Indexed OCR Text

Pages 1-20

كِتَابْ
٨
الفَتَوَةَ النَّة
عَلَى الأَذْهَارِ التَّوَوَّ
((تأليف)»
العالم العلامة مفسر كلام الله تعالى وخادم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
محمدبن علان الصديقى الشافعى الاشعري المكي المتوفى سنة ١٠٥٧ جـ رحمه الله تعالى
((وقد وضع))
باعلى كل صفحة ما يخصها من كتاب ((حلية الابرار وشعارالا خيارفى تلخيص الدعوات.
والاذكار)) للامام الرباني العارف بالله تعالي شيخ الاسلام والمسلمين وملاد الفقهاء
والمحدثين ، أبى زكريا يحي محي الدين النووى المتوفى سنة ٦٧٦ هـ تغمده الله برحمته
الجزء الاول
دَارُ أعْيَاء التراث العَرَبي
بَيروت - لبْنان

كلمة
جمعِيَّة النَشْرِوَالنَّالِيفُ الأَزهَرَّة
سبحانك اللهم وبحمدك ، وصلاة وسلاما على خير خلقك، ( وبعد )
فذا كان خير الهدى هدى المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وكان كتاب
الاذكار للإمام النووى مشتملا على ماصح من الاذكار النبوية وغيرها من
الشعار الفاضلة، وحسبك فى فضله ما ستراه فى (ص ٤) و( ص ١٧)،
ولما كان أجل ما كتب عليه شرح ابن علان رحمه الله وهو شرح جليل قد
توسع فيه المؤلف حتى إنه فى كتبه الاخرى يحيل عليه ، عن لنا أن نقوم
بنشره خدمة للامة الاسلامية ، رجاء أن تتهذب النفوس . وتخضع الجوارح
لعلام الغيوب
هذا. وقد ذكرنا ترجمتى المصنف والشارح فى أول الجزء الاول من
(( شرح رياض الصالحين)) -
(تنبيه)) وجد بأول بعض السخ مانصه ((شرح الاذكار لان علان
الصديق نزيل مكة المشرفة ، السراج الوهاج البحر المتلاطم الأمواج الغطمطم
الذى لا تدركه الدلا، ولا تنزف بعض مواره الملا، ذو القلم الفصيح، والتعليق
الموفق النقيح، الحافظ الثانى، بعد ابن حجر العسقلانى ، شكر الله مسعاه،
وجعل مر الفردوس مأواه
وبخط المؤلف مانصه : الشيخ المحدث نجم الدين الغيطى.
وسرح عيون الفكر فى الروضة الغناء
تمسك بآثار النواوى واعتصم
تقر بمنهاج له رائق المعنى
ولازم حی أُذ کاره وریاضه

بس لّه الرحمن الرحيم
الحمد لله الذاكر من ذكره، المفدق سحائب النوال على من شكره.
المانع شا بيب رحمته عمن كفره، المخصص بتقريبه من أقر بوحدانيته وألقى
لأدلتها فكره، وأشكره على مامن به من النعم، وكفه من أكف النقم:
وأشهد أنلا إله إلا الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن سيدنا ونبينا وذخرة
وملاذنا محمداً عبده ورسوله، خير من نبأه، وأشرف من أرسله، صلى الله
وسلمعليه ، وزاده فضلا وشرفا لديه، وعلى آله و صحبه، وتابعيه وحزبه ، صلاة
وسلاما دائمين دوام فيض الله المتواتر، متكازين تكاثر النعم التى عمت البادى
والحاضر. (وبعد) فيقول فقير رحمة ربه، الهارب من سوء فعله وقبيح
ذنبه، المتوسل بأشرف الأنبياء اليه أن يجعله من حزبه، ويمن عليه برضاه
وقربه ، محمد على بن محمد علان ، البكرى الصديقى الشافعى ، خادم الاحاديث
النبويه ، والا ثار السفيه، بمكة المشرفة البهيه، غفر الله لهما ولسائر المسلمين،
وكان لها ولهم فى كل وقت وحين ، وتوناه على الاسلام، وأدخلهم الجنة يوم
القيامة آمين: إن الكتاب المسمى ((بحلية الأبرار، وشعار الاخيار، فى
تلخيص الدعوات والأذكار)» تأليف حبر الأمة وعالمها ، وشيخ الشريعة
وحاكمها ، وناصر السنة النبويه، وقامع البدعة غير المرضيه ، محرر، ذهب
الشافعى الامام ومذهب اشكال ما أشكل من الاحكام ، المتفق على جلالته ،
وعلو رتبته وولايته، وارتقاء مكانته، (( الشيخ محي الدين أبى زكريا يحي
النواوى الشافعى)) تغمده الله برحمته، وأنزله دار كرامته، وأعلى نزله

-٤-
بيحبوح جنته، وأعاد على وعلى أحبائى وعلى المسلمين من بركته ، كتاب(١)
عظيم المقدار، سامى الفخار ، ذكر مؤلفه بذلا للنصيحة لا من باب الافتخار،
أنه لا يستغنى عنه طالبو الآخرة الا خيار، وقال غيره من العلماء الذين عليهم
المدار ((بع الدار واشترالاذ كار)) وقال غيره من السادة الخيار ((ليس يذكر
من لم يقرأ الاذكار )) وهو كاف للمريد فى حاله ، ،وصل له الى نهاية مطلوبه
وغاية آماله، لاشتاله مع الاذكار ، على حلية الأولياء وكثير من شعار
الاخيار ، ولذا علق عليه أهالى الصلاح، وشرب من سلسبيل زلاله أرباب
الفلاح، ولم أر من كتب عليه ما يحتاجه الطالب، من كثير المطالب ، من
تفسير غريب زائد على ما أودعه المصنف فيه ، وتبيين الراجح فى مسائل
يحتاج لتحرير حكمها الفقيه، وذكر أسرار بعض الاذكار، وتبيين ما انكمن
من الجواهر فى تلك البحار ، فأحببت أن أجمع جانباً من ذلك فى هذا
الكتاب، يكون على سبيل التقريب لذوى الالباب ، سالما عن الايجاز المخل ،
والاطناب الممل، رجاء عموم النفع به ان شاء الله تعالى لكل طالب، واسعافه
بأنواع المطالب، وقد اختصره غير واحد من العلماء الاعلام، فاختصره ابن
رسلان والحجازى، وحافظ عصره الجلال السيوطى، وشيخ قطره بحرق
الحضرمى، وغيرهم ، وأملى عليه الحافظ النحرير، والامام النافذ الحجة الحاكم
الخبير ، أمير المؤمنين فى الحديث ، المتفق على تقدمه فى القديم والحديث
((شهاب الدين أحمد بن على بن حجر العسقلانى)) أمالى استخرج فيها
أحاديثه، وبين مرتبة أحاديث الكتاب من صحة أو حسن أو ضعف أو
اضطراب، ومات قبل اكمالها وأملى متما لذلك تلميذه الحافظ السخاوى ،
وتوفى قبل الا كمال أيضاً، ومجموع الامالى فى نحو ثلاث مجلدات ، وهذا
المعنى انما ينتفع به ذو الشأن من المحدثين أصحاب المعرفة والاتقان لما فيه من
بيان ما يتعلق بالمتن من بيان مبهم وزيادة جملة وإيضاح مشكل وتفصيل مجمل،
(١) خبر قوله «ان الكتاب».

وما يتعلق بالسند من انقطاع واتصال وارسال ولذا اعتنى به المتقنون من
المحدثين أتم الاعتناء وجعلوه أعلى أنواع التحمل، كما قال بعضهم بذلك معلنا:
بادر على كتب الامالى جاهداً من ألسن الحفاظ والفضلاء
فأجل أنواع الحديث بأسرها ما يكتب الانسان فى املاء
وبين سببه الحافظ بن حجر بقوله :
لم يخف إلا عن أخى عمياء
إن فى الامالى من مزيد الضبط ما
فالشيخ قديسهومتى يسرد كذا القارى وان كانا من النبهاء
وقد تقاصرت الهم عن هذا المقام ، وتقاعدت طلبة الطلبة عن طلب هذا
المرام ، مع أنى لا أغفل شيئاًمما فيه مما يحتاج اليه من ذكر المخرجين للحديث
وبيان مرتبته ، وأعرضت عن التطويل بذكر الاسانيد ، وان كانت لارباب
الحديث ألذ مشتهى وأحلى من الفانيذ ، على أن الكتاب موضوع للعموم،
مقصود لاشتراك الخواص وغيرهم فى فهم ماله من منطوق ومفهوم ، فاستخرت
الله الذى ماخاب من استخاره ، واستجرت بحبله المتين وهو لا يضيم جاره،
فى وضع هذا التعليق ، ليكون كالمعين لمطالعيه من أرباب التوفيق ، سالمكا
فيه طريقاً سالمة من الايجاز والاطناب، تاركا لا كثير مما يحصل به الملل والاسهاب
متكلما على مايحتاج للكلام، سا كناً عن الواضح البين للافهام . ناقلا لجواهر
درره من معادنها، مبرزاً لخبايا عرائسه من مكامنها، ليس فيه سوى التقريب،
والله المرجو فى النفع به وقبوله انه المجيب القريب، ((وسميته الفتوحات
الربانية على الاذكار النواوية )، جعله الله بمنه مقبولا، وبالقبول والنفع مشمولا،
سبباً للنجاة من هول يوم القيامه، وذخيرة معدة عند سيدنا محمد المظلل
بالغمامه ، عليه أفضل الصلاة والسلام والتحية والسلامه، وأحمولة لنيل فضله
والكرامه والله الكريم يعطى إن شاء لكل عبد من فضله مرامه. وهو
حسبي ونعم الوكيل .
من

﴿بسم الله الرحمن الرحيم}
الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مقدر الاقدار، مصرف الامور
مكور الليل على النهار ، تبصرة
(قوله الحمد لله) سيأتى الكلام على الحمد فى بابه إن شاء الله تعالى ( قوله
القهار) ذكره عقب الواحد المستلزم له لان مقام الخطبة مقام إطناب وتنبيها
على على مقام الرهبة المنبئ عن أوصاف الجلال المبنى عليه كل شرف وكمال ،
( قوله مقدر الاقدار) يصح فيه النصب على الحالية ولا يمنع منها اضافته بناء
على جعلها لفظية واسم الفاعل فيها للتجدد والحدوث، والجر على الوصفية
ويقدر الوصف فيه الثبوت والاستمرار فتكون الاضافة معنوية ، أو على
البدلية سواء كانت الاضافة لفظية أومعنوية، والاقدار جمع واحده قدر ،
وهو بفتح الدال مصدر قدر يقدر قدراً، وقد يسكن ، عبارة مما قضاه الله
وحكم به من الامور، كذا فى النهاية لابن الاثير (قوله مكور الليل الخ)
فى مفردات الراغب كور الشئء إدارته وضم بعضه إلى بعض ككور العمامة
وقوله ((يكور الليل على النهار الآية)) اشارة الى جريان الشمس فى مطالعها
وانتقاص الليل والنهار وازدياده، اه وفى تفسير الواحدى يكور الليل على
النهار يدخل هذا على هذا، والتكوير هو طرح الشئِّ بعضه على بعض اهـ
وفى عبارة المصنف اقتباس كما لا يخفى على الا كياس، اكتفى بذكر تكوير
الليل على النهار عن مقابله وانما اقتصر عليه لأن الليل لخلوته وخلوه عن
الاشتغال ممل الاشتغال بالذكر والطاعة فى الاقوال والافعال فإذا عم طلب
الذكر فى جميع أوقاته ولا كذلك النهار، فى قوله ((نسبح بحمد ربك آناء
الليل وأطراف النهار )). ولذا فضل النقل المطلق فيه على نقل النهار وسيأتى
لهذا مزيد، ( قوله تبصرة) أى تبصيراً وتبييناً وهما مصدرا بصر، المضعف

-٧ -
لاولى القلوب والابصار ، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله
فى جملة
يقال : فى مصدره تبصيراً وتبصرة كقدم تقدمة وتقديماً ثم هو مفعول
أو حال (قوله لأ ولى ) أى أصحاب وهو اسم جمع واحده ذو بمعنى صاحب
وكتبت الواوامد الهمزة فيه حال النصب والجر لئلا تشتبه بألى الجارة وحال
الرفع طرداً للباب (قوله والا بصار) جمع بصر فى مفردات الراغب البصر بقال
الجارحة الناظرة والقوة التى فيها ولقوة القلب المدركة ويقال لها بالمعنى الاخير
بصيرة أيضاً اهـ وعلى الاولين فالعطف على القلوب من عطف المغار وكذا
على الأخير وليس من عطف الرديف لان البصر اسم لقوة القلب المدركة
لا للقب وأتى به دون البصائر للايهام المذكور والسجع المستلذ فى السمع
(قوله الذى أيقظ ) إن أعرب ((مقدر)) بدلا فيجوز أن يكون الموصول
بدلا أيضاً فيكون مجرور المحل ، وأن يكون خبرا لمبتدأ محذوف فيكون
مر فوعه ولا يجوز اعرابه حينئذ نعتاً لان البدل إذا اجتمع مع النعت تعين
تأخيره عنه ، و إن أعرب مقدر نعتاً وجعلت اضافته معنوية أو حالا واضافته
لفظية لما تقدم جاز اعراب الموصول وصفا أوبدلاأو خبر مبتدأ محذوف، وفى
النهاية اليقظة أى بفتح القاف والاستيقاظ الانتياه من النوم، ورجل نقز
ويقظ ويقظان اذا كان فيه معرفة وفطنة اه والمراد هنا أيقظهم من سنة
الغفلات ففى الفقرة استعارة مكنية، يتبعها استعارة تخييليه، شبه الغفلة
بالنوم بجامع انتفاء كل منهما (١) كما ورد فى الحديث ((مثل الذى يذكر الله
والذى لا يذكر الله مثل الحي والميت)) فالتشبيه المضمر فى النفس استعارة
مكنية واثبات الايقاظ الذى هو من لوازم المشبه به استعارة تخييلية ( قوله
اصطفاه) أى اجتباه وافراد الضمير فيه وفيما بعده اعتباراً بلفظ من
(١) لعله: بجامع انتفاء الشور أو نحوه فى كل منهما . ع

- ٨ -
الاخيار، ووفق من اجتباه من عبيده جعله من المقربين الابرار،
وبصّر من أحبه
والاصطفاء أخذ الصفوة والصفوة بتثليث الصاد ، والاصل اصتفاه فقلبت
التاء طاء لوقوعها بعد حرف الصغير (١) (قوله الاخيار) جمع خير، وخير
مخفف خير كميت وميت ، وجوز الهمدانى كونه جمع خير وفى اعراب السمين
أموانا جمع ميت وقياسه على فعائل كسيد وسيائد والأولى أن يكون أموات
جمع ميت مخففا كالا فوال فى جمع قيل اهـ وتعقبه شيخى العلامة عبد الله
العصامي فى منهوات شرح الشذور له بأن حكمه بأن الاولى كونه جمع ميت ،
فيه نظر لان أفعالا انما تقاس جمعيته لما كان ثلاثياً واذا كان ميت مخفف
ميت فهو رباعى لا محالة فيكون جمع ميت على خلاف القياس اه وظاهر أن
جميع ماذكره يأتى فى كونه جمع خير مخفف خير ( قوله من عبيده) جمع عبد
وسيأتى معناه وله عشرون جمعاً جمع منها ابن مالك أحد عشرفى بيتين
وكلها الجلال السيوطى فى بيتين آخرين فقال ابن مالك
أحابد معبوداء معبدة عبد
عباد عبيد جمع عبد وعبد
كذاك العبدى وامددان شئت أن تمد
كذاك عبدان وعبدان أثبتا
وقال السیوطی
وخفف بفتح والعبدان ان تعد
وقد زيد أعباد عبود وعبدة
عبیدون معبودا بقصر نفذ تسد
وأعبد عبدون وتمت بعدها
(قوله الأبرار ) جمع بار يقال برّ فى يمينه فهو بار وبر أبلغ من بار
كعدل وعادل وفى النهاية البرفى حق الوالدين والاقربين من الاهل ضد العقوق
وهو الاساءة اليهم وتضييع حقوقهم يقال بر يبر فهو بار وجمعه بررة وجمع
البرأبرار وهو كثيراً مايخص بالاولياء والزهاد والعباد اهـ (قوله أحبه) لمحبة
(١) ليست العلة كونه حرف صغير بل كونه حرف أطباق . ع

- ٩ -
فزهدم فى هذه الدار ، فاجتهدوا فى
لاستحالة قيام حقيقتها من الميل النفسانى بالبارى سبحانه وتعالى المراد
بها هنا غايتها من ارادة الثواب فتكون صفة ذات ، أو الاثابة فتكون صفة
فعل وقال القشيرى فى الرسالة محبة الله للعبد ارادته لافعام مخصوص على العبد
كما أن رحمته له ارادة الانعام عليه فالرحمة أخص من الارادة والمحبة أخص
من الرحمة ، فرادة الله تعالى أن يوصل العبد الثواب والأنعام تسمى رحمة
وارادته لان يخصه بالقربة والاحول العلمية تسمى محبة وارادته تعالى صفة
واحدة، بحسب تفاوت متعلقاتها تختلف أسماؤها فاذا تعلقت بالعقوبة تسمى
سخطا واذا تعلقت بعموم النعم تسمى رحمة واذا تعلقت بخصوصها تسمى محبة
وقوم قالوا محبة الله تعالى للعبد مدحه له وثناؤه عليه بجميل فيعود معنى
محبته له على هذا القول الى كلاء))، وكلامه قديم. وقال قوم محبته للعبد من
صفات فعله فهو احسان مخصوص يلقى الله العبد به ويرقيه ، وقوم من السلف
قالوا محبة الله من صفات الخيرية ، فاطلقوا هذا اللفظ فوقفوا عن التفسير ،
قال الشيخ زكريا فى شرحه فهذه أربعة أقوال ترجع الى قولين لرجوع الفعل
الى الارادة والخيرية الى الكلام اهـ وافراد الضمير فى أكثر النسخ باعتبار
لفظ من وجمعها فى نسخة باعتبار معنى من ( قوله فزهدم الخ) الزهد شرعا
أخذ قدر الضرورة من الحلال المتيقن الحل وهو أخص من الورع اذ هو ترك
المشتبه وهذا زهد العارفين واليه أشار بقوله فزهدهم فى هذه الدار والى
هذا المعنى أشار من قال :
ا لله عباداً فطناً طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحى وطناً
جعلوها لجة واتخذوا صالح الاعمال فيها سفناً
وأعلى منه زهد المقربين وهو الزهد فيما سوى الله تعالى من جنة وحال

- ١٠ -
مرضاته والتأهب لدار القرار، واجتناب ما يُسخطه والحذر من عذاب
النار، وأخذوا أنفسهم بالجد فى طاعانه وملازمة ذكره بالعشى والابكار ،
وعند تغاير الاحوال وجميع آناء الليل
ومقام . وليس لصاحب هذا المقال مرام الا الوصول اليه والقرب منه تعالى
والزهد فى الدنيا باحتقار جميع شأنها لتصغير الله اياها وتحقيره لها ( قوله
مرضاته) مصدرميمى أى رضاه، ورضا الله عن العبد قال الراغب هو أنيراه
مؤتمراً بأمره منتهياً عن نهيه (قوله ما يسخطه الخ ) السخط من الله تعالى انزال
العقوبة كما فى مفردات الراغب وفى أمالى ابن عبد السلام غضب الله فيه ثلاث
مذاهب قال الشيخ أبو الحسن الأشعرى هو صفة ذات وعبر به عن الارادة
وقال القاضى هو صفة فعل وعبر به عن معاداة الغاضب لمن غضب عليه وقال
غيرهما هو صفة ذات وعبر به عن سب الله لاعدائه فى كتابه فيكون عائداً الى
صفة الكلام ويجوز فيه كنظائره فتح أوليه وضم أوله وسكون ثانيه (قوله
والحذر) معطوف إما على مرضاته وهو أولى لسبقه أو على اجتناب لقربه والاجتهاد
فى الحذر من عذابه بمجانبة الافعال المؤدية اليه (قوله بالجد) بكسر الجيم
أى الاجتهاد (قوله طاعاته ) جمع طاعة وهى امتثال الأوامر واجتناب النواهى
وسيأتى الفرق بينها وبين القربة والعبادة. ( قوله بالمشى) هو من زوال
الشمس الى الصباح والبكرة أول النهار كذا فى مفردات الراغب وفى النهاية
لابن الاثير المشى من الزوال الى المغرب وقيل الى الصباح اهـ ثم فى هذه
الفقرة إن أجريت على ظاهرها اقتباس من حديث ((يقول الله تعالى اذ کرنى من
أول النهار ساعة ومن آخره ساعة اكفك ما بينهما)) ويجوز أن يكون كناية
عن الاستيعاب وشمول سائر الأزمنة ( قوله تغاير الاحوال) أى اختلافها
(قوله و جیع آناء الليل ) أى وجميع ساعاته ومفرده إنی کمی کما فى النهر لا بي
حيان وأناء بفتح الهمزة والمدكما فى البيضاوى وإنى وإنو فنى واحده أربعة

- ١١ -
وأطراف النهار، فاستنارت قلوبهم بلوامع الأنوار، أحمده أبلغ الحمد على جميع
نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله العظيم،
الواحد الصمد العزيز الحكيم ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله،
أقوال وقد حكاها الواحدى (قوله وأطراف النهار) أى جوانبه قال الواحدى
فى قوله تعالى ( وسبح بحمد ربك )) أى صل الله بالحمد له والثناء عليه ( قبل
طلوع الشمس» يريد الفجر ((وقبل غروبها)) يعنى العصر ((ومن آناء الليل))
ساعاته قال ابن عباس يريد أول الليل المغرب والعشاء ((وأطراف النهار» قال
بريد الظهر وسمى وقت صلاة الظهر أطراف النهار لان وقته عند الزوال وهو
طرف النصف الاول وطرف النصف الثانى اهتم تعبير المصنف بما عبر به إيماء
الى انه یفبغی استغراق جميع اللیل وطرقی النهار بالذ کر وذلك لان فى النهار
زمن الاشتغال بأحوال المعاش ، واستغراقه بالاعمال ربما يكون سبباً لقوات
ذلك وقد يترتب عليه ضياع الاهل والعيال المنهى عنه فى قوله صلى الله عليه
وسلم ((كفى بالمرء إنما أن يضيع من يعول)) ويصح أن يراد بأطراف النهار
جميع أزمنته فكثيراً ما يعبر بالبعض عن الكل وكثيراً ما يأتون بعبارة ليست
صريحة فى التعميم وهو مرادهم بها لكثرة الاستعمال كاعطيت القوم عن آخرم
أى عممتهم بالعطاء وعليه فالمراد جميع ذلك على قدر الاستعداد وحسب
الطاقة وفى الفقرة اقتباس ( قوله بلوامع الأنوار) يقال لمع البرق كسطع أضاء
وهذا من. اضافة الوصف للموصوف أى الانوار اللو مع وهو جائز عند
الكوفيين ولابد من تأويله عند البصريين (قوله عبده) العبد والعبدل لغة
الانسان وشرا المكلف ولو حراً وهو أسنى أوصاف الانسان ولذا نعت به
صلى الله عليه وسلم فى أشرف المقامات فى القرآن قال بعض العلماء وقال بعضهم
العبد يقال على أضرب: عبد بحكم الشرع وهو الانسان الذى يصح بيعه
وابقياعه. وعبد بالايجاد وذلك ليس الا لله تعالى (( إن كل من فى السموات

-١٢ -
وصفيه و حبيبه وخليله ،
والأرض إلا آتي الرحمن عبداً)). وعبد بالعبادة وهو المقصود بقوله تعالى
((واذكر عبدنا أيوب)) ومنه ((سبحان الذي أسرى بعبده))، وعبد الدنيا
واعراضها وهو المعتكف على خدمتها ومراعاتها وإياه قصد النبى صلى الله عليه
وسلم بقوله تعس عبد الدينار والعبودية إظهار التذلل والعبادة أبلغ منها لانها
غاية التذلل ولا يستحقها الامن له غاية الافضال وسيأتى لهذا المقام مزيد
(قوله وصفيه) فى النهاية صفى الرجل الذى يصافيه الود يخلصه له فعيل
تعنى فاعل أو مفعول (قوله وحبيبه) أى حبيبه الاكبر إذ محبة الله للعبد
المستفادة من قوله تعالى يحبهم ويحبونه على حسب معرفته به، وأعرف
الناس بالله نبينا فهو أحبهم له وأحقهم باسم الحبيب. وتقدم معنى المحبة من
الله وحبيب فعيل من أحب فهو محب أو من حب يحب فهو حبيب (قوله
وخليله ) الخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل وقد يكون بمعنى مفعول من الخلة
بضم أوله الصداقة والمحبة التى تخلات القلب فصارت فى خلاله أى باطنه وقيل
هى تخلل مودة فى القلب لا تدع فيه خلاء إلا ملأته أو من الخلة بالفتح الحاجة
والفقر كذا يستفاد من النهاية لابن الاثير. وفى شرح الأربعين لابن حجر
الهيشمى وخليله الاعظم بمعنى مفعول وكان الاقتصار عليه لكونه أنسب
بتمقام الادب وأشرف بكونه ذا الحلة التى هى نهاية الأرب وهل مقام المحبه
أرجح من مقام الحالة كما يؤذن به الاهتمام بتقديمه وعليه العارف ابن أبى جرة
فى حديث الإسراء فى كتابه هحة النفوس وتحليها أو بالعكس ورجحه ابن القيم
فقال: وظن أن المحبة أرفع وأن ابراهيم خليل وأن محمداً حبيب غاط وجهل
وما استدل به لتفضيل المحبة انما يقتضى تفضيل ذات محمد على ذات ابراهيم
صلى الله عليهما وسلم وهذا لازاع فيه إنما النزاع فى الافضلية المستندة إلى
أحد الوصفين والذى قامت عليه الادلة استنادها الى وصف الحالة الموجودة فى

-١٣ ٠
أفضل المخلوقين، وأكرم السابقين واللاحقين ، صلوات الله وسلامه عليه
وعلى سائر النبيين والمرسلين
كل من الخليلين نخلة كل منهما أفضل من محبته واختصابها لتوفر معناها السابق
فيهما أ كثر من بقية الانبياء والكون هذا التوفر فى نبينا أكثر كانت
خلته أرفع من خلة إبراهيم صلى الله عليه وسلم اهـ ( قوله أفضل المخلوقين)
أى حتى من الملائكة على المختار والنهى عن تفضيله صلى الله عليه وسلم على
الانبياء محمول على التفضيل فى نفس النبوة للتساوى فيها أو على تفضيل يؤدى
الى تنقيص لاحد منهم لحرمته بل لأنه يؤدى للكفر أو أنه قاله قبل علمه فلما
أخبربه قال أنا سيد ولد آدم وعدل اليه عن أنا سيد آدم وولده إما تأدبا معه
أو لحصول المقصود من سيادته عليه مما قاله لانه إذا ساد جميع أولاده
ومنهم إبراهيم الافضل من آدم فسيادته عليه بالأولى، والله أعلم. وضعف
بأن راوى خبر النهى أبو هريرة متأخر الاسلام جداً فيبعد عدم الاطلاع
وعن تفضيله على يونس نفياً للجهة لئلا يتوهم من ارتقائه صلى الله عليه وسلم
الى أعلى المنازل مقام قاب قوسين أو أدنى انه أقرب الى الله تعالى من يونس
الذى التقمه الحوت ونزل به فى قصر البحر بل هما متساويان فى القرب من الله
تعالى بعلمه اذ القرب أو البعد المكانى من أوصاف الاجسام تزه سبحانه
عن ذلك أشار اليه امام الحرمين ولم يخبر بهذا المنزع اللطيف حاضرى مجلسه
حتى التزم واحد لضيفه بألف دينار ،فانظر همة هؤلاء الطلبة الاخبار وقد
نقل ذلك القرطبى فى تذكرته ( قوله وأ كرم السابقين) أى من تقدم حتى
الانبياء والرسل المفضلين على خواص الملك المختار فى الأصول واللاحقين
وأتى به مع لزوم ماقبله له لان المقام مقام إطناب ( قوله والمرسلين ) عطف
على ماقبله من عطف الرديف إن كان الرسول والنبى بمعنى كما قيل به ومن عطف
الخاص على العام إن كان الرسول أخص كما هو المشهور وفيه الصلاة على الانبياء

- ١٤ -
وآل كلُ وسائر الصالحين ﴿أما بعد﴾، فقد قال الله العظيم ، العزيز
الحكيم ((فاذكروني أذكركم))
وقد ورد (صلوا على أنبياء اللهورسله فانهم بعنوا كما بعثت)) أخرجه الطبرانى
وغيره (قوله وآل كل ) عدل عن إضافته إلى الضمير المشهور الى الاضافة
الى الاسم المظهر، لانها الاحسن كما نبه عليه البهاء السبكى فى عروس الافراح
وكونه جرى على مذهب الزبيدى من منع ذلك بعيد ياًباه سعة اطلاع المصنف
على شواهده ومنها قول عبد المطلب
ب وعابديه اليوم آلك
وانصر على آل الصلي
والآل الذين يحرم عليهم الصدقة ولهم خمس الخمس، مؤمنو بنى هاشم
والمطلب والاقرب ان المراد هنا ما اختاره جمع من المحققين ومنهم المصنف
فى شرح مسلم وقال الازهرى أنه أقرب الى الصواب جميع الامة وقيده القاضى
حسين وغيره بالاتقياء منهم واستندوا الى حديث ابن عباس مرفوعا «آل محمد
كل مؤمن تقى)) أخرجه الطبرانى بسند واه جداً وأخرج البيهقى نحوه عن جابر
من قوله وسنده ضعيف وهذا المعنى الاخير أنسب بمقام الدماء لانه كلما كان
الدعاء أعم كان أتم ويدخل فيه حينئذ الصحابة الكرام والتابعون بإحسان على
الدوام ثم الصحيح أن أصل آل أول تحركت الواو واتفتح ماقبلها فقبات ألفا
وقيل غير ذلك (قوله وسائر الصالحين ) أى باقيهم فعطفه على ماقبله من عطف
المغاير أو جميعهم فيكون من عطف العام أن أريد بالآل من يحرم عليهم الصدقة
الواجبة أو من عطف الخاص على العام أن أريد من الآل المعنى العام أى جميع
الامة وأريد بالصالحين القائمون بما عليهم من حق الله وحق العباد ومن عطفه
المرادف ان أريد بالصالحين مطلق المؤمنين المعبر عنهم فيما سبق بالامة أى أمة
الاجابة ويقربه عموم الدماء عليه ويبعده سياق المقام وقرنه مع الآل الكرام
(قوله نفاذ كرونى أذكركم) قال الواحدى قال ابن عباس وسعيد بن جبير.

- ١٥ -
وقال تعالى (( وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ))
اذكرونى بطاعتى أذ كركم بمغفرتى روى أن عبدالملك كتب الى سعيد بن جبير
فى مسائل فقال فى جوابها: وتسأل عن الذكر فالذكر طاعة الله فمن أطاع الله
فقد ذكر الله ومن لم يطعه فليس بذاكر وان أكثر التسبيح وتلاوة القرآن
وتسأل عن قوله تعالى ((فاذكرونى أذكركم)) فان ذلك ان الله تعالى يقول
((اذ كرونى بطاعتكم أذكركم بمغفرنى)) ويشهد لصحة هذا حديث خالد بن
حمران قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أطاع الله فقد ذكرالله وان
قلت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن ومن عصى الله فقدنسى الله وإن كثرت
صلانه وصیامه وتلاه القرآن ، ام وبمعناه حديث أبى هريرة قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (( يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدى بى وأنا معه
حین بذ کرنی ان ذ کرنى فى نفسه ذكره فى نفسی وانذ کرنى فى ملأ ذكرته
فى ملاً خير منه)) وسئل الحافظ ابن حجر عن معنى هذا الخير أجاب معنى
الخير فى الحديث تفضيل الجمع الذى يذكر الله سبحانه وتعالى ء ده فيهم على
الجمع الذى يذكر العبد ربه فيه أى جمع كان ولا حجة فيه لمن فضل الملائكة
على الانبياء لانه ليس المراد والله أعلم تفضيل الملاً والمذكور على الملا والذاكر
وحينئذ فالافضلية للمجموع على المجموع وبهدا يزول الاشكال ولا يلزم منه
ما تخيله المستدل به على تفضيل غير الانبياء (قوله وقال تعالى ((وما خلقت الجن
والاأس الا ليعبدون))) أى معدين ليعبدون وكأن الآية (١) تعديد نعمه
أى خلقت لهم حواس وعقولا وأجساما منقادة نحو العبادة كما يقل هذا مخلوق
لکذا وإن لميصدر منه الذی خاقله کذا فى النهر لابیحیان وفی الکشاف
إن قات لو كان الله تعالى مريداً للعبادة لكانوا كلهم عبيداً قات انما أراد منهم
أن يعبدوا مختارين للعبادة لا مضطرين اليها اه قال ابن بنت المياق وهذه عادته
(١) لعله: وكأن المقصود من الآية . ع
"- .

- ١٩-
فعلم بهذا أنّ مِن أفضل أو أفضلَ
يعنى الزمخشرى اذا رأى ظاهراً يوافق مذهبه أورد مذهب أهل السنة سؤالا
ومذعبه جواباً وما أجاب به غير صحيح بل الآية دليل أهل السنة لكونها
سيقت فى مساق تعظيمه تعالى وأن شأنه مع عبيده لايقاس بغيره فان العبيد
فى العرف قسمان منهم من يقنيه سيده للانتفاع به ومنهم من يكون للتبجيل
والتعظيم كماليك الملوك، والعباد بالنسبة اليه تعالى من القسم الثانى فلا تتركوا (١)
عبادته وتعظيمه لان نفعها عائد اليهم . قيل والعبادة المرادة من الآية التعظيم
لله والشفقة على خلقه لاتفاق سائر الشرائع على ذلك بخلاف خصوص العبادات
فالشرائع مختلفة فيها ولما كان التعظيم اللائق بجلال الله تعالى لا يعلم عقلالزم
متابعة الشرع والاخذ بقول الرسول اهـ وقيل معنى ليعبدون ليعرفون قال
ابن عباس كل عبادة فى القرآن فهى بمعنى العرفان وهل الخطاب للخصوص أو
للعموم خلاف عند المفسرين وأيد بعضهم هذا التفسير بحديث «كنت كنزاً
مخفيا لم أعرف فأحببت أن أعرف)) أى ماخلقت الثقلين الا لاظهر عليهم صفاتى
وكما لاتى فيعرفوفى فيعبدونى لان العبادة لله المعرفة ومن لم يعرفه لم يعبده
وروى عن على لم أعد ربا لم أعرفه اهو الخبر المرفوع موضوع. والمراد
المعرفة التى تليق بحال الانسان لامعرفة حقيقته تعالى على ماهو عليه فان
ذلك فى الدنيا محال اتفاق وفى امكانه فى الآخرة خلاف، الراجح عدمه
ولا يلزم ذلك من كونه تعالى يرى فى الاخرة اذ الرؤية لا تستلزم الاحاطة
قال تعالى ((لا تدركه الأبصار)= أى لا تحيط به اذ الاحاطة من أوصاف
الحوادث تعالى عن ذلك. (قوله أو أفضل) الظاهر أن أوفيه بمعنى بل إذلاشبهة
أن الذكر سيما إن فسر بالمعنى الشامل لسائر العبادات أفضل أحوال الانسان،
ثم هذه الافصلية للذكر المأثور كما قال ((فى الاذكار الواردة عن سيد
(١) كذا بالاصل.ع

- ١٧ -
حال العبد حال ذكره رب العالمين ، واشتغاله بالاذ سر، الواردة عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم
المرسلين ، قال القاضى عياض أذن الله فى دمائه وعلم الدماء فى كتابه لتخليقته
وعلم النبى صلى الله عليه وسلم الدعاء لامته واجتمعت فيه ثلاثة أشياء العلم
بالتوحيد والعلم باللغة والنصيحة للامة فلا ينبغى لاحد أن يعدل عن دمائه
صلى الله عليه وسلم وقد احتال الشيطان للناس من هذا المقام فقيض لهم قوم
سوء يخترعون لهم أدعية يشتغلون بها عن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم
وأشد مافى الحال أنهم ينسبونها الى الانبياء والصالحين فيقولون دماء نوحدماء.
يونس دعاء أبى بكر الصديق فاتقوا الله فى أنفسكم لا تشتغلوا من الحديث
الا بالصحیح اه وقال الامام أبو بكر محمد بن الوليد الطر سوسي فى كتاب
الأدعية ، ومن العجب العجاب أن تعرض عن الدعوات التى ذكرها الله فى
كتابه عن الانبياء والا ولياء والا صفياء مقرونة بالاجابة ثم تنتقى الفاظ الشعراء
والكتاب كانك قد دعوت فى زعمك بجميع دعواتهم ثم استعنت بدعوات
من سواهم وعن المصنف أن اوارد المشايخ واحزابهم لا بأس بالاشتغال
بها غير أن الخير والفضل انما هو فى اتباع المأثور فى الكتاب والسنة وهذا
ليس كذلك وفيهما ما يكفى السالك فى سائر أوقاته وقد جرى أصحابنا على
ذلك فقالوا فى بابى الصلاة والحج يشتغل بالدعاء والذكر وأفضله الوارد وخالف
الحقفية فقالوا إن الاشتغال بالوارد لكون المدار فيه على ايراد تلك الالفاظ
ربما تكون محلا للخشوع المطلوب من الداعى فالاولى ان يأتى بذكر من عنده
ليتم توجهه أو يأتى بكل من النوعين ليكسب كلا من الفضلين وما أشرنا اليه
أولا أولى، والزعم بأن إيراده يفوت الخشوع ممنوع وبفرضه فبركة الأتباع
تقوم بما فات من الخشوع والله أعلم وسيأتى ان شاء الله أواخر الكتاب فى
باب أدب الدعاء تفصيل فى أذكار المشايخ فراجعه ( قوله واشتغاله الخ) يجوز
(٢ - فتوحات - ل)

١
- ١٨ -
سيد المرسلين ، وقد صنف العلماء رضى الله عنهم فى عمل اليوم والليلة
والدعوات والاذكار كتباً كثيرة معلومة عند العارفين، ولكنها مطولة
بالاسانيد
فى قوله اشتغاله الرفع والنصب عطفا على قوله قبله ذكره رب العالمين
المنصوب أو المرفوع بنا على اثبات من فى افضل او حذفها منه وفى بعض
النسخ حال ذكره رب العالمين بزيادة حال منصوبا ومرفوعا بناء على ماذكر
وحينئذ فيجوز فى اشتغاله الرفع والنصب عطفا على حال والجر عطفا على
ذكره المضاف اليه ( قوله سيد المرسلين) أى مجموع الرسل وكذا كل فرد
منهم كما يدل عليه حديث أنا سيد ولد آدم ولانخر وفى كلام المصنف إطلاق
السيد على غير الله وهو جائز كما يأتى فى الأصل وسيأتى الكلام على إعلاله
(قوله والاذ كار ) هو جمع واحده ذكر وهو كما فى فتح الآله فى أصل وضعه
ماتعبد الشارع بلفظ نما يتعلق بتعظيم الحق والثناء عليه ويطلق على كل
مطلوب قولى اه وقريب منه ماقيل الذكر شرعا قول سيق لثناء او دعاء
وقد يستعمل أيضا لكل قول يثاب قائله وحينئذ فأن أريد بالاذكار فى قول
المصنف مقابل الدعاء كان عطفه من عطف المغاير وإن اريد به ما يشمله كان من
عطف الخاص على العام والكلام فى الذكر اللسانى اما الذكر القلبى فسيأتى
معناه عند ذكر المصنف له ( قوله كتبا كثيرة) أى بعضها فى عمل اليوم
والليلة ككتابى، ابن السنى والنسائى وبعضها فى الدعوات ككتابى
المستغفرى والبيهقى (وقوله مطولة) بوزن اسم المفعول من التطويل وهو
تكثير اللفظ والمعنى ويقابله الايجاز والاختصار ولذا قال فيما سيأتى مختصرا
الى آخره والاطالة أن يكون اللفظ زائدا على ما يؤدى به اصل المراد لالفائدة
مع كون الزائد غير متعين فان كان لفائدة فهو الاطناب وان تعين الزائد
١
٢٠٠٠

- ١٩-
والتكرير، فضعفتْ عنها همم الطالبين ، فقصدْتُ تسهيل ذلك على الراغبين
فشرعت فى جمع هذا الكتاب مختصراً مقاصد ماذكرنه تقريباً للمعتنين،
لالفائدة فهو الحشو والاسانيد جمع اسناد وهو الاخبار عن طريق المتن، والسند
رجاله. وقيل هما بمعنى وعليه جرى الجلال السيوطى فى الفيته فقال
والسند الاخبار عن طريق متن والاسناد لدى فريق
وكون الاسناد سببا للتطويل بالنظر لمريد التعبد بألفاظ الاذكار والا فهو
اسم مطلوب للمحدث اذبه يعرف حال الحديث فى القوة والضعف قال ابن
المبارك الاسناد من الدين ولولا الاسناد لقال من شاء ماشاء ونقل مثله عن
غيره ( قوله والتكرير) مصدر كرر المضاعف اى ذكر الشىء مرة بعد أخرى
والتكرار بفتح المثناة وكسرها اسم مصدر وهذا يفعله الجامعون على الأبواب
والمعاجم كثيرا لحاجتهم اليه وقد أكثر منه الحافظ البخارى فى صحيحه حتى
قال فيه بعضهم:
قلت البخارى أعلى
قالوا المسلم فضل
قالوا المكور فيه قلت المكرر أحلى
(قوله الراغبين ) من الرغبة شدة الطلب والمراد الراغبين فى طلب المتعبد
بلفظه دعاء أوذ كرا . المعرضين عما يتعلق به من الاسانيد فلا يخالف ما تقدم
من قوله فضعفت عنها هم الطالبين. ( قوله مختصرا) بوزن اسم الفاعل حال
من فاعل شرع مقدرة أو من المجرور بنى كذلك أومن اسم الاشارة المضاف
اليه أى حال كون هذا الكتاب مختصرا ما تقدم واسناد الاختصار اليه مجاز
عقلى من اسناد ما للشئ لا لته وصح مجىّ الحال من المضاف اليه لكون
المضاف عاملا قبل الا ضافة فى المضاف اليه فهو كقوله تعالیإلیه،رجمكم جميعا
ثم هو بالتنوين فيما وقفت عليه من الاصول المصححة ولوروى بترك التنوين
والاضافة لجازت فيه الاوجه المذكورة لكون اضافته لفظية غير معرفة

- ٢٠ -
وأحذف الاسانيد في معظمه لما ذكرته من ايثار الاختصار ولكونه
موضوعا للمتعبدين، وليسوا الى معرفة الاسانيد متطلعين، بل يكرهونه
وان قصر إلا الأقلين ، -
وفى نسخة مختصرا قاصداً وعليه فيجوز أن يقرأ مختصرا بوزن اسم المفعول
حالا من المضاف اليه ويبعده قوله بعده قاصدا الخ والمختصر كالموجز ماقل
لفظه وكثر معناه. ((وفى شرح مسلم)) للمصنف الاختصار ايجاز اللفظ مع
ء
استيفاء المعنى وقيل رد الكلام الكثير الى قليل فيه معنى الكثير وسمى
اختصارا لاجتماعه ومنه المخصر وخصرة الانسان اهـ ( قوله وأحذف الاسانيد
الخ ) عبر بالحذف الذى يكون عادة بعد الذكر اشعاراً بان السند مما يعتنى
به أرباب الاتقان فكانه ذكره ثم حذف ولو عبر بالترك ونحوه لما فهم ذلك
( قوله ايثاراً) بالتحتية الساكنة ثم المثلثة من الأثرة ، الاختصاص أى
تخصيص الاختصار بالاختيار على مقابله ( قوله ولكونه ) عطف على ما من
قوله لما ذكرته واعاد الجار حذرا من ايهام كونه لوحذف الجار معطونا على
ايثار ( قوله يكرهونه ) وذلك لكوهم يرونه من الامور المكسبة للنفس
شرفا ونخرا وهم يكرهون كلما كان كذلك قال بعضهم فى حق سفيان الثورى
انه نعم الرجل لولا أنه من أهل الحديث وفى تنبيه الغافل للقسطلانى قال
أبو بكر الزقاق آفة المريد ثلاثة اشياء الترويج وكتابة الحديث والاسفار
لكن حمل هذا الأثرعلى أن المراد بالحديث فيه الاخبار مثل التواريخ ونحوها
والا فكثير من الاولياء الكرام الذين هم رؤس زهاد الانام واكبر العارفين
الفخام كمالك واحمد وأمثالهما نظروا الى النفع المرتب عليه وأنه من جمالة العلم
الذى الاشتغال به أفضل من الطاعات وأجل العبادات الموصلات قال أحمد وقد
سئل ما تشتهى من الدنيا فقال بيت غال آی ليتعبد فيه واسناد مال وهو من
أسنى علوم الاخرة وعبارة التقريب للمصنف فان علم الحديث من أفضل القرب