Indexed OCR Text
Pages 581-600
اُلْكَرِيمِ، وَعَلَى الْمَالِكِ، وَعَلَى الزَّوْجِ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ بِطْلاَقٍ ( سَيِّدٍ ) عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ ، فَمِنْ ذَلِكَ : ١٠٧٤ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحِ اٌلْبُخَارِيِّ)) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَعِدَ بِالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا الْمِنْبَرَ فَقَالَ: ((إِنَّ أَبْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ تَعَالَىْ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ))(١) [خ٣٦٢٩]. ١٠٧٥ - وَرَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلأَنْصَارِ لَمَّا أَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ، أَوْ خَيْرِكُمْ )) ، كَذَا فِي بَعْضٍ الرِّوَايَاتِ: ((سَيِّدِكُمْ أَوْ خَيْرِكُمْ)) [خ ٤١٢١ -م١٧٦٨]. وَفِي بَعْضِهَا ((سَيِّدِكُمْ)) بِغَيْرِ شَكٍّ [خ٣٠٤٣]. ١٠٧٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً أَيَقْتُلُهُ؟ ... أَلْحَدِيثُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَنْظُرُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ)) [م١٤٩٨] . وَأَمَّا مَا وَرَدَ فِي أَلَّهْي : ١٠٧٧ - فَمَا رَوَيْنَاهُ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ ؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّداً .. فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ)) [٤٩٧٧٥]. قُلْتُ : وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِإِطْلاَقِ: ( فُلاَنٌ سَيِّدٌ) ، (١) أخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((بين فئتين من المسلمين)) عدم تكفير الفئة الباغية. ((الفتوحات)) ( ٨٩/٧). ٥٨١ وَ(يَا سَيِّدِي)، وَشِبْهِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمُسَوَّدُ فَاضِلاً خَيِّراً؛ إِمَّا بِعِلْمٍ، وَإِمَّا بِصَلاَحِ ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقاً أَوْ مُتَّهَماً فِي دِينِهِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .. حُرِهَ أَنْ يُقَالَ لَهُ: ( سَيِّدٌ)، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنِ الْإِمَامِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيِّ فِي ((مَعَالِمِ السُّنَنِ )) [٥/ ٣٩٠] فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا نَحْوَ ذَلِكَ. فَضَكُ [فيما يقوله المملوك لمالكه والعكس]: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْمَمْلُوكُ لِمَالِكِهِ : (رَبِّي)، بَلْ يَقُولُ: ( سَيِّدِي ) ، وَإِنْ شَاءَ .. قَالَ: ( مَوْلاَيَ)، وَيُكْرَهُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَقُولَ: (عَبْدِي وَأَمَتِي ) ، وَلَكِنْ يَقُولُ : ( فَتَايَ وَفَتَاتِي ) أَوْ ( غُلاَمِي ) . ١٠٧٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ : أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّىءْ رَبَّكَ، أَسْقِ رَبَّكَ، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي، مَوْلاَيَ، وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ : عَبْدِي، أَمَتِي، وَلْيَقُلْ: فَتَايَ، وَفَتَاتِي، وَغُلاَمِي)) [خ ٢٥٥٢-م١٥/٢٢٤٩]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((وَلاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ: رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلاَيَ)) [م٢٢٤٩ /١٥] . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ : ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي ؛ فَكُلُّكُمْ عَبِيدٌ ، وَلاَ يَقُلِ الْعَبْدُ : رَبِّي، وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي)) [م١٤/٢٢٤٩]. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ الْهِ ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلاَمِي وَجَارِيَتِي، وَفَتَايَ وَفَتَاتِي)) [م١٣/٢٢٤٩]. قُلْتُ : قَالَ الْعُلَمَاءُ: لاَ يُطْلَقُ (الرَّبُ) - بِاَلْأَلِفِ وَاللَّم - إِلاَّ عَلَى اللهِ تَعَالَى خَاصَّةً، فَأَمَا مَعَ الْإِضَافَةِ .. فَيُقَالُ: (رَبُّ الْمَالِ)، وَ(رَبُّ الدَّارِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ . ٥٨٢ ١٠٧٩ - وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ضَالَّةٍ اُلْاِبِلِ: ((دَعْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا)) [خ٩١ -م٥/١٧٢٢]. ١٠٨٠- وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: ((حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ)) [خ ١٤١٢ - م١٥٧/ ٦١ في الزكاة ، باب الترغيب في الصدقة قبل ألا يوجد من يقبلها]. ١٠٨١ - وَقَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي (( الصَّحِيح)): (رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَالْغُنَيْمَةِ)(١) [خ ٣٠٥٩]. وَنَظَائِرُهُ فِي الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ . وَأَمَّا أَسْتِعْمَالُ حَمَلَةِ الشَّرْعِ ذَلِكَ .. فَأَمْرٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ . قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا كُرِهَ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَقُولَ لِمَالِكِهِ: ( رَبِّي)؛ لِأَنَّ فِي لَفْظِهِ مُشَارَكَةً للهِ تَعَالَى فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا حَدِيثُ: ((حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا))، وَ( رَبَّ الصُّرَيْمَةِ ) وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا .. فَإِنَّمَا أَسْتُعْمِلَ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُكَلَّفَةٍ ، فَهِيَ كَالدَّارِ وَأَلْمَالِ، وَلاَ شَكَّ أَنَّهُ لاَ كَرَاهَةَ فِي قَوْلِ: (رَبُّ الْمَالِ) وَ(رَبُّ الدَّارِ) . وَأَمَّا قَوْلُ يُوسُفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَذْكُرْنِ عِندَ رَبِّكَ﴾ .. فَعَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ خَاطَبَهُ بِمَا يَعْرِفُهُ، وَجَازَ هَذَا أَلاِ سْتِعْمَالُ لِلِضَّرُورَةِ ، كَمَا قَالَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسَّامِرِيِّ: ﴿وَأَنْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ أَي: أَلَّذِي أَتَّخَذْتَهُ إِلَهاً . وَأَلْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّ هَذَا شَرْعٌ لِمَنْ قَبْلَنَا، وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لاَ يَكُونُ شَرْعاً لَنَا إِذَا وَرَدَ شَرْعُنَا بِخِلاَفِهِ ، وَهَذَا لَاَ خِلاَفَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا أُخْتَلَفَ أَصْحَابُ الْأُصُولِ فِي شَرْعٍ مَنْ قَبْلَنَا إِذَا لَمْ يَرِدْ شَرْعُنَا بِمُوَافَقَتِهِ وَلاَ مُخَالَفَتِهِ ، هَلْ يَكُونُ شَرْعاً لَنَا أَمْ لاَ ؟ (١) في هامش الأصل: ( قوله: ((الصريمة)) أي: الإِبل القليلة، و((الغنيمة)) أي: الغنم القليلة) اهـ ٥٨٣ فَضَكٌ [في قول الرجل لآخر : مولاي]: قَالَ أَلْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ النَّخَاسُ فِي كِتَابِهِ (( صِنَاعَةُ أَلْكِتَابِ)) [ص١٦٩]: (أَمَّا الْمَوْلَىُ .. فَلاَ نَعْلَمُ أَخْتِلاَفاً بَيْنَ اَلْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِأَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ: ((مَوْلاَيَ)) ) . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ جَوَازُ إِطْلَاقِ ( مَوْلاَيَ)، وَلاَ مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا؛ فَإِنَّ النَّخَاسَ تَكَلَّمَ فِي ( الْمَوْلَى ) بِالْأَلِفِ وَآللَّم . وَكَذَا قَالَ النَّخَاسُ: ( يُقَالُ: ((سَيِّدٌ)) لِغَيْرِ اَلْفَاسِقِ، وَلاَ يُقَالُ: ((أُلسَّيِّدُ)) بِالْأَلِفِ وَاللَّمِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى)(١). وَالْأَظْهَرُ : أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِقَوْلِهِ: ( الْمَوْلَى) وَ( السَّيِّدُ) بِالْأَلِفِ وَاَللَّمِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ . فَضَاْ فِي النَّهْىِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ : قَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثَانِ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّهَا وَبَّنَّاهُمَا فِي ( بَابِ مَا يَقُولُ إِذَا هَاجَتِ الرِّيحُ)(٢). فُضَك [في كراهة سب الحمى] : يُكْرَهُ سَبُّ الْحُمَّى : ١٠٨٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ - أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ - فَقَالَ: (( مَا لَكِ يَا أُمّ السَّائِبِ - أَوْ يَا أُمَّ أَلْمُسَيَّبِ - تُزَفْزِفِينَ؟)) قَالَتِ: أَلْحُمَّى لاَ بَارَكَ اللهُ فِيهَا ، (١) ((صناعة الكتاب)) (ص١٦٩). (٢) تقدما برقم (٥٢٠) و(٥٢٢). ٥٨٤ فَقَالَ: ((لاَ تَسُبِّي أَلْحُمَّى؛ فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ)) (١) [م٢٥٧٥] . قُلْتُ : ( تُزَفْزِفِينَ ) أَيْ: تَتَحَرَّكِينَ حَرَكَةٌ سَرِيعَةً، وَمَعْنَاهُ: تَرْتَعِدُ، وَهُوَ بِضَمِّ التَّاءِ ، وَبِالزَّايِ الْمُكَرَّرَةِ، وَرُوِيَ أَيضاً بِالرَّاءِ الْمُكَرَّرَةِ(٢)، وَالزَّايُّ أَشْهَرُ، وَمِمَّنْ حَكَاهُمَا أَبْنُ الْأَثِيرِ (٣)، وَحَكَىْ صَاحِبُ ((الْمَطَالِعِ)) الزَّايَ، وَحَكَى أَلرَّاءَ مَعَ الْقَافِ (٤)؛ وَأَلْمَشْهُورُ: أَنَّهُ بِأَلْفَاءِ، سَوَاءٌ كَانَ بِالزَّاي أَوْ بِالزَّاءِ . فَضَْكُ فِي النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الدِّيكِ : ١٠٨٣ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تَسُبُوا الدِّكَ؛ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلاَةِ))(٥) [٥١٠١٥]. فِظَاكُ فِي النَّهْىِ عَنِ الدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَذَمِّ أَسْتِعْمَالِ أَلْفَاظِهِمْ : ١٠٨٤ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ أَلْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ)) (٦) [خ ١٢٩٤ -م١٦٦/١٠٣]. وَفِي رِوَايَةٍ: ((أَوْ شَقَّ ... أَوْ دَعَا)) بـ(أَوْ) [م١٦٥/١٠٣]. (١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((الفتح)) (٣٢٤/٤): (وحقيقة الكير : البناء الذي يركب عليه الزق ، والزق : هو الذي ينفخ فيه ، فأطلق على الزق اسم الكير مجازاً لمجاورته له ، وقيل : الكير: هو الزق نفسه ، وأما البناء .. فاسمه الكور ) . (٢) أي : ترفرفين . ((النهاية)) (٢٤٣/٢، ٣٠٥). (٣) (٤) أي : ترقرقين . أي : لا يحملكم قيامكم من المنام عند سماع صوت الديك على سبه لما تجدونه من فقد لذة النوم ؛ (٥) فإِنه يوقظ للصلاة التي هي خير من النوم. ((الفتوحات)) ( ٩٩/٧). (٦) تقدم برقم (٤٤٥ ) . ٥٨٥ فَضَ [فِي كراهة أن يسمى المحرَّم صفراً : يُكْرَهُ أَنْ يُسَمَّى الْمُحَرَّمُ صَفَراً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ(١). فَضَكُ [في كراهة الدعاء بالمغفرة ونحوها لمن مات كافراً : يَحْرُمُ أَنْ يُدْعَى بِالْمَغْفِرَةِ وَنَحْوِهَا لِمَنْ مَاتَ كَافِراً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبََّ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ بِمَعْنَاهُ(٢) ، وَأَلْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ . فَضَك [في حرمة سب المسلم من غير سبب شرعي يجوِّز ذلك] : يَحْرُ سَبُّ الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِيٍ يُجَوِّزُ ذَلِكَ. ١٠٨٥ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَيٍ: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ (١) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٠٠/٧): ( قيل: كانوا يسمونه صفر الأول، ويقولون لصفر : صفر الثاني ؛ فلهذا سمي المحرم : شهر الله ، قال الحافظ السيوطي : سئلت : لم خص المحرم بقولهم: (( شهر الله )) دون سائر الشهور ، مع أن فيها ما يساويه في الفضل أو يزيد عليه كرمضان ؟ ووجدت ما يجاب به : أن هذا الاسم إسلامي دون سائر الشهور ؛ فإن أسماءها كلها على ما كانت عليه في الجاهلية ، وكان اسم المحرم في الجاهلية صفر الأول ، والذي بعده صفر الثاني ، فلما جاء الإسلام .. سماه الله : المحرم ، فأضيف إلى الله تعالى بهذا الاعتبار ، وهذه فائدة لطيفة رأيتها في (( الجمهرة)) ) . (٢) وهو ما أخرجه البخاري (١٣٦٠)، ومسلم (٢٤) عن سعيد بن المسيب ، عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة .. جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: ((يا عم ؛ قل : لا إله إلاّ الله كلمةً أشهد لك بها عند الله))، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أميّة: يا أبا طالب ؛ أترغب عن ملَّة عبد المطلب ؟! فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتَّى قال أبو طالبٍ آخر ما كلمهم: هو على ملَّة عبد المطلب، وأَبَى أن يقول: لا إله إلاَّ الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما والله لأستغفرنَّ لك ما لم أَنْهَ عنك))، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وتقدم برقم (٧١١). ٥٨٦ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ)) [خ٤٨- م٦٤]. ١٠٨٦ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) وَكِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ )) وَ((التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ فَعَلَى الْبَادِىءٍ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ))(١)، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ [م٢٥٨٧ - ٤٨٩٤٥ - ت١٩٨١]. فَضَ [في الألفاظ المذمومة في العادة عند المخاصمة] : وَمِنَ الْأَلْفَاظِ الْمَذْمُومَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْعَادَةِ قَوْلُهُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: ( يَا حِمَارُ)، (يَا تَيْسُ)، (يَا كَلْبُ)، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذَا قَبِيحٌ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ كَذِبٌ، وَأَلْآخَرُ: أَنَّهُ إِذَاءٌ، وَهَذَا بِخِلاَفِ قَوْلِهِ: ( يَا ظَالِمُ ) ، وَنَحْوَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُسَامَحُ بِهِ لِضَرُورَةِ الْمُخَاصَمَةِ، مَعَ أَنَّهُ يَصْدُقُ غَالِباً، فَقَلَّ إِنْسَانٌ إِلَّ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهَا . فَضَ [في كراهة أن يقال: ما كان معي خلق إِلا الله]: قَالَ النَّخَاسُ: ( كَرِهَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقَالَ: مَا كَانَ مَعِي خَلْقٌ إِلاَّ اللهُ) . قُلْتُ: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ بَشَاعَةُ اللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأَصْلَ فِي الإِسْتِثْنَاءِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلاً، وَهُوَ هُنَا مُحَالٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا: الاِسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ، تَقْدِيرُهُ : ( وَلَكِنْ كَانَ اللهُ مَعِي)، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بَدَلَ (١) أي: إن إثم السباب الواقع من اثنين يختص بالبادىء منهما كله ؛ أي : إنه ظالم حيث ابتدأ به من غير سبب ولا استحقاق ، والثاني منتصر لا إثم عليه ولا جناح ، ومع كونه كذلك : فعلى البادىء إثمه أيضاً من حيث إنه سبب محوج إلى ذلك ، فعاد عليه إثم ذلك السب وإن لم يكن المنتصر آثماً بشرطه من حيث إنه تسبب في التلفظ بما لولا الاستيفاء لكان حراماً ، ومحل جواز الاستيفاء واختصاص البادىء بالإثم ما لم يتجاوز الانتصار ، ولا خلاف في جوازه ، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة. ((الفتوحات)) (١٠٣/٧). ٥٨٧ هَذَا : ( مَا كَانَ مَعِي أَحَدٌ إِلَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ). قَالَ: ( وَكُرِهَ أَنْ يُقَالَ: أَجْلِسْ عَلَى أَسْمِ اللهِ ، وَلْيَقُلِ : أَجْلِسْ بِأَسْمِ اللهِ ) . فَضَُّكُ [في كراهة قول الصائم : وحقّ هذا الخاتم الذي على فمي] : حَكَى النَّخَاسُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الصَّائِمُ: (وَحَقِّ هَذَا الْخَاتِمِ الَّذِي عَلَى فَمِي )، وَأَحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُخْتَمُ عَلَى أَفْوَاهِ الْكُفَّارِ، وَفِي هَذَا اَلِحْتِجَاجِ نَظَرٌ، وَإِنَّمَا حَُّتُهُ: أَنَّهُ حَلِفٌ بِغَيْرِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىُ ، وَسَيَأْتِي الَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى قَرِيباً ، فَهَذَا مَكْرُوهٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ صَوْمِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ . فَضَّكُ [في اجتناب ما يقال: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً]: ١٠٨٧ - رَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ قَتَادَةَ أَوْ غَيْرِهِ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَلْحُصَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : (كُنَّا نَقُولُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْناً، وَأَنْعِمْ صَبَاحاً، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلاَمُ .. نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ ). قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ( قَالَ مَعْمَرٌ: يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: أَنْعَمَ اللهُ بِكَ عَيْناً ، وَلاَ بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: أَنْعَمَ اللهُ عَيْنَكَ) [٥٢٢٧٥]. قُلْتُ : هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ: (عَنْ قَتَادَةَ أَوْ غَيْرِهِ ) ، وَمِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: لاَ يُحْكَمُ لَهُ بِالصِّحَّةِ؛ لِأَنَّ قَتَادَةَ ثِقَةٌ وَغَيْرَهُ مَجْهُولٌ ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ عَنِ الْمَجْهُولِ ، فَلاَ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَلَكِنَّ الِحْتِيَاطَ لِلإِنْسَانِ أَجْتِنَابُ هَذَا اللَّفْظِ؛ لِحْتِمَالِ صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَحْتَجُ بِالْمَجْهُولِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ . فَضَكُ فِي النَّهْي أَنْ يَتَنَاجَى الرَّجُلاَنِ إِذَا كَانَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ وَحْدَهُ : ١٠٨٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ ٥٨٨ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا كُنْتُمْ ثَلاَثَةً . . فَلاَ يَتَنَاجَ أَثْنَانِ دُونَ آلآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ)) [خ ٦٢٩٠- م٢١٨٤]. ١٠٨٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا كَانُوا ثَلاَثَةً . . فَلاَ يَتَنَاجَ أَثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ)) [خ٦٢٨٨ -م٢١٨٣] . وَرَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ ))، وَزَادَ: ( قَالَ أَبُو صَالِحِ الرَّاوِي عَنِ أَبْنِ عُمَرَ : قُلْتُ لِبْنِ عُمَرَ : فَأَرْبَعَةٌ؟ قَالَ : لاَ يَضُرُّكَ) [«٤٨٥٢]. ◌َّكَّ فِي نَهْىِ الْمَرْأَةِ أَنْ تُخْبِرَ زَوْجَهَا أَوْ غَيْرَهُ بِحُسْنٍ بَدَنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حَاجَةٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ رَغْبَةٍ فِي زَوَاجِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ : ١٠٩٠ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ((مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ تُبَاشِرِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَصِفُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا)» (١) [خ٥٢٤٠ وانظر الملحق]. فَضَ﴾ [في كراهة أن يقال: بالرِّفاء والبنين]: يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُتَزَوِّجِ: (بِالرِّفَاءِ وَأَلْبَنِينَ)، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ: ( بَارَكَ اللهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ ) كَمَا ذَكَرْنَا فِي ( كِتَابِ النِّكَاحِ) (٢). فَضَ [في كراهة أن يقال للغاضب: اذكر الله تعالى أو نحوه]: رَوَى النَّخَاسُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي يَحْيَى - وَكَانَ أَحَدَ الْعُلَمَاءِ الْفُقَهَاءِ (١) في الحديث نهيه صلى الله عليه وسلم أن تباشر المرأة المرأة ، حيث أخبر أن ذلك قد ينتهي بها إِلى أن تصف لزوجها ما رأت منها صفة تقوم مقام نظره إِليها ، فلعل ذلك يدخل في قلب زوجها من الموصوفة فتنة ، فيكون ذلك سبباً لطلاق زوجته ونكاحها إِن كانت أيماً ، وإِن كانت ذات بعل .. كان سبباً لبغضه زوجته ونقصان منزلتها عنده، وإِن وصفتها بقبيح .. كان ذلك غيبة. ((الفتوحات)) (١٠٨/٧). (٢) تقدم ( ص ٤٦٠). وانظر التعليق هناك على هذه المسألة. ٥٨٩ اْأُدَبَاءِ - أَنَّهُ قَالَ: ( يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِأَحَدٍ عِنْدَ الْغَضَبِ: ((أَذْكُرِ اللهَ تَعَالَى )) خَوْفاً مِنْ أَنْ يَحْمِلَهُ الْغَضَبُ عَلَى الْكُفْرِ، قَالَ: وَكَذَا لاَ يُقَالُ لَهُ: ((صَلِّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) خَوْفاً مِنْ هَذَا ) . فَضَك [فيمن يتورع عن الحلف بقوله: الله يعلم ما كان كذا ونحوه]: مِنْ أَقْبَحِ الْأَلْفَاظِ الْمَذْمُومَةِ مَا يَعْتَادُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ فَيَتَوَرَّعُ عَنْ قَوْلِهِ: (وَاَللهِ)، كَرَاهَةَ الْحِنْثِ، أَوْ إِجْلاَلاً للهِ تَعَالَى وَتَصَؤُّناً عَنِ الْحَلِفِ، ثُمَّ يَقُولُ: ( اللهُ يَعْلَمُ مَا كَانَ كَذَا) ، أَوْ ( لَقَدْ كَانَ كَذَا ) ، وَنَحْوَهُ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ فِيهَا خَطَرٌ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مُتَيَقُّناً أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قَالَ .. فَلاَ بَأْسَ بِهَا، وَإِنْ تَشَكَّكَ فِي ذَلِكَ .. فَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ اَلْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ تَعَرَّضَ لِلْكَذِبِ عَلَى اللهِ تَعَالَىْ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَعْلَمُ شَيْئاً لاَ يَتَقَّنُ كَيْفَ هُوَ . وَفِيهِ دَقِيقَةٌ أُخْرَى أَقْبَحُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ تَعَرَّضَ لِوَصْفِ اللهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَعْلَمُ اَلْأَمْرَ عَلَىْ خِلاَفِ مَا هُوَ ، وَذَلِكَ لَوْ تَحَقَّقَ .. كَانَ كُفْراً، فَيَنْبَغِي لِلإِنْسَانِ اجْتِنَابُ هَذِهِ الْعِبَارَةِ . فَضَك [في كراهة أن يقال في الدعاء: اللهم ؛ اغفر لي إِن شئت أو أردت] : وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الدُّعَاءِ : ( أُللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ)، أَوْ (إِنْ أَرَدْتَ ) ، بَلْ يَجْزِمُ بِالْمَسْأَلَةِ . ١٠٩١ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ؛ أَرْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ؛ فَإِنَّهُ لاَ مُكْرِهَ لَهُ)) [خ ٦٣٣٩ -م٩/٢٦٧٩]. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : ((وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعْظِمِ الْرَّغْبَةَ؛ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ )) [م٨/٢٦٧٩]. ٥٩٠ ١٠٩٢ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحَيْهِمَا)) عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ .. فَلْيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلاَ يَقُولَنَّ: آللَّهُمَّ؛ إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي؛ فَإِنَّهُ لاَ مُسْتَكْرِهَ لَهُ)) [خ ٦٣٣٨ -م٢٦٧٨]. فَضَك [فِي كَرَاهَةِ الحلف بغير أسماء الله تعالى وصفاته] : وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْكَعْبَةُ، وَأَلْمَلائِكَةُ، وَالْأَمَانَةُ، وَأَلْحَيَاةُ، وَأَلُّوحُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَمِنْ أَشَدِّهَا كَرَامَةً : الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ . ١٠٩٣ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفاً .. فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ)) [خ ٦٦٤٦ -٣/١٦٤٦٢]. وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ: ((فَمَنْ كَانَ حَالِفاً .. فَلاَ يَحْلِفْ إِلاَّ بِاللهِ أَوْ لِيَسْكُتْ)) [حب ٤٣٥٩]. وَرَوَيْنَا فِي النَّهْىِ عَنِ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ تَشْدِيداً كَثِيراً ، فَمِنْ ذَلِكَ: ١٠٩٤ - مَا رَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ .. فَلَيْسَ مِنَّا)) (١) [«٣٢٥٣]. فَضَّ [في كراهة إِكثار الحلف في البيع ونحوه وإِن كان صادقاً]: يُكْرَهُ إِكْثَارُ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ وَإِنْ كَانَ صَادِقاً . (١) قوله: (فليس منا ) أي: فليس على هدينا وطريقتنا، أو ليس على ملتنا إِن اعتقد في الأمانة من التعظيم ما يعتقده في الله سبحانه وتعالى . قال الخطابي : وسبب ذلك أنه إِنما أمر أن يحلف بالله وصفاته ، وليست الأمانة من صفاته ، وإِنما هي أمر من أمره وفرض من فروضه ، فنهوا عنه لما في ذلك من التسوية بينها وبين أسماء الله وصفاته. ((الفتوحات)) ( ١١٤/٧). ٥٩١ ١٠٩٥ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِيَّكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ ؛ فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ)) [م١٦٠٧]. فَضَكَّ [في كراهة أن يقال: قوس قزحَ لهذه التي في السماء] : يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: ( قَوْسُ قُزَحَ ) لِهَذِهِ الَّتِي فِي السَّمَاءِ . ١٠٩٦ - رَوَيْنَا فِي ((حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ)) لِأَّبِي نُعَيْمِ عَنِ أَبْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ الهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لاَ تَقُولُوا: قَوْسُ قُزَحَ ؛ فَإِنَّ قُزَحَ شَيْطَانٌ(١) ، وَلَكِنْ قُولُوا: قَوْسُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهُوَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ )) [حلية ٣٠٩/٢ وانظر الملحق] . قُلْتُ : (قُزَحُ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايٍ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: (هِيَ غَيْرُ مَصْرُوفَةٍ ) ، وَتَقُولُهُ الْعَوَامُ: ( قُدَحُ) بِالدَّالِ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ . فَضَ [في كراهة أن يخبر الإِنسان غيره إذا ابتلي بمعصية إِلا لمصلحة] : يُكْرَهُ لِلإِنْسَانِ إِذَا أَبْتُلِيَ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا أَنْ يُخْبِرَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَيُقْلِعَ عَنْهَا فِي الْحَالِ ، وَيَنْدَمَ عَلَى مَا فَعَلَ، وَيَعْزِمَ أَلَّ يَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا أَبَداً ؛ فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هِيَ أَرْكَانُ التَّوْبَةِ ، فَلاَ تَصِحُّ إِلَّ بِأَجْتِمَاعِهَا ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِمَعْصِيَتِهِ شَيْخَهُ أَوْ شِبْهَهُ مِمَّنْ يَرْجُو بِإِخْبَارِهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ مَخْرَجاً مِنْ مَعْصِيَتِهِ، أَوْ يُعَلِّمَهُ مَا يَسْلَمُ بِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِهَا، أَوْ يُعَرِّفَهُ السَّبَبَ الَّذِي أَوْقَعَهُ فِيهَا ، أَوْ يَدْعُوَ لَهُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ .. فَلاَ بَأْسَ بِهِ، بَلْ هُوَ حَسَنٌ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إِذَا أَنْتَفَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ . (١) أي: من أسماء الشيطان. قال في ((النهاية)) (٥٧/٤): ( قيل: سمي به لتسويله للناس وتحسينه إليهم المعاصي ، من التقزيح ، وهو التحسين ، وقيل : من القُزَح ، وهي الطرائق والألوان التي في القوس ) . ٥٩٢ ١٠٩٧ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)» وَ« مُسْلِمٍ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَىَ إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً ، ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ، فَيَقُولُ: يَا فُلاَنُ ؛ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَلَيْهِ)) [خ ٦٠٦٩-م٢٩٩٠]. فَضَك [في حرمة تكليم عبد الإِنسان أو نحوه بما يكون سبباً في إِفساده عليه] : يَحْرُمُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يُحَدِّثَ عَبْدَ الْإِنْسَانِ أَوْ زَوْجَتَهُ أَوِ أَبْنَهُ وَغُلاَمَهُ وَنَحْوَهُمْ بِمَا يُفْسِدُهُمْ بِهِ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَا يُحَدِّثُهُمْ بِهِ أَمْراً بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْياً عَنْ مُنْكَرٍ . قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَالنَّقْوَىُّ وَلَ نَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ . ١٠٩٨ - وَرَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ أَمْرِىءٍ أَوْ مَمْلُوكَهُ . . فَلَيْسَ مِنَّا )) [د٥١٧٠ - سك ٩١٧٠]. قُلْتُ: ( خَبَّبَ ): بِخَاءِ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ بَاءِ مُوَخَّدَةٍ مُكرَّرَةٍ، وَمَعْنَاهُ : أَفْسَدَهُ وَخَدَعَهُ . فَضْ [فيما ينبغي أن يقال في المال المخرج في طاعة الله تعالى]: يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي الْمَالِ الْمُخْرَجِ فِي طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى: ( أَنْفَقْتُ ) ، وَشِبْهُهُ ، فَيُقَالُ : ( أَنْفَقْتُ فِي حَجَِّي أَلْفاً) ، وَ( أَنْفَقْتُ فِي غَزْوَتِي أَلْفَيْنِ) ، وَكَذَا ( أَنْفَقْتُ فِي ضِيَافَةِ ضِيفَانِي ) ، وَ(فِي خِتَانِ أَوْلاَدِي ) ، وَ( فِي نِكَاحِي) ، وَشِبْهُ ذَلِكَ، وَلاَ يُقَالُ مَا يَقُولُهُ كَثِيرُونَ مِنَ الْعَوَامِّ: (غَرِمْتُ فِي ضِيَافَتِي ) ، وَ( خَسِرْتُ فِي حَجَّتِي )، وَ( ضَيَّعْتُ فِي سَفَرِي)، وَحَاصِلُهُ : أَنَّ ( أَنْفَقْتُ ) ٥٩٣ وَشِبْهَهُ يَكُونُ فِي الطَّاعَاتِ، وَ( خَسِرْتُ) وَ(غَرِمْتُ) وَ(ضَيَّعْتُ) وَنَحْوَهَا تَكُونُ فِي الْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَاتِ ، وَلاَ تُسْتَعْمَلُ فِي الطَّاعَاتِ . فَضَ﴾ [فيما يقوله كثير من الناس في الصلاة بعد الإِمام: إياك نعبد وإياك نستعين]: مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ مَا يَقُولُهُ كَثِيرُونَ مِنَ النَّاسِ فِي الصَّلاَةِ إِذَا قَالَ أَلْإِمَامُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ﴾ فَيَقُولُ أَلْمَأْمُومُ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فَهَذَا مِمَّا يَنْبَغِي تَرْكُهُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ؛ فَقَدْ قَالَ صَاحِبُ ((أَلْبَيَانِ)) [٣١١/٢] مِنْ أَصْحَابِنَا: ( إِنَّ هَذَا يُبْطِلُ الصَّلاَةَ إِلاَّ أَنْ يَقْصِدَ بِهِ التِّلاَوَةَ )، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَظَرٌ - وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لاَ يُوَافَقُ عَلَيْهِ - فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ؛ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يُبْطِلِ الصَّلاَةَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَاللهُ أَعْلَمُ(١). فَضَكُ [في التحذير مما يقوله العوام في المكوس: هذا حق السلطان أو نحوه] : مِمَّا يَتَأَكَّدُ النَّهْيُ عَنْهُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْهُ مَا يَقُولُهُ الْعَوَامُ وَأَشْبَاهُهُمْ فِي هَذِهِ الْمُكُوسِ أَلَّتِي تُؤْخَذُ مِمَّنْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي وَنَحْوِهِمَا ؛ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: ( هَذَا حَقُّ السُّلْطَانِ )، أَوْ (عَلَيْكَ حَقُّ السُّلْطَانِ )، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ حَقّاً أَوْ لاَزِماً وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَهَـذَا مِنْ أَشَدِّ الْمُنْكَرَاتِ وَأَشْنَع الْمُسْتَحْدَثَاتِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مَنْ سَمَّى هَذَا حَقّاً .. فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلاَمِ ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَكْفُرُ إِلَّ إِذَا أَعْتَقَدَهُ حَقّاً مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ قُلْمٌّ ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ : (الْمَكْسُ )، أَوْ (ضَرِيبَةُ السُّلْطَانِ ) ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ . (١) لكن ذهب الإمام ابن حجر الهيتمي في ((التحفة)) (١٤٦/٢) إلى اعتماد قول الإمام العمراني صاحب ((البيان)) بأنه يبطل الصلاة إلا أن يقصد به التلاوة، فقال: (واعتمده أكثر المتأخرين ، وإن نازع فيه في ((المجموع)) [٩٣/٤] وغيره) . ٥٩٤ فَضَك [في كراهة أن يُسأل بوجه الله تعالى غير الجنة] : يُكْرَهُ أَنْ يُسْأَلَ بِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى غَيْرُ الْجَنَّةِ . ١٠٩٩ - رَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لاَ يُسْأَلُّ بِوَجْهِ اللهِ إِلاَّ أَلْجَنَّةُ))(١) [١٦٧١٥ وانظر الملحق] . فَضَ﴾ [في كراهة منع من سأل بالله تعالى وتشفع به] : يُكْرَهُ مَنْعُ مَنْ سَأَلَ بِاللهِ تَعَالَى وَتَشَفَّعَ بِهِ . ١١٠٠ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( النَّسَائِيِّ)) بِأَسَانِيدِ (( الصَّحِيحَيْنِ )) عَنِ أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنِ اُسْتَعَاذَ بِاللهِ .. فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللهِ تَعَالَى .. فَأَعْطُوهُ(٢) ، وَمَنْ دَعَاكُمْ .. فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًاً .. فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ .. فَأَدْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» [«١٦٧٢-س٨٢/٥]. فَضَ [في قول الرجل: أطال الله بقاءك] : الْأَشْهَرُ : أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: ( أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ ). قَالَ أَبُو جَعْفَرِ النَّخَّاسُ فِي كِتَابِهِ ((صِنَاعَةُ أُلْكِتَابِ)) [ص١٦٨-١٦٩]: ( كَرِهَ بَعْضُ اَلْعُلَمَاءِ قَوْلَهُمْ: ((أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ )) ، وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُهُمْ. . (١) قال أبو الطيب العظيم آبادي رحمه الله تعالى في ((عون المعبود)) (٦٠/٥): (قال القاري: ((ولا يُسْأَلْ)) روي غائباً نفياً ونهياً مجهولاً ورفع ((الجنة))، ونهياً مخاطباً معلوماً مفرداً (( لا تَسْأَلْ)) ونصب ((الجنة))). وقال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (٧/ ١٢٠): (قوله: (( يكره أن يسأل بوجه الله تعالى غير الجنة )) وألحق بها كل خير . (٢) وفي رواية لأبي داوود (٥١٠٨): ((ومن سألكم بوجه الله .. فأعطوه))، ولا تعارض ولا منافاة بين هذا وبين الحديث السابق: (( لا يسأل بوجه الله إلا الجنة))؛ فإن كراهة أن يسأل الإنسان بوجه الله سبحانه وتعالى شيئاً من الدنيا لا تحمل على منعه ما سأل ، بل إنه وإن أخطأ في طريقة السؤال إلا أنه سأل بعظيم فيعطى ولا يرد ، والله أعلم . ٥٩٥ قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ كَتَبَ ((أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ )) الزَّنَادِقَةُ . وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ رَحِمَهُ اللهُ : أَنَّ مُكَاتَبَةَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ : مِنْ فُلاَنٍ إِلَى فُلاَنٍ، أَمَّا بَعْدُ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللهَ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أَحْدَثَتِ الزَّنَادِقَةُ هَذِهِ اَلْمُكَاتَبَاتِ الَّتِي أَوَّلُهَا: ((أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ )) ) . فَضَ [في قول الإِنسان لغيره : فداك أبي وأمي أو نحوه] : الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ قَوْلُ الْإِنْسَانِ لِغَيْرِهِ: (فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ) ، أَوْ ( جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ ) . وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الْمَشْهُورَةُ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ)» وَغَيْرِ هِمَا(١)، وَسَوَاءٌ كَانَ الْأَبَوَانِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ(٢) ، وَكَرِهَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِذَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ . قَالَ النَّخَاسُ: (وَكَرِهَ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ: ((جَعَلَنِي اللّهُ فِدَاكَ)) وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ)(٣). قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ( ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ اَلْمُفَذَّى بِهِ مُسْلِماً أَوْ كَافِراً )(٤) . (١) من ذلك: ما أخرجه البخاري (٤٠٥٩)، ومسلم (٢٤١١) عن علي رضي الله عنه قال: ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإِني سمعته يقول يوم أحد: (( يا سعد؛ ارم فداك أبي وأمي)) ، وهذا النفي من سيدنا علي رضي الله عنه إنما هو نفي علم نفسه ، وإلا .. فقد قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في ((شرح مسلم)) (١٨٤/١٥): (وأما قوله: ((ما جمع أبويه لغير سعد )) وذكر بعد: أنه جمعهما للزبير [م٢٤١٦]، وقد جاء جمعهما لغيرهما أيضاً .. فيحمل قول علي رضي الله عنه على نفي علم نفسه ؛ أي : لا أعلمه جمعهما إلا لسعد بن أبي وقاص ، وهو سعد بن مالك ) . (٢) قوله : ( لا يكره قول الإنسان لغيره: فداك أبي وأمي ... ) أي: لأنه ليس القصد به ظاهره وحقيقته، بل التواد والملاطفة مع المخاطب. ((الفتوحات)) ( ١٢٣/٧). (٣) (( صناعة الكتاب)) (ص١٦٩). (٤) ((إكمال المعلم)) (٢٦٦/١). ٥٩٦ قُلْتُ : وَقَدْ جَاءَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ مَا لاَ يُحْصَى ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى جُمَلٍ مِنْهَا فِي ((شَرْحٍ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) [١٨٤/١٥]. فَضَك [في المراء والجدال والخصومة] : وَمِمَّا يُذَمُّ مِنَ الْأَلْفَاظِ: الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَالْخُصُومَةُ . قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدِ الْغَزَالِيُّ: (أَلْمِرَاءُ: طَعْنُكَ فِي كَلاَمِ اٌلْغَيْرِ ؛ لِإِظْهَارِ خَلَلٍ فِيهِ لِغَيْرِ غَرَضٍ سِوَى تَحْقِيرٍ قَائِهِ، وَإِظْهَارِ مَزِيَّتِكَ عَلَيْهِ، قَالَ: وَأَمَّا الْجِدَالُ: فَعِبَارَةٌ عَنْ مِرَاءٍ يَتَعَلَّقُ بِإِظْهَارِ الْمَذَاهِبِ وَتَقْرِيرِهَا، قَالَ: وَأَمَّا الْخُصُومَةُ: فَلِجَاجٌ فِي الْكَلاَمِ ؛ لِيُسْتَوْفَى بِهِ مَقْصُودٌ مِنْ مَالٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَتَارَةً يَكُونُ ابْتِدَاءَ وَتَارَةً يَكُونُ أَعْتِرَاضاً، وَأَلْمِرَاءُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ أَعْتِرَاضاً) هَذَا كَلَامُ الْغَزَالِيِّ(١). وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْجِدَالَ قَدْ يَكُونُ بِحَقِّ ، وَقَدْ يَكُونُ بِبَاطِلِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى : وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَحَدِلْهُم بِلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُحَدِلُ فِيّ ءَايَتِ اَللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، فَإِنْ كَانَ الْجِدَالُ لِلْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِّ وَتَقْرِيرِهِ .. كَانَ مَحْمُودً(٢) ، وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَةِ أَلْحَقِّ أَوْ كَانَ جِدَالاً بِغَيْرِ عِلْمٍ .. كَانَ مَذْمُوماً، وَعَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ تُنَزَّلُ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي إِبَاحَتِهِ وَذَمِّهِ ، وَأَلْمُجَادَلَةُ بِمَعْنَىَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ مَبْسُوطاً فِي ((تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ)) [٤٨/٣]. قَالَ بَعْضُهُمْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئاً أَذْهَبَ لِلدِّينِ وَلاَ أَنْقَصَ لِلْمُرُوءَةِ وَلاَ أَضْيَعَ لِلَّذَّةِ وَلاَ أَشْغَلَ لِلْقَلْبِ مِنَ الْخُصُومَةِ. فَإِنْ قُلْتَ: لاَ بُدَّ لِلإِنْسَانِ مِنَ الْخُصُومَةِ لِاسْتِفَاءِ حُقُوقِهِ .. فَالْجَوَابُ (١) ((الإِحياء)) (١١٨/٣). (٢) وعليه ينزل ما جاء من مدح الجدال ، وعلامة ذلك : ألا يغضب من ظهور الحق على لسان خصمه ، ولذا قال إمامنا الشافعي رضي الله عنه : ( ما ناظرت أحداً إِلا ورجوت أن يظهر الحق على يده ). ((الفتوحات)) (١٢٤/٧). ٥٩٧ مَا أَجَابَ بِهِ آلْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ: ( أَنَّ الذَّمَ الْمُتَأَكِّدَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَاصَمَ بِالْبَاطِلِ أَوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَوَكِيلِ الْقَاضِي ، فَإِنَّهُ يَتَوَكَّلُ فِي الْخُصُومَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ أَلْحَقَّ فِي أَيّ جَانِبِ هُوَ ، فَيُخَاصِمُ بِغَيْرِ عِلْمٍ . وَيَدْخُلُ فِي الذَّمِّ أَيْضاً مَنْ يَطْلُبُ حَقَّهُ لَكِنَّهُ لاَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ ، بَلْ يُظْهِرُ اللَّدَدَ وَالْكَذِبَ لِلإِيذَاءِ أَوْ لِلتَّسَلُّطِ عَلَى خَصْمِهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَطَ بِالْخُصُومَةِ كَلِمَاتٍ تُؤْذِي وَلَيْسَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةٌ فِي تَحْصِيلِ حَقِّهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى اُلْخُصُومَةِ مَحْضُ الْعِنَادِ لِقَهْرِ الْخَصْمِ وَكَسْرِهِ ، فَهَذَا هُوَ الْمَذْمُومُ ، وَأَمَّا الْمَظْلُومُ الَّذِي يَنْصُرُ حُجَّتَهُ بِطَرِيقِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ لَدَدٍ وَإِسْرَافٍ وَزِيَادَةِ لَجَاجٍ عَلَى الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ عِنَادٍ وَلاَ إِيذَاءِ .. فَفِعْلُهُ هَذَا لَيْسَ حَرَاماً، وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ مَا وَجَدَ إِلَيْهِ سَبِيلاً؛ لِأَنَّ ضَبْطَ اللَّسَانِ فِي الْخُصُومَةِ عَلَى حَدِّ الإِعْتِدَالِ مُتَعَذِّرٌ ، وَأَلْخُصُومَةُ تُوغِرُ الصُّدُورَ وَتُهَيِّجُ الْغَضَبَ، وَإِذَا هَاجَ الْغَضَبُ .. حَصَلَ الْحِقْدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَفرَحَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَسَاءَةِ آلْآَخَرِ، وَيَحْزَنَ بِمَسَرَّتِهِ ، وَيُطْلِقَ الَلِّسَانَ فِي عِرْضِهِ ، فَمَنْ خَاصَمَ . . فَقَدْ تَعَرَّضَ لِهَذِهِ آلآفَاتِ، وَأَقَلُّ مَا فِيهِ أَشْتِغَالُ اُلْقَلْبِ ، حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ فِي صَلاَتِهِ وَخَاطِرُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمُحَاجَّةِ وَالْخُصُومَةِ ، فَلاَ يَبْقَى حَالُهُ عَلَى الإِسْتِقَامَةِ . وَالْخُصُومَةُ مَبْدَأُ الشَّرٌ، وَكَذَا الْجِدَالُ وَالْمِرَاءُ ، فَيَنْبَغِي أَلَّ يَفْتَحَ عَلَيْهِ بَابَ الْخُصُومَةِ إِلَّ لِضَرُورَةٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَحْفَظُ لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ آفَاتِ الْخُصُومَةِ)(١). ١١٠١ - رَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((كَفَى بِكَ إِثْماً أَلاَّ تَزَالَ مُخَاصِماً)) [ت١٩٩٤ وانظر الملحق] . (١) ((الإِحياء)) (١١٩/٣). ٥٩٨ ١١٠٢ - وَجَاءَ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَماً)(١). قُلْتُ: ( أَلْقُحَمُ) بِضَمِّ الْقَافِ ، وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ : هِيَ اَلْمَهَالِكُ . فَضَك [في كراهة التقعير في الكلام بالتشدق وغيره] : يُكْرَهُ التَّقْعِيرُ فِي الْكَلاَم بِالَّشَدُّقِ، وَتَكَلُّفِ السَّجْعِ وَالْفَصَاحَةِ ، وَالتَّصَنُّع بِالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يَعْتَادُهَا الْمُتَفَاصِحُونَ، وَزَخَارِفِ الْقَوْلِ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفَ الْمَذْمُومِ (٢)، وَكَذَلِكَ تَكَلُّفُ السَّجْعِ، وَكَذَلِكَ اٌلَّحَرِّي فِي دَقَائِقِ الْإِعْرَابِ وَوَحْشِيِّ اللُّغَةِ فِي حَالِ مُخَاطَبَةِ الْعَوَامِّ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ فِي مُخَاطَبَتِهِ لَفْظاً يَفْهَمُهُ صَاحِبُهُ فَهْماً جَلِيّاً وَلاَ يَسْتَثْقِلُهُ(٣) . ١١٠٣ - رَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ: ((أَبِي دَاوُودَ )) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَقَرَةُ » (٤)، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ [ده٥٠٠- ت٢٨٥٣] . ١١٠٤ - وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ مُسْلِمٍ)) عَنِ أَبْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ (١) أخرجه البيهقي (٨١/٦)، وابن أبي شيبة (٣٨٩/٥)، والشافعي في ((الأم)) (١٦٥١). (٢) وأما البلاغة ما لم تصل إلى حد الإسهاب .. فمحمودة عند العلماء، فإِن وصلت إليه .. فمذمومة ، وكذا إِذا كان ممن يجادل بها لتزيين الباطل وتحسينه بلفظه ، ويريد إقامته في صورة الحق ، فهذا هو المذموم الذي ورد فيه التغليظ الشديد. ((الفتوحات)) ( ١٢٧/٧ ). قال ابن علان رحمه الله تعالى في (( الفتوحات)) (١٢٨/٧): (وفي كتاب (( معيد النعم )) للقاضي تاج (٣) الدين السبكي في ذكر طوائف العلماء : ومنهم طائفة استغرق حب النحو واللغة عليها ، وملأ فكرها فأداها إلى التقعر في الألفاظ وملازمة وحشي اللغة بحيث خاطبت به من لا يفهمه ، ونحن لا ننكر أن الفصاحة فن مطلوب ، واستعمال غريب اللغة عزيز حسن ، لكن مع أهله ، ومع من يفهمه ) . (٤) قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٢٩/٧): ( قال العاقولي : ضرب المثل بالبقرة ؛ لأنها تأخذ نبات الأرض والعلف بألسنتها دون سائر الدواب ، فإِنها تأخذ ذلك بأسنانها ، فنبه بذلك على أن أولئك لا يهتدون إِلى مأكلٍ إِلا بهذه الطريق كما أن البقرة لا تتمكن أن تأكل إِلا بهذه الطريق ، وأنهم في فعلهم هذا لا يفرقون بين قول الحق والباطل ، بل إِنهم بصدد تحصيل شيء ، سواء كان بقول باطل أو حق ) . ٥٩٩ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ)) قَالَهَا ثَلاَثاً [م٢٦٧٠]. قَالَ الْعُلَمَاءُ: يَعْنِي بِـ (الْمُتَنَطِّعِينَ ) : الْمُبَالِغِينَ فِي الْأُمُورِ . ١١٠٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِّكُمْ مِنِّي مَجْلِساً يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ .. أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقاً، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَأَلْمُتَفَيْهِقُونَ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ عَلِمْنَا : الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ، فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: ((أَلْمُتَكَبِّرُونَ)) ، قَالَ التِّرْ مِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، قَالَ: وَ( الثَّرْثَارُ): هُوَ الْكَثِرُ أَلْكَلاَم، وَ( الْمُتَشَدِّقُ ) : مَنْ يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلاَمِ وَيَبْذُو عَلَيْهِمْ [ت٢٠١٨]. وَأَعْلَمْ : أَنَّهُ لاَ يَدْخُلُ فِي الذَّمِّ تَحْسِينُ أَلْفَاظِ الْخُطَبِ وَالْمَوَاعِظِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِفْرَاطٌ وَإِغْرَابٌ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا تَهْبِيِجُ الْقُلُوبِ إِلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى ، وَلِحُسْنِ اللَّفْظِ فِي هَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ . فَضَك [في كراهة الحديث المباح بعد صلاة العشاء الآخرة]: وَيُكْرَهُ لِمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ أَنْ يَتَحَدَّثَ بِالْحَدِيثِ الْمُبَاحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ، وَأَعْنِي بِالْمُبَاحِ الَّذِي أَسْتَوَى فِعْلُهُ وَتَرْكُهُ ، فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْمُحَرَّمُ فِي غَيْرِ هَذَا الْوَقْتِ أَوِ الْمَكْرُوهُ . . فَهُوَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَشَدُّ تَحْرِيماً وَكَرَاهَةً، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فِي الْخَيْرِ؛ كَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ، وَحِكَايَاتِ الصَّالِحِينَ، وَمَكَارِم اُلْأَخْلاَقِ، وَأَلْحَدِيثِ مَعَ الضَّيْفِ .. فَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ ، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ لِلْعُذْرِ وَالْأُمُورِ الْعَارِضَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ، وَقَدِ أُشْتَهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِكُلِّ مَا ذَكَرْتُهُ، وَأَنَا أُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا مُخْتَصَراً ، وَأَرْمُزُ إِلَى كَثِيرٍ مِنْهَا . ٦٠٠