Indexed OCR Text
Pages 1381-1400
الحرز الثمين الحصن الحصين ١٣٨١ والدارمي، عن أبي ذر(١). (إن عبدًا أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه) أي: لملائكته أو في ذاته، (أَعِلَمَ عبدي) بهمزة الاستفهام التقريري قبل الفعل الماضي، وفي ((أصل الجلال)) بلا استفهام، والمعنى: قد علم عبدي (أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟) أي: يعاقب فاعله إن شاء أو إن لم يتب. (غفرت لعبدي) أي: حيث تاب كما يدل عليه قوله: (ثم مكث) بفتح الكاف وضمها كما قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [النمل: ٢٢] أي: لبث، (ما شاء الله) أي: من الزمان، (ثم أصاب ذنبًا، فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي). قال القرطبي: ((فائدةُ هذا الحديث: أن العود إلى الذنب، وإن كان أقبحَ من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى ملابسة الذنب نقض التوبة = لكن العود إلى التوبة أحسن من ابتدائها لأنه انضاف إليها ملازمة الطلب من الكريم، والإلحاح في سؤاله، والاعتراف بأنه لا غافر للذنب سواه)). (فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي، ثم مكث ما شاء اللّان، ثم أصاب ذنبًا فقال: رب، أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي). قال النووي: ((في هذا الحديث: أن الذنوب ولو تكررت مئة مرة، بل (١) أخرجه أحمد (١٥٤/٥). ١٣٨٢ الحرز الثمين الحصن الحصين ألفا وأكثر، وتاب في كل مرة قبلت توبته، ولو تاب من الجميع توبةً واحدةً صحت توبته))، انتهى. وقوله: (ثلاثًا) ليس ظرفًا لقوله: ((غفرت)) كما [يتبادر إلى](١) وهم من لا فهم له، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب في الحديث بين العبد والرب. وقوله: (فليعمل ما شاء) مترتب على عادته المعروفة من الوقوع في المعصية والرجوع إلى التوبة، وليس المراد به الأمر على وجه الإباحة بالمخالفة، بل قد يطلق الأمر للتلطف وإظهار العناية والشفقة، كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يباعد عنك ويقصر في حقك: ((افعل ما شئت، فلست أعرض عنك، ولا أترك ودادك)). وهو في الحديث بهذا المعنى، أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل ثم استغفرت عنه غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا ما دمت تائبًا عنها، مستغفرًا إياها. (خ، م، س) أي رواه: البخاري، ومسلم، والنسائي، عن أبي هريرة(٢). (طوبى) فُعْلَى من الطيب، قلبت ياؤه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها؛ ففي ((الصحاح)): (يقال: طوبى لك وطوباك)). (١) كذا في (ب) و(د)، وفي (أ): ((يتبادر إليه))، وفي (ج): ((تبادر إلى)). (٢) أخرجه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٤١٩). ١٣٨٣ الحرز الثمين الحصن الحصين قلت: وفي التنزيل ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ [الرعد: ٢٩]؛ فقيل: ((طوبى: اسم شجرة في الجنة))، وقيل: (([اسم](١) الجنة)) على ما ذكره في ((النهاية))، وقيل: كلمة إنشاء لأنه دعاء معناه: أصاب خيرًا)). والأظهر أن معناه: الحالة الحسنى. (لمن وجد) أي: صادف، (في صحيفته استغفارًا كثيرًا) قال السبكي الكبير: ((الاستغفار: طلب المغفرة باللسان أو بالقلب أو بهما، فالأول: فيه نفع؛ لأنه خير من السكوت، ولأنه يعتاد فعل الخير. والثاني: نافع جدًّا. والثالث: أبلغ منه لكنهما لا يمحصان الذنب حتى توجد التوبة، فإن العاصي المصر يطلب المغفرة ولا يستلزم ذلك وجود التوبة منه ... )). إلى أن قال: ((والذي ذكرته من أن معنى الاستغفار غير معنى التوبة هو بحسب وضع اللفظ، لكنه غلب عند كثير من الناس أن لفظ: ((أستغفر اللّه)) معناه التوبة، فمن كان ذلك معتقده فهو يريد التوبة لا محالة)). ثم قال: ((وذكر بعض العلماء: أن التوبة لا تتم إلا بالاستغفار لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٣]، والمشهور أنه لا يشترط))، كذا ذكره ميرك عن الشيخ. قلت: الآية دالة على أن الاستغفار غير التوبة، وأنها تتم بدونه لعطفها عليه بـ(ثم)) المشير بها إلى أنها أعلى مرتبة منه ومغايرةً له، فمعنى الآية: استغفروا بلسانكم وتوبوا إليه بجنانكم، فإن الجمع بينهما أولى في مرتبة إحسانكم. (١) من (ج) و(د) و((النهاية)) فقط. ١٣٨٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (ق) أي: رواه ابن ماجه من حديث عبدالله بن بسر - بضم الموحدة وسكون السين المهملة - بإسناد صحيح، ورواه النسائي أيضًا في ((عمل اليوم والليلة))، ورواه البيهقي أيضًا (١). (وتقدم حديث الذي شكى إليه عليه السلام ذَرَب لسانه) بفتحتين أي: حِدّته، وفي ((السلاح)): ((بفتح الذال المعجمة والراء: هو الفحش)). (فقال: أين أنت من الاستغفار؟) أي: حيث إنه يصلح لرفعه ودفعه. (مص، ي) أي رواه: ابن أبي شيبة، وابن السني؛ كلاهما عن حذيفة(٢). (وكيفية الاستغفار) أي: الوارد على طريق الاختصار، (أستغفر اللّه، أستغفر الله) أي: على قصد التكرار والإكثار. (موم) أي: رواه مسلم موقوفًا عن الأوزاعي، قال ميرك: ((ثقة فقيه كوفي، من كبار أتباع التابعين، واسمه عبدالرحمن بن عمرو))(٣). وقد سبق رواية مسلم، والأربعة، عن ثوبان مرفوعًا: ((أنه عليه السلام قال (١) أخرجه ابن ماجه (٣٨١٨) عن عبد الله بن بسر، وأخرجه أبو نعيم (٣٩٥/١٠) عن عائشة، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣٩٣٠). قال المنذري في الترغيب والترهيب (٣٠٩/٢): رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٥٤)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٤٥٠)، والطبراني في ((الدعاء)) (١٨١٣)، (١٨١٥)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٣٦٢)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ٢٦٧). (٣) أخرجه مسلم (٥٩١) ولأبي داود (١٥١٣)، والترمذي (٣٠٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي (٦٨/٣ -٦٩). - ١٣٨٥ الحرز الثمين الحصن الحصين بعد فراغ صلاته: أستغفر الله، ثلاث مرات)) فلا وجه لنسبته إلى الأوزاعي. (من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيّوم) بنصبهما صفة أو مدخًا، وفي نسخة برفعهما بدلاً من الضمير، أو على المدح، أو على أنه خبر مبتدٍ محذوف. (وأتوب إليه، غفر له وإن كان قد فر من الزحف) بفتح الزاي وسكون الحاء وبالفاء، أي: فر من الجهاد ولقاء العدو في الحرب، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، أي: يمشون، يقال: ((زحف إليه زحفًا، إذا مشى نحوه))، كذا في ((النهاية)) (١). والتحقيق: أن أصلَه من زحف الصبي قبل أن يمشي، ولما كان سير الجيش الكبير والجمع الكثير، يُرى في بادئ الرأي أنه بطيء = أطلق عليهم الزحف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُؤُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]، ثم رأيته في ((النهاية)): ((الزحف: الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زحف الصبي، إذا دبّ على استه قليلًا قليلًا)). وقال المظهر: ((هو اجتماع الجيش في وجه العدو، أي: من حرب الكفار له من حيث لا يجوز الفرار بأن لا يزيد العدو على مثلي عدد المسلمين». (د، ت) أي رواه: أبو داود، والترمذي؛ كلاهما عن زيد مولى النبي عليه السلام، قال الترمذي: ((هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه))، (١) النهاية (٢ / ٢٩٧) ١٣٨٦ الحرز الثمين الحصن الحصين يعني: من طريق بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي، عن جدي، أنه سمع رسول الله ﴾(١). قال الحافظ المنذري: ((إسناده جيد متصل، فقد ذكر البخاري في ((تاريخه)) أن بلالًا سمع أباه يسارًا، وأن يسارًا سمع من أبيه زيدٍ مولى رسول الَّهَ ﴾، وقد اختلف في يسارٍ والد بلال أنه بالباء الموحدة، أو بالياء المثناة التحتانية، وذكر البخاري في ((تاريخه)) أنه بالموحدة، والله أعلم)». وقال المصنف في ((تصحيح المصابيح)): ((ليس زيد هذا زيد بن حارثة والد أسامة، بل هو أبو يسار روى عنه ابنه يسار هذا الحديث، ذكره البغوي في ((معجم الصحابة))، وقال: ((لا أعلم له غير هذا الحديث))). مَلمُ وقال العسقلاني في ((التقريب)): ((زيد والد يسار مولى النبي صحابي له حديث، وذكر أبو موسى المديني أنه كان عبدًا نوبيًّا)). (ثلاث مرات. ت(٢)، مو ط) رواه الترمذي من حديث زيد المذكور (١) أخرجه الترمذي (٣٥٧٧) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو داود (١٥١٧) وابن سعد (٦٦/٧)، والطبراني (٨٩/٥) رقم (٤٦٧٠)، قال المنذري: وذكره البغوي في معجم الصحابة: بالباء، وقال: لا أعلم لزيد مولى رسول اللّه ◌َ﴾ غير هذا الحديث، وذكره البخاري في تاريخه: بالباء، وذكر أن بلالاً سمع من أبيه يسار وأن يساراً سمع من أبيه زيد والله أعلم ((الترغيب والترهيب)) (٤٧٠/٢). وانظر: تعقب الناجي على المنذري في عجالة الإملاء (٥٧٨/٤) ويسار بن زيد أبو بلال مولى النبي 8# ذكره ابن حبان في الثقات، وسكت عنه أبو حاتم، وقال الذهبي: لا يعرف. وقال الحافظ في ((التقريب)): مقبول (ت٧٨٥٣). (٢) بعدها في (أ) و(ج) و(د) و(م): ((حب))، ولم يذكره المؤلف فيمن خرجوا الحديث. ١٣٨٧ الحرز الثمين للحصن الحصين مرفوعًا، ورواه الطبراني موقوفًا من قول ابن مسعودٍ. وقال صاحب ((السلاح)): ((ورواه الحاكم من حديثه، وقال: ((صحيح على شرطهما))).(١) وقال ميرك: ((ورواه الحاكم عن ابن مسعودٍ، وقال: ((على شرطهما)) إلا أنه قال: ((يقولها ثلاثًا)). وقال صاحب ((السلاح)): ((رواه الترمذي من حديث أبي سعيدٍ، وقال فيه: ((ثلاث مراتٍ)))).(٢) وقال ميرك: ((رواه الترمذي من حديث أبي سعيد بلفظ: ((من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، ثلاث مرات، غفر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر، وإن كانت عدد ورق الشجر، وإن كانت عدد رمل عالج، وإن كانت عدد أيام الدنيا»، وليس فيه ذكر الفرار من الزحف، ثم قال الترمذي بعد إيراده: ((هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه))). (خمس مرات، غفر له وإن كان) أي: ولو كان (عليه) أي: من الذنوب (مثل زبد البحر) أي: في الكثرة والعظمة، وهو بالرفع على أنه اسم ((كان))، (١) وصححه الحاكم (٥١١/١)، انظر ((الأحاديث الصحيحة)) (٢٧٢٧). والحديث صحيح لغيره كما في ((صحيح الترغيب)) (١٦٢٢). (٢) أخرجه الترمذي (٣٣٩٤) فيه عبيد الله بن الوليد الوصافي، وشيخه عطية العوفي وهما ضعيفان، وأخرجه أحمد (٣/ ١٠)، وأبو يعلى (١٣٣٩). والحديث في ((ضعيف الترغيب)) (٣٤٩). ١٣٨٨ الحرز الثمين الحصن الحصين وخبره ((عليه) مقدّم. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن أبي سعيد(١). (وإن كنّا) مخففة من الثقيلة بقرينة اللام في قوله: (لنَعُدّ) بفتح النون وضم العين وتشديد الدال، أي: لنحصي، (لرسول اللّه (#) أي: لقوله، (في المجلس الواحد: ربّ اغفر لي) وهو منصوب المحل على أنه مفعول، والمعنى: اغفر لي فيما مضى (وتب علي) أي: وثبتني على التوبة فيما يبقى، أو وارجع علي بالرحمة بتوفيق الطاعة، (إنك أنت التواب) أي: وهَّاب التوبة وموفقها، وقابلها ومثبتها. (الرحيم. د، حب) أي: كثير الرحمة على أهل الطاعة والراجعين عن المعصية والغفلة وهو رواية أبي داود وابن حبان المرموزين فوقه على النسخ المصححة، و((الغفور))(٢) بدلًا عنه برواية الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، على ما رمز رموزهم فوقه في الأصول المعتمدة، فهذا خلاف عارضٌ في أثناء الحديث، وتتمته المتفق عليها: (مئة مرة) لنعد على المفعول المطلق. (عه، حب) أي رواه: الأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عُمَر، قال الترمذي: ((حسن غريب صحيح))(٣). (وما أحسن قولَ الربيع) بالراء والموحدة على وزن البديع، (بن خُثَيم) (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٠٦٠). (٢) كتب بعدها في (م) الرموز: ((ت، س، ق))، وهي مثبتة في حاشية (ج). (٣) أخرجه أبو داود (١٥١٦)، والترمذي (٣٤٣٤) وقال حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في الكبرى (١٠٢٩٢)، وفي عمل اليوم والليلة (٤٥٨)، وابن ماجه (٣٨١٤)، والبغوي (١٢٨٩)، راجع الصحيحة (٥٦٦). ١٣٨٩ الحرز الثمين الحصن الحصين بضم المعجمة وفتح المثلثة: ابن عائذ بن عبدالله أبو يزيد الكوفي ثقة عابد(١)، قال له ابن مسعود: (لو رآك رسول اللّهَ ﴿ لأحبك))(٢)، كذا في ((التقريب) العسقلاني. (رضي الله عنه) كذا في النسخ الحاضرة كلها مع أنه ليس من الصحابة. ولعل المصنف دعا له بهذا الدعاء لكمال رضاه عنه في قوله: (لا يقل أحدكم) أي: بلسانه من غير مواطأة جنانه، (أستغفر الله) أي: لئلا يكون كالمستهزئ بربه، (وأتوب إليه) فإنه بمجرد هذا اللفظ يكون من توبة الكذّابين، (فيكونَ) بالنصب على جواب النفي، والضمير لقوله المركب من الجملتين، (ذنبًا) أي: من جهة إخبار استغفاره، (وكذبًا) أي: من جهة دعوى توبته، وهو بفتح الكاف وكسر الذال، وفي نسخة صحيحة بكسر فسكون، ويمكن أن يكون قوله: ((كذبًا)) عطف تفسير لـ((ذنبًا)). (بل يقول: اللهم اغفر لي) أي: ليكون نصًّا في طلب المغفرة، ويخرج عن كونه إخبارًا، وكذا في قوله: (وتب علي) أي: بتوفيق الطاعة، (١) الربيع بن خُثَيم بن عائذ بن عبد اللّه بن موهب الثوري أبو يزيد الكوفي. ثقة عابد مخضرم، روى عن النبي ﴿﴿ مرسلًا، وعن ابن مسعود وغيره، وعنه ابنه عبد الله ومنذر الثوري والشعبي وهلال بن يساف وإبراهيم النخعي وبكر بن ماعز وغيرهم. روى الإمام أحمد في الزهد عن ابن مسعود أنه كان يقول للربيع: والله لو رآك رسول الله ﴾ لأحبك. مات سنة إحدى وقيل ثلاث وستين. أخرج له الشيخان وغيرهما. انظر ترجمته في: (التهذيب ٢١٠/٣). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٦٦٩٩). ١٣٩٠ الحرز الثمين الحصن الحصين وبالرجوع علي [بالرحمة](١). (وليس) أي: معنى هذا القول، (كما فهم بعض أئمتنا) وهو الإمام النووي(٢) على ما سيأتي، (أن الاستغفار على هذا الوجه يكون كذبًا) أي: فقط، (بل هو ذنب) أي: إثم آخر أيضًا، وإلا فكل كذب ذنب، (فإنه إذا استغفر من قلبٍ لاوٍ لا يستحضر طلب المغفرة، ولا يلجأ إلى الله بقلبه، فإن ذلك ذنب عقابُه الحرمان). أقول: قد تقدم عن السبكي أن الاستغفار على كل حالٍ له نفعٌ. نعم، مع حضور القلب مع الرب نور على نور، فترك الكمال لا يعد ذنبًا، فإن العلماء أجمعوا على أن من ذكر الله أو استغفره بلسانه من غير إحضار جنانه لا يكون مذنبًا، بل يكون عابدًا باعتبار بعض أعضائه، وكذلك الجمهور من العلماء على عدم اشتراط حضور القلب في الصلاة إلا في مبدئها حال النية. ثم قول المصنف: (وهذا كقول رابعة(٣): استغفارنا يحتاج إلى استغفارٍ كثيرٍ) صحيحٌ، لكن ليس مما يدل على أنها عدت الاستغفار اللساني ذنبًا شرعيًّا، بل أرادت به أن حسناتِ الأبرار سيئاتُ المقربين؛ فإن الغفلة عندهم معصيةً بل جعلها بعضهم كفرًا، وقد علم كل أناس مشربهم، كما يعلم كل طائفة من العلماء مذهبهم. (١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((بالمرحمة). (٢) الأذكار (ص ٦٣٧). (٣) الأذكار (ص ٦٣٧). = ١٣٩١ الحرز الثمين الحصن الحصين وهنا مسلك دقيق للصوفية حيث قالوا: ((إن الاستغفار من الذنب ذنبٌ آخرُ لتضمنه دعوى الوجود والقدرة والفعل لما سواه، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). (وأما إذا قال: أتوب إلى اللّه، ولم يتب فلا شك أنه كذب) أقول: وكذا إذا قال: أستغفر الله، ولم يطلب المغفرة بأن يكون خالي الذهن، فلا شك أنه كذب، وأما إذا أريد بهما الدعاء - وإن كان بلفظ الإخبار - فلا يكون ذنبًا، ولا كذبًا، فيوافق حينئذٍ قوله: (وأما الدعاء بالمغفرة والتوبة فإنه وإن كان غافلا) أي: لاهيًا غيرَ مستحضر لطلب المغفرة، وحصول التوبة، ويستحق عليه المقت في الجملة، (فقد يصادف وقتًا) أي: يجد زمانًا لإجابة الدعاء ضمنًا، (فيقبل) بصيغة المجهول أي: فيقبل حينئذٍ دعاؤه، وإن لم یکن مقّدا بحضور قلبه وسائر شروطه. (فمن أكثر طرق الباب) أي: دقه للدخول وملازمة الوصول (يوشك أن يلج) أي: يقرب أن يدخل إلى الباب، ويصل إلى مرتبة الثواب، وحسن المآب كما قيل: ((من لج ولج)). وفيه: أن هذا المعنى يعم الدعاء والذكر والصلاة والتلاوة وسائر الوسائل مما دُوِّن فیه الرسائل، ويقصده كل طالب وسائل، سواء يكون بلفظ الإخبار أو على جهة الإنشاء. (ويوضح ذلك) أي: يبين ما قررناه، ويعين ما حررناه، (إكثاره ﴿4 في المجلس الواحد منه) أي: من قوله أستغفر الله، (مئة مرة) أي: لما كان ١٣٩٢ الحرز الثمين الحصن الحصين له من حضور القلب مع شهود الرب، (وقطعه) أي: وقطع حکمه، (لمن قال: أستغفر الله وأتوب إليه بالمغفرة وإن كان قد فر من الزحف، مرة أو ثلاث مرات) أي: باختلاف الروايات. ولا شك أن كون الاستغفار والتوبة على وجه الكفارة إنما يكون مشروطًا بالاستحضار دون الغفلة وأما كونه بدونه ذنبًا فلا دلالة عليه، ولا إشارة إلیه، فالأمر موقوف لديه. (فها) أي: فخذ أو فتنبه، (قد كشف لك الغطاء) بكسر الغين المعجمة، و(كشف)) بصيغة المجهول أي: أزيل لأجلك الحجاب، ورفع لك النقاب، عن وجه الصواب في العطاء. قال المصنف: ((بيانه أن قول القائل: ((أستغفر الله وأتوب إليه)) لا بد أن يكون على حقيقته في استحضاره بقلبه لا بمجرد القول بحيث تكون التوبة بشروطها، وهي: الندم على ما تقدم منه، والإقلاع في الحال، والعزم على أن لا يعود. [وأضاف إليها بعضهم](١): مفارقة المكان الذي صدر عنه [فيه](٢) المعصية. وزاد آخرون: هجر قرناء السوء الذين كانوا معه في المعصية. وشرط قوم: أن لا يعود بعدها إلى ذلك الذنب. فهذا يغفر له وإن كان قد فرَّ من (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((إليها واختار))، وفي ((مفتاح الحصن الحصين)): ((وأضاف بعضهم)). (٢) كذا في (ب) سسو((مفتاح الحصن الحصين))، وفي (أ): ((في)). ١٣٩٣ الحرز الثمين الحصن الحصين الزحف، وإن كان ذنوبه أكثر من زبد البحر، وأما الدعاء فلا يشترط فيه هذه الشروط))(١). قلت: وفيه بحثان: أحدهما: أن التوبة بشروطها سبب تحقق المغفرة ووجوبها، لأنه لا يستحق المغفرةَ أحدٌ بدون وجودها، ف﴿إِن اٌللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذه المغفرة قد تكون بلا سبب، وقد توجد بسبب ذكر أو عبادة مع حضورٍ أو غفلةٍ، فإن فضل اللّه واسع، ورحمته عظيمة. وثانيهما: أن الدعاء أيضًا له شرائط لقبوله، وأركان لحصول وصوله، فلا كل دعوة مقبولة، ولا كل مسألة محصولة؛ فقد روى الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّهَ ﴿﴾: ((اعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ))، وقال: ((هذا حديث غريب))(٢). ولا يخفى أن الغرابة لا تنافي الحسن [والصحة](٣)، وأما ما قال صاحب ((الأذكار)): ((إنه غريب ضعيف))، فلعل ضعفه من جهة أخرى، (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٧ / أ). (٢) أخرجه الترمذي (٣٤٧٩) وقال: حديث غريب، والحاكم (٤٩٣/١) وكذلك الطبراني في الأوسط (٥١٠٩)، وتفرد به صالح بن بشير المري وهو ضعيف كما قال الحافظ في التقريب (٢٨٤٥) وحسنه الألباني في صحيح الجامع (٢٤٥) وفي السلسلة الصحيحة ٥٦٤). (٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((ولا الصحة)). ١٣٩٤ الحرز الثمين الحصن الحصين مع أن الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال اتفاقًا مع أن الإجماع على أن الاستجابة الكاملة إنما تكون مع الدعوة بوجود الشروط التامة. (فاختر لنفسك ما يحلو) بالتذكير، وفي نسخة بالتأنيث(١)، أي: ما يعجبك أو ما تستحسنه نفسك؛ ففي ((الصحاح)): ((يقال: حَلَا عيني، وفي عيني، يحلو حلاوة، إذا أعجبك))، وقد أغرب الحنفي حيث قال: ((إن كان بالياء آخر الحروف فهو من الحلاوة، يقال: حلا الشيء يحلو حلاوة، وإن كان بالتاء المثناة من فوقُ، فهو من قولهم: حلوته أحلوه حلوانًا))، ثم قال: ((والحلوان مصدرٌ كالغفران، ونونه زائدة، وأصله من الحلاوة))، كذا في ((النهاية))(٢). (وفي كتاب ((الزهد)) عن لقمان: عود لسانك [باللهم](٣) اغفر لي فإن لِلّهَ ساعاتٍ لا يرد فيهن سائلًا)(٤) قلت: وكذلك ورد في الحديث: ((إن اللّه في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها))(٥)، وهو يعم الأدعية والأذكار، وسائر العبادات، على أي حالة من الحالات. (١) أي: فاختر لنفسك ما تحلو. (٢) النهاية (١ / ٤١٨). (٣) كذا في (ب) و(ج) و(د)، وفي (أ): ((يا اللهم)). (٤) أخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول (٩٧١) (٥) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٣٣/١٩) (٥١٩)، وانظر قول الهيثمي في المجمع (٢٣١/١٠)، وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (١٩١٧). ١٣٩٥ الحرز الثمين الحصن الحصين وليس في هذا كله ما يناقض قول الإمام النووي حيث قال في ((الأذكار)): عن الربيع بن خثيم أنه: ((لا تقل: أستغفر الله وأتوب إليه، فيكون ذنبًا وكذبًا إن لم تفعل، بل قل: اللهم اغفر لي، وتب علي)). قال النووي: ((هذا أحسن، وأما كراهة ((أستغفر الله))، وتسميته كذبًا، فلا يوافق عليه، لأن معنى أستغفر الله: أطلب المغفرة من الله، وليس هذا كذبًا)). قال: ((ويكفي في رده حديث ابن مسعود بلفظ: ((من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه، وإن كان فر من الزحف))، أخرجه أبو داود، والترمذي، وصححه الحاكم))(١). وقال ميرك: ((هذا في لفظ: ((أستغفر اللّ))، وأما ((أتوب إليه)) فهو الذي عنى الربيع أنه كذبٌ، وهو كذلك إذا قاله، ولم يفعل التوبة كما قال، وفي الاستدلال للرد عليه بحديث ابن مسعود نظر؛ لجواز أن يكون المراد منه ما إذا قالها وفعل شرط التوبة، ويحتمل أن يكون مراد الربيع مجموع اللفظين لا خصوص ((أستغفر الله))، فيصح كلامه كله)). قلت: ويدل عليه عدوله عنهما بقوله: ((اللهم اغفر لي، وتب علي)). والتحقيق أنه لم يرد به الذنب الشرعي الحقيقي، بل قصد التقصير الطريقي، والتنبيه على أن الدعاء حال الغفلة، أولى من الأذكار بلفظ الإخبار، خصوصًا عن التوبة، والله أعلم. (١) سبق تخريجه. ١٣٩٦ الحرز الثمين الحصن الحصين (فضل القرآن العظيم وسور منه وآيات ) أي: هذا فصل فضل القرآن العظيم جملة، وفضائل بعض السور منه وبعض الآيات منها أو منه مخصوصة. (اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة) أي: يحضر حضورًا مَعْنَوِيًّا، أو حسِّيّا صوريّا، (شفيعًا لأصحابه) أي: ممن يقرأ القرآن غيبًا أو عينًا. (م) أي: رواه مسلم عن أبي أمامة الباهلي(١). (يقول الله سبحانه وتعالى: من شغله القرآن) أي: لفظًا أو حفظًا، مبنى أو معنَى، أو عملًا، أو تخلقًا، (عن ذكري) أي: من سائر الأذكار، (ومسألتي) أي: من بقية الأدعية، (أَعْطيْتُهُ أفضلَ ما أُعْطِي) على صيغة المضارع المعلوم المتكلم الواحد، أي: أفضل ما أعطيه (السائلين) أي: والذاكرين، فهو من باب الاكتفاء، أو المراد بـ(السائلين)) الطالبون في ضمن الذكر أو الدعاء، بلسان القال، أو ببيان الحال. ثم قوله: (وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله تعالى على خلقه) جُملةٌ استئنافيةٌ قائمةٌ مقامَ العلة للجملة السابقة، أي: سواء يكون من تتمة كلام اللّه عز وجل على أنه حينئذٍ فيه التفاتٌ، أو على أنه من كلام النبي ﴾، وهو الأظهر؛ لئلا يحتاج إلى ارتكاب الالتفات، أو على أنه من كلام بعض الرواة على ما نُقل عن البخاري أنه قال: ((هذا من كلام أبي (١) أخرجه مسلم (٨٠٤). ١٣٩٧ الحرز الثمين الحصن الحصين سعيد الخدري الراوي، أدرجه في الحديث ولم يثبت رفعه)). لكن فيه نظر؛ فإن هذه الجملة بانفرادها ذكرها السيوطي في ((جامعه)) - برواية البيهقي في ((سننه))، وأبي يعلى في ((معجمه)) - عن أبي هريرة مرفوعًا، ولفظه: ((فضل القرآن على سائر الكلام، كفضل الرحمن على سائر خلقه)). هذا، وقال المظهر: ((يعني: من اشتغل بقراءة القرآن ولم يفرغ إلى الذكر والدعاء، أعطاه الله تعالى مقصوده ومراده أحسن وأكثر مما يُعطي الذي يطلبون من اللّه حوائجهم، والمعنى: أنه لا يَظن القارئ أنه إذا لم يطلب من الله حوائجه لا يعطيه إياها، بل يعطيه أكمل الإعطاء؛ فإنه من كان للّة کان الله له»، انتهى. وعن الشيخ عبدالله بن خفيف الشيرازي قدس سرّه: ((إنْ شَغَل القرآن القيام بواجبات إقامة فرائضه واجتناب محارمه، فإن من أطاع اللّه فقد ذكره وإن قلَّتْ صلاته وصومه، ومن عصاه فقد نَسیه وإن کثرت طاعته)). (ت، مي) أي: رواه الترمذي، والدارمي؛ كلاهما عن أبي سعيد الخدري، ولفظ الدارمي: ((ذكري عن مسألتي))، ورواه البيهقي في (شعب الإيمان)) أيضًا، وقال العسقلاني(١): ((رجاله ثقات، إلا عطية العوفي [فقية](٢) ضعيف)) (٣). (١) انظر الفتح (٦٦/٩). (٢) هذا ما يقتضيه السياق، وفي (أ) و(ب) و(د): ((فثقة))، وفي (ج): ((فقيل إنه)). (٣) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦) وإسناده ضعيف جداً. قال أبو حاتم في العلل (١٧٣٨): ((منكر)). وفي إسناده عطية وهو العوفي قال عنه الحافظ في = ١٣٩٨ الحرز الثمين الحصن الحصين قال المصنف: ((وفي رواية: ((من شغله القرآن وذكري عن مسألتي))، والجمع بين ذلك: أن تلاوة القرآن أفضل من الذكر بلا خلاف كما تقدم في أول الكتاب، إلا فيما شُرِعَ لغيره، ثم الذكر أفضل من الدعاء إلا فيما شرع فيه الدعاء. والحاصل أن قراءة القرآن أفضل من الذكر، والذكر أفضل من الدعاء من حيث النظر إلى كل منهما مجردًا، وقد يَعْرِضُ للمفضُول ما يجعله أولى من الفاضل بل يُعَيّنه، فلا يجوز أن يُعْدَل عنه إلى الفاضل. مثالها: أن التسبيح في الركوع والسجود أفضل من قراءة القرآن فيهما؛ فإنها مَنْهيٌ عنها نَهْيَ [كراهةٍ](١) أو تحريمٍ، وكذلك التسبيح والتحميد في محلهما أفضل من القراءة، وكذلك التشهد، وكذا «رَبّ اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني)) بين السجدتين = أفضل من القراءة والذكر. وأما الذكر عقيب السلام من الصلاة، من التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير = أفضل من الاشتغال عنه بالقراءة، وكذا إجابة المؤذن والقول كما يقول أفضل من القراءة، وإن كان فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه؛ إذ لكل مقام مقالٌ، فليُعْلم ذلك»(٢). = ((التقريب)) صدوق يخطئ كثيراً وكان شيعياً مدلساً (ت٤٦٤٩). وانظر: الضعيفة (١٣٣٥). (١) كذا في (ب) و((مفتاح الحصن الحصين))، وفي (أ) و(ج) و(د): ((كراهية)). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٧ / أ). ١٣٩٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (تعلموا القرآن) أي: أوّلًا، (واقرءوه) أي: ثانيًا، وفي نسخة صحيحة: ((فاقرءوه))، أي: [فَدَاوِمُوا](١) على قرأته ومتابعته، فإن المتابعة هي المقصودة الأصلية من التلاوة؛ ولذا قال: (فإن مثل القرآن) أي: وصفه العجيب الشأن، (لمن تعلمه فقرأه، وقام به) أي: عملاً أو تعليمًا؛ لما في حديث: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وفي كلام عيسى العَّها: ((من عَلِم وعَمِل وعَلّم، يُدْعى في الملكوت عظيمًا)). (كمثلٍ جِرَابٍ) بكسر الجيم، واحد الأجربة، معروفٌ، وفتحه خطأ، ذكره المصنف، ومن لطائف أهل اللغة: ((لا يفتح الجراب ولا يكسر القنديل))، أي: وعاء، وفي ((نسخة الجلال)): ((الجراب)) [مُعَرَّفًا](٢)، قال الطيبي: ((وخُصَّ الجراب بالذكر احترامًا؛ لأنه من أوعية المسك))، (مُلِيَ) بضم ميم، وكسر لام، فهمز، أي: امتلأ (مِسْكًا) تمييز، أي: طيبًا عظيمًا (يَفُوح رِيحُهُ) أي: يظهر [ريحه](٣) (في كل مكان). (وَمَثَلُ من يتعلمه فَيَرْقُدُ) وفي نسخة: ((ويرقد)) (وهو في جوفه) جُملة حالية، أي: ينام ويغفل عنه، ولا يشتغل به على الوجه المذكور؛ لأن من كان كذلك كأنه نائمٌ، وذلك بقرينة مقابلته لقوله: ((فقرأ وقام به))، فهو أولى من قول المصنف: (((قام به)) يعني قيام الليل))، بدليل قوله: «فيرقد (١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((فَدُومُوا)). (٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ج): ((معروفا))، وفي (ب): ((معرفٌ)). (٣) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((رائحته)). ١٤٠٠ الحرز الثمين الحصن الحصين وهو في جوفه))(١)؛ فإنّ صرف الثاني عن الظاهر أولى من حيث المعنى من عكسه، كما اختاره، على أن مآل العبارتين واحد؛ فإن من جملة القيام به علمًا وعملًا قيام الليل صلاةً وقراءةً؛ [أو] (٢) لأن بركة القيام بقراءته في الليل سبب البركة القيام بمتابعته في النهار. (كمثل جرابٍ أُوكِي) بصيغة المجهول، أي: شُدَّ بالوكاءِ، وهو: الخيط الذي يشد به الوعاء (على مِسْكٍ) أي: مشتملاً عليه مانعًا من فوح الريح لدیه. قال المظهر: ((يعني: صَدْرُ القارئ كجراب، والقرآن في صدره كالمسك في الجراب؛ فإن من قرأَ يصل بركته منه إلى بيته وإلى السَّامِعِين، ويحصل استراحة وثوابٌ إلى حيث يصل إليه صَوته، فهو كجرابٍ مملوءٍ من المسك، إذا فُتِحَ رأسُهُ تصل رائحته إلى كل مكان حوله، ومن تعلم القرآن ولم [يقرأه](٣) لم يصل بركته منه، لا إلى نفسه ولا إلى غيره، فيكون كجراب [مشدودٍ](٤) رَأْسُهُ وفيه مسك، فلا تصل رائحته منه إلى أحد)). (ت، س، ق، حب) أي رواه: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٧ / أ). (٢) من (أ) و(ج) فقط، وفي (د): ((و)). (٣) كذا في (أ)، وفي (ب) و(ج) و(د): (يقرأ)). (٤) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((مسدود)).