Indexed OCR Text
Pages 741-760
٧٤١ الحرز الثمين الحصن الحصين أي: حملته قدمي، وهو تعميم بعد تخصيص، وإجمال بعد تفصيل. و((قدمي) بصيغة الإفراد، وهو مؤنث، وأما قول الحنفي: ((يجوز أن يكون بتشديد الياء على لفظ التثنية، وأن يكون بتخفيفها على لفظ الواحد))، فخطأ رواية ودراية، نشأ من عدم القراءة على المشايخ المعتبرة، وعدم التتبع للأصول المعتمدة، والنسخ المصححة، ومن قلة التأمل في القواعد العربية، فإنه لو أريد به التثنية، لقيل: ((قدماي)) لكونه مرفوعًا على الفاعلية، لـ((ما استقلت))، ففي ((القاموس)): ((استقله: حمله ورفعه، کقله وأقله)). (اللّه رب العالمين) متعلق بـ ((خشع)). (س، حب) أي رواه: النسائي، وابن حبان؛ كلاهما عن جابر(١). (سبوح، قدوس، رب الملائكة والروح. م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ كلهم عن عائشة(٢). (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك. خ، م، د، س، ق) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن عائشة أيضًا(٣). (١) أخرجه النسائي (٢/ ١٩٢)، وفي ((الكبرى)) (٦٤٢)، وابن حبان (١٩٠١) (٢) أخرجه مسلم (٤٨٧)، وأحمد (٣٤/٦)، وأبو داود (٨٧٢)، والنسائي (٢٢٤/٢). (٣) أخرجه البخاري (٨١٧)، مسلم (٤٨٤)، وأبو داود (٨٧٧)، والنسائي (٢١٩/٢)، وابن ماجه (٨٨٩)، وأحمد (٤٣/٦)، وأخرجه الطبراني في الدعاء = ٧٤٢ الحرز الثمين الحصن الحصين (اللهم اغفر لي ذنبي كله، دِقَّهُ) بكسر الدال المهملة وتشديد القاف، (وجِلّهُ) بكسر الجيم وتشديد اللام، أي: قليله وكثيره، وقيل: ((الدق بكسر الدال: الدقيق، والجل بكسر الجيم وضمها: الجليل))، وقال في ((النهاية)): ((المراد بالدق: الصغير، وبالجل: الكبير)). قال الطيبي: ((وإنما قدم الدِّقَّ على الجِلٍّ؛ لأن السائل يتصاعد في مسألته، ولأن الكبائر تنشأ غالبًا من الإصرار على الصغائر، وعدم المبالاة بها، فكأنها وسائل إلى الكبائر، ومن حق الوسيلة أن تقدم إثباتًا ونفيًا». (وأوَّلَه وآخرَهُ، وَعَلانِيتُهُ وسرَّهُ) فإن قلت: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما فائدته؟ قلت: فائدته بيان الافتقار إلى الله تعالى، والإذعان له، وإظهار العبودية والشكر للنعمة، وطلب الدوام، أو الاستغفار عن ترك الأولى، أو [عن] (١) التقصير في بلوغ حق عبادة المولى، مع أن نفس الدعاء هو العبادة، وهذا من رسول اللّه # عمل بما أمر به في قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحِ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ ﴾ [النصر: ٣] على أحسن الوجوه. وكان يأتي به في الركوع والسجود كثيرًا؛ لأن [الاستغفار](٢) في حالة الصلاة أفضل من غيرها، ثم في تينك الحالتين زيادة خضوع وخشوع، = (٦٠٠)، والبيهقي في السنن (١٠٩/٢)، وفي الدعوات الكبير (٧٦)، والبغوي في شرح السنة (١٦١٨). (١) من (ج) فقط. (٢) من (ج) فقط. ٧٤٣ الحرز الثمين الحصن الحصين ليست في سائرهما، فكان يختارهما لأداء هذا الواجب الذي أمر به ليكون أكمل، وعلى الوجه الأفضل. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود؛ كلاهما عن أبي هريرة(١). (اللهم سجد لك سوادي) أي: شخصي الظاهر، (وخيالي) أي: الباطن، (وبك آمن فؤادي) أي: قلبي، (أبوء بنعمتك عليَّ، وهذا ما جنيت على نفسي) أي: حاضر، وأنا به مقر. (يا عظيم) أي: عظيم المغفرة، (يا عظيم) أي: عظيم الرحمة، (اغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب العظيمة) أي: كمية وكيفية (إلا الرب العظيم) أي: ذاتًا وصفة. (مس) أي: رواه الحاكم عن ابن مسعود(٢). (سبحان ذي المُلْك) أي: مُلْكِ عَالَم الغيب والشهادة (والملكوت) أي: ملك عالم الغيب (سبحان ذي العزة) أي: الغلبة والمنعة (والجبروت) أي: القهر والقوة والقدرة، (سبحان الحي الذي لا يموت) أي: لا يزول ولا يفوت، (أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، جل وجهك) أي: عظمت ذاتك، وعلت صفاتك. (مس) أي: رواه الحاكم عن عمر (٢). (١) أخرجه مسلم (٤٨٣) وأبو داود (٨٧٨). (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (١ /٥٣٤) وقال: حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين، قلت: وفيه نظر حميد الأعرج ضعيف. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٨٨/٣) وقال حديث صحيح على شرط = ٧٤٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (رب أعط نفسي تقواها) أي: ألهمها ووفقها على أنواع تقواها من الشرك الجلي والخفي، (زكّها) أي: أنمها بالعلم النافع، والعمل الصالح (أنت خير من زكّاها) أي: طهرها (أنت وليّها) أي: متصرف أمرها (ومولاها) أي: مالكها وناصرها، وفيه تلويح إلى قوله: ﴿فَأَهَمَهَا لُورَهَا وَتَقْوَنُهَا (جَ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّتِهَا (﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنهَا﴾ [الشمس: ٨-١٠]، أي: خسر من نقصها، وبالجهالة والمعصية أخفاها. (أ) أي: رواه أحمد عن عائشة (١). (اللهم اغفر لي ما أسررت) أي: أخفيت (وما أعلنت) أي: أظهرت. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن عائشة أيضًا(٢). (اللهم اجعل في قلبي نورا، واجعل في سمعي نورا، واجعل في بصري نورا، واجعل أمامي) بفتح الهمزة، أي: قدامي (نورًا، واجعل خلفي نورا، واجعل من تحتي نورًا، وأعْظِم لي نورًا) بقطع الهمزة، أي: اجعل لي نورًا عظيمًا. (مص) أي: رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس (٣). البخاري ولم يخرجاه. (١) أخرجه أحمد (٢٠٩/٦). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٤٧). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٤١). ٧٤٥ الحرز الثمين الحصن الحصين ما يقال في سجدة التلاوة (وفي سجود القرآن) أي: يزيد على التسبيح إن شاء (سجد وجهي للذي خلقه وصوّره، وشق سمعه وبصره بحوله) أي: بتصرفه وقدرته (وقوته. س، د، ت، مس) أي رواه: النسائي، وأبو داود، والترمذي، والحاكم، عن عائشة (١). (مرارًا. د) أي: رواه أبو داود عنها أيضًا. (فتبارك الله أحسن الخالقين. مس) أي: رواه الحاكم عنها أيضًا. (اللهم اكتب لي عندك) أي: في مستقر عرشك (بها) أي: بسبب هذه السجدة، أو في مقابلتها وبدلها (أجرًا) أي: ثوابًا كاملًا (وضَعْ) أمر من الوضع، أي: حُطّ (عني بها وزرًا) بكسر أوله، أي: إثمًا (واجعلها لي عندك ذخرًا) بضم الذال المعجمة، أي: ذخيرة، (وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود. ت، ق، حب، مس) أي رواه: الترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاکم، عن ابن عباس(٢). (١) أخرجه أبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠، ٣٤٢٥)، والنسائي (٢٢٢/٢)، والحاكم في المستدرك (٢٢٠/١)، وأحمد (٣٠/٦)، والبغوي (٧٧٠). وقال الترمذي: حسن صحيح، ورواه الحاكم وقال: على شرطهما. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢٧٢٣). (٢) أخرجه الترمذي (٥٨٥) (٣٤٢٤)، وابن ماجه (١٠٥٣) وقال: هذا غريب من حديث ابن عباس لا نعرفه إلا من هذا الوجه. والحاكم (٢١٩/١ - ٢٢٠). = ٧٤٦ الحرز الثمين الحصن الحصين وقد استغرب الترمذي حديث الحسن بن محمد، فقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه). وقال العقيلي: (لايتابع على حديثه، ولا يعرف إلا به، وليس بمشهور بالنقل) وساق حديثه هذا، ثم قال: (لهذا الحديث طرق فيها لين). وقال الذهبي في المغني: (غير معروف) وقال في الكاشف: (غير حجة)، وقال الحافظ في التقريب: (مقبول). وممن قوى هذا الحديث النووي، حيث قال: (إسناده حسن) المجموع (٤/ ٧٣). وقال الحافظ في النتائج (١١٣/٢): (هذا حديث حسن)، وفي (١١٥/٢) أورد كلام العقيلي في حسن بن محمد، ولم يتعقبه. والظاهر أن هذا الحديث لايصح، فإن حسن بن محمد فيه جهالة، وقد تفرد به عن ابن جريج، وتفرد مثله عن ابن جريج غير مقبول. ومحمد بن يزيد بن خنيس القرشي المخزومي مولاهم، قال ابن حجر: مقبول، وذكره في طبقات المدلسين (٢٥) وقال بن حبان يعتبر حديثه إذا بين السماع في روايته. وقال الذهبي: قال أبو حاتم: شيخ صالح، كتبنا عنه والحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد المكي قال ابن حجر التقريب (١٢٨٢): مقبول. وقال الذهبي الكاشف (١٠٦٣): غير حجة. قال العقيلي لا يتابع على حديثه وليس بمشهور النقل أخرجا له حديثا واحدا في سجود الشجرة واستغرب الترمذي حديثه. وقال الحافظ في التهذيب (٢٧٦/٢): وحكى الذهبي عمن لم يسمه أن فيه جهالة، ولم يرو عنه غير ابن خنيس قلت وقد أخرج بن خزيمة وابن حبان = ٧٤٧ الحرز الثمین للحصن الحصين (ما وضع رجل) أي: مؤمن (جبهته للن) أي: خالصًا له (ساجدًا) حال (فقال: يا رب اغفر لي، ثلاثًا، إلا رفع رأسه وقد غفر له. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة موقوفًا من قول أبي سعيد الخدري، وله حكم الرفع(١). = حديثه في صحيحهما وذكره بن حبان في الثقات وقال الخليلي لما ذكر حديثه هذا حديث غريب صحيح من حديث بن جريج قصد أحمد بن حنبل محمد بن يزيد بن خنيس وسأل عنه وتفرد به الحسن بن محمد المكي وهو ثقة. وقال العقيلي (١ / ٢٤٢) ولهذا الحديث طرق كلها فيها لين. قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٣٣/٢): والحسن قال بعضهم لم یرو عنه غیر محمد بن یزید وقال العقیلی لا یتابع علی حدیثه. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٩٨٤٣). ٧٤٨ الحرز الثمين الحصن الحصين ما يقال بين السجدتين (وإذا جلس بين السجدتين) قال المصنف في ((التصحيح)): ((وإنما خصّ بين السجدتين بالدعاء؛ لأنه حال بين الحالتين مأمور بالدعاء فيهما فأعطي [حكمهما](١)، فكأنه لم يعد فاصلاً بين [السجدتين](٢)). قلت: ولعله وقع هذا نادرًا منه ؛ ولهذا ما عده علماؤنا من السنن ولا من المستحبات، لكن ينبغي أن يؤتى بها في بعض النوافل من الصلوات. (اللهم) وفي رواية البيهقي: ((رب)) (اغفر لي، وارحمني، وعافني، واهدني، وارزقني. د، ت، ق، مس، سني) أي رواه: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي في ((السنن الكبير)) له؛ كلهم عن ابن عباس(٣). (١) كذا في (ج) و(د)، وفي (أ) و(ب): ((حكمهما)). (٢) كذا في (د)، وفي (أ) و(ب) و(ج): ((السجودين)). (٣) أخرجه أبو داود (٨٥٠)، والترمذي (٢٨٤)، وابن ماجه (٨٩٨) والحاكم (٢٦٢/١). قال الترمذي: حديث غريب، وقال: وروى بعضهم هذا الحديث عن كامل أبي العلاء مرسلا، وكامل وثقه ابن معين وتكلم فيه غيره. وإسناده صحيح. وكامل بن العلاء التميمي أبو العلاء الكوفي صدوق يخطئ، من السابعة. التقريب (٥٦٣٩). ٧٤٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (واجبرني) أي: أغثني، من: جَبَرَ اللَّهُ مصيبَتَه، أي: رد عليه ما فات منه وذهب أو عوضه، وأصله من: جبر الكسر، أي: أصلحه، كذا في ((النهاية)). (ت، سني) أي رواه: الترمذي، والبيهقي، عنه أيضًا(١). (وارفعني) أي: في القدر والرتبة. (مس، ق، سني) أي رواه: الحاكم، وابن ماجه، والبيهقي، عنه أيضًا(٢). (ويقنُت) بضم النون، أي: يدعو (في الفجر) تقدم حكمه بأنه منسوخٌ، أو مقيد بنازلة. (ر، مس، مو مص) أي رواه: البزار والحاكم عن أنس (٣)، وابن أبي شيبة موقوفًا من قول عمر. (وفي سائر الصلوات) أي: باقيها أو جميعها (إن نزل نازلة) أي: شديدة من شدائد الأمر (إذا قال: سَمِعَ اللَّهَ لمن حَمِدَه) وهذا عند الشافعي ومن (١) أخرجه البيهقي في ((الكبرى)) (٢/ ١٢٢). (٢) الحاكم في المستدرك (١/ ٢٧١). (٣) أخرجه أحمد (١٦٢/٣)، والدار قطني (٣٩/٢) والبيهقي (٢٠١/٢) والبزار كما في «كشف الأستار)) (٥٥٦). ثم قال البيهقي: ((قال أبو عبد الله - يعني الحاكم -: هذا إسناد صحيح سنده، ثقة رواته، والربيع بن أنس، تابعي معروف من أهل البصرة. قال ابن أبي حاتم: سألت أبي، وأبا زرعة عنه فقالا صدوق ثقة. وقال البيهقي: ((وقد رواه إسماعيل بن مسلم المكي، وعمرو بن عبيد، عن الحسن، عن أنس، إلا أننا لا نحتج بإسماعيل المكي، ولا بعمرو بن عبيد)). وقال الهيثمي (١٣٩/٢): رواه أحمد والبزار ورجاله موثقون. ٧٥٠ الحرز الثمين الحصن الحصين تبعه، وأما عند غيره فقبل الركوع، لما ورد من الأحاديث، (في الركعة الأخيرة، ويُؤَمِّن) بتشديد الميم عطف على ((يقنت))، أي: يقول: ((آمين)) سرًّا (مَن خلفه) أي: من كان خلفه. (أ، د) أي رواه: أحمد، وأبو داود، عن ابن عباس. ٧٥١ الحرز الثمين الحصن الحصين ما يقال في التشهد (وإذا جلس) أي: في القعدة (للتشهد) أي: لقراءته، فالقعدة الأولى واجبة، والأخيرة فريضة، والتشهد فيهما [واجبان](١) عندنا، وسمي الذكر المخصوص تشهدًا لاشتماله على كلمتي الشهادة. (التحيات للأن) جمع تحية وهي السلام، وقيل: ((البقاء))، وقيل: ((العظمة))، وجمعها ليشمل المعاني كلها، وقيل: ((السلامة من الآفات والنقص))، وقيل: ((الملك))، قال أبو سعيد الضرير: ((ليس التحية الملك نفسه، لكنها الكلام الذي يُحَيَّا به الملك)). وقال ابن قتيبة: ((لم يكن يحيا إلا الملك خاصة، وكان لكل ملك تحية تخصه؛ فلذا جمعت، فكأن المعنى: التحيات التي يسلمون بها على الملوك كلها مستحقة لآن)). وقال الخطابي [و](٢) البغوي: ((ولم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على اللّه تعالى؛ فلذا [أهملت](٣) ألفاظُها، واستعمل منها معنى التعظيم، فقال: قولوا: التحيات لله، أي: أنواع التعظيم، وقال المحب الطبري: (يحتمل أن يكون لفظ: التحية مشتركًا بين المعاني المتقدمة، وکونها (١) كذا في جميع النسخ، والأليق بالسياق: ((واجب)). (٢) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((ثم)). (٣) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((أبهمت)). ٧٥٢ الحرز الثمين للحصن الحصين بمعنى السلام هنا أنسب». (والصلوات) أي: الصلوات الخمس، [و](١) ما هو أعم من ذلك من الفرائض في كل شريعة، أو العبادات كلها، وقيل: ((الدعوات))، وقيل: ((أنواع الرحمة))، ذكره العسقلاني. وقال المؤلف: ((أصل الصلاة: التعظيم، أي: الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحق [لها](٢) لا [تليق](٣) لأحد سواه))(1)، انتهى. وفي ((النهاية)): ((أصل الصلاة الدعاء، فسميت العبادة المخصوصة ببعض أجزائها، وقيل: ((أصلها التعظيم، وسميت العبادة المخصوصة بها لما فيها من تعظيم الرب))). (والطيبات) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يثنى به على اللّه تعالى، دون ما لا يليق بصفاته مما كان الملوك يحيون به، وقيل: (الطيبات الأذكار))، ذكره العسقلاني(٥). قال ابن دقيق العيد: ((إذا حملت الصلوات على العهد أو الجنس، كان التقدير: أنها واجبة لله، لا يجوز أن يقصد بها غيره، وإذا حملت على الرحمة، (١) كذا في (أ) و(ب)، وفي (ج) و(د): ((أو)). (٢) كذا في ((مفتاح الحصن الحصين)) وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((بها)). (٣) كذا في ((مفتاح الحصن الحصين)) وهو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((يليق)). (٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٩/ ب). (٥) قاله الحافظ في فتح الباري (٢٤٩/٢). ٧٥٣ الحرز الثمين الحصن الحصين فيكون معنى قوله ((فلان)) أنه متفضل بها؛ لأن الرحمة التامة للّه يؤتيها من يشاء، وإذا حملت على الدعاء، فظاهر، وإذا حملت التحية على السلام، فيكون التقدير: التحيات التي تعظم بها الملوك مستمرة للان، وإذا حملت على البقاء، فلا شك في اختصاص الله تعالى به، وكذلك العظمة التامة)). وأما ((الطيبات)): فقد فسرت بالأقوال، ولعل تفسيرها بما هو أعم، فتشمل الأقوال والأفعال والأوصاف، وطيبها كونها كاملة خالصة عن الشوائب)). وقال القرطبي: ((قوله: (للّ)) فيه تنبيه على الإخلاص في العبادات، أي: تلك لا تُفْعَلُ إلا لله، ويحتمل أن يكون المراد: الاعتراف بأن ملك الملوك وغير ذلك مما ذكر كله في الحقيقة للّه، وأظهر الأقوال وأجمعها ما قيل من: ((أن التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات البدنية، والطيبات: العبادات المالية)). هذا، وقد قال البيضاوي(١): ((يحتمل أن يكون ((والصلوات والطيبات)) عطفًا على ((التحيات))، ويحتمل أن يكون ((والصلوات)) مبتدأ، وخبره محذوف، و((الطيبات)) معطوفة عليها، فالواو الأولى لعطف الجملة على الجملة، والثانية لعطف المفرد على المفرد)». (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله) أي: رأفته، وعطفه، ومغفرته (وبركاته) قيل: ((هذه الإضافة باعتبار أن البركة، سواء كانت بمعنى (١) انظر: تحفة الأبرار شرح المصابيح للبيضاوي بتحقيقنا (٣٤٤/١). ٧٥٤ الحرز الثمين الحصن الحصين الزيادة، أو بمعنى الكثرة، أو بمعنى الخصب ناشئة من الله تعالى، وكائنة بإعطائه)». (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وسيأتي تحقيق السلام مبنى ومعنَى، ووجد بخط السيد أصيل الدين في ((الحاشية)) هنا: ((سلام)) بالتنكير في الموضعين، وكتب عليه فيهما رمز النسائي، وهو سهو مبناه وهم، حيث قال النووي: ((يجوز في السلام عليك وفيما بعده حذف الألف واللام، والإثبات أفضل، وهو الموجود في روايات ((الصحيحين)))). قال الحافظ ابن حجر العسقلاني(١): ((لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام، وإنما اختلف ذلك في حديث ابن عباس، وهو من أفراد مسلم)). (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) وفي رواية النسائي: ((أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله)). (ع، سني) أي: رواه الجماعة كلهم عن ابن مسعود(٢)، والبيهقي في (١) قاله الحافظ في فتح الباري (٢٤٩/٢). (٢) أخرجه البخاري (٨٣٥)، (٦٢٣٠)، ومسلم (٤٠٢)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٢٠٢)، وابن ماجه (٨٩٩)، والدارمي (٣٠٨/١)، وابن الجارود (٢٠٥)، وأبو يعلى (٥٠٨٢)، وأبو عوانة (٢٢٩/٢ و٢٣٠). ٧٥٥ الحرز الثمين الحصن الحصين ((السنن الكبير)) له عن عائشة، ولفظ ابن مسعود: ((كنا إذا صلينا خلف رسول الله ® قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على فلان، فقال 4: ((لا تقولوا: السلام على الله، ولكن قولوا: التحيات لله ... )) إلى آخره. ثم اعلم أن حديث ابن مسعود أصح حديث روي في التشهد، وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، على ما ذكره الحافظ العسقلاني. (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله) قال الخطابي: ((حذفت الواو من حديث ابن عباس اختصارًا، تقديره: ((والمباركات، والصلوات، والطيبات)) وهو جائز معروف في اللغة، وقيل في بيان هذا النظم: ((إنه جملتان واردتان على سبيل الاستئناف؛ فإن التحيات مبتدأ، والمباركات صفته، والخبر مقدر، أي: التحيات المباركات للّ. فإن العبد لما وجه التحيات المباركات إلى الله، اتّجه لسائل أن يقول: فما للعبد حينئذٍ؟ فأجيب: بأن الصلوات الطيبات لله، فالله تعالى يوجهها إليه جزاء لما فعل فضلًا منه ورحمة؛ فإن الصلاة: هي الرحمة، والبركة: أنواع الخير، وهي المسؤولة في قوله: ((اللهم إني أسألك الطيبات)))، انتھی. وفيه بحثٌ؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا يلائمه سائر الروايات، والظاهر أن كلَّا من هذه الأربع مبتدأ، إما بحذف العاطف كما جوزوا، أو على سبیل التعداد، و ((لآن)) خبرها. ٧٥٦ الحرز الثمين للحصن الحصين (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قيل: ((أورد هنا البركات بصيغة الجمع دون السلام والرحمة، بخلاف التحيات والصلوات والطيبات، ولعله للتفنن أو [للاستغراق](١)، أو موکول علمه إلیه. (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وفي رواية الترمذي، والنسائي هنا في الموضعين: ((سلام)) بالتنكير، قال الطيبي: ((أصل ((سلام عليك)) سلّمت سلامًا، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء دلالة على ثبوت المعنى واستقراره. ثم التعريف إما للعهد، والتقدير: أي ذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة عليك وعلينا وعلى إخواننا، وإما للجنس، والمعنى: أن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أنه: ما هو، وعمن يصدر، وعلى من ينزل عليك وعلينا، ويجوز أن يكون للعهد الخارجي إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال: ((ولا شك أن هذه التقادير أولى من تقدیر النكرة»، انتهى. وحكى صاحب ((الإقليد)) أن التنكير فيه للتعظيم، وهو وجه من وجوه الترجيح، لا يقصر عن الوجوه المتقدمة، قال البيضاوي: ((علمهم أن يفردوه # بالذكر، لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم أولًا؛ لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على (١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((للاستغراب)). ٧٥٧ الحرز الثمين الحصن الحصين الصالحين، إعلامًا منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملًا لهم». وقال التوربشتي: ((السلام بمعنى السلامة، كالمقام بمعنى المقامة، والسلام: اسم من أسماء الله تعالى، وضع المصدر موضع الاسم مبالغة، والمعنى: أنه سالم من كل عيب ونقص، وآفة وفساد، ومعنى قولنا: ((السلام عليك ... )) الدعاء، أي: سلمت من المكاره، وقيل: ((معناه: ((اسم السلام عليك)) كأنه تبرك عليه باسم الله تعالى)). وقال الكرماني: ((قيل: ((معناه: التعوذ باللّه))، فإن السلام اسم من أسمائه، تقديره: الله عليك، أي: حفيظ، كما يقال: الله معك، أي: بالحفظ، وقيل: ((السلام بمعنى السلامة كاللذاذ واللذاذات، أي: السلامة والنجاة لك))، انتهى. والمراد بـ ((الصالحين)) القائمون بحقوق اللّه، وحقوق عباده المؤمنين. (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. م، عه، حب) أي رواه: مسلم، والأربعة، وابن حبان؛ كلهم عن ابن عباس(١)، واختاره الشافعي لزيادة ((المباركات)) فيه، وهي موافقة لقوله تعالى: ﴿تَجِيَّة مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةً طَيِّبَةً ﴾ [النور: ٦١]، واختار أبو حنيفة وجمهور العلماء تَشَهُّدَ ابنِ مسعود، لكونه أصحّ. (١) أخرجه مسلم (٤٠٣)، وأبو داود(٩٧٤)، والترمذي (٢٩٠)، والنسائي (٢٤٢/٢)، وابن ماجه (٩٠٠)، وأخرجه الشافعي (٨٩/١ -٩٠)، وأحمد (١ / ٢٩٢). ٧٥٨ الحرز الثمين الحصن الحصين (التحيات الطيبات، الصلوات للّه، السلام عليك أيها النبي ورحمة الذّان وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) قيل: ((الصلاح هو استقامة الشيء على حالة كماله، والفساد ضده، ولا يصلح الصلاح الحقيقي إلا في الآخرة؛ لأن الأحوال العاجلة وإن وصفت بالصلاح في بعض الأوقات، لكن لا تخلو عن شائبة خلل وفساد؛ إذ لا يصفو ذلك إلا في الآخرة خصوصًا لزمرة الأنبياء؛ لأن الاستقامة التامة لا تكون إلا لمن فاز بالقرب [الأعلى](١)، ونال المقام الأسنى. ومن ثمّ كانت هذه المرتبة مطلوبة الأنبياء والمرسلين، قال تعالى في حق خليله التَّ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]، وحكى عن يوسف التَيْ أنه دعا بقوله: ﴿تَوَفَِّى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بِالصَّلِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]. (أشهد أن لا إله إلا اللّه) زاد النسائي: ((وحده لا شريك له))، (وأن محمدًا) زاد مسلم: ((وأشهد أن محمدًا)) (عبده ورسوله. م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن أبي موسى الأشعري(٢). (١) كذا في (د)، وفي (أ): ((العلي))، وفي (ب): ((المعنى))، وفي (ج): ((المعلى)). (٢) مسلم (٤٠٤) (٦٢)، وأبو داود (٩٧٢) والنسائي في ((المجتبى)) (٢٤١/٢ - ٢٤٢ و٤١/٣ -٤٢)، وفي ((الكبرى)) (٧٦٠) و (١٢٠٣) وابن ماجه (٩٠١). = ٧٥٩ الحرز الثمين الحصن الحصين (التحيات الطيبات، والصلوات، والملك لله. د) أي: رواه أبو داود عن سمُرَة. (باسم اللّه وباللّه، التحيات للّه، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اختار الجملة الفعلية لإفادة التجدد، والمضارعَ لإفادة الاستمرار، واختار صيغةً المتكلم إظهارًا لتوحيده، واهتمامًا بشأنه ﴾، وعطف للاتصال بين الجملتين، وكرر ((أشهد)) لقصد المبالغة والتعظيم له ◌ّ، وذكر النبي والرسول إشارة إلى أنه جامع بين منقبتي النبوة والرسالة. (س، ق، مس) أي رواه: النسائي، وابن ماجه، والحاكم، عن جابر(١). (التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات) أي: لله، وحذف اكتفاء بما قبله، أو ما بعده، وهو قوله: (الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) قد يقال: ((في وجه اختيار الخطاب في السلام على النبي *، نحن نتبع لفظ رسول اللّهَ ﴿ بعينه، حين عَلَّمَ الحاضرين من الصحابة كيفية التسليم، ومن ذهب إلى الغيبة توخى معنى ما يؤديه اللفظ، بحسب مقام الغيبة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ (١) أخرجه ابن ماجة (٩٠٢)، والنسائي (٢٤٣/٢ وفي ٤٣/٣)، وفي ((الكبرى)) (٧٦٥، وفي ١٢٠٥)، والترمذي في ((العلل)) ص ٧٢، رقم (١٠٥)والحاكم (١ / ٢٦٧). ٧٦٠ الحرز الثمين الحصن الحصين سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] بالتاء والياء، فالتحتانية هو اللفظ المتوعد به، والفوقانية معنى ذلك بحسب مقام الخطاب. وينصر هذا التأويلَ ما رواه البخاري في ((صحيحه)) عن ابن مسعود: وكفِّي بين كفيه التشهد، كما يعلمني السورة من ((أنه علمني النبي القرآن: التحيات للّه، ... إلى آخره، فلما قبض قلنا: السلام على النبي))(١). قيل: ويمكن أن [نأخذه في مشرع](٢) أهل العرفان، ونقول: الصلوات محمول على ما تعورف من الأركان المخصوصة، والطيبات على كونها خالصة لوجه الله تعالى، محصلة للزلفى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وحينئذٍ تقرير وجه الخطاب في السلام أنهم حين استفتحوا باب الملكوت، واستأذنوا بالتحيات على الولوج، كأنهم أُذِنَ لهم بالدخول في حريم الملك الحي الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة، كما ورد: ((قرة عيني في الصلاة(٣))، و((أرحنا يا بلال(٤))، فأخذوا في الحمد والثناء (١) أخرجه البخاري (٦٢٦٥). (٢) كذا في (د)، وفي (أ): ((نأخذ في شرع))، وفي (ب) و(ج): ((تأخذ في مشرع)). (٣) أخرجه أحمد (١٢٨/٣، ١٩٩، ٢٥٨)، والنسائي (٢٨٠/٥)، والحاكم (١٧٤/٢)، والبيهقي في السنن (٧٨/٧)، وانظر التلخيص الحبير (١١٦/٣)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣١٢٤). (٤) أخرجه أبو داود (٤٩٨٥).