Indexed OCR Text

Pages 1-20

طَّا اللَّه
مِنْكَلَا مَسَيِّدِ المِسَلِين ◌َ﴾
وسلم
تأليفُ
العَلَامَةِ القرى
(ت ٨٣٣ هـ الشر)
الدكتور / عَبْ الرَّؤْوِيَ بْ حَمَّ بِي ◌ُمحمدالكَالِيّ
غْرُ المُونَ
لِلْخَيْ والتوزيع الذََّ أن إعلان
٥

الصّ صين
تـ
مِنْ كَلَامِسَيِّدِّالْسَلِيَنَ فَّ له
تَأْلِيفُ
العَلَامَةِ المُقِى
أنِ الخَبَّمحمّد بن محمّد بن محمَّ ابْنِ الجَزَرِيّ
(ت ٨٣٣ هـ تخذله)
تَصِمُونَخِيجُ
الدكتور / عَبد الرَّؤُوفِ بْ محمّدِ بِ حَدِالكَمَالِيّ
غراسراج
البَشر والتوزيعَ مْالدَّعِى والأغلاب
٠

ـمِ اللهِ الرََّى الرَّحِيَةِ

جميع الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
لِمَشَر وَالتَّوْزِيعِ وَالدَّعِىُّ والاعلان
الكويت - شارع الصحافة - مقابل مطابع الرأي العام التجارية
هاتف : ٤٨١٩٠٣٧ فاكس ٤٨٣٨٤٩٥
الكويت - الخالدية: ص. ب: ١٧٠١٢ - الرمز البريدي: ٧٢٤٥١
Website: www. gheras. com
E-Mail: info@ gheras.com

مقدمة
الحمد لله الذي أنعم علينا نعمة الإسلام، وأسبغَ علينا نعمه الظاهرةَ
التي لا تُحصى ولا تُرام، فهدانا وأسعدنا وأكرمنا أيَّما إكرام، فله الحمد -
سبحانه - كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه .
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدعاءَ غايةَ العبادةِ
والخضوع والإذعان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إمام الثقلينِ الإنسِ
والجانّ، علّمنا كيف ندعو ونَذْكر ربَّنا ذا الجود والفضل والإحسان،
فصلوات ربي تعالى وسلامُهُ عليه، وعلى آله وصحبه الأبرار في كل حين
وأوان.
أما بعد:
فإنّ مِن أعظم القُرَبِ والطاعات، التي يتقرب بها العبد إلى رب الأرض
والسموات، التفقَّهَ في دين الإسلام العظيم، وطلبَ العلم الشرعي الذي
حَثَّ عليه اللّهُ - عز وجل - في كتابه الكريم، فقال سبحانه - وهو أصدق
القائلين -: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ
يَحْذَرُونَ﴾(١).
بل لم يأمر اللَّه تعالى عبده ورسوله محمدًا وَلّ بالازدياد من شيء سواه،
فقال عز وجل: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدُنِ عِلْمًا﴾(٢).
(١) سورة التوبة/ الآية: ١٢٢ .
(٢) سورة طه / الآية: ١١٤ .

٦
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
وقد بيّن لنا رسولُنا الأكرمِ وَله، شرفَ العلم وأهلِهِ، وعُلُوَّ مرتبته
وفضله، بما لا يتردد فيه الإنسان، أنه أعظم ما يُتزلّف به إلى الواحد الدّيّان،
فقال - عليه أفضل الصلاة وأتم السلام -: ((مَن سلك طريقًا يطلب فيه علمًا
سلك الله به طريقًا من طرق الجنة. وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضًا لطالب
العلم. وإن العالِمَ ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتانُ
في جوف الماء. وإن فضل العالِم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على
سائر الكواكب. وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يوَرِّثوا دينارًا ولا
درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر))(١).
وقال - أيضًا - وَّ: ((فضل العلم أحب إِلَيَّ من فضل العبادة، وخير
دینکم الورع))(٢) .
ولمّا كان هذا المعنى مستقرًّا عند سلفنا الصالح - رحمهم الله - في
الأذهان، وواضحًا أثرُه وبركته عندَهم في العَيان، اشتغلوا بعلم الشريعة
في غالب الأزمان، إما في قراءةٍ أو تدريس، أو إفتاءٍ أو تصنيف.
فامتلأت مكتباتنا ببركة علومهم ومصنفاتهم، وسَعِدتْ حياتنا بثمرات
فقههم وكتاباتهم، حتى عَجَزْنا عن الوقوف على كثير من أسمائها، فضلًا
عن الإحاطة بما فيها وقراءتها .
(١) أخرجه أحمد (١٩٦/٥) وأبو داود (٣٦٤١) (٣٦٤٢) والترمذي (٢٦٨٢) وابن ماجه
(٢٢٣)، من حديث أبي الدرداء رَظّمه. وهو حديث حسن لغيره، وانظر: ((فتح الباري))
لابن حجر العسقلاني (١٦٠/١).
(٢) أخرجه البزار (١٣٩) والطبراني في «الأوسط)) (٣٩٦٠) والحاكم (١/ ٩٢ - ٩٣)، من حديث
حذيفة بن اليمان تَّه، وصححه الشيخ الألباني ◌َخُّْهُ في ((صحيح الجامع الصغير))
(٤٢١٤) .

٧
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
ولا يزال هذا الاهتمام جاريًا من العلماء الأعلام، بتوالي العصور
والأعوام، لا يخلو زمن من مصنفاتٍ عظيمةٍ جامعة، ومؤلّفاتٍ مفيدةٍ
نافعة، كتبوها بجهد الفكر وتعب البدن، قبل أن يكتبوها في القرطاس بمداد
القلم، فبارك الله لهم في ذلك، إذ هو التراث العظيم الذي خلّفوه لنا،
والزاد الكبير الذي ادّخروه لأنفسهم؛ ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلّا مَن
أتى الله بقلب سليم .
ومِن هذه المؤلفات النافعة المفيدة، التي لا تزال بحاجةٍ إلى خدمةٍ
وعناية، كتابٌ جامع في الأدعية النبوية، لواحدٍ من العلماء الكرام، وهو
العلامة أبو الخير محمد بن محمد بن محمد ابن الجَزَري المتوفى سنة
(٨٣٣هـ)، رحمه الله تعالى، وعنوانُ كتابه :
وَالاله
((الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
صَلى الله
وستلم
أهميةُ هذا الكتاب ومميزاتُه:
قال صاحب (كشف الظنون))(١): ((لقد أحسن من قال:
لُ اذكرْ إله العالمينا
إن نابك الأمرُ المهو
ـك فدونك الحصن الحصينا
وإذا بغى باغ عليـ
انتهى كلامه ريخطتهُ .
إنَّ مِن أهم مميزاتِ هذا الكتاب: أنه كتاب جامع للأدعية المأثورة عن
الرسول وَل﴾، وعن بعض السلف الصالح ظنّه، ومن المعروف عند أهل
العلم، أنّ جَمْعَ المتفرِّق هو واحد من الأسباب التي تدعو إلى التأليف.
(١) (١ / ٦٩ ٦) .

٨
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين ==
ثم إن المؤلف تَخْذَلهُ قد رتّب تلك الأحاديث، بطريقة واضحةٍ جميلة،
وذكر الدعاء مباشرةً دون ذِكْرِ الراوي أو قصة الحديث، لِيَسْهُلَ على القارئ
حفظُه وقراءتُه، ثم رمز لمن أخرج الحديث، لمن أراد التَّوَثَّق والتفصيل.
وكذلك ذكر المؤلف ◌َخّْتهُ في أول كتابه، الأمور المهمة المتعلقة
بالذكر والدعاء مِن بيان فضلهما، ثم آدابِهما، ثم أوقات الإجابة، ثم
أحوالِها، ثم أماكنِها .
وبيّن تَخْدَثُهُ ما يقال في الصباح والمساء، والليل والنهار، وما يقال
مقيّدًا بوقت أو سبب، وما يقال مطلقًا عن ذلك مِن جوامع أدعية النبي وَِّله .
فهذا - كما ترى - جامع لكل ما يتعلق بالذكر والدعاء، وحَسْبُكَ به مِن
عمل جليلٍ ومفيد .
ومن لطائف الوقائع: أنّ عميّ - والدّ زوجي - رحمه الله تعالى، كان
مشهوراً برقية الناس، وكان - فيما نحسبه واللَّهُ تعالى حسيبه - رجلاً
صالحاً، وبعد وفاته تَخْذَلَهُ بنحو أسبوعين أو ثلاثة، رأته إحدى بناته
فسألته: يا أبي: رحلتَ ولم تعلمنا كيف نرقي الناس؟ فأجابها: إن هناك
مخطوطاً في مكتبته، فيه كل الرُّقَى والأدعية. ولم يوجد في مكتبته من
المخطوطات سوى كتابنا هذا: ((الحصن الحصين)) .
ثم إن المؤلف رَخْمَ للهُ قد اعتمد على مؤلفات معيَّنة، جعلها هي الأساسَ
في جمع كتابه هذا، ومنها - كما يظهر - :
١ - ((سلاح المؤمن)) لابن الإمام ريخْذَهُ : أبي الفتح، محمد بن محمد
ابن علي بن همام (ت٧٤٥هـ).

٩
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
٢ - ((مجمع الزوائد ومنبع الفوائد)) للحافظ الهيثمي زَعْالهُ: نور الدين.
علي بن أبي بكر (ت٨٠٧هـ).
هذا، وإنه ليس يخلو الكتاب - كما هو الحال في عامة الكتب في هذا
البابِ أو غيره - من أحاديثَ ضعيفةٍ لا تثبت، وأبى الله أن يَتِمَّ إلا کتابُه، وقد
نبهت على ذلك في مواضعه من الهوامش.
هذا وإن المؤلف قد اختصر كتابَه ((الحصن)) هذا، في كتاب سمّاه ((عدة
الحصن الحصين» وآخر اسمه: ((الجنة))(١). و((العدة)) قد شرحه الإمام
الشوكاني ◌ُخّْلهُ في كتاب سماه: ((تحفه الذاكرين بعدة الحصن الحصين))،
وهو مطبوع معروف.
* النسخ المعتمدة في التحقيق:
اعتمدت في تحقيق الكتاب على ثلاث نسخ خطّية :
١- نسخة ضمن مجموع، بمركز المخطوطات بجامعة الكويت،
برقم: (٧٥٤٠) م.ك. مج ٦ .
وهي مِن مصورات المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
وتقع في (٨٤) ورقة، وعدد الأسطر فيها (١٥) سطرًا.
وهي بخط نسخي معتاد واضح، وناسخها هو: محمد بن زلفي، سنة
١١١٣ هـ.
وقد جعلتها هي الأصل في التحقيق .
(١) انظر ((كشف الظنون)) (٦٦٩/١).

١٠
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
٢ - نسخة من مركز المخطوطات بجامعة الكويت أيضًا، برقم (٦٩٥٥)
م. ك.
وهي من المكتبة المولوية بحلب - سورية.
وتقع في (٩٦) ورقة، وعدد الأسطر فيها (١٥) سطرًا.
وهي بخط نسخي واضح، ولم يُذكر اسم ناسخها، لكن تَمَّ نسخها سنة
١١٧١ هـ.
وقد رمزت لها بـ ((م)) .
٣- نسخة جَدِّي الرابع(١)، العلامة الفقيه أبي زكريا، يحيى بن الشيخ
(١) وقد ترجم له ابن العم، الشيخ الأستاذ أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الكمالي-
حفظه الله وبارك فيه- بترجمة مفصّلة، أوجزها فيما يلي :
هو العلامة الفقيه جمال الإسلام، أبو زكريا، يحيى بن محمد بن كمال- وهو الذي يُنْسَب إليه
الكماليّون أبناء وأحفاد الشيخ يحيى- بن أحمد بن شمس الدين بن نور الدين بن سعيد بن
عبد الرحمن الحجازي.
وُلِد الشيخ يحيى الكمالي سنة (١٢١٩هـ) تقريبًا في جزيرة ((جسم)) الواقعة في مدخل الخليج
العربي عند مضيق هرمز، ونشأ في بيت شرفٍ وعلم وأدب. وكان والده -الشيخ محمد - مفتيًا
وقاضيًا ومديرًا للمدرسة الكمالية، فتعلم الشيخَ يحيى عليه علوم القرآن والعقيدة والفقه
والحديث واللغة وغيرها، كما تلقى العلم- أيضًا- على غيره من العلماء والمحدثين في
المدرسة الكمالية التي تولى إدارتها بعد وفاة والده.
كان الشيخ يحيى - إضافةً إلى علمه- تقيًّا كريمًا، عالي الهمة، عازفًا عن سفاسف الأمور،
محسنًا إلى الفقراء والمساكين، وكان ينفق على طلبته من ماله الخاص، وكان عددهم أكثر من
ثمانین طالبًا .
له العديد من المؤلفات، منها: كتاب في المواعظ والخطب، ورسالة في ((الدعوات
المأثورات عقب الصلوات)) (وقد طبعت سنة ١٣٢٠ هـ) وغيرهما من الكتب.
للشيخ وَخّْثُ ثمانية أولاد: محمد وعبد الله وزكريا وإسماعيل وعلي وعبد الرحمن وأحمد
وإبراهيم، وكلهم قد سار على درب والده في الصلاح والعلم والورع.
=

=
١١
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
محمد بن الشيخ كمال، المتوفى سنة (١٣٠٤ هـ) رحمه الله تعالى.
وهي مصورة من ابن عمّنا الشيخ عبد الجواد بن الشيخ زكريا بن محمد
الكمالي، صاحب الجهود العظيمة في بناء المساجد وعمارتها، نفع الله
تعالی به وبارك فیه .
وتقع هذه النسخة في (١١٧) ورقة، وعدد الأسطر فيها (١٥) سطرًا.
وهي بخط نسخي واضح، ولكن ينقص من أول المخطوط مقدار ثلاث
صفحات تقريبًا، كما أن في آخر ثماني صفحات منه طَمْسًا مِن طَرَفي
الصفحات.
وقد رمزت لها بـ ((ج)).
وقد قيّض اللَّه تعالى لهذا الكتاب مَن يُعنى به فيخرجه إلى عالم
المطبوعات، فالكتاب قد طبع عدة طبعات، منها ما هو قديم كطبعة مصطفى
البابي الحلبي بالقاهرة سنة ١٣٤٩ هـ، ومنها ما هو حديث، كطبعة دار البشائر
الإسلامية ببيروت سنة ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠م، بتحقيق الأستاذ الفاضل خير الله
الشريف، جزاه الله خيرًا وبارك فيه، حيث حقق الكتاب على ثلاث نسخ
خطية، إحداها قريبة العهد بحياة المؤلف أو هي في حياته رَخْذَ هُ .
وقد استفدت من هذه الطبعة في المقابلة، ورمزت لها بـ ((ط)).
هذا، ويجدر التنبيه إلى أني أخذت من جميع النسخ السالفة الذكر إفادةً
كبيرةً، بما في ذلك النسخة المطبوعة بدار البشائر .
= توفي الشيخ يحيي يوم الثلاثاء، ٢٣ ربيع الثاني سنة ١٣٠٤هـ، عن عمر يناهز الخامسة
والثمانين، وقد دفن بمقبرة المشايخ بجانب والده في جزيرة ((جسم))، فرحمه الله تعالى رحمة
واسعة، وأسكنه فسيح جناته .

١٢
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
ولم أنبه إلى مواطن ذلك ومصادره إلا في بعض الأحيان؛ تجنُّبًا لإثقال
كاهل الكتاب بما لا يترتب عليه كبير فائدة، مع كونه يصرف القارئ عن
التتابع والاستمتاع في القراءة، وأسأل الله تعالى أن يغفر لي ولجميع أولئك
الذين ساهموا في نشر هذا السِّفْر العظيم، وأن يجزيَنِي وإياهم الجزاء
الأوفى يوم العرض عليه، آمين، آمين، آمين .
ولا أنسى هنا، أن أشكر أخانا وصديقنا المفضال، الشيخ الكريم،
محمد بن ناصر العجمي، حفظه الله، الذي هيّأ لي - كعادته - بعض صور
مخطوطات هذا الكتاب، وهما النسختان الأوليان المشار إليهما، فجزاه
الله تعالى خير الجزاء.
عملي في الكتاب:
١ - القيام بمقابلة النسخ بعضها على بعض، جاعلاً نسخة المولوية هي
الأصل، ورمزت لها بـ ((م)) كما سبق بيانه.
٢- القيام بضبط نص الكتاب - حرفاً وشكلًا - لإخراجه على الوجه
الصحيح .
٣- عزو الآيات القرآنية إلى سورها، مع بيان أرقامها .
٤- تحقيق الأحاديث والآثار الواردة فيه، بعزوها إلى مصادرها
الأصلية، كما رمز لها المؤلف تَخّْلهُ، وربما زدت بعض المصادر في
العزو عند الاحتياج إلى ذلك. وقد حذفتُ بعض الرموز التي اتضح لي أنها
ليست في محلها، ولم أنبه على ذلك؛ نظرًا لكثرته، وأن التنبيه عليه يفضي
إلى تشويش ذهن القارئ بما لا طائل من ورائه.
- لوليس يخفى على طلبة العلم الكرام، ما يقع في الكتب التي تعتمد على
الرموز، من أخطاء وتحريف، ولاسيما مع تعدد نسخ الكتاب، كما هو

=
=
١٣
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
الحال في شأن كتابنا هذا، وعدمُ تصحيح ذلك يُعتبر مُخِلًا لمن أراد أن
يقتصر على قراءة أصل الكتاب دون الرجوع للتحقيق في الحواشي، مع ما
يحصل له من تشويش - كما ذكرت آنفًا - لا ملجئ له ولا ضرورة إلیه.
وقد ذكر الشوكاني ◌َخْذّلهُ في ((تحفة الذاكرين (ص ٣٤) أنه تتبّع كثيرًا من
رموز كتاب ((الحصن الحصين))، فلم يجده صحيحاً، قال: ((ولعل ذلك
سببه اختلاف أقلام الناسخين لذلك الكتاب)) اهـ.
وإن اقتضت الحاجة أن أزيد رمزًا في صلب الكتاب - كما لو كان
الحديث في الصحيحين أو أحدهما مثلًا - جعلته بين معقوفين هكذا .
كما أنني قد حذفت بعض الأحاديث من المتن، ونبهت عليه في الحاشية،
وذلك عندالتأكدمن أنه وهم صریح، کما تجدهمثلاً في ذکر دعاء للركوع وهو
في الحقيقة من أدعية السجود. انظر (ص١٤٩). وإنما صنعت ذلك لئلا
يتشوش القارئ وتختلط عليه الأمور، مع أني نبهت على المحذوف بتمامه في
الحاشية لمن أراد أن يقف عليه، وهذا كله في حدود العشرة مواضع .
ثم بيّنتُ درجة الحديث مِن حيثُ الصحة والضعف، معتمدًا في ذلك على
كلام أئمة أهل هذا الفن، كالإمام النووي والحافظ الهيثمي والحافظ ابن حجر
العسقلاني وغيرهم، رحمهم الله تعالى، وربما اجتهدت في بيان درجة
الحديث بنفسي، إن دعت الحاجة لذلك، محاولًا الإيجاز قدر الإمكان .
وتسهيلًا واختصاراً على عموم القراء، لمعرفة ما ثبت من تلك
الأحاديث والأدعية مما لم يثبت، فقد وضعت علامةً قبل كل حديث ودعاء
تدل على ذلك، وهي كما يلي :
* للحديث أو الدعاء الثابت .

١٤
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين __
تے
O لغير الثابت .
O علامة على أن الحديث أو الدعاء أوَّلُه ثابت، لكن فيه بعض
الكلمات أو الجمل غير ثابتة .
0* علامة على أن أوله غير ثابت، لكن فيه جمل ثابتة .
وليس يخفى على المسلم ضرورةُ تمييز ما ثبت عن سيدنا رسول اللّه وَله
مما لم يثبت، ولاسيما إنْ صاحَبَ ذلك: الحكمُ باستحباب بعض الأدعية
في الأحوال المخصوصة.
٤- شرح الألفاظ الغريبة الواردة في الأحاديث.
٥- تقسیم الکتاب إلی فقرات، بحیث یبدأ کل حدیث من أول السطر،
مع وضع علامات الترقيم المناسبة .
وأخيرًا، فإن هذا التحقيق إنما هو جهد العبد الفقير، الذي ليس يخلو
عن الزلل والتقصير، فالمرجو هو المعذرة والنصح والدعاء، وما أحسن ما
قاله القائل :
إنْ تَجِدْ عيبًا فسُدَّ الخللا جَلَّ مَن لا عيبَ فيه وعلا
أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يرزقنا الإخلاص والقبول،
وأن يوفقنا في الدنيا والآخرة، وأن يغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين،
وصلى الله وسَلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
الكويت - الجهراء المحروسة بإذن الله
١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤م

=
١٥
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
ترجمة المؤلف(١)
نسبه ومولده وفضله:
هو الحافظ شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن محمد بن علي بن
يوسف بن الجزري، الدمشقي، المقرئ، الشافعي، المعروف بابن
الجزري .
عُرف بابن الجزري؛ نسبةً إلى جزيرة ابن عمر قرب المَوْصل .
وُلد ليلة السبت، الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى
وخمسين وسبعمائة، بدمشق .
قال ابن العماد: ((مقرئ الممالك الإسلامية)). وقال: ((وبالجملة، فإنه
كان عديم النظير طائر الصيت، انتفع الناس بكتبه وسارت في الآفاق مسير
الشمس)) اهـ (٢).
قال الشوكاني: ((وحَكى صاحبُ ((الشقائق النعمانية في علماء الدولة
العثمانية)) أنّ صاحب الترجمة أي: ابن الجزري لمّا وصل هو وتيمور إلى
سمرقند، عمِل تيمور هنالك وليمةً عظيمةً، وجعل على يساره أكابر
الأمراء، وعلى يمينه العلماء، فقدَّم صاحب الترجمة على السيد شريف
(١) انظر: ((غاية النهاية في طبقات القراء)) لابن الجزري نفسه حيث ترجم لنفسه (٢٤٧/٢ -
٢٥١)، و((شذرات الذهب)) (٢٠٤/٧-٢٠٦) و ((البدر الطالع)) (٢٥٧/٢-٢٥٩) و((الأعلام))
للزركلي (٧ /٤٥، ٤٦) و ((معجم المؤلفين)) (٦٨٧/٣).
(٢) ((شذرات الذهب)) (٢٠٤/٧، ٢٠٦).

--
١٦
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
الجرجاني، فعوتب في ذلك فقال: كيف لا أقدم رجلًا عارفًا بالكتاب
والسنة ؟!))(١)اهـ.
طلبه للعلم ورحلاته والقراءة عليه:
حفظ القرآن وعمره ثلاثة عشر عامًا .
وأفرد القراءات على الشيخ أبي محمد عبد الوهاب بن السلار، والشيخ
أحمد بن إبراهيم بن الطحان، والشيخ أحمد بن رجب، في سنة ست أو
سبع وستين وسبعمائة.
وجمع السبعة على الشيخ المجود إبراهيم الحموي، ثم جمع القراءات
بمضمن كتب على الشيخ أبي المعالي بن اللبان في سنة ثمان وستين
وسبعمائة .
وحجّ في هذه السنة فقرأ بمضمن ((الكافي)) و((التيسير)) على الشيخ
الخطيب والإمام بالمدينة الشريفة: أبي عبد الله محمد بن صالح.
ثم رحل إلى الديار المصرية في سنة تسع فجمع القراءات الاثني عشر
بمضمن كتب على الشيخ أبي بكر عبد الله بن الجندي، ووصل إلى قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِلْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ﴾ في سورة النحل، فأجازه، ثم
توفي، فأكمل على العلامة أبي عبد الله محمد بن الصائغ والشيخ أبي محمد
عبد الرحمن بن البغدادي، وقرأ عليهما السبعةَ بمضمن ((العنوان))
و((التيسير)) و(الشاطبية)). ثم رجع إلى دمشق.
(١) ((البدر الطالع)) (٢٥٩/٢).

١٧
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
غسـ
ورحل رحلةً ثانيةً فجمع ثانيًا العشرة على ابن الصائغ بمضمن الكتب
الثلاثة المذكورة وبمضمن ((المستنير)) و((التذكرة)) و((الإرشادين))
و((التجريد))، وقرأ على ابن البغدادي الأئمة الثلاثة عشر وهي العشرة
المشهورة وابن محيصن والأعمش والحسن البصري بمضمن الكتب التي
تلا بها على شيخه الصائغ وغيره.
وسمع الحديث ممن بقي من أصحاب الفخر بن البخاري والدمياطي
وغيرهم.
وأخذ الفقه عن الشيخ عبد الرحيم الإسنوي وغيره.
ثم عاد إلى دمشق فجمع القراءات السبع في ختمةٍ على القاضي
أبي يوسف أحمد بن الحسين الكفري الحنفي .
ثم رحل إلى الديار المصرية وقرأ بها الأصول والمعاني والبيان على
الشيخ ضياء الدين سعد الله القزويني، وأخذ عن غيره، ورحل إلى
الإسكندرية فسمع من أصحاب ابن عبد السلام وابن نصر وغيرهم، وقرأ
بمضمون ((الإعلان)) وغيره على الشيخ عبد الوهاب القروي، وسمع من
هؤلاء الشيوخ وغيرهم كثيرًا من كتب القراءات بالسماع والإجازة.
وأجازه وأذن له بالإفتاء أبو الفداء إسماعيل ابن كثير سنة أربع وسبعين
وسبعمائة، وكذلك الشيخ ضياء الدين سنة ثمانٍ وسبعين، وشيخ الإسلام
البلقيني سنة خمس وثمانين .
وجلس للإقراء تحت النسر من الجامع الأموي سنين، وولي مشيخة
الإقراء الكبرى بتربة أم الصالح بعد وفاة أبي محمد عبد الوهاب بن السلار.

١٨
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
وقرأ عليه القراءات كثيرون، وممن كمل عليه القراءات العشر بالشام
ومصر: ابنه أبو بكر أحمد، والشيخ محمود بن الحسين بن سليمان
الشيرازي، والشيخ أبو بكر بن مصبح الحموي وغيرهم.
وولي قضاء الشام سنة ثلاثٍ وتسعين وسبعمائة .
ثم نزل البحر إلى بلاد الروم لِمَا ناله من الظلم مِن أخذ مالِه بالديار
المصرية سنة ثمانٍ وتسعين وسبعمائة، فنزل بمدينة ((برصة)) دار الملك
العادل المجاهد با يزيد بن عثمان، وقَرأ عليه القراءات العشر بها جماعة .
ثم كانت الفتنة التمرية بالروم في أول سنة خمس وثمانمائة، حيث كانت
و
وقعةٌ بين ابن عثمان وتيمورلنك، وأَسِر ابن عثمان، فأخذ ابنَ الجزري أميرُ
تمر من الروم وحمله إلى بلاد ما وراء النهر، فأنزله بمدينة ((كش))، فقرأ عليه
بها وبسمرقند جماعة، منهم الحافظ المقرئ محمود شيخ القراءات بها .
وألف فيها ((التوضيح في شرح المصابيح)) في ثلاثة أسفار.
ولمّا توفي أمير تمر في شعبان سنة سبع وثمانمائة، خرج من تلك البلاد
فوصل إلى بلاد خراسان، ودخل مدينة ((هراة))، فقرأ عليه العشر جماعة.
ثم وصل راجعًا إلى مدينة ((يزد))، فقرأ عليه العشر جماعة، منهم
المقرئ الفاضل شمس الدين محمد بن الدباغ البغدادي.
ثم دخل ((أصبهان)) فقرأ عليه بها جماعة ولم يكملوا.
ثم وصل إلى ((شيراز)) في رمضان سنة ثمانٍ وثمانمائة، فأمسكه بها
سلطانُها بير محمد بن صاحبها أمير عمر شيخ بن أمير تمر، وألزم فيها بتولي
القضاء، فقرأ عليه بها العشر كثيرون. ثم ألزمه صاحبها بير محمد بالقضاء

١٩
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
بها وبممالكه وما أضيف إليه كرها، فبقي فيها مدةً، وتغيرت عليه الملوك
ولا يُمَكَّنُ من الخروج منها .
حتى فَتح الله تعالى عليه، فخرج منها متوجهًا إلى البصرة، وجمع عليه
العشر المقرئ الفاضل المبرز أبو الحسن طاهر بن عزيز الأصبهاني بمضمن
((الطيِّبة)) و((النشر)).
ثم توجه - ومعه المولى معين الدين بن عبد الله ابن قاضي كازرون -
إلى قرية ((عنيزة)) من نجد، ثم توجها منها فأخذهم الأعراب من بني لام بعد
مرحلتين، فرجعا إلى ((عنيزة)) فنظم بها ((الدُّرّة)) في قراءات الثلاثة حسبما
تضمنه ((تحبير التيسير)). وكان المولى يقرأ عليه في أثناء الطريق قراءة عاصم
فأتمها، وحفظ أكثر الطيبة، وقرأ غير ذلك .
ثم فتح الله تعالى عليه بالمجاورة بالمدينة وبمكة في سنة ثلاث
وعشرين. وقرأ عليه في المدينة شيخ الحرم الطواشي. وألف ابن الجزري
في هذا الوقت ((النشر)) ومختصره ((التقريب))، و((تحبير التيسير))، و((تاريخ
القراء)).
ثم قدم دمشق سنة سبع وعشرين وثمانمائة .
ثم ذهب إلى القاهرة واجتمع بالسلطان الأشرف وعظّمه وأكرمه،
وتصدى للإقراء والتحديث، ثم عاد إلى مكة.
ثم دخل اليمن وعظّمه صاحبها وأكرمه، وأخذ عنه جماعةٌ من علماء
اليمن .
ثم عاد إلى مكة، ثم القاهرة، ثم شيراز.

٢٠
الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين
مؤلفاته:
ألف الإمام ابن الجزري - رحمه اللَّه تعالى - المؤلفات الكثيرة، في
القراءات والحديث وغيرهما، فمنها :
((النشر في القراءات العشر)) في مجلدين، ومختصره ((التقريب))،
و((تحبير التيسير في القراءات العشر))، و(تاريخ القراء وطبقاتهم)) وقد ألف
هذه الكتب حين جاور بمكة والمدينة في سنة ثلاث وعشرين .
ونظم قديمًا ((غاية المهرة في الزيادة على العشرة)) ونظم ((طيبة النشر في
القراءات العشر)) في ألف بيت، و((المقدمة الجزرية)) أرجوزة في التجويد.
وله كتاب ((التمهيد في التجويد))، و((المقدمة فيما على قارئ القرآن أن
يعلمه))، و((الدرة المضية)) في القراءات الثلاث المتممة للعشر، و((منجد
المقرئين))، و((فضائل القرآن))، و((نهاية الدرايات في أسماء رجال
القراءات))، ومختصره ((غاية النهاية)) .
و(التعريف بالمولد الشريف))، ومنظومة ((الشفاء في سيرة النبي
والخلفاء)) .
و((البداية في علوم الرواية والهداية)) في مصطلح الحديث، و((عقد
اللآلي في الأحاديث المسلسلة الغوالي))، و((المسند الأحمد فيما يتعلق
بمسند أحمد))، و((القصد الأحمد في رجال أحمد))، و((المقصد الأحمد في
ختم مسند أحمد)».
و((أسنى المناقب في فضل علي بن أبي طالب))، و((الجوهرة)) في
النحو،