Indexed OCR Text

Pages 261-280

وَأَحْسَنُ مَا يُعَزَّى بِهِ :
٤٦٠ - مَا رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((الْبُخَارِيِّ)» وَ«مُسْلِمٍ )) عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَئِدٍ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَرْسَلَتْ إِحْدَى بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ تَدْعُوهُ
وَتُخْبِرُهُ أَنَّ صَبِيّاً لَهَا - أَوِ أَبْنَاً - فِي أَلْمَوْتِ، فَقَالَ لِلرَّسُولِ: ((أَرْجِعْ إِلَيْهَا
فَأَخْبِرْهَا: إِنَّ للهِ تَعَالَى مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَىُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلِ مُسَمَّىَ ،
فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ، وَلْتَحْتَسِبْ ... )) وَذَكَرَ تَمَامَ اَلْحَدِيثِ [خ ١٢٨٤ -٩٢٣٢].
قُلْتُ : فَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَعْظَمْ قَوَاعِدِ الْإِسْلاَمِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى مُهِمَّاتٍ كَثِيرَةٍ
مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ وَالآدَابِ، وَالصَّبْرِ عَلَى النَّوَازِلِ كُلِّهَا وَأَلْهُمُومِ
وَالْأَسْقَامِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْرَاضِ .
وَمَعْنَى: ((إِنَّ لهِ تَعَالَى مَا أَخَذَ )): أَنَّ أَلْعَالَمَ كُلَّهُ مُلْكٌ للهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَأْخُذْ
مَا هُوَ لَكُمْ، بَلْ أَخَذَ مَا هُوَ لَهُ عِنْدَكُمْ فِي مَعْنَى الْعَارِيَةِ، وَمَعْنَى: ((لَهُ
مَا أَعْطَىْ )) : أَنَّ مَا وَهَبَهُ لَكُمْ لَيْسَ خَارِجاً عَنْ مُلْكِهِ ، بَلْ هُوَ لَهُ سُبْحَانَهُ يَفْعَلُ فِيهِ
مَا يَشَاءُ، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّىَ .. فَلاَ تَجْزَعُوا، فَإِنَّ مَنْ قَبَضَهُ . . قَدِ
أَنْقَضَىْ أَجَلُهُ الْمُسَمَّى، فَمُحَالٌ تَأَخِرُهُ أَوْ تَقَدُّمُهُ عَنْهُ، فَإِذَا عَلِمْتُمْ هَذَا كُلَّهُ ..
فَاصْبِرُوا، وَأَخْتَسِبُوا مَا نَزَلَ بِكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
٤٦١ - وَرَوَيْنَا فِي (( كِتَابِ النَّسَائِيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ بْنِ
إِيَاسٍ، عَنْ أَبِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَ بَعْضَ
أَصْحَابِهِ ، فَسَأَلَ عَنْهُ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ بُنَيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ هَلَكَ، فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ بُنَيِّهِ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ هَلَكَ، فَعَزَّاهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ :
((يَا فُلاَنُ؛ أَيُّمَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيْكَ: أَنْ تَمَثَّعَ بِهِ عُمُرَكَ(١)، أَوْ لاَ تَأْتِي غَداً بَاباً مِنْ
أَبْوَابِ أَلْجَنَّةِ .. إِلَّ وَجَدْتَهُ قَدْ سَبَقَكَ إِلَيْهِ يَفْتَحُهُ لَكَ؟ )) قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ ؛ بَلْ
(١) في الأصل و(ب): ( أن يُمتع بك عمرك) .
٢٦١

يَسْبِقُنِي إِلَى الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُهَا لِى .. لَهُوَ أَحَبُ إِلَيَّ، قَالَ: ((فَذَلِكَ لَكَ))
[س ٤ / ١١٨] .
٤٦٢ - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ فِي «مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ)) [٩٠/٢-٩١] رَحِمَهُمَا اللهُ:
أَنَّ الشَّافِعِيَّ بَلَغَهُ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ - رَحِمَهُ اللهُ - مَاتَ لَهُ أَبْنٌ ، فَجَزِعَ
عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ جَزَعاً شَدِيداً ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ( يَا أَخِي ؛ عَزِّ
نَفْسَكَ بِمَا تُعَزِّي بِهِ غَيْرَكَ ، وَأَسْتَقْبِحْ مِنْ فِعْلِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِكَ ،
وَأَعْلَمْ : أَنَّ أَمَضَّ أَلْمَصَائِبِ .. فَقْدُ سُرُورٍ وَحِرْمَانُ أَجْرٍ ، فَكَيْفَ إِذَا أَجْتَمَعَا مَعَ
أَكْتِسَابٍ وِزْرٍ؟! فَتَنَاوَلْ حَظَّكَ يَا أَخِي إِذَا قَرُّبَ مِنْكَ، قَبْلَ أَنْ تَطْلُبَهُ وَقَدْ نَى
عَنْكَ، أَلْهَمَكَ اللهُ عِنْدَ الْمَصَائِبِ صَبْراً، وَأَحْرَزَ لَنَا وَلَكَ بِالصَّبْرِ أَجْراً) ، وَكَتَبَ
إِلَيْهِ [مِنَ الْبَسِيطِ]:
مِنَ الْخُلُودِ وَلَكِنْ سُنَّةُ الدِّينِ
إِنِّي مُعَزِّيكَ لاَ أَنِّي عَلَى ثِقَةٍ
وَلاَ أَلْمُعَزِّي وَلَوْ عَاشَا إِلَى حِينٍ
فَمَا الْمُعَزَّى بِبَاقٍ بَعْدَ مَيِّئِهِ
وَكَتَبَ رَجُلٌ إِلَى بَعْضٍ إِخْوَانِهِ يُعَزِّيهِ بِأَبْنِهِ: ( أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْوَلَدَ عَلَى وَالِدِهِ -
مَا عَاشَ - حُزْنٌ وَفِتْنَةٌ، فَإِذَا قَدَّمَهُ .. فَصَلاَةٌ وَرَحْمَةٌ ، فَلاَ تَجْزَعْ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْ
حُزْنِهِ وَفِتْنَتِهِ ، وَلاَ تُضَيِّعْ مَا عَوَّضَكَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ صَلاَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ) .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ الْمَهْدِيِّ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلْمٍ وَعَزَّاهُ بِأَبِهِ : ( أَسَرَّكَ وَهُوَ بَلِيَةٌ
وَفِتْنَةٌ ، وَأَحْزَنَكَ وَهُوَ صَلَوَاتٌ وَرَحْمَةٌ ؟! ) .
وَعَزَّى رَجُلٌ رَجُلاً فَقَالَ: ( عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ وَاَلصَّبْرِ؛ فَهِ يَأْخُذُ الْمُحْتَسِبُ ،
وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الْجَازِعُ ) .
وَعَزَّى رَجُلٌ رَجُلاً فَقَالَ : (إِنَّ مَنْ كَانَ لَكَ فِي الآخِرَةِ أَجْراً .. خَيْرٌ مِمَّنْ كَانَ
لَكَ فِي الدُّنْيَا سُرُوراً ) .
٢٦٢

٤٦٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : أَنَّهُ دَفَنَ ابْنَاً لَهُ وَضَحِكَ عِنْدَ
قَبْرِهِ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتَضْحَكُ عِنْدَ الْقَبْرِ؟! قَالَ : ( أَرَدْتُ أَنْ أُرْغِمَ الشَّيْطَانَ ).
وَعَنِ أَبْنِ جُرَيْجِ رَحِمَهُ اللهُ قَالَ: ( مَنْ لَمْ يَتَعَزَّ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ بِاَلْأجْرِ
وَأَلِاِحْتِسَابِ .. سَلَاَ كَمَا تَسْلُو الْبَهَائِمُ).
وَعَنْ حُمَيْدِ الْأَعْرَجِ قَالَ: ( رَأَيْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرِ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ فِي أَبْنِهِ وَنَظَرَ
إِلَيْهِ: إِنِّي لأَعْلَمُ خَيْرَ خَلَّةٍ فِيكَ ، قِيلَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: يَمُوتُ فَأَحْتَسِبُهُ) (١).
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ : ( أَنَّ رَجُلاً جَزِعَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَشَكَا ذَلِكَ
إِلَيْهِ ، فَقَالَ الْحَسَنُ : كَانَ أَبْنُكَ يَغِيبُ عَنْكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، كَانَتْ غَيْبَتُهُ أَكْثَرَ مِنْ
حُضُورِهِ ، قَالَ : فَأَنْزِلْهُ غَائِباً ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِبْ عَنْكَ غَيْبَةَ الْأَجْرُ لَكَ فِيهَا أَعْظَمُ مِنْ
هَذِهِ ، فَقَالَ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ؛ هَوَّنْتَ عَنِّي وَجْدِي عَلَى أَبْنِي ) .
وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ : ( عَزَّى رَجُلٌ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ عُمَرُ : الأَمْرُ الَّذِي نَزَلَ بِعَبْدِ الْمَلِكِ أَمْرٌ
كُنَّا نَعْرِفُهُ ، فَلَمَّا وَقَعَ . . لَمْ نُنْكِرْهُ ) .
وَعَنْ بِشْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : ( قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى قَبْرِ أَبْنِهِ عَبْدِ الْمَلِكِ
فَقَالَ: رَحِمَكَ اللهُ يَا بُنَّ؛ فَقَدْ كُنْتَ سَارّاً مَوْلُوداً، وَبَارّاً نَاشِئاً، وَمَا أُحِبُّ أَنِّي
دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي ) .
وَعَنْ مَسْلَمَةَ قَالَ: ( لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَرَ .. كَشَفَ أَبُوهُ عَنْ وَجْهِهِ
وَقَالَ : رَحِمَكَ اللهُ يَا بُنَّ ؛ فَقَدْ سُرِرْتُ بِكَ يَوْمَ بُشِّرْتُ بِكَ ، وَلَقَدْ عُمِّرْتُ
مَسْرُوراً بِكَ ، وَمَا أَتَتْ عَلَيَّ سَاعَةٌ أَنَا فِيهَا أَسَرُ مِنْ سَاعَتِي هَذِهِ ، أَمَا وَاللهِ أَنْ كُنْتَ
لَتَدْعُو أَبَاكَ إِلَى الْجَنَّةِ)(٢).
(١) ((حلية الأولياء)) (٢٧٥/٤).
(٢) قوله: (إِن كنت ) بفتح الهمزة ؛ فهي مصدرية ، ولام العلة محذوفة ، ويحتمل أن تكون بكسر =
٢٦٣

وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِيُّ : ( دَخَلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَى أَئِهِ فِي وَجَعِهِ
فَقَالَ: يَا بُنَّ؛ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُنِي فِي الْحَقِّ (١) ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ؛ لأَنْ
تَكُونَ فِي مِيزَانِي .. أَحَبُ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكُونَ فِي مِيزَانِكَ، فَقَالَ : يَا أَبَتِ ؛ لأَنْ
يَكُونَ مَا تُحِبُّ .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَا أُحِبُّ ) .
وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، عَنْ عَمِّهِ : ( أَنَّ إِخْوَةً ثَلاثَةً شَهِدُوا يَوْمَ تُسْتَرَ ..
فَأَسْتُشْهِدُوا، فَخَرَجَتْ أُمُّهُمْ يَوْماً إِلَى السُّوقِ لِبَعْضِ شَأْنِهَا، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ حَضَرَ
تُسْتَرَ ، فَعَرَفَتْهُ ، فَسَأَنْهُ عَنْ أُمُورِ بَنِيهَا ، فَقَالَ: أُسْتُشْهِدُوا، فَقَالَتْ: مُقْبِلِينَ أَوْ
مُذْبِرِينَ ؟ قَالَ: مُقْبِلِينَ، قَالَتِ: أَلْحَمْدُ للهِ، نَالُوا الْفَوْزَ وَحَاطُوا الذِّمَارَ،
بِنَفْسِي هُمْ وَأَبِي وَأُمّي)(٢).
قُلْتُ : ( الذِّمَارُ) بِكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، وَهُمْ: أَهْلُ الرَّجُلِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّا
يَحِقُّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْمِيَهُ ، وَقَوْلُهَا : ( حَاطُوا) أَيْ : حَفِظُوا وَرَعَوْا .
وَمَاتَ أَبْنٌ لِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ .. فَأَنْشَدَ [من الطويل]:
وَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ مَكَذَا فَأَصْطَبِرْ لَهُ
رَزِيَّةُ مَالٍ أَوْ فِرَاقُ حَبيب(٣)
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِيُّ: (مَاتَ الْحَسَنُ وَالِدُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ الْحَسَنِ -
وَعُبَيْدُ اللهِ يَوْمَئِذٍ قَاضِي الْبَصْرَةِ وَأَمِيرُهَا - فَكَثُرَ مَنْ يُعَزِّيِهِ، فَذَكَرُوا مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ جَزَعُ
الرَّجُلِ مِنْ صَبْرِهِ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ شَيْئاً كَانَ يَصْنَعُهُ . . فَقَدْ جَزِعَ ).
الهمزة ، وتكون ( أن ) بمعنى ( إذ) ، أو تكون شرطية حذف جوابها ؛ لسبق ما يدل عليه .
=
((الفتوحات)) (٤ /١٥٠) .
(١) أي: الموت. والحق يطلق على كل ثابت، سواء كان عيناً كـ(الجنة حق)، أو لا، كـ(الموت
حق). ((الفتوحات)) (١٥٠/٤-١٥١).
(٢) أخرجه ابن الجوزي في ((صفة الصفوة)) (٣٠٥/٤) بسنده، لكن قال: ( عن جويرية بنت أسماء:
أن إخوة ثلاثة ... ) .
(٣) الرزية : المصيبة بفقد ما يعز على الإِنسان .
٢٦٤

قُلْتُ : وَأُلآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْأَحْرُفَ لِثَلاَّ يَخْلُوَ
هَذَا الْكِتَابُ مِنَ الْإِشَارَةِ إِلَى طَرَفٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
فَضَلُ فِي الْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ مَا جَرَى مِنَ الطَّاعُونِ فِي الْإِسْلاَمِ :
وَالْمَقْصُودُ بِذِكْرِهِ هُنَا : التَّصْبِيرُ وَالْحَمْلُ عَلَى التََّسِّي بِغَيْرِهِ، وَأَنَّ مُصِيبَةً
الْإِنْسَانِ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا جَرَى قَبْلَهُ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَدَائِيُّ : (كَانَتِ الطَّوَاعِينُ الْمَشْهُورَةُ الْعِظَامُ فِي الْإِسْلاَم
خَمْسَةً: طَاعُونُ شِيرُويَهْ بِالْمَدَائِنِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَّةً
سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ. ثُمَّ طَاعُونُ عَمَوَاسَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ،
كَانَ بِالشَّامِ ، مَاتَ فِيهِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفاً . ثُمَّ طَاعُونٌ فِي زَمَنِ أَبْنِ الزُّبَيْرِ فِي
شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعِ وَسِتِينَ(١) ، مَاتَ فِي ثَلاَثَةِ أَّامٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفاً ، مَاتَ فِيهِ
لِأَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ثَلاثَةٌ وَثَمَانُونَ أَبْناً ، وَقِيلَ : ثَلاَثَةٌ وَسَبْعُونَ أَبْناً ،
وَمَاتَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ أَرْبَعُونَ أَبْنَاً . ثُمَّ طَاعُونُ الْفَتَيَاتِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ
سَبْعِ(٢) وَثَمَانِينَ. ثُمَّ طَاعُونٌ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَئِينَ وَمِئَةٍ فِي رَجَبٍ ، وَأَشْتَدَّ فِي شَهْرِ
رَمَضَّانَ ، وَكَانَ يُحْصَى فِي سِكَّةِ الْمِرْبَدِ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفُ جِنَازَةٍ ، ثُمَّ خَفَّ فِي
شَوَّالٍ، وَكَانَ بِالْكُوفَةِ طَاعُونٌ سَنَةَ خَمْسِينَ، وَفِيهِ : تُؤُفِّيَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ )
هَذَا آخِرُ كَلَامِ الْمَدَائِيِّ .
وَذَكَرَ أَبْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ((أَلْمَعَارِفِ)) [ص٦٠١] عَنِ الْأَصْمَعِيِّ فِي عَدَدِ الطَّوَاعِينِ
نَحْوَ هَذَا، وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، قَالَ : ( وَسُمِّيَ طَاعُونَ أَلْفَتَيَاتِ؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ فِي
اُلْعَذَارَى بِأَلْبُصْرَةِ وَوَاسِطَ وَالشَّامِ وَالْكُوفَةِ، وَيُقَالُ لَهُ: طَاعُونُ الْأَشْرَافِ؛ لِمَا
(١) وهو طاعون الجارف .
(٢) في (أ): ( ست وستين ) .
٢٦٥

مَاتَ فِيهِ مِنَ اْلْأَشْرَافِ، قَالَ: وَلَمْ يَقَعْ بِالْمَدِينَةِ وَلاَ مَكَّةَ طَاعُونٌ قَطُ )(١).
وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ تَنْبِيهُ عَلَى مَا تَرَكْتُهُ، وَقَدْ ذَكَرْتُ هَذَا الْفَصْلَ
أَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ ((شَرْحٍ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ )) رَحِمَهُ اللهُ [١٠٥/١]، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
٢٢ - بَابُ جَوَازٍ إِعْلَامٍ أَصْحَابٍ أَلْمَيِّتِ وَفَرَابَتِهِ بِمَوْتِهِ ، وَكَرَاهَةِ الثَّعْي
٤٦٤ - رَوَيْنَا فِي كِتَابَيْ ((التِّرْمِذِيِّ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ : ( إِذَا مِثُ .. فَلاَ تُؤْذِنُوا بِي أَحَداً؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ نَعْياً ، فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنِ النَّعْي ) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ
[ت ٩٨٦ - ق١٤٧٦].
٤٦٥ - وَرَوَيْنَا فِي ((كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ؛ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ
اُلْجَاهِلِيَّةِ )) ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُ مِنَ
الْمَرْفُوعِ، وَضَغَّفَ التِّرْ مِذِيُّ الرِّوَايَتَيْنِ [ت٩٨٤، ٩٨٥].
٤٦٦ - وَرَوَيْنَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ)): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَى
النَّجَاشِيَّ إِلَى أَصْحَابِهِ) [خ ١٢٤٥ -م٩٥١].
(١) لكن ورد أن الطاعون وقع بمكة سنة (٧٤٩هـ). قال ابن علان رحمه الله تعالى في ((الفتوحات))
(١٥٦/٤): (قال الحافظ ابن حجر: فإِن ثبت .. فلعله لما انتهك من حرمتها بسكنى الكفار فيها.
قال الجلال السيوطي : ويدل للمشاركة ما أخرجه أحمد [٤٨٣/٢] بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة ، على كل نقب
منها ملك ، لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)) . قال جدي الشيخ علان الصديقي رحمه الله تعالى في
كتابه ((مثير شوق الأنام)): وقوله: ((فإِن ثبت)) يدل على عدم ثبوته؛ ففي (( شفاء الغرام)): أن في
سنة ((٧٤٩هـ)) كان الوباء الكثير بمكة ، ويفهم من كلام ابن حجر في خاتمة كتابه الموضوع في
الطاعون : أن عده فيما ذكر قولُ بعض مَن وصفَ عظيمَ شأنه ، والظاهر أن هذا الوصف تجوّز ،
وأُطلق الطاعون على الوباء ؛ لوقوع كثرة الموت بكل منهما ، وصاحب (( شفاء الغرام )) مؤرخ محقق
أدرى بشأن الواقعات من غيره ، والوباء غير ممتنع ، إِنما الممتنع الطاعون الذي قال فيه صلى الله عليه
وسلم: ((إِنه وخز أعدائكم من الجن)) [حم ٣٩٥/٤] اهـ. وهو من الحسن بمكان).
٢٦٦

٤٦٧ - وَرَوَيْنَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ)): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَيِّتٍ
دَفَنُوهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِ: ((أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟))(١) [خ ٤٥٨ - م٩٥٦].
قَالَ أَلْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ: يُسْتَحَبُّ إِعْلَامُ أَهْلِ
اَلْمَيِّتِ وَقَرَابَتِهِ وَأَصْدِقَائِهِ؛ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ .
قَالُوا: وَالنَّعْيُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ نَعْيُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ عَادَتُهُمْ إِذَا مَاتَ
مِنْهُمْ شَرِيفٌ .. بَعَثُوا رَاكِباً إِلَى الْقَبَائِلِ يَقُولُ: (نَعَايَا فُلاَنٍ ) ، أَوْ ( يَا نَعَايَا
الْعَرَبِ ) أَيْ: هَلَكَتِ الْعَرَبُ بِمَهْلِكِ فُلاَنٍ ، وَيَكُونُ مَعَ النَّغْيِ ضَجِيجٌ وَبُكَاءٌ .
وَذَكَرَ صَاحِبُ ((أَلْحَاوِي)) [١٦٥/٣] مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا فِي
اسْتِحْبَابِ الْإِذَانِ بِأَلْمَيِّتِ (٢)، وَإِشَاعَةِ مَوْتِهِ بِالنِّدَاءِ وَاَلْإِعْلَامِ، فَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ
بَعْضُهُمْ لِلْمَيِّتِ الْغَرِيبِ وَالْقَرِيبِ ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ عَلَيْهِ وَالدَّاعِينَ لَهُ ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْغَرِيبِ ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِ .
قُلْتُ : وَأَلْمُخْتَارُ: إِسْتِحْبَابُهُ مُطْلَقاً إِذَا كَانَ مُجَرَّدَ إِعْلَامٍ .
٢٣ - بَابُ مَا يُقَالُ فِي حَالِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينِهِ
يُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَلدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ فِي حَالِ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا رَأَى الْغَاسِلُ مِنَ الْمَيِّتِ مَا يُعْجِبُهُ؛ مِنِ اسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ ،
وَطِيبٍ رِيحِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ .. أُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ النَّاسَ بِذَلِكَ(٣)، وَإِنْ رَأَى
مَا يَكْرَهُهُ؛ مِنْ سَوَادٍ وَجْهٍ ، وَنَتَنٍ ، وَتَغَيُّرِ عُضْوٍ، وَأَنْقِلاَبِ صُورَةٍ ، وَنَحْوٍ
ذَلِكَ .. حَرُمَ عَلَيْهِ أَنْ يُحَدِّثَ أَحَداً بِهِ ، وَأَحْتَجُوا :
في (ج) و( د) : (آذنتموني به )، وهي موافقة لرواية البخاري .
(١)
(٢)
في غير الأصل : ( الإِنذار بالميت ) .
أي : إِن لم يكن ذا بدعة مشهورة ، وإلا .. فينبغي كتم المحاسن حينئذٍ ؛ لئلا يفتتن الناس ببدعته ، قال
(٣)
الأذرعي : ( بل لا يبعد إِيجاب الكتم عند ظن الاغترار بها والوقوع فيها بذلك وهو متجه ) .
((الفتوحات)) (٤/ ١٦١) .
٢٦٧

٤٦٨ - بِمَا رَوَيْنَاهُ فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) عَنِ ابْنٍ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( أَذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ،
وَكُقُّوا عَنْ مَسَاوِئِهِمْ )) ضَعَّفَهُ أَلْتِّرْمِذِيُّ [د٤٩٠٠- ت١٠١٩] .
٤٦٩ - وَرَوَيْنَا فِي ((السُّنَنِ الْكَبِيرِ)) لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَبِي رَافِع مَوْلَى رَسُولِ اللهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ رَسُولَ الهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ غَسَّلَ مَيِّناً
فَكَتَمَ عَلَيْهِ .. غَفَرَ اللهُ لَهُ أَرْبَعِينَ مَرَّةً)) [٣٩٥/٣].
وَرَوَاهُ أَلْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ فِي ((الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ)) [١/ ٣٥٤] وَقَالَ:
حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ .
ثُمَّ إِنَّ جَمَاهِيرَ أَصْحَابِنَا أَطْلَقُوا الْمَسْأَلَةَ كَمَا ذَكَرْتُهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَيْرِ الْيَمَنِيُّ -
صَاحِبُ ((أَلْبَيَانِ)) - مِنْهُمْ: ( لَو كَانَ الْمَيِّتُ مُبْتَدِعاً مُظْهِراً لِلْبِدْعَةِ، وَرَأَى الْغَاسِلُ
مِنْهُ مَا يَكْرَهُهُ .. فَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ: أَنْ يَتَحَدَّثَ بِهِ فِي النَّاسِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ
زَجْراً لِلنَّاسِ عَنِ الْبِدْعَةِ ﴾(١) .
٢٤ - بَابُ أَذْكَارِ الصَّلاَةِ عَلَى أَلْمَيِّتِ
أَعْلَمْ : أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى أَلْمَيِّتِ فَرْضُ كِفَايَةٍ(٢)، وَكَذَلِكَ غُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ
وَدَفْنُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الصَّلاَةِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ :
أَصَخُّهَا عِنْدَ أَكْثَرٍ أَصْحَابِنَا: يَسْقُطُ بِصَلاَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَالثَّانِي : يُشْتَرَطُ أَثْنَانِ ،
وَالثَّالِثُ: ثَلاَثَةٌ، وَالرَّابِعُ: أَرْبَعَةٌ ، سَوَاءٌ صَلَّوْا جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى .
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ هَذِهِ الصَّلاَةِ: فَهِيَ أَنْ يُكَبِّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَلاَ بُدَّ مِنْهَا ، فَإِنْ
(١) ((البيان)) (٣٨/٣).
(٢) وهذه الفرضية إِنما تجب في حق المسلم غير السقط والشهيد، أما الحربي .. فلا يجب فيه شيءٌ من
ذلك ، وأما الذمي .. فيجب تكفينه ودفنه وفاءً بذمته، ويستحب غسله ، وأما الشهيد المقتول في
معركة الكفار .. فيحرم غسله والصلاة عليه ، والسقط إِن بدت فيه أمارات الحياة .. فككبير في جميع
الأمور الأربعة، وإِلا، فإن لم يبلغ حد الروح .. غسل وكفن ودفن. ((الفتوحات)) (٤/ ١٦٤).
٢٦٨

أَخَلَّ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا .. لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ، وَإِنْ زَادَ خَامِسَةً .. فَفِي بُطْلاَنِ صَلاَتِهِ
وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا: أَلْأَصَحُّ : لاَ تَبْطُلُ .
وَلَوْ كَانَ مَأْمُوماً فَكَبَرَ إِمَامُهُ خَامِسَةً : فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْخَامِسَةَ تُبْطِلُ الصَّلاَةَ ..
فَارَقَهُ الْمَأْمُومُ كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى رَكْعَةٍ خَامِسَةٍ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ : أَنَّهَا لاَ تُبْطِلُ ..
لَمْ يُفَارِقْهُ، وَلاَ يُتَابِعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ
أَصْحَابِنَا: أَنَّهُ يُتَابِعُهُ، فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ: أَنَّهُ لاَ يُتَابِعُهُ .. فَهَلْ يَنْتَظِرُهُ
لِيُسَلِّمَ مَعَهُ ، أَمْ يُسَلِّمُ فِي الْحَالِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: الْأَصَحُّ: يَنْتَظِرُهُ .
وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ بِشَرْحِهِ وَدَلاَئِلِهِ فِي ((شَرْحِ الْمُهَذَّبِ)) [١٨٤/٥].
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْفَعَ الْيَدَ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ، وَأَمَا صِفَةُ التَّكْبِيرِ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِيهِ وَمَا
يُبْطِلُهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ فُرُوعِهِ . . فَعَلَى مَا قَدَّمْتُهُ فِي ( بَابٍ صِفَةِ الصَّلاَةِ وَأَذْكَارِهَا ) .
وَأَمَّا الْأَذْكَارُ الَّتِي تُقَالُ فِي صَلَةِ الْجِنَازَةِ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ : فَيَقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ
اُلْأُولَى: ( الْفَاتِحَةَ )، وَبَعْدَ الثَّانِيَةِ: يُصَلِّي عَلَى النَّيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
وَبَعْدَ الثَّالِثَةِ: يَدْعُو لِلْمَيِّتِ، وَأَلْوَاجِبُ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ أَسْمُ الدُّعَاءِ، وَأَمَّا
الرَّابِعَةُ: فَلاَ يَجِبُ بَعْدَهَا ذِكْرٌ أَصْلاً، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ مَا سَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ
تَعَالَى .
وَأَخْتَلَفَ أَصْحَابْنَا فِي أُسْتِخْبَابِ التَّعَوُّذِ وَدُعَاءِ الاِفْتِنَاحِ عَقِبَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى
قَبْلَ ( الْفَاتِحَةِ )، وَفِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ بَعْدَ ( الْفَاتِحَةِ ) عَلَى ثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا :
يُسْتَحَبُّ الْجَمِيعُ ، وَالثَّانِي: لاَ يُسْتَحَبُّ، وَالثَّالِثُ - وَهُوَ الْأَصَحُّ - : أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ
التَّعَوُّذُ دُونَ الاِفْتِتَاحِ ، وَالشُّورَةِ .
وَأَتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْمِينُ عَقِبَ ( الْفَاتِحَةِ ).
٤٧٠- رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ)) عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ
٢٦٩

صَلَّى عَلَىْ جِنَازَةٍ فَقَرَأَ ( فَاتِحَةَ الْكِتَابِ) وَقَالَ: (لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ) [خ١٣٣٥] ..
وَقَوْلُهُ : ( سُنَّةٌ ) : فِي مَعْنَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ: ( مِنَ السُّنَّةِ كَذَا وَكَذَا ) جَاءَ فِي
((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ )) قَالَ: ( إِنَّهَا مِنَ السُّنَّةِ) [٣١٩٨٥]، فَيَكُونُ مَرْفُوعاً إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَرَّرَ وَعُرِفَ فِي كُبِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ .
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالسُّنَّةُ فِي قِرَاءَتِهَا: آلْإِسْرَارُ دُونَ الْجَهْرِ، سَوَاءٌ صُلِّيَتْ لَيْلاً
أَوْ نَهَارَاً ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الَّذِي قَالَهُ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِنَا .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: إِنْ كَانَتِ الصَّلاَةُ فِي النَّهَارِ .. أَسَرَّ ، وَإِنْ كَانَتْ فِي
اللَّيْلِ .. جَهَرَ .
وَأَمَّا اُلْتَّكْبِيرَةُ الثَّانِيَةُ: فَأَقَلُّ أَلْوَاجِبِ عَقِبَهَا أَنْ يَقُولَ: ( آللَّهُمَّ؛ صَلِّ عَلَى
مُحَمَّدٍ ) ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ، وَلاَ يَجِبُ ذَلِكَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ
أَصْحَابِنَا، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجِبُ ، وَهُوَ شَاةٌ ضَعِيفٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ
فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ إِنِ أَتَّسَعَ الْوَقْتُ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَأَتَّفَقَ عَلَيْهِ
الْأَصْحَابُ .
وَنَقَلَ الْمُزَنِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَيْضاً أَنْ يَحْمَدَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ
بِأَسْتِخْبَابِهِ جَمَاعَاتٌ مِنَ الْأَصْحَابِ، وَأَنْكَرَهُ جُمْهُورُهُمْ، فَإِذَا قُلْنَا بِأَسْتِحْبَابِهِ ..
بَدَأَ بِالْحَمْدِ ، ثُمَّ بِالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ
وَأَلْمُؤْمِنَاتِ، فَلَوْ خَالَفَ هَذَا التَّرْتِيبَ .. جَازَ، وَكَانَ تَارِكاً لِلأَفْضَلِ .
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالصَّلاَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَيْنَاهَا فِي
(( سُنَّنِ اٌلْبَيْهَقِيِّ)) [٣٩/٤] ، لَكِنِّي قَصَدْتُ أَخْتِصَارَ هَذَا الْبَابِ؛ إِذْ مَوْضِعُ بَسْطِهِ
كُتُبُ اَلْفِقْهِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي ((شَرْحِ الْمُهَذَّبِ)) [١٩٠/٥].
وَأَمَّا التَّكْبِيرَةُ الثَّالِثَةُ: فَيَجِبُ فِيهَا الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ ، وَأَقَلُّهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ
٢٧٠

الاِسْمُ، كَقَوْلِهِ: (رَحِمَهُ اللهُ)، أَوْ (غَفَرَ اللهُ لَهُ)، أَوِ (اللَّهُمَّ ؛ أَغْفِرْ لَهُ ) ،
أَوِ ( أَرْحَمْهُ ) ، أَوِ ( الْطُفْ بِهِ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ .. فَجَاءَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ، فَأَمَّا أَلْأَحَادِيثُ .. فَأَصَخُهَا :
٤٧١- مَا رَوَيْنَاهُ فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
(صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جِنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ
يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لَهُ وَأَرْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَأَعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ ، وَوَسِّعْ
مُّدْخَلَهُ، وَأَغْسِلْهُ بِأَلْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَأَلْبَرَدِ ، وَنَقُّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ
اُلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ ، وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ ، وَزَوْجاً
خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ )) حَتَّى
تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ) [٨٥/٩٦٣٢].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: ((وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ الْقَبْرِ))(١) [م٨٦/٩٦٣].
٤٧٢- وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْتِّرْمِذِيِّ)) وَ((أَلْبَيْهَقِيِّ)) عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ صَلَّى عَلَى جِنَازَةِ
فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِِّنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأَنْثَانَا، وَشَاهِدِنَا
وَغَائِبْنَا، اللَّهُمَّ؛ مَنْ أَحْبَيْتَهُ مِنَّا .. فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِسْلاَمِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا .. فَتَوَنَّهُ
عَلَى الْإِيمَانِ، آللَّهُمَّ؛ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ)) [دا٣٢٠ - ت١٠٢٤ - هق ٤١/٤].
قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ أَلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ
[ك٣٥٨/١] .
(١) في ((صحيح مسلم)): ((وعذاب النار))، وأما على ما في رواية المصنف .. فقد قال ابن علان
رحمه الله تعالى في ((الفتوحات)) (١٧٢/٤): ( يجوز أن يكون المراد بفتنة القبر: فتنة الممات ،
كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في فتنة القبر : أنها كمثل أو أعظم من فتنة الدجال ، وعليه : فلا
يكون فيه مع قوله: ((وعذاب القبر)) تكرار ؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة ، وليس نفسها ، والمسبب
غير السبب ، ولا يقال : المقصود زوال عذاب القبر ؛ لأن الفتنة بعينها أمر عظيم ) .
٢٧١

وَرَوَيْنَاهُ فِي ((سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي قَتَادَةَ [مق ٤١/٤].
وَرَوَيْنَاهُ فِي (( كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ)) مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي إِبْرَاهِيمَ اَلْأَشْهَلِيِّ ، عَنْ أَبِهِ .
وَأَبُوهُ صَحَابِيٍّ - عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ت١٠٢٤] .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: ( قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ - يَعْنِي: أَلْبُخَارِيَّ -: أَصَحُ
الرِّوَايَاتِ فِي حَدِيثِ: ((اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّنَا)): رِوَايَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ
اَلْأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِهِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَأَصَحُّ شَيْءٍ فِي أَلْبَابِ : حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ
مَالِكِ ) [ت٣٤٤/٣-٣٤٥ وانظر الملحق] .
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ أَبِي دَاوُودَ: ((فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِمَانِ ، وَتَوَنَّهُ عَلَى الْإِسْلاَمِ » ،
وَالْمَشْهُورُ فِي مُعْظَمٍ كُتُبِ الْحَدِيثِ: ((فَأَحْبِهِ عَلَى الْإِسْلاَمِ، وَتَوَفَّهُ عَلَى
اُلْإِيمَانِ )) كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
٤٧٣ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( أَبْنِ مَاجَهْ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى
اَلْمَيِّتِ .. فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ)) [٣١٩٩٥ -ق١٤٩٧].
٤٧٤ - وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: ((اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ رَبُّهَا، وَأَنْتَ
خَلَقْتَهَا ، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا لِلإِسْلاَمِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا
وَعَلَاَنِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ . . فَأَغْفِرْ لَهُ)) [د٣٢٠٠].
٤٧٥- وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( ابْنِ مَاجَهْ)) عَنْ وَائِلَةَ بْنِ اُلْأَسْقَعِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ؛ إِنَّ فُلاَنَ بْنَ فُلانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلٍ
جِوَارِكَ .. فَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءِ وَأَلْحَمْدِ ، اَللَّهُمَّ ؛
فَأَغْفِرْ لَهُ وَأَرْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)) [٣٢٠٢٥ - ق١٤٩٩].
٢٧٢

وَأَخْتَارَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ دُعَاءَ الْتَقَطَهُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ
وَغَيْرِهَا، فَقَالَ: ( يَقُولُ: آللَّهُمَّ؛ هَذَا عَبْدُكَ وَأَبْنُ عَبْدِكَ، خَرَجَ مِنْ رَوْحٍ
الدُّنْيَا وَسَعَتِهَا وَمَحْبُوبِهَا (١) وَأَحِبَّاؤُهُ فِيهَا إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَمَا هُوَ لاَقِيِهِ ، كَانَ يَشْهَدُ
أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ ، اَللَّهُمَّ ؛ نَزَلَ
بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، وَأَصْبَحَ فَقِيراً إِلَى رَحْمَتِكَ ، وَأَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ،
وَقَدْ جِئْنَاكَ رَاغِبِينَ إِلَيْكَ، شُفَعَاءَ لَهُ ، اللَّهُمَّ؛ إِنْ كَانَ مُحْسِناً .. فَزِدْ فِي
إِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئاً .. فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، وَلَقِّهِ بِرَحْمَتِكَ رِضَاكَ ، وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ
وَعَذَابَهُ ، وَأَفْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ ، وَجَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهِ ، وَلَقَّهِ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ
مِنْ عَذَائِكَ حَتَّى تَبْعَثَهُ إِلَى جَنَّتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ) .
هَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي (( مُخْتَصَرِ أَلْمُزَنِيِّ)) [ص٣٨] رَحِمَهُمَا اللهُ .
قَالَ أَصْحَابْنَا: فَإِنْ كَانَ أَلْمَيِّتُ طِفْلاً .. دَعَا لِأَبَوَيْهِ فَقَالَ: ((آللَّهُمَّ؛ أَجْعَلْهُ
لَهُمَا فَرَطاً، وَأَجْعَلْهُ لَهُمَا سَلَفاً، وَأَجْعَلْهُ لَهُمَا ذُخْراً، وَثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا ،
وَأَفْرِغْ الصَّبْرَ عَلَى قُلُوبِهِمَا ، وَلاَ تَفْتِنْهُمَا بَعْدَهُ، وَلاَ تَحْرِمْهُمَا أَجْرَهُ)).
هَذَا لَفْظُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ ((أَلْكَافِي)) ،
وَقَالَهُ الْبَاقُونَ بِمَعْنَاهُ وَبِنَحْوِهِ، قَالُوا: وَيَقُولُ مَعَهُ: (اللَّهُمَّ؛ أَغْفِرْ لِحَيِّنَا
وَمَّنَا ... ) إِلَى آخِرِهِ .
قَالَ الزُّبَيْرِيُّ : فَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً .. قَالَ: ( اللَّهُمَّ؛ هَذِهِ أَمَّتُكَ ... ) ثُمَّ يُنَسِّقُ
اُلْكَلاَمَ ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا التَّكْبِيرَةُ الرَّابِعَةُ: فَلاَ يَجِبُ بَعْدَهَا ذِكْرٌ بِأَلِتَّفَاقِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ
يَقُولَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي (( كِتَابِ اَلْبُوَيْطِيِّ)) قَالَ : يَقُولُ فِي
الَّابِعَةِ: ( اللَّهُمَّ؛ لاَ تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ ، وَلاَ تَفْتِنَّا بَعْدَهُ) .
(١) في هامش ( د) : ( نسخة : ومحبوبه ).
٢٧٣

قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا : ( كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَقُولُونَ فِي
الرَّابِعَةِ: (( رَبَّنَا؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)) ،
قَالَ : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَحْكِيٍّ عَنِ الشَّافِعِيِّ ، فَإِنْ فَعَلَهُ .. كَانَ حَسَناً ) .
قُلْتُ : يَكْفِي فِي حُسْنِهِ مَا قَدْ قَدَّمْنَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي ( بَابِ دُعَاءِ
اَلْكَرْبِ)(١) ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
قُلْتُ : وَيُحْتَجُ لِلدُّعَاءِ فِي الرَّابِعَةِ :
٤٧٦- بِمَا رَوَيْنَاهُ فِي (( السُّنَنِ الْكَبِيرِ)) لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى
رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى حِنَازَةٍ أَبْنَةٍ لَهُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ ، فَقَامَ بَعْدَ الرَّابِعَةِ كَقَدْرِ
مَا بَيْنَ اُلْتَّكْبِيرَتَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لَهَا وَيَدْعُو، ثُمَّ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَصْنَعُ هَكَذَا) [مق٤٢/٤].
وَفِي رِوَايَةٍ: كَبَّرَ أَرْبَعاً ، فَمَكَثَ سَاعَةً حَتَّى ظَنَنَا أَنَّهُ سَيُكَبِّرُ خَمْساً، ثُمَّ سَلَّمَ
عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، فَلَمَّا أَنْصَرَفَ .. قُلْنَا لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: ( إِنِّي
لاَ أَزِيدُكُمْ عَلَى مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ ) أَوْ ( هَكَذَا صَنَعَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) [من٤٣/٤]، قَالَ أَلْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا
حَدِيثٌ صَحِيحٌ [١٥/ ٣٦٠ وانظر الملحق] .
فَضَ [في حكم السلام والمسبوق في صلاة الجنازة] :
وَإِذَا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرَاتِ وَأَذْكَارِهَا .. سَلَّمَ تَسْلِيمَتَيْنِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ؛ لِمَا
ذَكَرْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ، وَحُكْمُ السَّلاَمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي التَّسْلِيمِ
فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ، وَلَنَا فِيهِ هُنَا خِلَفٌ
ضَعِيفٌ تَرَكْتُهُ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ .
وَلَوْ جَاءَ مَسْبُوقٌ ، فَأَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي بَعْضِ الصَّلاَةِ .. أَحْرَمَ مَعَهُ فِي أَلْحَالِ ،
(١) تقدم برقم (٣٦٠).
٢٧٤

وَقَرَأَ ( الْفَاتِحَةَ )، ثُمَّ مَا بَعْدَهَا عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ ، وَلاَ يُوَافِقُ أَلْإِمَامَ فِيمَا يَقْرَؤُهُ ،
فَإِنْ كَبَّرَ ، ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ التَّكْبِيرَةَ الْأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنَ الذِّكْرِ ..
سَقَطَ عَنْهُ كَمَا تَسْقُطُ الْقِرَاءَةُ عَنِ الْمَسْبُوقِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ
وَقَدْ بَقِيَ عَلَى الْمَسْبُوقِ فِي الْجِنَازَةِ بَعْضُ الْتَّكْبِيرَاتِ .. لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مَعَ
أَذْكَارِهَا عَلَى التَّرْتِيبِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ اَلْمَشْهُورُ عِنْدَنَا.
وَلَنَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ : إِنَّهُ يَأْتِي بِالتَّكْبِيرَاتِ الْبَاقِيَاتِ مُتَوَالِيَاتٍ بِغَيْرِ ذِكْرٍ ، وَاللهُ
أَعْلَمُ .
٢٥ - بَابُ مَا يَقُولُهُ الْمَاشِي مَعَ الْجِنَازَةِ
يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَغِلاً بِذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَأَلْفِكْرِ فِيمَا يَلْقَاهُ الْمَيِّتُ وَمَا
يَكُونُ مَصِيرُهُ ، وَحَاصِلُ مَا كَانَ فِيهِ، وَأَنَّ هَذَا آخِرُ الذُّنْيَا وَمَصِيرُ أَهْلِهَا، وَلْيَحْذَرْ
كُلَّ الْحَذَرِ مِنَ الْحَدِيثِ بِمَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ هَذَا وَقْتُ فِكْرٍ وَذِكْرٍ تَقْبُحُ فِيهِ الْغَفْلَةُ
وَاَللَّهْوُ وَأَلِشْتِغَالُ بِالْحَدِيثِ اُلْفَارِغِ؛ فَإِنَّ أَلْكَلاَمَ بِمَا لاَ فَائِدَةَ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي
جَمِيعِ الْأَحْوَالِ ، فَكَيْفَ فِي هَذَا الْحَالِ ؟!
وَأَعْلَمْ : أَنَّ الْمُخْتَارَ وَأَلصَّوَابَ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ :
السُّكُونُ فِي حَالِ السَّيْرِ مَعَ الْجِنَازَةِ ، فَلاَ يُرْفَعُ صَوْتٌ بِقِرَاءَةٍ ، وَلاَ ذِكْرٍ ، وَلاَ غَيْرِ
ذَلِكَ ، وَأَلْحِكْمَةُ فِيهِ ظَاهِرَةٌ ، وَهِيَ : أَنَُّ أَسْكَنُ لِخَاطِرِهِ ، وَأَجْمَعُ لِفِكْرِهِ فِيمَا
يَتَعَلَّقُ بِالْجِنَازَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذَا أَلْحَالِ، فَهَذَا هُوَ أَلْحَقُّ ، وَلاَ تَغْتَرَّنَّ
بِكَثْرَةِ مَنْ يُخَالِفُهُ ؛ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيِّ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَا مَعْنَاهُ :
( أَلْزَمْ طُرُقَ الْهُدَى، وَلاَ يَضُرُّكَ قِلَّةُ السَّالِكِينَ، وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلاَلَةِ، وَلاَ تَغْتَرَّ
بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ)(١).
وَقَدْ رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) [٢٢/٤] مَا يَقْتَضِي مَا قُلْتُهُ .
(١) تقدم (ص ١٩٩).
٢٧٥

وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ الْجَهَلَةُ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِدِمَشْقَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ
بِالتَّمْطِيطِ وَإِخْرَاجِ الْكَلاَمِ عَنْ مَوْضُوعِهِ .. فَحَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ
قُبْحَهُ، وَغِلَظَ تَحْرِيمِهِ ، وَفِسْقَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ إِنْكَارِهِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ فِي كِتَابِ (( آدَابِ
اَلْقُرَّاءِ)) (١)، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٦ - بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ مَرَّتْ بِهِ جِنَازَةٌ أَوْ رَآهَا
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ أَلْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ .
وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو الْمَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ ((الْبَحْرُ)):
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ وَيَقُولَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ الْحَيُّ أَلَّذِي لاَ يَمُوتُ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ
يَدْعُوَ لَهَا وَيُنْنِيَ عَلَيْهَا بِأَلْخَيْرِ إِنْ كَانَتْ أَهْلاً لِلشَّاءِ ، وَلاَ يُجَازِفُ فِي ثَنَائِهِ .
٢٧ - بَابُ مَا يَقُولُهُ مَنْ يُدْخِلُ الْمَيِّتَ قَبْرَهُ
٤٧٧ - رَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ(( التِّرْمِذِيِّ)) وَ((أَلْبَيْهَقِيِّ)) وَغَيْرِهَا عَنِ
أَبْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي
الْقَبْرِ .. قَالَ: ((بِأَسْمِ اللهِ، وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))(٢)،
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [٣٢١٣٥ - ت١٠٤٦ - هق ٥٥/٤] .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاَلْأَصْحَابُ رَحِمَهُمُ اللهُ: ( يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ لِلْمَيِّتِ مَعَ هَذَا).
وَمِنْ أَحْسَنِ الدُّعَاءِ: مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي (( مُخْتَصَرِ أَلْمُزَنِيِّ))
(١) ((التبيان)) (ص ١١١).
(٢) في هامش ( أ): ( نسخة: ملة رسول الله). وعليه: فالملة والدين والشريعة والإِسلام ألفاظٌ متحدة
بالذات ؛ أي : وضع إِللهيٌّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود لما فيه نفعهم دنيا وأخرى ،
مختلفة بالاعتبار ؛ فتسمى ملة من حيث إِنها تُملى وتكتب ، وديناً من حيث إِنها تُدان ، وشريعة من
حيث الاجتماعُ عليها، وإِسلاماً من حيث الاستسلامُ والانقياد لها، والله أعلم. (( الفتوحات))
( ٤ / ١٨٧ ) .
٠
٢٧٦

[ص٣٩] قَالَ: ( يَقُولُ الَّذِينَ يُدْخِلُونَهُ الْقَبْرَ: اللَّهُمَّ؛ أَسْلَمَهُ إِلَيْكَ الْأَشِخَاءُ مِنْ
وَلَدِهِ وَأَهْلِهِ وَقَرَابَتِهِ وَإِخْوَانِهِ ، وَفَارَقَ مَنْ كَانَ يُحِبُّ قُرْبَهُ ، وَخَرَجَ مِنْ سَعَةِ الدُّنْيَا
وَالْحَيَاةِ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَضَيْقِهِ ، وَنَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ ، إِنْ عَاقَبْتَهُ ..
فَبِذَنْبٍ ، وَإِنْ عَفَوْتَ عَنْهُ .. فَأَنْتَ أَهْلُ الْعَفْوِ، أَنْتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذَابِهِ ، وَهُوَ فَقِيرٌ
إِلَى رَحْمَتِكَ ، اللَّهُمَّ؛ أَشْكُرْ حَسَنَتَهُ ، وَأَغْفِرْ سَيََّتَهُ ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ ،
وَأَجْمَعْ لَهُ بِرَحْمَتِكَ الْأَمْنَ مِنْ عَذَابِكَ ، وَأَكْفِهِ كُلَّ هَوْلٍ دُونَ الْجَنَّةِ ، اَللَّهُمَّ ؛
أَخْلُفْهُ فِي تَرِكَتِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَأَرْفَعْهُ فِي عِلِّيِينَ، وَعُدْ عَلَيْهِ بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ
يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ ) .
٢٨ - بَابُ مَا يَقُولُهُ بَعْدَ الذَّفْنِ
السُّنَّةُ لِمَنْ كَانَ عَلَى الْقَبْرِ أَنْ يَحْثُوَ فِي الْقَبْرِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعاً مِنْ قِبَلِ
رَأْسِهِ .
قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ فِي الْحَثْوَةِ الْأُولَى(١): ﴿مِنْهَ
خَلَقْتَكُمْ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَفِيهَا تُعِيذُكُمْ﴾، وَفِي الثَّالِثَةِ: ﴿وَمِنْهَا فُخْرِحُكُمْ تَارَةً
أُخْرَى﴾ .
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْعُدَ عِنْدَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ سَاعَةً قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا ،
وَيَشْتَغِلُ اَلْقَاعِدُونَ بِتِلاَوَةِ الْقُرْآنِ، وَأَلدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ ، وَأَلْوَعْظِ، وَحِكَايَاتِ أَهْلِ
اُلْخَيْرِ ، وَأَحْوَالِ الصَّالِحِينَ .
٤٧٨ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحَي: ((أَلْبُخَارِيِّ)) وَ(( مُسْلِمٍ)) عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
قَالَ : كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ(٢) ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
(١) يقال : حتى يحثو ويحثي حثوةً وحثية، وقد استخدم الإمام النووي اللغتين في عبارة واحدة فيما لدينا
من النسخ ، فقال : يحثو حثيات ، ولم يقل : حثوات . فليتنبه .
(٢) بقيع الغرقد : مقابر المسلمين في المدينة المنورة ، والبقيع من الأرض : المكان المتسع ، ولا يسمى =
٢٧٧

فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ (١) ، فَنَكَسَ، وَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ
قَالَ: (( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ قَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ وَمَفْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ )) فَقَالُوا :
يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفَلاَ نَّكِلُ عَلَىْ كِتَابِنَا؟ فَقَالَ: ((أَعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ
لَهُ ... )) وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ [خ١٣٦٢ -م٢٦٤٧].
٤٧٩- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحٍ مُسْلِمٍ)) عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ :
( إِذَا دَفَنْتُمُونِي .. أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا؛ حَتَّى
أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي) [م١٢١].
٤٨٠- وَرَوَيْنَا فِي (( سُنَنِ أَبِي دَاوُودَ)) وَ((أَلْبَيْهَقِيِّ)) بِإِسْنَادِ حَسَنِ عَنْ عُثْمَانَ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ أَلْمَيِّتِ ..
وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((أُسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ أَلْآنَ يُسْأَلُ))
[دا ٣٢٢ - هق٥٦/٤] .
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاَلْأَصْحَابُ : ( يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَؤُوا عِنْدَهُ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآَنِ ،
قَالُوا : فَإِنْ خَتَمُوا أَلْقُرْآنَ كُلَّهُ .. كَانَ حَسَناً ) .
٤٨١ - وَرَوَيْنَا فِي ((سُنَنِ الْبَيْهَقِيِّ)) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أُسْتَحَبَّ أَنْ يُقْرَأَ
عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ الدَّفْنِ أَوَّلُ ( سُورَةِ الْبَقَرَةِ) وَخَاتِمَتُهَا [هق٥٦/٤].
فض﴾ [في حكم التلقين بعد الدفن] :
وَأَمَّا تَلْقِينُ الْمَيِّتِ بَعْدَ الدَّفْنِ: فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ كَثِرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا
بِأَسْتِخْبَابِهِ، فَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى أَسْتِحْبَابِهِ: الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي (( تَعْلِيقِهِ))، وَصَاحِبُهُ
أَبُو سَعْدِ الْمُتَوَلِّي فِي كِتَابِ ((الَِّمَّةُ )) ، وَالشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو اُلْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ
بقيعاً إِلا وفيه شجر أو أصولها . والغرقد : كبار العوسج - والعوسج : جنس نبات ، شائك من الفصيلة
=
الباذنجية ، له ثمر مدور كأنه خرز العقيق - وقد كان ثابتاً بذلك المكان ، فقطع واتخذ مقبرة .
((الفتوحات)) (٤/ ١٩٠) بتصرف.
(١) المخصرة : مَا يتوكأ عليه ؛ من عصاً ، أو عكازة ، أو مقرعة ، أو قضيب.
٢٧٨

إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرِ الْمَقْدِسِيُّ، وَأَلْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ، وَنَقَلَهُ اُلْقَاضِي
حُسَيْنٌ عَنِ اَلْأَصْحَابِ .
وَأَمَّا لَفْظُهُ : فَقَالَ الشَّيْخُ نَصْرٌ : ( إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِهِ .. يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِ قَبْرِهِ
وَيَقُولُ : يَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ ؛ أَذْكُرِ الْعَهْدَ أَلَّذِي خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا : شَهَادَةً أَنْ
لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَّةٌ
لاَ رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، قُلْ : رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً ، وَبِالْإِسْلامِ
دِيناً ، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّ، وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِأَلْقُرْآنِ إِمَاماً ،
وَبِأَلْمُسْلِمِينَ إِخْوَاناً، رَبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلَّ هُوَ، وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ ).
هَذَا لَفْظُ الشَّيْخِ نَصْرِ الْمَقْدِسِيِّ فِي كِتَابِهِ ((اُلتَّهْذِيبُ))، وَلَفْظُ الْبَاقِينَ
بِنَحْوِهِ ، وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ نَقْصٌّ عَنْهُ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : ( يَا عَبْدَ اللهِ أَبْنَ
أَمَةِ اللهِ ) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : ( يَا عَبْدَ اللهِ أَبْنَ حَوَّاءَ ) ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: ( يَا
فُلاَنُ - بِأَسْمِهِ - أَبْنَ أَمَةِ اللهِ ) ، أَوْ ( يَا فُلاَنُ أَبْنَ حَوَّاءَ ) ، وَكُلُّهُ بِمَعْنَىَ .
وَسُئِلَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلاَحِ - رَحِمَهُ اللهُ - عَنْ هَذَا التَّلْقِينِ ،
فَقَالَ فِي ((فَتَاوِيهِ)) [٢٦١/١]: ( التَّلْقِينُ هُوَ أَلَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَعْمَلُ بِهِ ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ
مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُرَاسَانِيِّينَ، قَالَ: وَقَدْ رَوَيْنَا فِيهِ حَدِيثاً مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ لَيْسَ
بِالْقَائِمِ إِسْنَادُهُ، وَلَكِنِ أَعْتَضَدَ بِشَوَاهِدَ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الشَّامِ بِهِ قَدِيماً(١) ، قَالَ :
وَأَمَّا تَلْقِينُ الطِّفْلِ الرَّضِيعِ .. فَمَا لَهُ مُسْتَنَّدٌ يُعْتَمَدُ، وَلاَ نَرَاهُ) ، وَاللهُ أَعْلَمُ .
قُلْتُ: الصَّوَابُ: أَنَّهُ لاَ يُلَقَّنُ الصَّغِيرُ مُطْلَقاً، سَوَاءٌ كَانَ رَضِيعاً أَوْ أَكْبَرَ مِنْهُ
مَا لَمْ يَبْلُغْ وَيَصِرْ(٢) مُكَلَّفاً، وَاللهُ أَعْلَمُ(٣).
(١) حديث أبي أمامة أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٩/٨)، و((الدعاء)) (١٢١٤)، وانظر الملحق
برقم ( ١/٤٨١) .
(٢)
في النسخ : ( ويصير ) .
(٣) قال العلماء: ولا يعارض التلقينَ قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِىِ الْقُبُورِ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ-
٢٧٩

٢٩ - بَابُ وَصِيَّةِ الْمَيِّتِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ بِعَيْتِهِ ، أَوْ أَنْ يُدْفَنَ
عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَفِي مَوْضِعِ مَخْصُوصٍ ،
وَكَذَلِكَ الْكَفَنُ وَغَيْرُهُ مِنْ أُمُورِهِ الَّتِي تُفْعَلُ وَأَلَِّي لاَ تُفْعَلُ
٤٨٢ - رَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ أَلْبُخَارِيِّ)) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ:
( دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - تَعْنِي: وَهُوَ مَرِيضٌ - فَقَالَ : فِي كَمْ كَفَّْتُمُ
النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقُلْتُ : فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ ، قَالَ : فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ ، قَالَ : فَأَيُّ يَوْمِ هَاذَا؟
قَالَتْ: يَوْمُ الْإِثْنَيْنِ ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اَللَّيْلِ(١) ، فَنَظَرَ إِلَى ثَوْبٍ عَلَيْهِ
كَانَ يُمَرَّضُ فِيهِ ، بِهِ رَدْعٌ مِنْ زَعْفَرَانٍ ، فَقَالَ : أَغْسِلُوا ثَوْبِي هَذَا ، وَزِيدُوا عَلَيْهِ
تَوْبَيْنِ ، فَكَفِّنُونِي فِيهَا ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا خَلَقٌ ، قَالَ : إِنَّ الْحَيَّ أَحَقُّ بِالْجَدِيدِ مِنَ
الْمَيِّتِ ، إِنَّمَا هُوَ لِلْمُهْلَةِ، فَلَمْ يُتَوَفَّ حَتَّى أَمْسَىْ مِنْ لَيْلَةِ الثَّلاَثَاءِ، وَدُفِنَ قَبْلَ أَنْ
يُصْبِحَ ) [خ ١٣٨٧] .
قُلْتُ: قَوْلُهَا: (رَدْعٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلاَتِ ،
وَهُوَ : الْأَثَرِّ .
وَقَوْلُهُ: ( لِلْمُهْلَةِ ) رُوِيَ بِضَمِّ الْمِيمٍ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ، ثَلاَثُ لُغَاتٍ ، وَأَلْهَاءُ
سَاكِنَةٌ، وَهُوَ: الصَّدِيدُ الَّذِي يَتَحَلَّلُ مِنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ.
٤٨٣- وَرَوَيْنَا فِي ((صَحِيحِ اَلْبُخَارِيِّ)): أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
اَلْمَوْنَى﴾؛ لأنه صلى الله عليه وسلم [فيما أخرجه البخاري (١٣٧٠) ومسلم (٢٨٧٣ )] نادى أهل
=
القليب وأسمعهم وقال: (( ما أنتم بأسمع منهم للكنهم لا يستطيعون جواباً))، وقال في الميت [فيما
أخرجه البخاري (١٣٣٨) ومسلم (٢٨٧٠)]: ((إِنه ليسمع قرع نعالهم))، وأنكر بعض المالكية
سماع الموتى، ورُدَّ. ((الفتوحات)) (١٩٥/٤).
(١) أي : أرجو بقضاء الأمر فيما بقي من اليوم ؛ ليحصل التبرك بالموت في مثل اليوم الذي مات فيه
صلى الله عليه وسلم. ((الفتوحات)) (٤ /١٩٨).
٢٨٠