Indexed OCR Text

Pages 321-340

الحديث أخرجه النسائي وأحمد وابن حبان والطبراني في الكبير كما قال المصنف
رحمه الله، وهو من حديث أبي سلمى رضي الله عنه راعي رسول الله وَلقر قال: [ سمعت
رسول الله وَلا يقول: بخ بخ إلخ ] وصححه ابن حبان ، وأخرجه أيضاً الحاكم من حديثه
ورجال أحمد والطبراني رجال الصحيح ، وأخرجه أيضاً البزار من حديث ثوبان وحسن
إسناده . قال في مجمع الزوائد إلا أن شيخه العباس بن عبد العظيم القاساني (١) لم أعرفه،
وأخرجه الطبراني عن أبي سلمى راعي رسول الله وَّر من طريقين . قال في مجمع الزوائد
ورجال أحدهما(٢) ثقات وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط من حديث سفينة ، ورجاله
رجال الصحيح ، فهذا الحديث مرويّ من طريق ثوبان ، ومن طريق أبي سلمى راعي رسول
اللّه ◌َلر، ومن طريق سفينة، ومن طريق مولى لرسول الله وَ له وقد قيل إن هذا المولى هو
ثوبان ( قوله بخ بخ ) يروى بفتح الباء الموحدة وسكون الخاء على أنه مبنيّ ، ويروى
بالتنوين فيهما ، ويروي بتنوين الأولى ، وسكون الثانية ، ويروى بالعكس ، وهي كلمة تقال
عند إرادة المبالغة في الشيء ، وقد تقال عند الرضا بالشيء ( قوله فيحتسبه ) أي يحتسب
الأجر فيه .
((إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلَالِ اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلاَّ
آللَّهُ، يَتَعَطَّفْنَ حَوْلَ الْعَرْشِِ لَهُنَّ دَوِيٌّ كَدَوِيٍّ النَّحْلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا أَمَا(٣) يَحِبُّ
أَحَدُكُمْ أَنْ لَ یَزَالَ مِمَّنْ یُذَكَّرُ بِهِ » ( ق ، مس ) .
الحديث أخرجه ابن ماجه والحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو
من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله رَّير: إن مما تذكرون من
جلال الله التسبيح والتحميد والتهليل الحديث إلخ)) قال الحاكم صحيح على شرط مسلم ،
وأخرجه أيضاً من حديثه ابن أبي الدنيا ( قوله يتعطفنّ ) أي يدرن حول العرش ( قوله لهنّ
دوتيّ ) بفتح الدال المهملة أي صوت ليس بالعالي ، بل كصوت النحل ، وهذا من الأدلة
التي تدلّ على أن الأعمال يصير لها صوت يدرك ، وقد قدّمنا الإِشارة إلى هذا ( قوله تذكر
بصاحبها ) بتشديد الكاف أي يكون منها هذا الدويّ حول العرش لأجل التذكير في المقام
الأعلى بقائلها ، ولهذا قال ◌َ* في آخر الحديث: أما يحب أحدكم أن لا يزال ممن يذكر
به .
(١) بفتح قاف وسين مهملة اهـ مغني .
(٢) في نسخة : ورجالهما اهـ .
(٣) في نسخة من نسخ المتن : ألا إلخ اهـ .
٣٢١

((اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ: اللَّهُ أَكْبَرُ ، وَلَ إِلهَ إِلَّ اللَّهُ، وَسُبْحَانَ
اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ)) (س ، حب ) .
الحديث أخرجه النسائي وابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ((إن رسول الله وَّر قال: استكثروا من الباقيات
الصالحات . قيل : وما هنّ يا رسول الله ؟ قال: التهليل والتكبير والتسبيح والحمد لله(١)
ولا حول ولا قوّة إلا بالله )) هذا لفظ النسائي وصححه ابن حبان وأخرجه أحمد وأبو يعلى
والحاكم ، وقال صحيح الإسناد ، وقد تقدّم ذكر الأحاديث المصرّحة بأن هذه الكلمات هي
الباقيات الصالحات ، وهذا الحديث من جملتها .
(( وَقَالَ لَّهِ لِأَّبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللَّهِ ، فَإِنَّهَا كَنْزٌ مِنْ
كُنُوزِ الجَنَّةِ )) (ع ) .
الحديث أخرجه الجماعة : البخاري ومسلم ، وأهل السنن الأربع كما قال المصنف
رحمه الله، وهو من حديث أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه ((أنّ النبيّ وَّ قال له : قل
لا حول ولا قوة إلا بالله إلخ )» وأخرجه ابن ماجه وابن أبي الدنيا ، وابن حبان في صحيحه من
حديث أبي ذرّ رضي الله عنه قال: ((كنت أمشي خلف النبيّ وَّ فقال لي يا أبا ذرّ ألا أدلك
على كنز من كنوز الجنة ؟ قلت : بلى ، قال : قل لا حول ولا قوّة إلا بالله ( قوله كنز من
كنوز الجنة ) قال الخطابي معنى الكنز في هذا الحديث الأجر الذي يحرزه قائله والثواب
الذي يدّخر له فيه ( قوله لأبي موسى وغيره) هذا باعتبار مجموع الأحاديث الواردة في هذا
المعنی، وأمّا باعتبار حديث أبي موسى هذا فلم يقله إلا له.
(( بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ)) (أ، ط ).
الحديث أخرجه أحمد والطبراني في الكبير كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
حديث معاذ ((أن رسول الله ﴿ قال له ألا أدلك على باب من أبواب الجنة ؟ قال :
وما هو ؟ قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله)) قال المنذري: وإسنادهما صحيح إن شاء الله فإِنّ
عطاء بن السائب (٢) ثقة ، وقد حدث عنه حماد بن سلمة قبل اختلاطه ، وقال في مجمع
(١) في نسخة : والحمد فقط ، وفي المنذري كما في الأصل اهـ .
(٢) عطاء بن السائب أبو محمد ، ويقال أبو السائب الثقفي الكوفي ، صدوق اختلط ، من الخامسة . مات سنة ست
وثلاثين ، عن أنس ، وعنه الحمادان ويحيى القطان اهـ تقريب وتهذيب وخلاصه .
٣٢٢

الزوائد ، رواه أحمد والطبراني إلا أنه قال : ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ، ورجالهما
رجال الصحيح غير عطاء بن السائب ، وقد حدّث عنه حماد بن سلمة قبل الاختلاط ،
وأخرجه الحاكم وقال صحيح على شرطهما من حديث قيس بن سعد بن عبادة أنّ أباه دفعه
إلى النبيّ ◌ََّ(١) قال: ((فأتى عليّ نبيّ الله ◌َ ◌ّ وقد صليت ركعتين فضربني برجله وقال:
ألا أدلك على باب من أبواب الجنة ؟ قلت بلى ، قال لا حول ولا قوة إلا بالله)).
(((غِرَاسُ الجَنَّةِ )) (حب ) .
الحديث أخرجه ابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي أيوب
الأنصاري رضي الله عنه ((أنّ رسول الله و ليه ليلة أسري به مرّ على إبراهيم عليه السلام
فقال : من معك يا جبريل ؟ فقال(٢) محمد ، فقال له إبراهيم يا محمد مر أمتك فليكثروا من
غراس الجنة فإِن تربتها طيبة وأرضها واسعة ، قال وما غراس الجنة ؟ قال لا حول ولا قوّة إلا
بالله )) وصححه ابن حبان وأخرجه من حديثه أحمد بإسناد حسن وابن أبي الدنيا . قال في
مجمع الزوائد أخرجه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وهو ثقة لم يتكلم فيه أحد ، ووثقه
ابن حبان ، وأخرجه ابن أبي الدنيا، والطبراني من حديث ابن عمر قال: ((قال رسول
الله ◌َلثر: أكثروا من غراس الجنة فإِنها عذب ماؤها طيب(٣) ترابها فأكثروا من غراسها. قالوا
يا رسول الله وما غراسها؟ قال: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله)) وفي إسناد الطبراني
عليّ بن عقبة بن عليّ وهو ضعيف .
(( دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءَ أَيْسَرُها الْهَمُّ )) (مس، ط ) .
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك والطبراني كما قال المصنف رحمه الله ، وهو
من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وَله: لا حول ولا قوّة إلا بالله
دواء من تسعة وتسعين داء ، أيسرها الهمّ )) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في
الأوسط ، وفيه بشر بن رافع الحارثي وهو ضعيف وقد وثقوه وبقية رجاله رجال الصحيح إلا
أن النسخة من الطبراني الأوسط سقط منها عجلان والد محمد الذي بينه وبين أبي هريرة ،
(١) في المنذري : يخدمه اهـ منه .
(٢) في نسخة : قال اهـ .
(٣) في نسخة : وطيب اهـ
٣٢٣

وهكذا عزاه المنذري إلى الطبراني في الأوسط كما عزاه صاحب مجمع الزوائد فينظر في رمز
المصنف للطبراني في الكبير ، وقال الحاكم في المستدرك صحيح الإِسناد ، وقد تقدّم هذا
الحدیث وقدمنا شرحه .
(( وَهِيَ مَعَ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ)) (س، ز) .
الحديث أخرجه النسائي والبزار كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وليّ أكثروا من قول: لا حول ولا قوّة إلا
بالله، فإِنها كنزٌ من كنوز الجنة)) قال مكحول: ((فمن قال: لا حول ولا قوّة إلا بالله لا(١)
منجا من الله إلا إليه كشف الله عنه سبعين باباً من الضرّ أدناهنّ الفقر)) هذا لفظ الترمذي ،
وقال هذا حديث إسناده ليس بمتصل لأن مكحولاً لم يسمع من أبي هريرة ، ورواه النسائي
والبزار مطوّلاً، ورفع ((ولا منجا من الله إلا إليه)) قال المنذري رواته(٢) ثقات محتجّ بهم ،
ورواه الحاكم، وقال صحيح ولا علة له، ولفظه ((أن رسول الله و لتر قال: ألا أعلمك ، أو
ألا أدلك على كلمة من تحت العرش من كنز الجنة تقول لا حول ولا قوّة إلا بالله ، فيقول الله
أسلم عبدي واستسلم)) وفي رواية له وصححها قال يا أبا هريرة ((ألا أدلك على كلمة من
تحت العرش من كنز الجنة ؟ قلت بلى ، قال تقول : لا حول ولا قوّة إلا بالله ، ولا ملجأ ،
ولا منجا من الله إلا إليه)) ( قوله ولا منجا) هو ما تكون به النجاة * والملجأ ما يكون إليه
الإلتجاء ، وينبغي الجمع بين اللفظين كما وقع في رواية الحاكم .
((مَنْ قَالَ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِيناً، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ
الجَنَّةُ)) (س، م) .
الحديث أخرجه النسائي ومسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وإنما قدم المصنف هنا
رمز النسائي على رمز مسلم ، لأنّ اللفظ الذي ذكره هو لفظ النسائي ، وهو من حديث
أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه أن رسول الله وَّر قال: ((من قال رضيت بالله رباً،
وبالإِسلام ديناً، وبمحمد رسولاً، وجبت له الجنة)) هذا لفظ النسائي، ولفظ مسلم أنه وَه
قال: ((يا أبا سعيد من رضي بالله رباً وبالإِسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وجبت له الجنة
فتعجب لها أبو سعيد وقال أعدها يا رسول الله ففعل ، ثم قال وأخرى يرفع بها العبد مائة
(١) في المنذري : ولا اهـ .
(٢) لفظ المنذري: ورواتهما ثقات محتج بهم ورواه الحاكم وهو صحيح ولا علة له اهـ بلفظه .
٣٢٤

درجة في الجنة ما بين كل درجتين كما(١) بين السماء والأرض قال : وما هي يا رسول الله؟
قال الجهاد في سبيل الله))، وفي الحديث دليل على أن التكلم بهذا الذكر هو من موجبات
الجنة ، وقد تقدّم الحديث وتقدّم شرحه وذكرنا الجمع بين ما ورد بلفظ رسولاً ، ويلفظ
نبياً .
فَصْلُ الْإِسْتِغْفَارِ
(( قَالَ لَّهِ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ
فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) (م) .
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه قال: ((قال رسول الله ﴿ ﴿: والذي نفسي بيده إلخ))، وفي الحديث دليل على كثرة
وقوع الذنوب من بني آدم ، وأن من حاول أن لا يقع منه ذنب البتة فقد حاول ما لا يكون لأن
هذا أعني وقوع الذنب من هذا النوع الإِنساني هو الذي جبلوا عليه ، وقد خلقهم الله
تعالى ، وأمرهم بالخير والكف عن الشّرّ، ولكن ما في جبلتهم يأبى أن لا يقع منهم ذنب
لأن العصمة لا تكون إلا لمن أعطي النبوّة من بني آدم فلو أرادوا أنهم لا يذنبون أصلا راموا
ما ليس لهم ، وقد أطال شرّاح الحديث الكلام على معناه بما هو معروف ، وفيه الإِرشاد إلى
الاستغفار والترغيب فيه ، وأنه رافع للذنوب دافع للمأثم . وقد أرشدنا إلى ذلك الكتاب
العزيز كقوله سبحانه وتعالى - ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً
رحيماً - وقوله تعالى - والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم .
ومن يغفر الذنوب إلا الله - وقوله تعالى - وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون - .
(( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ ،
ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَّرَ لَكُمْ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُخْطِئُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ
يُخْطِئونَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُون فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) (أ. ص).
الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى الموصلي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله ﴿ يقول: والذي نفس
محمد بيده ، أو والذي نفسي بيده لو أخطأتم: الحديث إلخ )) قال في مجمع الزوائد رواه
أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات ، وأخرج أحمد والطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما
(١) في نسخة : ما اهـ .
٣٢٥

قال: ((قال رسول الله ( كفارة الذنب الندامة، وقال رسول الله وَ ل لو لم تذنبوا لجاء الله
بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم)) وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط من حديث
عبد الله بن عمرو قال ((قال رسول الله وَ ل﴿ لو لم تذنبوا لخلق الله خلقاً يذنبون فيستغفرون ،
ثم يغفر لهم)) وأخرجه أيضاً البزار ورجالهم ثقات وأخرج البزار من حديث أبي سعيد مثل
حديث أبي هريرة المتقدّم ، وفي إسناده يحيى بن كثير صاحب البصري وهو ضعيف ،
ومعنى هذا الحديث هو معنى الحديث الذي قبله ، وينبغي حمل الخطأ هنا على خلاف
الصواب لا على خلاف العمد فإِنه مغفور ، وقد قال هنا : يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم ،
فدلّ هذا على أنه وقع عن عمد من فاعله .
((مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرَّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ مِنَ الْإِسْتِغْفَارِ)) (طس ) .
الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
الزبير رضي الله عنه ((أن رسول الله و سلم قال: من أحبّ إلخ)) قال في مجمع الزوائد رواه
الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي أيضاً . قال المنذري بإِسناد لا بأس
به، وأخرج البزار من حديث أنس قال: ((قال رسول الله وَ لّ ما من حافظين يرفعان إلى الله
في يوم صحيفة فيرى تبارك وتعالى في أوّل الصحيفة ، وفي آخرها استغفاراً إلا قال تبارك
وتعالى قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة )) قال في مجمع الزوائد رواه البزار وفيه
تمام بن نجيح (١) وثقه ابن معين وغيره ، وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح،
وسيذكر المصنف هذا الحديث قريباً ( قوله من أحبّ أن تسرّه صحيفته ) يعني عند الاطلاع
عليها في يوم الحساب .
((مَنِ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ » (ت ) .
الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث ابن عمر
رضي الله عنهما قال: ((قال رسول الله وَّ ر ذات يوم لأصحابه قولوا: سبحان الله وبحمده
مائة مرّة من قالها مرّة كتبت له عشراً ، ومن قالها عشراً كتبت له مائة ، ومن قالها مائة كتبت له
ألفاً، ومن زاد زاده الله ، ومن استغفر الله غفر له)) هذا لفظ الترمذي ، وقد نقل المصنف
(١) تمام بن نجيح الأسدي الدمشقي نزيل حلب ضعيف ، من السابعة ، عن الحسن وعطاء وعمر بن عبد العزيز ، وعنه
إسماعيل بن عياش ، وبقية ، ضعفه أبو زرعة وابن عديّ ، وقال البخاري فيه نظر، ووثقه ابن معين اهـ تقريب
وخلاصه .
٣٢٦

هنا اللفظ المذکور في اخر الحدیث کما تراه . قال الترمذي بعد إخراجه حديث حسن
غريب ، وأخرجه أيضاً النسائي وقد ذكرنا هذا الحديث فيما تقدّم .
((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعْمَلُ ذَنْباً، إِلَّ وَقَفَ المَلَكُ المُؤَكَّلُ بِإِحْصَاءِ ذُنُوبِهِ ثَلاَثَ
سَاعَاتٍ ، فَإِنِ اسْتَغْفَرَّ اللَّهَ مِنْ ذَنْبِهِ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ تِلْكَ السَّاعَاتِ لَمْ يُوقِفْهُ عَلَيْهِ ،
وَلَمْ يُعَذَّبْ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » (مس ) .
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أم عصمة(١) العوصية رضي الله عنها، وكانت قد أدركت النبيّ ◌َّهر قالت [ قال رسول
الله ◌َ﴾ ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك الموكل بإِحصاء ذنوبه ثلاث ساعات ، فإن
استغفر الله من ذنبه ذلك ، الحديث إلخ ] قال الحاكم في المستدرك صحيح الإِسناد ،
وأخرجه من حديثها أيضاً الطبراني ، وفي إسناده أبو مهدي سعيد بن سنان وهو متروك ،
وأخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن رسول الله بملي قال: [ إن صاحب الشمال ليرفع
القلم ستّ ساعات عن العبد المسلم المخطىء أو المسيىء(٢) فإِن ندم واستغفر منها ألقاها
وإلا كتبت واحدة ] قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني بأسانيد رجال أحدها وثقوا ، وأخرج
الطبراني أيضاً من حديثه من وجه آخر قال [ قال رسول الله وَلهو صاحب اليمين أمين على
صاحب الشمال ، فإِذا عمل حسنةً أثبتها ، وإذا عمل سيئة قال له صاحب اليمين : امكث
ستّ ساعات ، فإِن استغفر لم تكتب عليه وإلا كتبت عليه ] قال في مجمع الزوائد ورجاله
وثقوا ، وأخرجه من وجه ثالث من حديث أبي أمامة بنحوه ، وفي إسناده جعفر بن الزبير وهو
كذاب ( قوله لم يوقفه عليه ) بالقاف وبعدها فاء أي لم يطلعه عليه هكذا في غالب النسخ ،
ووقع في نسخة بالعين المهملة بعد القاف من التوقيع أي لم يكتبه عليه ، وهذا أقوم معنى
لأن إيقاف العبد عليه ليس له كثير معنى ها هنا .
((إِنَّ إِبْلِيسَ قالَ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَعِزَّتِكَ وَجَلَاَلِكَ لَ أَبْرَحُ أَغْوِيٍ بَنِي آدَمَ
مَا دَامَتِ الأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَ أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ
مَا اسْتَغْفَرُونِي)) (أ، ص) .
الحديث أخرجه أحمد وأبو یعلی الموصلي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
(١) هو هكذا في الحصن الحصين وأسد الغابة : أمّ عصمة اهـ .
(٢) في نسخة : المخطىء المسيء اهـ .
٣٢٧

حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال [ سمعت رسول الله وَ لير يقول : إن إبليس قال
لربه الحديث إلخ ] قال في مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه ، وقال [ لا أبرح
أغوي عبادك ] والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح ، وكذا أحد
إسنادي أبي يعلى ، وأخرجه الحاكم من حديثه في المستدرك ، وقال صحيح الإسناد ، وفيه
نظر ، فإِن في إسناده درّاجاً ، وفي الحديث دليل على أن الاستغفار يدفع ما وقع من الذنوب
بإغواء الشيطان وتزيينه ، وأنها لا تزال المغفرة كائنة لهم ما داموا يستغفرون ، وأخرج
أبو يعلى من حديث أبي بكر رضي الله عنه عن النبيّ وَ ◌ّ ر قال: [ عليكم بلا إله إلا الله
والاستغفار ، فإِن إبليس قال : أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار
فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالإِغواء والأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون ] وفي إسناده
عثمان بن مطر، وهو ضعيف .
(( وَتَقَدَّمَ سَيِّدُ الْإِسْتِغْفَارِ )) فِي الْبَابِ الثَّالِثِ:
أقول قد ذكره في موضعين هنالك وشرحناه وهو ثابت في الصحيحين وغيرهما ، وقد
بينا هنالك الوجه في تسميته سيد الاستغفار .
((مَا مِنْ حَافِظَيْنِ يَرْفَعَانِ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ صَحِيفَةً ، فيرَى فِي أَوَّلِ
الصَّحِيفَةِ وَفِي آخِرِهَا اسْتِغْفَاراً، إِلَّ قالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَّى قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي مَا بَيْنَ
طَرَفَيْ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)) (ز) .
الحديث أخرجه البزار كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أنس رضي الله
عنه قال: [ قال رسول الله وَ﴿ ما من حافظين يرفعان الحديث إلخ ] قال في مجمع الزوائد
وفي إسناده تمام بن نجيح وثقه ابن معين وغيره وضعفه البخاري وبقية رجاله رجال
الصحيح ، وكان يحسن من المصنف رحمه الله أن يجعل هذا الحديث والذي بعده متصلين
بحديث [ من أحبّ أن تسرّه صحيفته فليكثر فيها من الاستغفار] ولهذا قدّمنا ذكر هذا
الحديث هنالك ، وفيه دليل على مشروعية الإِكثار من الاستغفار ، لأنه سبحانه وتعالى عند
عرض الملائكة لصحائف أعمال عباده عليه يغفر لصاحب الصحيفة بمجرّد وقوع كتب
الاستغفار في أوّلها ، وفي آخرها ، وينبغي أيضاً أن يكون الاستغفار عنوان الأعمال التي
يخشى العبد من عقابها كما ينبغي أن يكون في خاتمتها .
٣٢٨

((طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَاراً كَثِيراً)» (ق) .
الحديث أخرجه ابن ماجه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عبد الله بن
بشر رضي الله عنه قال: [ سمعت رسول الله وَّير يقول: طوبى لمن وجد في صحيفته
استغفاراً كثيراً، وإسناد ابن ماجه صحيح ، وهكذا صححه المنذري وغيره ( قوله استغفاراً
كثيراً) هكذا في نسخ هذا الكتاب بنصب استغفاراً على أنه مفعول به وأن الفعل وهو وجد
مبنيّ للمعلوم ، وفي غير هذا الكتاب برفع استغفار على أن الفعل مبنيّ للمجهول ، وهذا
أقوى وأولى لأن المقصود وجود ذلك في الصحيفة لأيّ واحد كان من ملك أو بشر ، لا وجود
ذلك لصاحب الصحيفة نفسه ، وإن كان لا بدّ أن يجدها يوم الحساب .
(( مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ
حَسَنَةٍ )) (ط ) .
الحديث أخرجه الطبراني في الكبير كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((سمعت رسول الله وسلم يقول: من استغفر للمؤمنين
والمؤمنات الحديث إلخ)) قال في مجمع الزوائد وإسناده جيد ، وأخرج الطبراني أيضاً من
حديث أمّ سلمة رضي الله عنها قالت ((قال رسول الله وَّر من قال كل يوم: اللهمّ اغفر لي
وللمؤمنين والمؤمنات ألحق به من كل مؤمن حسنة ، وفي إسناده أبو أمية بن يعلى وهو
ضعيف، وأخرج الطبراني أيضاً من حديث أبي هريرة قال ((قال رسول الله وي ليه من لم يكن
عنده مال يتصدّق به فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنها صدقة )) قال الهيثمي في مجمع
الزوائد فيه من لم أعرفه ، وفي الحديث دليل على أنها تلحق بالمؤمن في استغفاره للمؤمنين
والمؤمنات حسنات بعدد من استغفر له، فإن كانوا جماعة محصورين كانت له حسنات
محصورة على عددهم، ومن أراد الاستكثار من فضل الله من الحسنات، فليقل ((اللهمّ
اغفر للمؤمنين والمؤمنات فإنه يكتب له من الحسنات ما لا يحيط به حصر ولا يتصوّره فكر ،
وفضل الله واسع )) .
((وَتَّقَدَّمَ فِي الْبَابِ الثَّانِي: مَن اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ كُلَّ يَوْمٍ
الحَدِيث إلخ )).
الحدیث قد تقدّم کما أشار إليه المصنف ، وقد قدّمنا الكلام علیه ، وهو من حديث
أبي الدرداء رضي الله عنه قال ((سمعت رسول الله وسلم يقول: من استغفر للمؤمنين
والمؤمنات كل يوم سبعاً وعشرين مرّة أو خمساً وعشرين مرّة أحد العددين كان من الذين
٣٢٩

يستجاب لهم ويرزق بهم أهل الأرض )) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني وفيه عثمان بن
أبي العاتكة(١)، وقال فيه حديث عن أمّ الدرداء ، وعثمان هذا وثقه غير واحد ، وضعفه
الجمهور وبقية رجاله المسمين ثقات ، وهذا العدد المنصوص عليه ليس لنا أن نكشف عن
العلة التي يعلل بها أو نطلب وجه الحكمة فيه فإِن ذلك سرّ من أسرار النبوّة ليس لنا أن نقدم
علی تفسيره وبیان وجهه وحكمته بدون برهان.
(( وَتَقَدَّمَ : مَنْ لَزِمَ الْإِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقِ مَخْرَجاً الحَدِيثُ في
الْبَابِ الثَّامِنِ وَتَقَدَّمَ قَبْلَهُ أَيْضاً حَدِيثُ الَّذِي شَكَا إِلَيْهِ ذَرَبَ لِسَانِهِ ، فَقَالَ: أَيْنَ أَنْتَ
مِنَ الْإِسْتِغْفارِ )»؟ ( مس) .
الحديثان تقدّما في الباب الثامن كما قال المصنف رحمه الله ، وقد قدّمنا شرحهما
حيث ذكرهما ووقع في النسخ رمز الحاكم في المستدرك بعد حديث الذي شكا إليه ذرب
لسانه ، ولم يرمز في الأوّل، وقد قدّمنا أنه أخرج الحديث الأوّل أبو داود والنسائي وابن ماجه
من حديث ابن عباس وأنه أخرج الحديث الثاني النسائي وابن ماجه والحاكم في
المستدرك ، وقال صحيح على شرط مسلم من حديث حذيفة ، وأخرجه أيضاً الطبراني من
حديث أنس بزيادة ، ولفظه ((أنه جاء رجل إلى النبيّ ﴿ فقال يا رسول الله إني رجل ذرب
اللسان وأكثر من ذلك على أهلي ، فقال رسول الله ومن أين أنت من الاستغفار إني أستغفر
الله في اليوم والليلة مائة مرّة )) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما
رجال الصحيح ، وقد رمز المصنف في الباب الثامن لحديث ذرب اللسان للنسائي والحاكم
في المستدرك فما كان ينبغي له هنا أن يقتصر على الرمز للحاكم كما تراه .
(( وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَدُنَا يُذْنِبُ؟ قَالَ: يُكْتَبُ عَلَيْهِ . قَالَ : ثُمَّ
يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَيَتُوبُ؟ قَالَ: يُغْفَرُ لَهُ، وَيُتَابُ عَلَيْهِ ، قَالَ: فَيَعُوذُ فَيُذْنِبُ ؟ قَالَ :
يُكْتَبُ عَلَيْهِ ، قَالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنْهُ وَيَتُوبُ؟ قَالَ: يُغْفَرُ لَهُ، وَيُتَابُ عَلَيْهِ ، وَلاَ يَمَلُّ
اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا)) ( طس ، ط ) .
الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والكبير كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه ((أن رجلاً جاء إلى النبيّ ◌َ ه فقال يا رسول الله أحدنا
(١) عثمان بن أبي العاتكة بكسر مثناة فوق وبكاف أهـ مغني، وهكذا في التقريب ابن أبي العاتكة والله أعلم وكذا في
الطبقات اهـ .
٣٣٠

يذنب قال: الحديث إلخ)) قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير والأوسط بإسناد
حسن، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((جاء
خبيب بن الحرث إلى رسول الله ### فقال يا رسول الله إني أتوب ثم أعود، قال كلما أذنبت
فتب ، قال يا رسول الله إذن تكثر ذنوبي ، قال عفو الله أكثر من الذنب يا خبيب بن الحرث))
وفي إسناده نوح بن ذكوان، وهو ضعيف، وأخرج البزار من حديث أنس قال: (( جاء رجل
إلى رسول الله ◌ّله فقال يا رسول الله إني لأذنب، فقال رسول الله و لتر إذا أذنبت فاستغفر
ربك . قال : فإني استغفر ثم أعود فأذنب . قال إذا أذنبت فعد فاستغفر ربك(١) فقال إني
لأستغفره(٢) ثم أعود فأذنب . قال إذا أذنبت فعد فاستغفر ربك فقالها في الرابعة ، فقال
استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور)» وفي إسناده بشار بن الحكم الضبي ضعفه
غير واحد ، وقيل لا بأس به ، وبقية رجاله ثقات ، وهذه الأحاديث فيها دليل على أن الله
سبحانه وتعالى يقبل استغفار من عاد إلى الذنب غير مرّة إذا عاود الاستغفار ، وهذه بشارة
جليلة ينبغي أن يفرح بها عباد الله ويحمدوا الله عليها على سعة رحمته ولطفه بعباده .
((يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ
مِنْكَ وَلَ أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ : لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَتِي، غَفَرْتُ
لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلاَ أُبَالِي)) (ت ) .
الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أنس رضي
الله عنه قال: ((سمعت رسول الله وَّيه يقول: قال الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني
الحديث إلخ)) وزاد في آخره (( يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني
لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة)) قال الترمذي: حديث حسن غريب . ( قوله عنان
السماء ) بفتح العين المهملة وهو السحاب وأحدها عنانة ، وقيل ما عنّ لك وظهر إذا رفعت
رأسك، وقوله بقراب(٣) بضمّ القاف وهو ما يقارب ملأها، وفي الحديث دليل على سعة
رحمة الله تعالى بعباده ، وأن العبد إذا كان يدعو الله سبحانه وتعالى ويرجوه غفر له ، وأنه إذا
(١) لم يوجد في نسخة لفظ ربك اهـ .
(٢) لم يوجد الضمير في نسخة اهـ .
(٣) في المصباح ما لفظه: والقراب بالكسر مصدر قارب الأمر إذا داناه ، ويقال لو أن بي قراب هذا ذهباً أي ما يقارب
ملأه، ولو جاء بقراب الأرض بالكسر أيضاً أي ما يقاربها انتهى المراد ، وفي القاموس ما لفظه : وقراب الشيء .
بالكسر وقرابه وقرابته بضمها ما قارب قدره انتهى المراد .
٣٣١

قال أستغفر الله تعالى بعد استكثاره من الذنوب وبلوغها إلى حدّ لا يمكن حصره ولا الوقوف
على قدره غفرها له ، فانظر إلى هذا الكرم الفائض والجود المتتابع ، بل ورد ما يدلّ على أن
العبد إذا أذنب ، فعلم أن الله تعالی إن شاء أن يعذبه عذبه ، وإن شاء أن يغفر له غفر له كان
ذلك بمجرّده موجباً للمغفرة من الله سبحانه وتعالى تفضلاً منه ورحمة كما في حديث أنس
رضي الله عنه عند الطبراني في الأوسط قال ((قال رسول الله صل﴿ من أذنب ذنباً فعلم أنّ الله
عزّ وجلّ إن شاء عذبه ، وإن شاء غفر له كان حقاً على الله أن يغفر له )) وفي إسناده جابر بن
مرزوق الجدّيّ(١) وهو ضعيف ، بل ورد أن مجرّد علم العبد أن الله قد اطلع على ذنبه يكون
سبباً للمغفرة كما أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال :
((قال رسول الله وَل﴿ من أذنب ذنباً فعلم أن الله قد اطلع عليه غفر له وان لم يستغفر)) وفي
إسناده إبراهيم بن هراسة(٢) وهو متروك ، ومثل هذا غير مستبعد من الفضل الرّباني ،
والتطوّل الرّحماني ، فهو الذي يغفر ولا يبالي ، ويعطي بغير حساب ، وليس لمن وهب الله
له نصيباً من العلم ، وحظاً من الحكمة أن يقنط عباد الله ، ويباعدهم من حسن الرّجاء ،
وجميل الظنّ .
(( مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَ إِلهَ إِلَّ هُوَ الحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ ،
وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ (د، ت) ثَلاَثَ مَرَّاتٍ (ت، حب) وَخَمْسَ (٣) مَرَّاتٍ
غُفِرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ زَبَدِ الْبَحْرِ )) (مص) .
الحديث أخرجه أبو داود والترمذيّ ، وابن حبان ، وابن أبي شيبة في مصنفه كما قال
المصنف رحمه الله ، وهو من حديث بلال بن يسار بن زيد قال حدثني أبي عن جدّي أنه
سمع رسول الله وَير يقول: ((من قال أستغفر الله الحديث إلخ)) قال الترمذي حديث
غريب (٤) لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وقال المنذري إسناده جيد متصل فقد ذكر البخاري
في تاريخه الكبير أنّ بلالاً سمع من أبيه يسار وأن يساراً سمع من أبيه زيد مولى رسول
(١) لم يوجد في التقريب ولا في الطبقات ، وفي المغني في باب الجيم ما لفظه : الجدي بجيم بمضمومة وشدة دال
منه عبد الملك بن إبراهيم انتهى، وفي الميزان ما لفظه: جابر بن مرزوق الجدي عن عبد الله العمري الزاهد متهم
حدث عنه قتيبة بن سعيد بما لا يشبه حديث الثقات . قاله ابن حبان ا هـ مختصراً .
(٢) بكسر هاء وبفتح راء وبمهملة اهـ مغني .
(٣) وفي نسخة : بدون واواهـ وكذا في الحصن اهـ .
(٤) في نسخة حسن غريب ، وفي المنذري كما في الأصل اهـ .
٣٣٢

الله ◌َ، وقد اختلف في يسار والد بلال هل هو بالباء الموحدة أو بالمثناة من تحت ، وذكر
البخاري في تاريخه أنه بالباء الموحدة ، وأخرجه الترمذي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه ،
وقال فيه ثلاث مرات ، وأخرجه الحاكم من حديث ابن مسعود وذكر هذه الزيادة أعني ثلاث
مرات كما ذكرها أبو سعيد في حديثه وقال صحيح على شرط الشيخين، وزاد ابن شيبة ما ذكره
المصنف من قوله خمس مرات ، وقوله: ((وإن كان عليه مثل زبد البحر)) من حديث أبي
سعيد ، ورواه الطبراني أيضاً من حديث ابن مسعود بإسناد رجاله ثقات قال: ((لا يقول رجل
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيّ القيوم وأتوب إليه إلا غفر له، وإن كان فرّ من الزحف »
وفي الحديث دليل على أن الاستغفار يمحو الذنوب سواء كانت كبائر أو صغائر ، فإن الفرار من
الزحف من الكبائر بلا خلاف .
(( قالَ وَه ◌ِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً (ط، طس) أَكْثَرَ
مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةٍ (خ ) مِائَةَ مَرَّةٍ )) ( مص ، طس ، ص) .
الحديث أخرجه البخاري والطبراني في الكبير والأوسط وأبو يعلى الموصلي
وابن أبي شيبة في مصنفه كما قال المصنف رحمه الله ، أمّا لفظ السبعين مرة فأخرجه
الطبراني في الأوسط والكبير وأبو يعلى والبزار من حديث أنس قال: ((قال رسول الله الخير
إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة )) وفي رواية (( إني لأتوب مكان لأستغفر)) وقد حسن
الهيثمي إسناد الطبراني ، وقال ان إسناد أبي يعلى والطبراني رجاله رجال الصحيح ، وأمّا
قوله أكثر من سبعين مرّة ، فأخرجها البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
((سمعت رسول الله وسلم يقول: والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين
مرّة )) وأخرجه من حديثه النسائي وابن ماجه وأخرجه من حديثه الطبراني في الأوسط قال :
((قال رسول الله وَله إني لأستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة)) وفي رواية منه له ((أكثر من
سبعين مرّة)) وفي رواية أخرى منه له (( مائة مرة )) قال في مجمع الزوائد رواها كلها الطبراني
في الأوسط وأسانيدها حسنة ، وهذه الرواية الثالثة هي التي أشار إليها المصنف رحمه الله
وعزاها إلى الطبراني في الأوسط وابن أبي شيبة ، وينبغي الأخذ بالأكثر ، وهو رواية المائة ،
فيقول في كل يوم : أستغفر الله وأتوب إليه مائة مرّة ، فإِن قال اللهمّ إني أستغفرك فاغفر
لي ، وأتوب إليك فتب عليّ ، فقد أخذ بطرفي الطلب ، والله سبحانه وتعالى غافر الذنب
قابل التوب .
٣٣٣

((إِنَّه لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) (م) .
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث الأغرّ المزني ،
وكانت له صحبة صحبة [ أن النبيّ ◌َّي﴿ قال: إنه ليغان على قلبي الحديث إلخ ] وأخرجه
أيضاً أبو داود والنسائي ( قوله ليغان ) بالغين المعجمة مبنياً للمجهول ، والغين هو الغيم
الذي يكون في السماء كما قال أبو عبيد وغيره عن أئمة اللغة ، والمراد هنا ما يغشى القلب
ويغطيه ، قيل والمراد به هنا ما يعرض من غفلات القلوب عن مداومة الذكر ، وقيل هو غشاء
رقيق دون الغيم ، والغيم فوقه ، والران المذكور في قوله تعالى - كلا بل ران على قلوبهم -
هو فوق الغين لأنه الطبع والتغطية * والحاصل أن المراد هنا ما يعرض من الغفلة والسهو
الذي لا يخلو منه البشر، وقد قال رَلي فيما صح عنه [ إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ،
فإِذا نسيت فذكروني]، وإنما أستغفر منه و ﴿ وإن لم يكن ذنباً، لعلوّ مرتبته وارتفاع منزلته
حتى كأنه لا ينبغي له أن يغفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى في وقت من الأوقات .
((إِنْ(١) كُتَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِوَهِ فِي المَجْلِسِ الْوَاحِدِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ
عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ مِائَةَ مَرَّةٍ)) ( د، حب) .
الحديث أخرجه أبو داود وابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما قال: [ إن كنا لنعدٌ لرسول الله وَّر الحديث إلخ ] وصححه
ابن حبان ، وأخرجه أيضاً الترمذي، وقال حسن صحيح غريب ، ولفظه [ إنك أنت التّاب
الرَّحيم(٢) ] وأخرجه من حديثه النسائي أيضاً وابن ماجة بلفظ الترمذي، وفي رواية للنسائي
[اللهم اغفر لي وارحمني، وتب عليّ إنك أنت التّاب الغفور] ومما ورد في الاستغفار الحديث
الطويل الذي أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ذرّ عن رسول الله وَلاغير أنه قال: [يقول الله
عزّ وجلّ: يا بني آدم كلكم مذنب إلا من عافيت(٢) فاستغفروني أغفر لكم الحديث] ومنه
حديث أبي هريرة عن رسول الله وَ ر قال: [إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت (٤) في قلبه نكتة،
فإن هو نزع(٥) عنها واستغفر صقلت، فإن عاد زيد فيها حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكر
(١) كذا في الحصن ، وفي نسخة من نسخ المتن : إنا كنا وما يأتي في الشرح مخالف لذلك اهـ .
(٢) في الترمذي : الغفور اهـ .
(٣) في نسخة : عافيته اهـ .
(٤) في المنذري نكتت في قلبه نكتة ، فإن هو نزع واستغفر صقلت ، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، فذلك الران
الذي ذكره الله إلخ اهـ بلفظه .
(٥) في نسخة : فإن نزع إلخ اهـ .
٣٣٤

الله تعالی ۔ كلا بل ران على قلوبهم ما کانوا یکسبون] رواه الترمذي، وقال حديث حسن
صحیح، والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم، وقال صحيح على شرط مسلم،
وأخرج البيهقي من حديث أنس رضي الله عنه [ أن رسول الله و لإر قال: إن للقلوب صدأ
كصدإ النحاس وجلاؤها الإستغفار] وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه
وابن حبان في صحيحه من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال : [ كنت رجلاً إذا
سمعت من رسول الله ﴿ حديثاً نفعني الله به ما شاء أن ينفعني به ، وإذا حدّثني أحد من
أصحاب رسول الله صل﴿ استحلفته، فإِذا حلف لي صدقته] قال: وحدّثني أبو بكر الصدّيق
رضي الله عنه وصدق أبو بكر أنه قال: [ سمعت رسول الله وسلم يقول : ما من عبد يذنب ذنباً
فيحسن الطهور ، ثم يقوم فيصلي ركعتين ، ثم يستغفر الله إلا غفر له ، ثم قرأ هذه الآية -
والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم - إلى آخرها ] وليس عند بعضهم ذكر الركعتين ،
وأخرج الحاكم من حديث جابر رضي الله عنه قال: [ جاء رجل إلى رسول الله وَّر فقال:
واذنوباه واذنوباه. قال هذا القول مرّتين أو ثلاثاً، فقال له رسول الله ﴿ قل: اللهمّ
مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي ، فقالها ، ثم قال عد فعاد ، ثم
قال عد فعاد . ثم قال قم فقد غفر الله لك ] وقد تقدّم هذا الحديث في هذا الكتاب . قال
الحاكم رواته مدنيون لا يعرف واحد منهم بجرح ، وأخرج الحاكم عن البراء [ أنه قال له
رجل يا أبا عمارة . قال الله تعالى : - ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة - أهو الرجل يلقى العدوّ
فيقاتل حتى يقتل ؟ قال لا ، ولكن هو الرجل يذنب الذنب ، فيقول : لا يغفره الله ] رواه
الحاكم هكذا موقوفاً ، وقال صحيح على شرطهما ، وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط من
حديث ثوبان مولى رسول الله قال: [ قال رسول الله و ﴿ ما أحبّ أن لي الدنيا وما فيها
بهذه الآية - يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفرُ الذنوبَ
جميعاً ] قال في مجمع الزوائد وإسناده حسن وأخرج البزار من حديث ابن عمر رضي الله
عنهما قال: [ كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا نبينا ﴿ يقول: إنّ الله
لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، وقال أخرت شفاعتي لأهل الكبائر يوم
القيامة ] قال في مجمع الزوائد وإسناده جيد .
فَضْلُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَسُوَرٍ مِنْهُ وَآيَاتٍ
((اقْزَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُفِيعاً لِإِصْحَابِهِ » (م) .
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه قال: [ سمعت رسول الله وَل قر يقول: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم
٣٣٥

القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الزهراوين : البقرة ، وآل عمران ، فإِنهما يأتيان يوم القيامة
كأنهما غمامتان أو كأنهما غيابتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما
اقرءوا سورة البقرة ، فإِن أخذها بركة ، وتركها حسرة ، ولا يستطيعها البطلة ] وفي الحديث
دليل على أن القرآن الكريم يشفع لأصحابه وهم التالون له، ولهذا أمر ◌َّ بقراءته ، فقال :
اقرءوا القرآن ، وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن من حديث عثمان بن عفان رضي الله
عنه عن النبيّ وَّ﴿ قال : [ خيركم من تعلم القرآن وعلمه ] وأخرج مسلم وغيره من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وسلم قال: [ ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون
كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة ، وغشيتهم الرحمة ، وحفتهم
الملائكة ، وذكرهم الله فیمن عنده ] وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث جابر عن
النبيّ وَّير قال: [القرآن شافع مشفع وماحل(١) مصدق، من جعله أمامه قاده إلى الجنة،
ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار ] .
((مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ،
وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرٍ(٢) الْكَلَامِ، كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ)) (ت) .
الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي سعيد
الخدريّ رضي الله عنه قال: [ قال رسول الله وَل﴿ يقول الرّبّ تعالى: من شغله القرآن عن
ذكري الحديث إلخ ] قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب ، وإسناده في سنن الترمذي
هكذا حدّثنا محمد بن إسماعيل ، حدّثنا شهاب بن عباد ، حدّثنا محمد بن الحسن بن
أبي يزيد الهمداني عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد فذكره وشهاب بن عباد هو
أبو عمرو العبدي الکوفي ثقة أخرج له البخاري ومسلم وغيرهما وشيخه محمد بن الحسن بن
أبي يزيد الهمداني ضعيف ، ولم يخرج من الستة إلا الترمذي ، وعمرو بن قيس الملائي ثقة
متقن أخرج له مسلم وغيره ، وعطية هو ابن سعد بن جنادة العوفي ضعفه هشيم وابن عديّ ،
وحسن له الترمذي أحاديث هذا منها . قال أبو حاتم وابن سعد هذا مع ضعفه يكتب حديثه ،
وفي الحديث دليل على أن المشتغل بالقرآن تلاوة وتفكراً يجازيه الله أفضل جزاءً ويثيبه
بأعظم إثابة ( قوله وفضل كلام الله إلخ ) هذه الكلمة لعلها خارجة مخرج التعليل لما تقدّمها
من أنه يعطي المشتغل بالقرآن فضل ما يعطي الله السائلين ، ووجه التعليل أنه لما كان
(١) ماحل بکسر الحاء المهملة أي ساع ، وقيل خصم مجادل اهـ منذري .
(٢) على سائر الكلام إلخ كذا في نسخة وفي الحصن ، وكذا في المنذري اهـ .
٣٣٦

الاشتغال بكلام الرّبّ سبحانه وتعالى الفائق على كل كلام كان أجر المشتغل به فوق كل
أجر ، والحديث لولا أن فيه ضعفاً لكان دليلاً على أن الاشتغال بالتلاوة عن الذكر وعن .
الدعاء يكون لصاحبه هذا الأجر العظيم ، وقد عرف ما تقدّم من ثواب الأذكار ، وعرفت
ما تقدّم من قوله عليه: الدعاء هو العبادة.
((مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَة ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا)) (ت) .
الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث ابن مسعود
رضي الله عنه قال ((قال رسول الله وَليه من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة ، والحسنة
بعشر أمثالها )» لا أقول الّمّ حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف . قال
الترمذي بعد إخراجه هو حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه سمعت قتيبة بن سعيد
يقول : بلغني أن محمد بن كعب القرظي يعني الرّاوي لهذا الحديث عن ابن مسعود رضي
الله عنه ولد في حياة النبي ول* ويروى هذا الحديث من غير هذا الوجه من حديث(١)
ابن مسعود رواه أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود ، والحديث فيه التصريح بأن قارىء
القرآن له بكل حرف منه حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ولما كان الحرف فيه(٢) يطلق على
الكلمة المتركبة من حروف أوضح ﴿ أن المراد هنا الحرف البسيط المنفرد لا الكلمة،
وهذا أجر عظيم ، وثواب كبير ، ولله الحمد .
(( الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ البَرَرةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ
الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، فَلَهُ أُجْرَانَ)) (خ، م).
الحديث أخرجه البخاري ومسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث عائشة
رضي الله عنها قالت ((قال رسول الله ور الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة الحديث
إلخ)) وهذا لفظ مسلم ، وفي رواية والذي يشتدّ عليه له أجران ، وأخرجه من حديثه أهل
السنن ( قوله ماهر به) أي حاذق في حفظه وتلاوته لا يتوقف ، ولا يتردّد عند التلاوة ،
ولا يشق عليه قراءته لجودة حفظه وحسن أدائه ( قوله مع السفرة الكرام ) السفرة جمع
سافر، وهم الرسل من الملائكة لأنهم يسفرون إلى الناس برسالات الله سبحانه وتعالى ،
والمعنى أن هذا التالي للقرآن مع مهارته به قد يكون مع الملائكة الذين يرسلهم الله سبحانه
(١) في نسخة : عن ابن مسعود .
(٢) في نسخة : منه اهـ .
٣٣٧

وتعالى إلى عباده ، وقيل المراد بالسفرة الكتبة الذين يكتبون أعمال العباد من الملائكة ،
والبررة المطيعون ، من البر وهو الطاعة ( قوله ويتتعتع ) من التتعتع ، وهو التردّد في قراءته
لضعفه حفظه، أو لثقل لسانه، فهذا يعطي أجران، أحدهما بالقراءة، والآخر بالمشقة
الحاصلة عليه من التردّد في القراءة ، وأما الماهر فأجره عظيم صار به مع الملائكة
المقرّبين ، وذلك أجر لا يشبهه أجر ورتبة لا تماثلها رتبة .
فَضْلُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ
(أَعْظَمُ سورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِ وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ)) (خ ) .
الحديث أخرجه البخاري كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي سعيد بن
المعلى الأنصاري المدني ، واسمه رافع بن أوس بن المعلى ، وقيل الحارث(١) بن أوس بن
المعلى قال : [ كنت أصلي بالمسجد فدعاني رسول الله وَّر فلم أجبه(٢) قلت يا رسول الله
إني كنت أصلي . قال: ألم يقل الله سبحانه وتعالى - يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله
وللرسول إذا دعاكم - ثم قال: ألا أعلمنك(٣) سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن
تخرج(٤)، فأخذ بيدي ، فلما أراد أن يخرج . قلت يا رسول الله إنك قلت ألا أعلمنك
أعظم سورة في القرآن ؟ قال : الحمد لله ربّ العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم
الذي أوتيته)) وأخرجه من حديثه أيضاً أبو داود والنسائي ، وابن ماجه ، وأخرج الترمذي من
حديث أبي هريرة ((أنه وَ ل﴿ خرج على أبيّ بن كعب فقال: أتحبّ أن أعلمك سورة لم ينزل
في التوراة ، ولا في الإِنجيل ، ولا في الزبور ، ولا في الفرقان مثلها؟ قال نعم يا رسول
الله، فقال رسول الله وَل﴿ كيف تقرأ في صلاتك؟ قال أقرأ بأمّ القرآن فقال رسول الله وَالجو
والذي نفسي بيده ما أنزل في التوراة ، ولا في الإِنجيل ، ولا في الزّبور، ولا في الفرقان
مثلها ، وإنها سبع من المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيته )) قال الترمذي حديث حسن
صحيح ، وأخرجه ابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما وأخرجه الحاكم ، وقال صحيح
على شرط مسلم ( قوله أعظم سورة في القرآن) هذا تصريح منه ولي بأنها أعظم سورة في
القرآن فلا ينبغي بعد هذا أن يقال سورة كذا مثل الفاتحة في العظم استدلالاً بما ورد في
بعض السور من عظم الثواب لتاليها ، فإِن الثواب شيء آخر ، وقد يكون هذا العظم
(١) في المنذري : الحرث بن نفيع بن المعلى اهـ .
(٢) ثم أتيته فقلت اهـ منذري .
(٣) في المنذري : لأعلمنك سورة إلى أن قال قبل أن تخرج من المسجد اهـ .
(٤) في نسخة : المسجد .
٣٣٨

المنصوص عليه لهذه السورة مستلزماً لعظم أجرها وأنه أعظم من الأجور المنصوص عليها
في غيرها من السور ( قوله هي السبع المثاني والقرآن العظيم ) هذا يدلّ على أن المراد في
الآية هي هذه السورة وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير أن السبع المثاني هي البقرة ،
وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنعام ، والأعراف ، ويونس ، وروى غير ذلك من
الأقوال ، وقد أوضحنا الكلام في هذه الآية في تفسيرنا فليرجع إليه .
((أُعْطِيتُ فاتِحَة الْكِتَابِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ)) (مس).
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
حديث معقل بن يسار رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وَّر اعملوا بالقرآن أحلوا حلاله،
وحرّموا حرامه واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه ، وما تشابه عليكم فردّوه إلى الله وإلى أولي
العلم من بعدي كيما يخبروكم ، وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور ، وما أوتي النبيون من
ربهم ، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان ، فإِنه أوّل شافع مشفع وما حل مصدق ، وإني
أعطيت سورة البقرة من الذكر الأوّل ، وأعطيت طه والطواسين والحواميم من ألواح موسى ،
وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش)) قال الحاكم بعد إخراجه صحيح الإسناد ، وفي
الحديث دليل على شرف هذه السورة لكونه * أعطيها من تحت العرش ، وهذه مزية لم
توجد في غيرها ، وأخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه ، وقال صحيح على
شرط مسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال [ كان النبيّ ◌َّه في مسير فنزل ونزل رجل إلى
جانبه ، قال فالتفت النبيّ وَّه فقال: ألا أخبركم بأفضل القرآن؟ قال بلى، فقال: الحمد
لله ربّ العالمين)) وأخرج أحمد من حديث جابر أن رسول الله وَلي قال: ((ألا أخبركم بأخير
سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله . قال اقرأ: [ الحمد لله ربّ العالمين ] وفي
إسناده ابن عقيل وحديثه حسن ، وبقية رجاله ثقات.
((بَيْنَ جِبْرِيلُ قاعِداً(١) عِنْدَ النَّبِّ ◌َِّ سَمِعَ نَقِيضاً مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، فَقَالَ :
هُذَا مَلَكُ نَزَلَ الأَرْضَ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ ، فَسَلَّمَ ، فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا
نَبِّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّ
أُعْطِیتَهُ )) (م) .
الحديث أخرجه مسلم کما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث ابن عباس رضي
(١) في الحصن الحصين قاعد ، وكذا في نسخة من المتن م وكذا في المنذري اهـ .
٣٣٩

الله عنهما قال : [ بينا جبريل قاعداً الحديث إلخ ] وأخرجه من حديثه أيضاً النسائي
والحاكم ، وقال صحيح على شرطهما ( قوله نقيضاً) بالنون والقاف والضاد المعجمة ، وهو
الصوت ( قوله لم ينزل قط ) هذا يدلّ على أنه نزل بالفاتحة وخواتيم سورة البقرة ملك غير
جبريل ، وقيل إن جبريل نزل قبل هذا الملك معلماً ومخبراً بنزول الملك فهو مشارك له في
إنزالها ، وقال القرطبي إن جبريل نزل بها أوّلاً بمكة ، ثم أنزل هذا الملك ثانياً بثوابها ( قوله
بنورين ) قد فسرهما بقوله : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ( قوله إلا أعطيته ) أي
أعطيت ثوابه ، أو أعطاه الله ثواب ما اشتمل عليه من الدعاء كما في خواتيم سورة البقرة فإِنها
دعاء ، وهكذا الفاتحة ، فإنها ثناء ودعاءً كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: [سمعت رسول الله وسلم يقول: قال الله سبحانه وتعالى
قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل الحديث ] .
فَضْلُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
((إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَ الْبَقَرَةِ)) (م).
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي هريرة أن
رسول الله وير قال: [ لا تجعلوا بيوتكم مقابر ان الشيطان يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة
البقرة ] وأخرجه أيضاً من حديثه النسائي والترمذي ( قوله يفرّ من البيت الذي تقرأ فيه سورة
البقرة ) ظاهره أنه يفرّ إذا سمعها مرّة ، ولا يعود بعد ذلك، لأن قراءتها مرّة في البيت قد
صدق على هذه القراءة بهذه السورة في البيت أنها قرئت فيه ، ولكن سيأتي تقييد هذا المنع
بثلاثة أيام أو ثلاث ليال ، وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفاً عليه [ قال اقرءوا
سورة البقرة فإن الشيطان لا يدخل بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة ] وحسن إسناده المنذري ، وفي
أوّل الحديث دليل على أنه ما ينبغي للإنسان أن يترك القراءة في بيته ، وأنه ينبغي أن يجعل
في بيته جزءاً من تلاوته : وبعضاً من صلاته التي يتنفل بها .
((اقْرَءُوا الْبَقَرَةِ، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا
الْبَطَلَةُ)) (م) .
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه قال: [سمعت رسول الله وسلم يقول: اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم
القيامة شفيعاً لأصحابه اقرءوا الزهراوين : البقرة ، وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة
كأنهما غمامتان ، أو غيايتان ، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما ،
٣٤٠