Indexed OCR Text
Pages 441-460
وقال غيره من العلماء: معناه بالراء والنون جميعا: الرجوع من الاستقامة (١) أو الزيادة إلى النقصان ، قالوا : ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة ، وهو لفها وجمعها، ورواية النون من الكون ، مصدر كان يكون كونا ، إذا وجد واستقر . قال الشيخ محيى الدين النووى: رواية النون أكثر، وهى المشهور فى "صحيح مسلم"(٢). قوله : "وإذا رجع " أى: من السفر. قوله: "قالهن" أى: قال هذه الكلمات، "وزاد فيهن: آيبون" أى: راجعون بالخير هنا، من آب إذا رجع ، هذا مرفوع بالخبرية ، أى : نحن آيبون ، و"تائبون" من الذنب . قوله: "لربنا" متعلق بقوله: "حامدون" ، وتأخير الفعل للاختصاص . واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : قراءة هذا الدعاء عند الركوب على الدابة . والثانية: إن الأرض تطوى للصالحين ، كما ورد فى مناقبهم، لأن سؤاله -عليه السلام- يدل على هذا، وإلا يكون سؤالا بالممتنع . والثالثة: فيه دليل على إطلاق لفظ الصاحب والخليفة على الله تعالى، ومنعهما القرطبى . [قال شيخ الإسلام:] ١٧١ - وفى وجه آخر: "كان رسول الله ◌ُلّ وأصحابُهُ إذا عَلَوْا الثِّنَايَا كَبَّرُوْاْ، وإِذَا هَبَطُواْ سَبَّحُوا(٣)" . (١) فى الأصل: "الرجوع من كل الاستقامة" كذا، والتصويب من شرح صحيح مسلم (١١١/٩) وكتاب الأذكار (ص /١٩٨) باب ما يقول إذا ركب دابته . (٢) انظر شرح صحيح مسلم (١١١/٩) تحت شرح حديث الباب . (٣) تنبيه: وقع فى الكلم الطيب عقب الحديث قوله: "وهو فى الصحيح". قلت: فلعله يقصد ما أخرجه مسلم (٤٢٨/١٣٤٤) من حديث ابن عمر بلفظ: "كان رسول اللَّه ◌ُلَنَّ إذا قفل من - ( ٤٤٠ ) أقول: هذا الوجه / ٣٢٠ / زاد [٥] أبو داود فى روايته . قوله: "إذا علوا" أى إذا صعدوا. و"الثنايا" جمع ثنية، وهى العقبة فى الجبل . وقيل: هو الطريق العالى فيه . وقيل : أعلا المسيل فى رأسه . قوله: "وإذا هبطوا" أى: نزلوا. وقد ذكرنا وجه الحكمة فى التسبيح فى الهبوط، والتكبير فى الصعود . - الجيوش، أو السرايا، أو الحج، أو العمرة، إذا أوفى على ثنية أوفَدْ فَدٍ كبر ثلاثا، ثم قال : لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير ... " ، أو ما أخرجه البخارى فى "صحيحه" فى كتاب الجهاد، باب التسبيح إذا هبط واديا (٢٩٩٣) من حديث جابر قال : "كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا" . ٠٠ وأما حديث الباب فرواه أبو داود فى سننه - كما قال المصنف -: كتاب الجهاد ، باب ما يقول الرجل إذا سافر (٢٥٩٩) من حديث ابن جريج معضلا، وقال الحافظ ابن حجر كما فى شرح الأذكار (١٤٠/٥) كلاما طيباً ، مفاده أن هذا الحديث مدرج فى الذى قبله، وأن عبد الرزاق أخرجه فی مصنفه عن ابن جریج بدون سند . ( ٤٤١ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٣٦ - فصل فى ركوب البحر أقول: هذا الفصل فى بيان الدعاء عند ركوب السفينة فى البحر . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٢ - ويذكرُ عن الحسين بن على - رضى الله عنهما - قال: قال رسول الله ﴿ّ: "أَمَانْ لُأُمَّتِى منَ الغَرَقِ إذا رَكِبُوا أن يَقُولُوا: ﴿بِسْمِ اللِهِ مَجْرِلهَا ومُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١)، ﴿وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾(٢).(٣) .. أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه عن الحسين بن على - رضى الله عنهما -، وهكذا وقع فى النسخ: ، "إذا ركبوا" ولم يقل "السفينة". قوله: ﴿بِسْمِ اللِهِ مَجْرِلهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أى: باسم الله إجراؤها وإرساؤها. وقيل: حيث تجرى وتحبس. وقيل: باسم الله جريها وحبسها، يعنى: بأمر الله، قراءة حمزة والكسائى وعاصم فى رواية حفص: ﴿مَجْرِلهَا﴾ بفتح الميم، والباقون بالضم. واتفقوا فى ﴿مُرْسَاهَا﴾ أنها بضم الميم، إلا أن حمزة والكسائى قرآ بالإمالة . قوله: ﴿إِنَّ رَبِى لَغَفُورٌ رَّحيمٌ﴾ أي: بالمؤمنين . أو: رحيم لمن يركب السفينة ، يرحمه ويأمنه من الغرق ، ويحفظه على وجه الماء. قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أى : ما عظموا الله حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته . (١) سورة هود (٤١) . (٢) سورة الأنعام (٩١). (٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٩٤) من طريق جبارة بن المغلس، عن يحيى بن العلاء، عن مروان بن سالم، والأول ضعيف، والآخران متهمان بالوضع، وقال الشيخ الألبانى فى ضعيف الجامع (١٢٤٨) : موضوع . ( ٤٤٢ ) قوله : "الآية" يجوز فيه النصب على معنى: اقرأ الآية، والرفع، أى: الآية بتمامها وكما لها، وتمام الآية: ﴿إِذْ قَالُوْا مَا أَنزَلَ اللهُ / ٣٢١ / عَلَى بَشَرِ مُن شَىْءٍ﴾ يعنى: على رسول من كتاب ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِى جَاء بِهِ مُوسَى﴾ وهى التوارة ﴿نُوراً﴾ يعنى: ضياء. ﴿وَهُدَى﴾ يعنى: بيانا للناس من الضلالة. (يجعلونه(١) قَرَاطِيسَ﴾ يقول: تكتبونه فى الصحف ﴿يُبْدُونَهَا (١)﴾ يظهرونها فى الصحف ﴿وَيُخْفُوَن كَثِيرًا﴾ يعنى: يكتمون ما فيه، يعنى: صفة محمد - عليه السلام-، ونعته، وآية الرجم، وتحريم الخمر. ﴿وَعُلَّمْتُم ما لَمْ تَعْلَمُواْ أَنْتُمْ وَلاَ أَبَاؤُكُمْ﴾ يعنى: علمتم أنتم وآباؤكم فى التوراة ما لم تعلموا. ويقال : علمتم على لسان محمد - عليه السلام - ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم، فإن أجابوك وإلا فـ ﴿قُلِ الله﴾ أنزله على موسى ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ إن لم يصدقوك ﴿فِى خَوْضِهِمْ﴾ يعنى: فى باطلهم. ﴿يَلْعُبُون﴾ يلهون ويفترون . وأما الحسين فهو أبو عبد الله الحسين بن على بن أبى طالب بن عبد المطلب القرشى الهاشمى ، سبط رسول الله -عليه السلام - أيضا، وريحانته، ولد لخمس خلون من شعبان سنة أربع، وقبل : سنة ثلاث . روى له عن رسول الله -عليه السلام- ثمانية أحاديث ، رَوَيَا له عن أبيه ، روى عنه ابنه على بن الحسين ، وابنته فاطمة ، وابن أخيه زيد بن الحسن ، وشعيب بن خالد ، وطلحة بن عبيد الله العقيلى ، ويوسف الصباغ، وعبيد بن حُنَين ، وهمام بن غالب الفرزدق الشاعر وغيرهم. قتل يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وستين سنة بكر بلاء من أرض / ٣٢٢ / العراق ، روی له الجماعة(٢) . (١) كذا بالياء المثناة من تحت ، وهى قراءة ابن كثير وأبى عمرو . (٢) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (١٣٢٣/٦). ( ٤٤٣ ) [قال شيخ الإسلام :] ٣٧ - فصل فى الدابة الصعبة أقول : هذا الفصل فيما يقرأ للدابة الصعبة . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٣ - قال يونس بن عبيد: ليس رجل(1) يكون على دابة صعبة فيقول فى أذنها: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَلْوَاتِ وَاْلْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾(٢) إلا وقفت بإذن الله(٣) . وقد فعلنا ذلك فكان كذلكٍ بإذن الله. أقول : هذا الأثر رواه ابن السنى فى كتابه، عن السيد الجليل، المجمع على جلالته وحفظه، وديانته وورعه ونزاهته، أبى عبد الله يونس به عبيد بن دينار البصرى التابعى المشهور، رأى أنس بن مالك، وسمع الحسن، ومحمد بن سیرین وغيرهم . روى عنه سفيان الثورى ،وشعبة ، وعبد الوهّاب وغيرهم. وقال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين: هو ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث . مات سنة تسع وثلاثين ومائة ، روى له الجماعة (٤) . قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾. يعنى: تطلبون قرأ عاصم فى رواية حفص ﴿يَبْغُون﴾ و﴿يُرْجَعُونَ﴾ بالياء فيهما، وقرأ أبو عمرو ﴿يَبْغُون﴾ بالياء، ﴿وَتُرْجَعُون﴾ بالتاء المثناه من فوق ، وقرأ الباقون كليهما بالتاء على معنى المخاطبة . (١) فى "ج" و"د": "ما من رجل". (٢) سورة آل عمران (٨٣) . (٣) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٠٤) من طريق عبيد الله بن عمر القواريرى، ثنا المنهال بن عيسى، ثنا يونس بن عبيد به. وقال الحافظ كما "شرح الأذكار" (١٥٢/٥): "هو خبر مقطوع، وراويه عنه المنهال بن عيسى قال أبو حاتم : مجهول وقد وجدته عن أعلى من يونس ، أخرجه الثعلبى فى التفسير بسنده من طريق الحكم ، عن مجاهد، عن ابن عباس وذكره القرطبى فى التفسير عن ابن عباس بغير سند" اهـ. (٤) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (٧١٨٠/٣٢). ( ٤٤٤ ) قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ يعنى: أخلص وخضع ﴿مَن فِى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا﴾ قال مقاتل: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِى السَّمَوَاتِ﴾ يعنى الملائكة ﴿وَالأَرْض﴾ يعنى: المؤمنين ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ يعنى: أهل الأديان، يقولون: الله ربهم، وهو خالقهم، فذلك إسلامهم وهم مشركون . وقال الزجاج: معنى قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ /٣٢٣ / مَن فِى السَّمَوَاتِ وَاْلأَرْضِ﴾ أى: خضعوا من جهة ما فطرهم عليه ودبرهم [به](١)، لا يمتنع ممتنع من جبلة ما جبل عليها(٢)، ولا يقدر على تغير ما خلق علیه(٣) قوله: ﴿وإليه ترجعون﴾ کما بداکم، فلا تقدرون على الامتناع، کذلك يبعثكم كما بداکم . ٠٠ (١) زيادة من "معانى القرآن" للزجاج. (٢) كذا فى الأصل، وفى "معانى القرآن وإعرابه": "من جبلة جُبل عليها". (٢) انظر معانى القرآن وإعرابه للزجاج (٤٣٨/١-٤١٩). ( ٤٤٥ ) [قال شيخ الإسلام :] ٣٨ - فصل فى الدابة تَنْفَلِتُ أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند انفلات الدابة ، أى : هروبها وتسربها . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٤ - عن ابن مسعود- الله -، عن رسول الله ﴿ قال: "إذا انْفَلَتْ دَابَّةُ أَحَدِكُمْ بأرضٍ فَلاَةٍ فلينادٍ : يا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا! يَا عِبَادَ اللهِ احْبِسُوا ! فإِنَّ اللّهِ فِى الأرضِ حَاضِرًا سَيَحْبِسُهُ"(١). أقول: هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه عن ابن مسعود - صه - . قوله: "فى أرض فلاة" وهى المفازة التى لايسكنها أحد . قوله: "فإن الله سبحانه وتعالى فى الأرض حاضراً" يعنى : من الملائكة . قال الشيخ محيى الدين النواوى -رحمه الله - : "حكى لى بعض شيوخنا الكبار فى العلم، أنه انفلتت له دابة أظنها بغلة ، وكان يعرف هذا الحديث فقاله، فحبسها الله عليه فى (١) أخرجه الطبرانى فى الكبير (٢٦٧/١٠)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٠٢) من طريق معروف بن حسان السمرقندى ، عن سعيد بن أبى عروبة ، عن قتادة ، عن عبد الله بن بريدة ، عن ابن مسعود به . وأعله الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٥٠/٥) بالانقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود. وقال الهيثمى فى "المجمع" (١٣٢/١٠): "فيه معروف بن حسان وهو ضعيف" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (٦٥٥). تنبيه : وقع عند ابن السنى: "عن قتادة، عن أبى بردة، عن أبيه، عن ابن مسعود" والظاهر أنه خطأ كما يشعر بذلك كلام الحافظ كما فى "شرح الأذكار" . ( ٤٤٦ ) الحال . وقال أيضا: وكنت أنا مرة مع جماعة فانفلتت منا بهيمة، وعجزوا عنها، فقلته فوقفت فى الحال بغير سبب ، سوى هذا الكلام"(١). (١) انظر الأذكار (ص /٢٠١) باب ما يقول إذا انفلتت دابته. قلت: قال الشيخ الألبانى فى الضعيفة (١٠٩/٢) تعليقا على كلام الإمام النووى: "العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها فى أمر غيبى كهذا الحديث ... " ثم نقل كلام العلامة الشوكانى فى تحفة الذاكرين (ص / ١٤٠): "السنة لا تثبت بمجرد التجربة، ولا يخرج الفاعل للشىء معتقدا أنه سنة عن كونه مبتدعاً، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله ﴿، ... وقد يكون استدراجاً" . ( ٤٤٧ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٣٩ - فصل فى القرية أو البلدة إذا أراد دخولها أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول إذا رأى قرية أوبلدة ، وأراد دخولها . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٥ - عن صهيب - ت -، "أنَّ النبيَّ ﴿ لَمُ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا، إلا قَالَ حِيَّن يَرَهَا: / ٣٢٤ / اللهمّ رَبّ السَّمَواتِ السبعِ وما أَظْلَلْنَ، وربّ الأَرَضِينَ السبعِ وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشَّيَاطِينِ وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرِّيَاحِ وما ذَرَيْنَ ، أَسْأَلُكَ خَيْرَ هذِهِ القريةِ، وخيرَ أهْلِهَا، وخيرَ ما فيها، وأعوذُ بكَ مِنْ شَرُهَا، وشَرْ أَهْلِهَا ، وشرُ ما فِيهَا" خرجه النسائى وغيره(١) . أقول: أبو يحيى صهيب بن سنان بن مالك. وقيل: خالد بن عبد عمرو بن طفيل(٢) وقيل: عقيل بن عامر بن جندلة(٣). وقيل: حمد بن سعد أبى جذيمة بن كعب بن سعد بن العريان بن حى بن زيد مناة بن عامر بن الضحيان بن سعد بن الخزرج بن تيم الله بن النمر بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمى بن جندلة(٣) بن أسد بن ربيعة بن نزار التيمى، حليف عبد الله بن جدعان ، وقيل: مولاه، سَبَتْهُ الروم من نينوى . قال ابن سعد: كان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الأَبْلَةِ، وكانت(٤) منازلهم بأرض الموصل. وقيل: كانوا فى قرية على شط الفرات مما يلى الجزيرة والموصل، فأغارت الروم على تلك الناحية، (١) أخرجه النسائي (٥٤٧، ٥٤٨) وابن السنى (٥١٨) كلاهما " فى عمل اليوم والليلة" وابن حبان (٢٧٠٩) والحاكم (١٠٠/٢) كلهم من طريق أبى مروان -والدعطاء-، عن كعب، عن صهيب به . وصححه ابن حبان والحاكم ووافقهما الذهبى ، وحسنه الحافظ ابن حجر كما فى شرح الأذكار (١٥٤/٥) وقال الشيخ الألبانى: لعله يعنى حسن المعنى، لا الحسن المصطلح عليه، وأبو مروان أورده الذهبى فى "الميزان" وقال: قال النسائى: ليس بالمعروف ... اهـ. (٢) فى الأصل: " ... عمرو وأبى طفيل" خطأ . (٣) فى الأصل : "جذيلة" خطأ . (٤) فى الأصل : "وكان" خطأ . ( ٤٤٨ ) فسبت صهيبا وهو غلام صغير، فنشأ صهيب بالروم، فصار ألكن، فابتاعته كَلْبٌ منهم، فقدمت به مكة ، فاشتراه عبد الله بن حُدعان التيمى منهم فأعتقه، فأقام معه فى مكة إلى أن هلك عبدالله بن جدعان، شهد صهيب بدراً مع رسول الله ﴿، وهاجر إلى المدينة فى شهر ربيع الأول فى النصف منه، وأدرك رسول الله صلى الله / ٣٢٥ / عليه وسلم بقباء قبل أن يدخل المدينة ، روى عنه عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وكعب الأحبار وغيرهم، مات بالمدينة فى شوال سنة ثمان وثلاثين ، وهو ابن سبعين سنة، وقيل : ابن ثلاث وسبعين، ودفن بالبقيع ، روى له الجماعة إلا البخارى(١) . قوله: "لم يَرَ قرية" القرية من المساكن والأبنية الضياع، وقد تطلق على المدن ، قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾(٢) وهى أنطاكية وسميت مكة أم القرى، أى: أم المدن ، واشتقاقها من قرى قريا إذا جمع، سميت قرية لاجتماع الناس فيها . قوله: "رب السموات" منصوب بالنداء، وحرف النداء محذوف . قوله: "وما أظللن" من الإظلال بالظاء المعجمة، والمراد منه كل شىء السموات مكتنفة به . قال ابن الأثير : "أظلت السماء الأرض أى: ارتفعت عليها، فهى لها كالظلة" . قوله: "وما أقللن" من الإقلال وهو الارتفاع والاستبداد ، والمراد منه كل شىء تستبد به الأرض ، ويستعمل به مما عليه من المخلوقات. قوله: "وما أضللن" من الإضلال بالضاد المعجمة ، وهو الحمل على الضلال، وهو ضد ٠٠ الهدى . (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٢٣١/٢)، أسد الغابة (٢٥٣٦/٣)، الإصابة (٤١٠٨/٣). (٢) سورة يس (١٣). ( ٤٤٩ ) قوله: "وما ذرين" من قولهم: ذرته الريح وأذرته تذروه وتذريه إذا أطارته ، ومنه : تذرية الطعام . قوله : "خير هذه القرية" يعنى: السلامة فيها، والعوذ من وبائها ووحمها. قوله: "وخير أهلها" يعنى: الاجتماع مع الصالحين والعلماء / ٣٢٦ / والتعارف ٠٠ بهم . قوله: "وخير ما فيها" من العلم والحكمة، والأمور الراجعة إلى المنافع الدينية والدنياوية. قوله: "وأعوذ بك من شرها" إلى آخرها، يفسر بعكس هذا . ( ٤٥٠ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٤٠ - فصل فى المنزل ينزله أقول : هذا الفصل فيما يقال عند النزول فى منزل . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٦ - قالت خولةُ بنت حَكِم: سمعتُ رَسولَ اللهِ لّ يقول: "مِنْ نَزَلَ مَنزِلاً ثم قالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللِهِ التَّمَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرُّهُ شَىءٌ حَتِىَّ يَرْتَجِلَ مَن مَنْزِلِهِ ذَلِكَ" خرجه مسلم(١) . أقول : خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال السلمية ، امرأة عثمان بن مظعون، تكنى أم شريك، وهى التى وهبت نفسها للنبى - ﴿ّ - فى قول بعضهم، وروى لها عن رسول الله -عليه السلام- خمسة عشر حديثا، روى عنها سعد بن أبى وقاص، ويُسربن سعيد، وسعيد بن المسيب، وعلى بن عبد العزيز، ومحمد بن يحيى بن حبَّان، روی لها مسلم حديثا واحد، ورواه أيضا الترمذى والنسائي وابن ماجه(٢). قوله : "بكلمات الله التامة" قد مر تفسيرها . قوله: "حتى يرتحل" يعنى: إلى أن يرتحل من ذلك المنزل. [قال شيخ الإسلام:] ١٧٦ - وعن عبد الله بن عمر - ضه - قال: "كَانَ رسول الله ﴾ إِذَا سَافَرَ فَأقبلَ الليلُ قَالَ: يَاأَرْضُ رَبِّى وَرَبُّكِ اللهُ، أَعُوذُ باللهِ مِن شَرُّكِ، وَشَرُ ما فِيكِ، وشَرُ ما خُلِقَ فِيكِ، وشَرِّ ما يَدِبُّ عَلَيْكِ، أَعُوذُ بِكَ مِن أَسَدٍ وَأُسُودٍ(٢)، ومن الحَيَّةِ والعَقْرَبِ، ومن سَاكِنِ الْبَلَدِ ومِن / ٣٢٧ / وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ" خرجه أبو داود (٤). (١) مسلم: كتاب الذكر والدعاء، باب التعوذ من سوء القضاء ... (٥٤/٢٧٠٨، ٥٥). (٢) انظر ترجمتها فى الاستيعاب (٣٣٥٥/٤)، أسد الغابة (٦٨٨١/٧)، الإصابة (١١١١٣/٧). (٣) فى "ج" و"د": "أعوذ بالله من أسد وأسود" . (٤) أخرجه أبو داود: فى كتاب الجهاد، باب ما يقول الرجل إذا نزل المنزل (٢٦٠٣)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٦٣)، وأحمد (١٣٢/٢) و(١٢٤/٣)، وابن خزيمة (٢٥٧٢/٤)، - ( ٤٥١ ) أقول: معنى قوله: "فأقبل الليل" أى: هجم ودخل. قوله: "يا أرض ربي وربك الله" خطاب للأرض على وجه الاتساع، يعنى: كلانا مخلوق لرب واحد ، وكلنا تحت أمره وقهره . قوله : "من شَرّكِ" أراد به ما يحدث منها من الآفات والمهالك. قوله: "وشر ما فيك" من الأسقام والأمراض. قوله: "وشر ما خلق فيك" من الهوام والحشرات المؤذية، الساكنة فيها، والخفية عن الناس . قوله: "وشر ما يدب عليك" أى: ما يمشى عليك من المخلوقات. قوله: "أعوذ بك من أسد" من قبيل الالتفات، فإنه أتى بكلمة الاستعاذة أولا على نعت الغيبة ، وثانيا على نعت المشاهدة، وإنما اختار تلك الصيغة فى الأول لما بعدها من الكلام، فلم يستقم له أن يقول : "أعوذ بك من شرك" على وتيرة واحدة ، فيتشارك الخطابان لاشتراكهما فى الصيغة ، وكان مطلع الخطاب الأرض، فلما تم الكلام الذى خاطبها به رجع إلى الحضور . قوله: "أُسد" وهو السبعُ، استعاذ منه لأنه حيوان قتال جارح. - والحاكم (٤٤٧/١) و(١٠٠/٢)، والبيهقى (٢٥٣/٥) من طرق عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عيد، عن الزبير بن الوليد الشامى ، عن عبد الله بن عمر به . ووقع عند أبى داود "عبد الله بن عمرو" وهو خطأ. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٦٤/٥). وقال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم الطيب: فيه الزبير بن الوليد، قال الذهبى : تفرد عنه شريح بن عبيد، وهذا يعنى أنه مجهول" وقال: "وهو ضعيف، وإن صححه الحاكم، ووافقه الذهبى، وحسنه الحافظ" اهـ. قلت: وهو الصواب إن شاء الله، وقد قال الحافظ فى "التقريب" فى الزبير: "مقبول". أى عند المتابعة، ولم يتابع، والله وأعلم . ( ٤٥٢) قوله : "وأسود" أى: الحية العظيمة التى فيها سواد، وهى أخبث الحيات، وذكر أن من شأنها تعارض الركب ، وتتبع الصوت ،فلذلك عينها رسول الله فى الاستعاذة، و"أسود" هاهنا منصرف ، لأنه اسم وليس بصفة ، فلهذا يجمع على أساود . قال الشيخ محيى الدين: "الأسود: الشخص، فكل شخص يسمى / ٣٢٨ / أسود"(١). قوله: "ومن ساكن البلد" أراد به الجن، الذين هم سكان الأرض، وأراد بالبلد الأرض، يقال : هذه بلدتنا أى : أرضنا . قال النابغة : فإن صاحبها قدتاه من البلد والبلد من الأرض ما كان فيه مأوى للحيوان ، وإن لم يكن فيه بناء ومنازل . قوله: "ومن والد وما ولد" قال الخطابي: "الوالد إبليس، وما ولد: نسله وذريته"(٢)، قيل : وحمْله على العموم أولى ، لشموله على أصناف الوالد والولد على ما يتولد منهما، تخصيصا لِلْيَاذِ والالتجاء بمن لم يلد ولم يولد، وله الخلق والأمر، واعترافا بأن لا استحقاق لغيره فى ذلك، تبارك الله رب العالمين ومما يناسب هذا الباب أبواب(٢). الباب الأول : فيما يقول المسافر إذا تغولت الغيلان ، روى فى كتاب ابن السنى ، عن جابر - ه -، أن النبى -عليه السلام- قال: "إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان"(٤) والغيلان جنس من الجن والشياطين، وهم سحرتهم، ومعنى "تغولت" : تلونت فى صور . (١) انظر الأذكار (ص /٢٠٣) باب ما يقول إذا نزل منزلا . (٢) انظر معالم السنن (٢٢٤/٢) كتاب الجهاد ، باب ما يقول إذا نزل المنزل . (٣) انظر هذه الأبواب على الترتيب فى الأذكار (ص /٢٠٣ -٢٠٤). (٤) أخرجه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٩٥٥)، وأحمد (٣٨١،٣٠٥/٣-٣٨٢)، وابن أبى شيبة فى "مصنفه" (٣٩٧/١٠)، وابن السنى (٥١٧) وغيرهم من طرق عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن جابر به. وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٦١/٥): "رجاله ثقات، إلا أن الحسن لم يسمع من جابر عند الأكثر" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (١١٤٠). ( ٤٥٣) قوله : "فنادوا بالأذان"، أى: ادفعوا شرها بالأذان ، فإن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر، وقد مر مثل ذلك . الثانی : باب ما يقول إذا رأی بلدته، المستحب أن يقول ما ذكرناه فى حديث عبد الله بن عمر، وأن يقول: "اللهم اجعل لنا بها قراراً، ورزقا حسنا"(١). الثالث : ما يقول إذا قدم من سفره فدخل بيته، روى فى كتاب ابن السنى عن ابن عباس قال: "كان رسول الله ◌َ﴿ إذا رجع من سفره، فدخل / ٣٢٩/ على أهله قال : توبا توبا ، لربنا أَوْبًا لا يغادر حوبا "(٢) معنى "توبا توبا" سؤال التوبة، وهو منصوب إما على تقدير : تب علينا توبا، وإما على تقدير: نسألك توبا . و "أَوْبًا" من آب إذا رجع. ومعنى "لا يغادر" لا يترك، و "حوبا" بفتح الحاء وضمها معناه : إثما . الرابع: باب ما يقال لمن يقدم من سفر، يستحب(٣) أن يقول: "الحمد لله الذى سلمك، والحمد الله الذى جمع الشمل بك" أو نحو ذلك. (١) أخرجه النسائي (٥٥٣) وابن السنى (٥١٩) كلاهما فى "عمل اليوم والليلة"، والطبرانى فى الدعاء (٨٣٦/٢) والبزار (٣١٣٠/٤ كشف) وغيرهم من طريق سعيد بن عفير، حدثنا يحيى بن أيوب ، عن قيس بن سالم، أنه سمع أبا أمامة بن سهل يقول : سمعت أبا هريرة يقول : قلنا: يا رسول الله ما كان يتخوف القوم حيث كانوا يقولون إذا أشرفوا على المدينة : اجعل لنا فيها رزقا وقرارا؟ قال: كانوا يتخوفون جور الولاة، وقحوط المطر" . وفيه قيس بن سالم قال الذهبى فى "الميزان": "لم يكد يعرف، وأتى بخبر منكر". وقال الحافظ فى "التقريب" : "مقبول". وحسنه الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية (١٧١/٥) وقال: وله شاهد من حديث أنس وفى سنده ضعف. (٢) أخرجه أحمد (٢٥٦/١)، وابن السنى (٥٢٥) من طريق أبي الأحوص، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس به . وحسنه الحافظ كما في "شرح الأذكار" (١٧٢/٥). (٣) قوله : "يستحب" يوهم أن خبرا ورد فيه ، والأمر بخلاف ذلك. ( ٤٥٤ ) الخامس: باب ما يقال لمن قدم من غزو ، روى فى كتاب ابن السنى عن عائشة - رضى الله عنها - قالت: "كان رسول الله -عليه السلام- فى غزو فاستقبلته، فأخذت بيده فقلت : الحمد لله الذى نصرك وأعزك وأكرمك"(١). السادس: فيما يقال لمن يقدم من حج وما يقوله، روى فى كتاب ابن السنى عن ابن عمر قال: "جاء غلام إلى النبى -عليه السلام- فقال: إنى أريد الحج، فمشى معه رسول الله فقال : يا غلام زودك الله التقوى، ووجهك فى الخير ، وكفاك الهم، فلما رجع الغلام سلم على النبى - عليه السلام - فقال: يا غلام قبل الله حجك، وغفر ذنبك، وأخلف نفقتك"(٢) . (١) أخرجه أبو یعلی (١٤٣٢) وعنه ابن السنی فی "عمل اليوم والليلة" (٥٢٦) حدثنا إبراهيم بن الحجاج، حدثنا حماد، عن سهيل بن أبى صالح، عن سعيد بن يسار، عن أبى طلحة، أن رسول ◌َّه قال: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تصاوير، ولا كلب". فقال زيد بن خالد الجهنى لأبى طلحة: مر بنا إلى عائشة نسألها عن هذا. فأتيا عائشة فسألاهَا فقالت: أما هذا فلا أحفظه عن رسول اللهّة، ولكن كان رسول اللهلكُ لّ فى مغزى له ، فتحينت قَفُلْتَه فكسوت عَرش البيت نَمَطًا، فلما دخل استقبلته، فأخذت بيده فقلت: "وذكرته. ولم يذكر ابن السنى زيداً، وفيه انقطاع، فسعيد لم يسمع من أبى طلحة. وأخرجه أبو داود: فى كتاب اللباس، باب فى الصور (٤١٥٤،٤١٥٣) من طريق سعيد بن يسار، عن زيد بن خالد، عن أبى طلحة به. وصححه الشيخ الألباني في "صحيح أبى داود". وأخرجه مسلم (٨٧/٢١٠٦) كتاب اللباس والزينة ، باب تحريم تصوير صورة الحيوان ... ، من طريق سعيد بن يسار به , ولم يذكر دعاء عائشة -رضى الله عنها - . (٢) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٥٢٧،٥٠٠)، والطبرانى فى الكبير (١٣١٥١/١٢) والأوسط (٤٥٤٥/٥) من طريق مسلمة بن سالم الجهنى (ووقع عند ابن السنى سلمة بن سالم ، خطأ) ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر به . وقال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٧٦/٥): "لم يروه عن عبيد الله بن عمر إلا مسلمة، ضعفه أبو داود" اهـ. وقال الهيثمى فى المجمع (٢١١/٣): "فيه مسلمة بن سالم ضعفه الدارقطنى" اهـ. ( ٤٥٥ ) وفى "سنن البيهقى" عن أبى هريرة - ظه - قال: قال رسول الله وُلّ: "اللهم اغفر للحاج، ولمن استغفر له الحاج" قال الحاكم: هو صحيح على شرط مسلم(١). (١) أخرجه البزار وابن خزيمة (٢٥١٦/٤)، والحاكم (٤٤١/١)، والبيهقى (٢٦١/٥) من طريق شريك، عن منصور، عن أبى حازم ، عن أبى هريرة به . وشريك هذا قال الحافظ فى "التقريب": "صدوق يخطىء كثيرا، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة" . والحديث ضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف الجامع" (١١٧٧)، وانظر الروض النضير له (١٠٦). ( ٤٥٦ ) [قال شيخ الإسلام : ] ٤١ - فصل فى الطعام والشراب أقول: هذا الفصل فى بيان ما يقال عند الأكل والشراب، وما يفعل من الآداب . [قال شيخ الإسلام:] قال / ٣٣٠ / الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾(١). أقول : أورد الشيخ هذه الآية الكريمة استدلالا بأن الشكر بعد الطعام لابد منه، لقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُواْ﴾ والشكر أن يقول بلسانه: الحمد لله، ويظهر عليه آثار النعمة لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَتِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾(٢). والشكر سبب لزيادة النعمة، قال الله تعالى: ﴿لَيْنِ شَكَرُتُمْ لأَزِيدَنْكُمْ﴾(٣) والشكر يكون باللسان والجنان والأركان، قال الشاعر: يدى ولسانى والضمير المحجبا أفادتكم النعماء منى ثلاثة قوله: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتٍ﴾ الأمر فيه للامتنان ، وأنواع الأمر كثيرة. قوله: ﴿مِن طَيِّبَاتٍ﴾ أى: حلالات ما رزقناكم، والرزق يطلق على الحلال والحرام عند أهل السنة والجماعة. فكل ما يأكله العبد فهو رزقه، سواء كان حلالا أو حراما، فالحلال له حساب ، والحرام له حساب وعذاب . [قال شيخ الإسلام: ] ١٧٧ - قال عمرُ بن أبى سلمةً: قالَ لى رسول الله ◌َلِ: "يَا بُنَيَّ سَمِ اللّهَ! وكُلْ بِيَمِينِكَ! وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ!" متفق عليه (٤). (١) سورة البقرة (١٧٢). تنبيه: زيد فى "ج" و"هـ" ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾. (٢) سورة الضحى (١١). (٣) سورة إبراهيم (٧) . (٤) البخارى: كتاب الأطعمة ، باب التسمية على الطعام، والأكل باليمين (٥٣٧٦)، مسلم: كتاب الأشربة : باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (١٠٨/٢٠٢٢، ١٠٩). ( ٤٥٧ ) أقول: أبو حفص عمر بن أبى سلمة ، واسم أبى سلمة عبد الله بن عبد الأسدبن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى، ربيب النبى - عليه السلام- ، أمه أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، زوج النبى - عليه السلام - ، مات النبى - عليه السلام- وهو ابن تسع سنين، روى له عن رسول الله -عليه السلام- اثنا(١) عشر حديثا، اتفقا على حديثين، روى عنه سعيد / ٣٣١ / بن المسيب، وأبو أمامة سهل بن حنيف ، وعروة بن الزبير ، ووهب بن كيسان ، توفى فى خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاثة وثمانين ، وقيل : كان مولده فى السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، روى له الجماعة(٢). واستفيد من هذا الحديث ثلاث فوائد : الأولى : التسمية قبل الطعام . والثانية: الأكل باليمنى. والثالثة . الأكل من قدامه . والحكمة فى التسمية طرد الشيطان ، فإن الشيطان يشارك تارك البسملة ، وقد ثبت فى الصحيح أن الشيطان يقول: "أدركتم المبيت والعشاء"(٣) إذا تُرِك اسمُ اللهِ تعالى. والحكمة فى الأكل باليمنى، أن اليمين له شرف على اليسار، ومن حق نعم الله تعالى، والقيام بشكره، أن تكرم ولا يستهان بها ومن حق الكرامة أن يتناول باليمنى ، ويميز بها بين ما كان من النعمة وبين ما كان من الأذى، "وكان -عليه السلام- يحب التيامن فى كل شىء"(٤)، والحكمة فى الأكل من قدام حفظ الأدب، وإظهار المروءة . (١) فى الأصل : "اثنى" خطأ . (٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٩٠٣/٣)، أسد الغابة (٣٨٣٠/٤)، الإصابة (٥٧٤٤/٤). (٣) مسلم: كتاب الأشربة ، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (١٠٣/٢٠١٨). (٤) رواه مسلم فى صحيحه: كتاب الطهارة ، باب التيمن فى الطهور وغيره (٦٧/٢٦٨) من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله لا يحب التيمن فى شأنه كله: فى نعليه، وترجله، وطهوره" . ( ٤٥٨ ) [قال شيخ الإسلام:] ١٧٨ - وقالت عائشة -رضى الله عنها - قال رسول الله وسخط: "إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالِى (١)، فَإِنْ نَسِىَ أَنْ يَذْكُرَ (٢ اسْم٢َ) اللهِ تَعَالى فى أَوَّلِهِ فَلْيِقُلُ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَأَخِرَهُ" قال الترمذى: حديث حسن صحيح(٣). أقول : استفيد من هذا الحديث فائدتان : الأولى : التسمية قبل الطعام . والثانية : إذا(٤ نسيها أن يقول فى أول الطعام٤)، يجزئه أن يقولها فى أوسطه وآخره، ویکفیه من الأول . [قال شيخ الإسلام:] ١٧٩ - وقال أميةُ بن / ٣٣٢ / مَخْشِىٌّ: "كان رسول اللّه ◌َلَّ جَالِسًا ورجلٌ يأْكلُ، فلم يُسَمِّ حَتَّى لم يَبْقَ مِن طَعَامِهِ إلا لُقْمَةٌ، فلما رَفَعَهَا إلَى فِيهِ قالَ: بِاسْمِ اللهِ أَوَّلَهُ وَأَخِرَهُ، فَضَحِكَ النبيُّ ◌َ﴿ِ ثم قالَ: مَازَالَ الشيطانُ يأكلُ مَعَهُ، فلما ذَكَرَ اسْمَ اللهِ اسْتَقَاءَ ما فىِ بَطْنِهِ" خرجه أبو داود والنسائى (٥). (١) فى "ج" و"هـ" : فليذكر اسم الله تعالى فى أوله". (٢) غير موجود فى الكلم الطيب . (٣) أخرجه أبو داود: فى كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام (٣٧٦٧)، والترمذى: فى كتاب الأطعمة، باب ما جاء فى التسمية على الطعام (١٨٥٨)، وأحمد (٢٠٧/٦، ٢٤٦) وغيرهم من طرق عن هشام بن أبى عبد الله الدستوائى، عن بديل، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ، عن امرأة منهم يقال لها أم كلثوم، عن عائشة به . وأم كلثوم لا تعرف . وأخرجه ابن ماجة (٣٤٦٤) والدرامى (٩٤/٢) وأحمد (١٤٣/٦) من طريق يزيد بن هارون ، أنبأنا هشام الدستوائى به، ولكنه لم يذكر أم كلثوم، واختلف فى تعيين أم كلثوم ، وانظر كلام الحافظ فى شرح الأذكار (١٨٢/٥)، وقد صححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (١٩٦٥) الشاهدين ٠٠ ذكرهما . (٤) كذا فى الأصل ، ولعل الصواب : "إذا نسى أن يقولها فى أول الطعام ... ". (٥) أخرجه أبو داود فى كتاب الأطعمة ، باب التسمية على الطعام (٣٧٦٨)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٢٨٢)، وأحمد (٣٣٦/٤)، وابن السنى (٤٥٥)، وغيرهم من طريق جابر بن = ( ٤٥٩ )