Indexed OCR Text
Pages 1-4
مقدّمة الطبعَة الثّانيَّة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، ودعا إلى صراط مستقيم، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فإن كتاب ((عمل اليوم والليلة)) هذا، أضعه بين يدي القراء الكرام في إخراجه الثاني، وكان قد خرج في المرة الأولى بعناية الرئاسة العامة للإفتاء، والبحوث العلمية، والدعوة والنشر بالمملكة العربية السعودية، وبرعايةٍ خاصة من سماحة رئيسها العام العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى ... وإن هذا الكتاب متفرد في بابه، أصيل في ميدانه، أساس من أسس المعرفة الإسلامية عامة، والحديث النبوي خاصة، ولهذا فقد لاقى بحمد الله وتوفيقه من إقبال أهل العلم والدارسين عليه، وبحثهم عنه، واحتفالهم به شيئاً كثيراً ... مما جعل إخراجه للمرة الثانية ضرورة لا غنى عنها بعد أن عزّ مطلبه، وكثر السائلون عنه من شتى الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية. وقد ذكرت فيه من قبل أنه واحد من مصادر السنّة النبوية التي أجمع المسلمون على اعتمادها عبر العصور، وتناقلتها الأجيال بعناية وتقدير. أ وإن الحاجة إليه اليوم نابعة من ضرورة معرفة المنهج النبوي، وتقديمه للبشرية التي تتلهف للخلاص من الضياع، والشقاء. ولا خلاص إلا بهذا المنهج الذي جاء به محمد له في تكامليته الجامعة بين الدنيا والآخرة، وتوازنه الضابط بين الروح والجسد، وشموليته للماضي، والحاضر والمستقبل، وعمقه الذي يضم الفكر والسلوك ... إن حجة الله على خلقه بعد كتابه المبين هي في منهج النبوة، الذي أحاطته العناية الربانية بالعصمة لتتم هذه الحجة على الخلق أجمعين، ولا حجة على البشرية بغيرهما . ولا يمكن فهم الوحي المبين إلا على ضوء منهج النبوة، وهذا أمر لم يُختلف فيه عبر القرون، ولما كانت السيدة عائشة رضي الله عنها تُسأل عن خلق رسول الله ﴿ فتجيب: (كان خلقه القرآن) كانت بذلك تنبه السائل إلى حقيقة من حقائق الإِسلام، ألا وهي أن السنة النبوية لم تكن لتخرج عن إطار تعليمات القرآن الكريم، ومن أراد فهم القرآن وتحدید دلالات خطابه فليلتمس ذلك في الممارسة النبوية للحياة اليومية، وكيفية تعامله مع الأحداث. ومما لم يختلف فيه أحد من المسلمين كذلك أن كل أحد من البشر يمكن أن يؤخذ من كلامه ويردّ إلا مقام النبوة، لأنه جزء من وحي السماء، ولهذا فإن واجب البلاغ الذي تحمله الأمة المسلمة، ويختص به العالمون من أبنائها يكون بنشر السنة النبوية الشريفة، ولا يكون ذلك إلا بنشر كتبها الصحيحة، وتعاليمها الثابتة، ليكون بالتالي فهم الإسلام ميسوراً وتصوره صحيحاً نقياً من الشوائب، أمام زحف بشري يبحث عن منهج يحقق للإنسان معنى للحياة، ويعيد له السكينة والطمأنينة التي فقدها من داخله جرّاء التصور الخاطىء عن نفسه وعن الكون، ويعيد له الأمن والاستقرار اللذين يحلم بهما بعد تواريهما منذ زمن بعيد إثر قيام علاقة غير صحيحة بين بني البشر، فمن هذا الكتاب وأمثال تستقي الإِنسانية إكسيرُ الحياة، وتخلع بتؤدة وعزم عن مشاعرها ظلمات الرعب والحيرة، وتنطلق مبشرة بالخير ناعمة في أحضان الفضيلة محققة الخلافة السامية على وجه الأرض. ب ومن جانب آخر أمام عصابة من حملة الأقلام تدفع بالبشرية بعيداً في مهاوي الضلال والرذيلة بتزوير الحقائق، وبسط سراب الفكر المدمّر، والثقافة الخادعة أمام الناظرين. إنه لا يضير مسيرة الثقافة الإسلامية أن يكون فيها التواءات ومنعرجات، بل لا بد أن يكون فيها ذلك لأنها جهد بشري، وعطاء إنساني، وبهذا فهي محل للخطأ والنقصان، وأهل للتدارك والتقويم جيلاً بعد جيل، ولكن الذي يضع أيدينا على تلك الالتواءات والنواقص ويزيح من طريقنا حجب الضباب والغشاوة، ويصحح لنا المفاهيم، ويهدينا سواء السبيل في انطلاقة فكرية صحيحة بعيدة عن عثرات الماضي ومزالقه، متجنبين مفاجآت الطريق المقبلة وأخطار انحرافها، هو معرفتنا الصحيحة بالقرآن الكريم والسنة النبوية. وإننا لن نستطيع طيَّ بساط الفوضى الفكرية التي نقف عليها اليوم في العالم العربي والإسلامي وقد أنتجت هذه الفوضى أخاديد عميقة في الفكر والسلوك، أبسط آثارها الازدواجية، أو النفور خوفاً من النقص والقصور، إننا لن نستطيع ذلك إلا بورود المنهل الصافي للمعرفة الإِسلامية، وعلى ضوء هذا المنهل يتبين مقدار الجناية، التي تُحمَّل للإِسلام وهو منها براء، ويُعرف بذلك الجناة وآثامهم وما اقترفوه ... لقد تعالت أصوات غيورة تنادي بإيجاد موسوعة للسنة النبوية الصحيحة، وهذه دعوة حق، وضرورة من ضرورات المعرفة المعاصرة، ولكن هذا العمل لا یکتمل ولا يقوم بنیانه على أساس صحیح إلا ببعث المصادر وتیسیرها بين يدي الباحثين والدارسين، ولهذا فإن تحقيق كتب السنة ونشرها، مقدمة ضرورة لذلك، وكل كتاب يصدر في هذا السبيل هو خطوة للوصول إلى هذه الغاية النبيلة، والهدف السامي، علماً بأن المكتبة الإسلامية في هذا الجانب واسعة الأكتاف، رحبة الجنبات، كثيرة العطاء، غزيرة المادة. كما أن الدعوة إلى نبذ التراث أو التنكر له، بمسميات عديدة، وأشكال متنوعة، هو جناية كبيرة، ودعوة خطيرة، تفضي إلى استمرار العبودية بواسع معانيها، ودوام العبثية والفوضوية، وهي مغالطة مكشوفة أو جهالة فاضحة، ج ولهذا لم يكتب لها ولن يكتب لها بإذن الله نجاح أو فلاح. وختاماً لا بد لي من تسجيل شكري وتقديري للسادة العلماء الأجلاء، والباحثين الفضلاء الذين راسلوني من مختلف الأنحاء منوهين بالكتاب وبعملي فيه سائلاً المولى تعالى أن يجزيهم عني خير الجزاء، وأن يوفقنا جميعاً لخدمة كتابه العزيز، وسنة نبيه المطهرة. وشكري وتقديري كذلك للأخ رضوان إبراهيم دعبول مدير مؤسسة الرسالة لحرصه الشديد على تقديم هذا الكتاب للقراء الكرام. أسأل الله العليّ العظيم أن ينور بنوره أفئدتنا، ويشرح صدورنا، وييسر أمورنا ويرينا حقائق الوجود فلا نضل ولا نزل، ولا نتيه ولا نفضل. والحمد لله رب العالمين وكتبه في القيطرة / بالمغرب الأقصى/ الدكتور فاروق حمادة غرة رجب الفرد ١٤٠٥ هـ ٢٣ مارس (آذار) ١٩٨٥ م د