يستوجب التنقيص من صحابة رسول الله ، وخاصة أبى موسى الأشعرى
وعمرو بن العاص - رضى الله عنهما - ، بحيث يوصف أبو موسى بالبله والبلادة، وعمرو بن العاص
بالمكر والدهاء والذكاء، بل وفى طياته، وتحت مكنونه بالخداع والخيانة ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.
فقد أشيع أن أبا موسى وعمرو بن العاص اتفقا على خلعٍ على بن أبى طالب ومعاوية من الخلافة ، ثم
قال عمرو لأبى موسى: أسبق بالقول، فتقدم فقال: إنى نظرت فخلعت عليا من الأمر، ولينظر
=
( ٩١ )

بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة أربع وأربعين. وقيل سنة خمسين، وله نيف
وستون سنة. وقيل: إنه مات بالكوفة، ودفن بالنوبة على ميلين من الكوفة (١).
وقوله: "سُليم" بضم السين المهملة. و"حضَّار" بالحاء المهملة وبالضاد المعجمة. و"عَتَر"
بفتح العين المهملة وفتح التاء فوقها نقطتان وبالراء. و"عَذَر" بفتح العين المهملة وفتح
الذال المعجمة. و"ناجية" / ٤٧ / بالنون والجيم والياء من تحتها نقطتان. و"حُمَاهر"
بضم الجيم وتخفيف الميم وبالراء. و"نَبْت" بفتح النون وسكون الباء الموحدة. و"أُدد"
بضم الهمزة وفتح الدال الأولى .
قوله : "مثل الذى" أى مثل الرجل الذى "يذكر ربه" . [بنوع] من أنواع الذكر.
- المسلمون لأنفسهم كما خلعت سيفى هذا من عاتقى، وأخرجه من عنقه فوضعته على الأرض .
وقام عمرو فوضع سيفه فى الأرض وقال : إنى نظرت ، فأثبت معاوية فى الأمر كما أثبت سيفى هذا
فى عاتقى، وتقلده، فأنكره أبو موسى فقال عمرو: كذلك اتفقنا. انظر إلى هذا الهراء، ونسبة
عمرو بن العاص إلى الكذب والخيانة والخداع، وأبى موسى إلى البلادة والبله، وهما من هما، ولهما
من المناقب والفضائل مالا يتسع المقام لذكرها، فالله المستعان، و﴿قل إن الذين يفترون على الله
الكذب لا يفلحون *متاع فى الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا
يكفرون﴾. ثم اعلم أن الإمام أبا بكر بن العربى قد قال فى كتابه الماتع "العواصم من القواصم": " هذا
كله كذب صراح، ما جرى منه حرف قط ، وإنما هو شىء [اخترعته] (كذا فى الأصل بين معقوفتين)
المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثته أهل المجانة والجهارة بمعاصى الله والبدع" اهـ. وإنما الذى
حدث أنهما اتفقا على أن يجعلا الأمر فى النفر الذين توفى رسول الله ومنّ وهو عنهم راض، ومعاوية
لم يكن يومئذ خليفة حتى يثبته عمرو بن العاص، وانظر "العواصم من القواصم (ص ١٧٥ : ١٨٢)
ترى فيه الحق واضحا لذى عينين. وما دفعنى إلى هذا البسط فى هذا المقام، إلا إنه ما يذكر أبو موسى
الأشعرى - يته - إلا ويذكر معه الغفلة والبلادة التى كانت منه فى واقعة التحكيم زعموا، وهو
منها براء، يتنزه مثله عنها ، والله المستعان .
(١) انظر ترجمته فى: الاستيعاب (٣٤٢٦/٤)، أسد الغابة (٣١٣٥/٣) و(٦٢٨٩/٦)، الإصابة
(٤٩٠١/٤).
( ٩٢ )

قوله: "والذى" أى ومثل الرجل الذى "لا يذكر ربه" بنوع من أنواع الذكر "مثل
الحى والميت" شبه الذاكر بالحى والغافل بالميت ، ووجه التشبيه بين الحى والذاكر
من حيث أن الحياة يتعلق بها منافع كثيرة، وهى قائمة بالحى فكذلك الذكر يتعلق به منافع
عظيمة، وهو قائم بالذاكر، وكل واحد من الحى والذاكر ينفع وينتفع،
ووجه التشبيه بين الميت والغافل عدم النفع والانتفاع من كل واحد منهما، ويمكن
أن يراد من قوله: "الحى والميت" الموجود والمعدوم، بأن يكون شبه الذاكر بالموجود، والغافل
بالمعدوم، فكما أن الموجود له ثمرات، فكذلك الذاكر له ثمرات [فى] الدنيا والآخرة، وكما
أن المعدوم ليس له شىء، فكذلك الغافل ليس له شىء لا فى الدنيا ولا فى الآخرة. والمثل فى
أصل كلامهم بمعنى المِثْل وهو النظير. يقال: مِثْلٌ ومَثَلُ ومَئِلٌ كشِبْه وشَبَهٍ وشَبيهٍ، ثم قيل
للقول السائر الممثل مضربه بمورده مثل. قال الزمخشرى : ولم يضربوا مثلا ولا رأوه أهلا
للتسيير ، ولا جديرا بالتداول والقبول إلا قولا فيه غرابة من بعض الوجوه، ومن ثم حوفظ
عليه، وحُمى من التغيير. والمثل هاهنا استعير للحال أو الصفة، أو القصة إذا كان لها شأن
وفيها غرابة، كأن قال: حال الذى يذكر ربه أو / ٤٨ / صفته العجيبة الشأن كحال
الحى، وصفة الذى لا يذكر [ربه] كحال الميت فافهم.
[قال شيخ الإسلام: ] ٥ - وعن أبى هريرة - ه -، عن رسول الله { الَّ قال: "مَنْ فَعَدَ
مَفْعَدًا لم يذكرِ الله تَعالى فِيهِ كَانتْ عَلَيهِ مِنَ اللَّهِ يِرَّةٌ، وَمَنِ اضطجعَ مَضْجَعًا لاَ يذكُرُ اللهَ
تَعَالى فيه كانتْ عَلَيهِ مِنَ اللهِ تِرَّةٌ" أى نقصٌ وتبعة وحسرة، خرجه أبو داود(١).
(١) رواه أبو داود فى كتاب الأدب، باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله
(٤٨٥٦)، وفى باب ما يقال عند النوم (٥٠٥٩)، والحميدى فى "مسنده" (١١٥٨) الشطر
الأول ، وابن السنى (٧٤٣) الشطر الثانى فقط ، كلهم من طريق محمد بن عجلان عن سعيد
المقبرى، عن أبى هريرة به، وصححه الشيخ الألبانى فى الصحيحة (٧٨) وغيرها، وله ألفاظ
أخر عند أحمد (٤٣٢،١٢٤/٢) وابن السنى (٣٧٥)، والحاكم (٥٥٠/١) انظرها فى الصحيحة.
( ٩٣)

أقول: أى من جلس مجلسا لم يذكر الله فيه - أى فى ذلك المجلس - كانت عليه من
الله ترة، أى: نقص. أصله من وَتَّرَ بَتِرُ تِرَةٌ ، مثل: وعد يعد عِدة، ومنه قوله تعالى:
﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾(١).
قال الزمخشرى : "من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم، وحقيقته
أفردتَه من قريبه أو ماله من الوتر ، وهو الفرد، فشبه إضاعة عمل العامل ، وتعطيل ثوابه
بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام، ومنه قوله - عليه السلام - : "من فاتته صلاةُ
العصر فكأنما وُتِرَ أهلُه ومالُه"(٢) أى أفرد عنهما قتلا ونهبا"(٣). وأشار
- عليه السلام - بذلك إلى أنه على العبد أن يستغرق جميع أوقاته فى جميع أحواله بذکر
الله تعالى، ولا يفتُرُ عنه ، فإن تَرْكَهُ حسرة وندامة .
وقوله : "لم يذكر الله فيه" يجوز أن يقرأ على البناء للمفعول، على أن تكون هذه الجملة
صفة لقوله : "مقعدا" بأن يكون ذلك المجلس محتويا على فسق ومعصية ، ولم يذكر فيه
الله عز وجل ، والأشهر أن يقرأ على البناء للفاعل، فتكون (٤) الجملة حالا، وقد علم أن
المضارع المنفى إذا وقع حالا يكون بالواو وبالضمير ، وهاهنا بالضمير .
قوله : "مضجعا" المضجع : موضع النوم، من الاضطجاع وهو النوم .
قوله : "خرجه أبو داود" وهو سليمان بن الأشعث السجستانى / ٤٩ / صاحب السنن.
(١) سورة محمد (٣٥) .
(٢) مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب التغليظ فى تفويت صلاة العصر
(٢٠١،٢٠٠/٦٢٦) والبخارى: كتاب "مواقيت الصلاة، باب إثم من فاتته صلاة العصر
(٥٥٢) بلفظ : "الذى تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" من حديث ابن عمر .
(٢) انظر تفسير الكشاف (٣٣٠/٤).
(٤) فى الأصل : "فيكون" خطأ .
( ٩٤ )

[قال شيخ الإسلام :]
١- فصل(١)
٦ - فى "الصحيحين" عن أبى هريرة، أن رسول الله وَ﴾ قال: "مَن قَالَ لا إله إلا الله،
وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كلُّ شىءٍ قَديرٌ فى يوم مائة مرةٍ ،
كانت له عِدلَ عَشْرَ رِقَابٍ، وكُتِبت(٢) له مائةُ حَسنةٍ، ومُحِيتْ عنه مائةُ سيئةٍ ،
وكانت له حرزًا من الشيطانِ يومَه ذلك حتى يُمْسِى، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به
إلا رجلٌ عَمِلَ أكثَر منه" .
٧ - وقال: "من قال سُبحانَ اللهِ وبحمدهِ فى يومٍ مائةَ مرةٍ، حُطَّتْ عنهُ خَطَايَاهُ، وإن
كانت مِثْلَ زَبَدِ البحرِ "(٣) .
أقول : الفصل من فصلت بين الشيئين إذا فرقت بينهما، وهو الحاجز بين الحكمين،
فهو مهما فصل لا ينون ، ومهما وصل ينون ، لأن الإعراب يكون بعد العقد
والتركيب .
قوله : "فى الصحيحين" أى: جاء فى صحيحى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة
- ◌ُه -، أن رسول الله : ﴿ قال: "من قال لا إله إلا الله" إلى آخره، أخرجه فى
"الموطأ" ، والترمذى مثله أيضا .
(١) فى "ج" و "هـ" : "فصل فى التحميد والتهليل والتسبيح".
(٢) فى الأصل : "وكتب" وما أثبتناه من مصادر التخريج ..
(٣) البخارى مفرقا، فروى الجزء الأول فى كتاب الدعوات، باب فضل التهليل (٦٤٠٣) والجزء
الثانى فى كتاب الدعوات ، باب فضل التسبيح (٦٤٠٥) ورواه مسلم جميعا فى كتاب الذكر
والدعاء، باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٢٨/٢٦٩١). ورواه الترمذى كذلك مفرقا،
فروى الجزء الأول منه فى كتاب الدعوات، باب (٦٠) رقم (٣٤٦٨) والجزء الثانى رقم
(٣٤٦٦) ومالك فى كتاب القرآن ، باب ما جاء فى ذكر الله (٢٠).
( ٩٥)

قوله : "لا إله إلا الله" فيه بحث عظيم. اعلم أن هذا كلمة التوحيد بالإجماع،
وهى مشتملة على النفى والإثبات ، فقوله: "لا إله" نفى للألوهية عن غير الله،
وقوله : "إلا الله" إثبات للألوهية الله تعالى، وبهاتين الصفتين صارت كلمة الشهادة
والتوحيد . وقد قيل أن الاستثناء من النفى إثبات ، ومن الإثبات نفى . وأبو حنيفة يقول :
الاستثناء من النفى ليس بإثبات، واستدل بقوله - عليه السلام -: "لا نكاح إلا بولى"(١)
و "لا صلاة إلا بطهور"(٢) فإنه لا يجب تحقق النكاح عند الولى، / ٥٠٪ ولا يحب
تحقق الصلاة عند الطهور ، ولتوقفه على شرائط أخر، وأوردوا عليه بأنه على هذا التقدير
لا تكون كلمة التوحيد توحيدا تاما، لأنه يكون المراد منها نفى الألوهية عن غير الله،
ولا يلزم إثبات الألوهية الله تعالى، وهذا ليس بتوحيد، والجواب عن هذا أن معظم
الكفار كانوا أشركوا وفى عقولهم وجود الإله ثابت ، فسيق لنفى الغير، ثم يلزم منه
وجوده تعالى ، ثم الكلام فى هذا الاستثناء أن "إلا" هنا بمعنى غير، وخبر "لا" التى لنفى
الجنس محذوف تقديره : لا إله موجود غير الله، ولهذا لم ينصب إلا "الله"، لأن المستثنى
إنما ينتصب إما وجوبا وإما جوازًا فى مواضع مخصوصة، وقد عرف فى موضعه، وأما
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب النكاح، باب فى الولى (٢٠٨٥)، والترمذى فى كتاب النكاح،
باب ما جاء "لا نكاح إلا بولي" (١١٠١)، وابن ماجه فى كتاب النكاح، باب "لا نكاح
إلا بولى" (١٨٨١) وأحمد (٣٩٤/٤، ٤١٣، ٤١٨)، وابن حبان (٤٠٧٦/٩، ٤٠٧٧،
٤٠٧٨، ٤٠٨٣، ٤٠٩٠) والحاكم (١٦٩/٢: ١٧٢) من حديث أبى موسى الأشعرى، وقال
الحاكم: "قد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي ومليّ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش" ثم
سرد تمام ثلاثين صحابيا ، وانظر كلامه وكلام الترمذى على الحديث فإنه مهم مفيد فى بابه ،
وصححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (١٨٣٩).
(٢) قال الحافظ فى التلخيص (١٣٨/١) باب الأحداث: لم أر هذا الحديث بهذا اللفظ، نعم، روى
الترمذى (١) من حديث ابن عمر "لا يقبل صلاة إلا بطهور"، وأصله فى صحيح مسلم (٢٢٤)
بلفظ : "لا يقبل صلاة بغير طهور" .
( ٩٦ )

"إلا" إذا كانت للصفة لم يجب النصب ، فيتبع الموصوف، والموصوف هنا مرفوع، وهو
"موجود" ، فيتبع المستثنى موصوفه .
قوله : "وحده" نصب على الحال، تقديره: ينفرد وحده، فإن قيل: شرط الحال أن
يكون نكرة، وهذا معرفة. قلت : لما دل الدليل على عدم جواز وقوع الحال معرفة
احتاج مثل هذا إلى تأويل ، وتأويله ما قلنا، فلما حذف الفعل قيل أن هذا حال على
سبيل المجاز، تسمية للمعمول باسم العامل، وبهذا التأويل أول قول القائل: "وأرسلها
العراك" أى أرسل الجمال تعترك العراك ، وكذلك قولك: مررت به وحده، أى ينفرد
وحده .
قوله : "لاشريك له" تأكيد لقوله: "وحده" لأن الواحد لا يكون له شريك.
قوله : "له الملك" الملك بضم الميم يعم، والمِلك بكسر الميم يخص، ولذا قيل: المَلِك من
المُلك بالضم، والمالك من / ٥١ / المِلك بكسرها . وقيل: المالك أبلغ فى الوصف،
لأنه يقال : مالك الدار ، ومالك الدابة ، ولا يقال ملك إلا لملك من الملوك. وقيل: مَلك
أبلغ فى الوصف ، لأنك إذا قلت : فلان ملك هذه البلدة، يكون كناية عن الولاية دون
الملك، وإذا قلت : فلان مالك هذه البلدة كان ذلك عبارة عن ملك الحقيقة. وقال
قطرب : الفرق بينهما أن الَلِك مَلِكٌ من الملوك، وأما المالك فهو مالك الملوك . وقد فُسر
الملك فى القرآن على معانى مختلفة، والمعنى هاهنا "له الملك" له جميع أصناف
المخلوقات .
قوله : "وله الحمد" أى: جميع حمد أهل السماوات والأرض، وجميع المحامد التى تتعلق
بالأعيان والأعراض، بناء على أن "الألف واللام" للاستغراق عندنا، ولما كان الله - عز
وجل - مالك الملك كله، استحق أن تكون جميع المحامد له دون غيره ، فلا يجوز أن يحمد
غيره . وأما قولهم: "حمدت فلانا على صنيعه كذا" أو "حمدت الجوهرة على صفائها"
فذاك حمد للخالق فى الحقيقة، لأن حمد المخلوق على فعل أو صفة ، حمد للخالق فى
الحقيقة .
( ٩٧ )

قوله : "وهو على كل شىء قدير" من باب التتميم والتكميل، لأن الله - عز وجل -
لما كانت الوحدانية له، والملك له، والحمد له، فبالضرورة يكون قادرا على كل شىء،
وذكره يكون للتتميم والتكميل. "والقدير" اسم من أسماء الله تعالى كالقادر والمقتدر،
وله القدرة الكاملة الباهرة فى السموات والأرض .
قوله : "كانت له عدل عشر رقاب" أى مثل عتق عشر رقاب. والعدل بكسر العين مثل
الشىء يكون من جنسه، ومنه عدلا الحمل، لأن كل واحد منهما عُدِلَ بالآخر حتى
اعتدلا ، وبالفتح مثله(١) / ٥٢ / من غير جنسه، كأن المفتوح تسمية بالمصدر،
والمكسور بمعنى المفعول كالذبح ونحوه، ونحوهما: الحمل والحِمل .
قوله : "ومحيت" المحو: الإزالة، وانمحى أى: انطمس.
قوله : "وكانت له حرزًا" أى حصنا وحفظا من مضار الشيطان ووساوسه .
قوله : "حتى يمسى" أى: حتى يدخل فى المساء.
قوله: "ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به" أى: بشىء أفضل مما جاء به هذا
المهلل "إلا رجل عمل أكثر منه" .
فإن قلت : هذا الرجل الذى عمل أكثر منه الشرط فيه أن تكون الكثرة من جنس ما أتى
به المهلل أو من غير جنسه من الخيرات حتى يكون مثله؟ قلت : إطلاق الحديث يتناول
مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل أو من غيره ، ويحتمل أن يكون المراد الزيادة من
أعمال الخير ، لا من نفس التهليل .
واعلم أن هذا مشتمل على التهليل والتوحيد والتقديس والتمجيد والتحميد والتعظيم، أما
التهليل فقوله: "لا إله إلا الله"، وأما التوحيد فقوله: "وحده" ، وأما التقديس فقوله:
(١) مكررة فى الأصل .
( ٩٨ )

"لا شريك له" ، وأما التمجيد فقوله: "له الملك"، وأما التحميد فقوله: "وله الحمد"،
وأما التعظيم فقوله: "وهو على كل شىء قدير" ، فعلى هذا يكون هذا أفضل من حديث
التسبيح الذى يليه ، لما فيه من الحسنات ومحو السيئات، وفعل عتق الرقاب ، وكونه حرزا
من الشيطان ، زائدًا على فضل التسبيح .
فإن قلت : كيف يكون زائدًا على فضل التسبيح، وفى فضل التسبيح قال : "حطت
خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر"؟ قلت : فى حديث التهليل أيضا هذا مع ما ذكرنا
من الزوائد، لأنه قد ثبت أن من أعتق رقبة أعتق الله / ٥٣ / بكل عضو منها عضواً
منه من النار(١).
فقد حصل بعتق رقبة واحدة تكفير جميع الخطايا مع ما يقع له من زيادة عتق الرقاب،
الزائد على الواحدة، وهو أيضا مشتمل على اسم الله الأعظم، وهى كلمة الإخلاص .
فإن قيل: ما الحكمة فى تنصيصه على المائة ، فإذا زاد على المائة أو نقص، هل يحصل له
ما وعده رسول الله ﴿ أم لا؟ قلت: الظاهر أنه لا يحصل له هذا فى النقصان، وأما
الزيادة فلا يضر ، بل ينفع، ويكون له ثواب آخر على الزيادة ، وليس هذا من الحدود
التى نُهى عن اعتدائها ، ومجاوزة أعدادها(٢).
(١) رواه مسلم فى "صحيحه": كتاب العتق ، باب فضل العتق (٢٢/١٥٠٩) من حديث أبى هريرة
مرفوعًا: "من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا من أعضائه من النار، حتى فرجه
بفرجه" .
(٢) قال الحافظ فى الفتح (٣٢٩/٢): "مراعاة العدد المخصوص فى الأذكار معتبرة، وإلا لكان يمكن
أن يقال لهم: أضيفوا لها التهليل ثلاثا وثلاثين، وقد كان بعض العلماء يقول : إن الأعداد الواردة
كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص ، فزاد الآتى بها على العدد المذكور لا
يحصل له ذلك الثواب المخصوص ، لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت
بمجاوزة ذلك العدد. قال شيخنا الحافظ أبو الفضل فى "شرح الترمذى" : وفيه نظر ، لأنه أتى
بالمقدار الذى رتب الثواب على الإتيان به ، فحصل له الثواب بذلك ، فإذا زاد عليه من جنسه ،
( ٩٩ )