Indexed OCR Text
Pages 361-380
ما قال من رؤيته إياه ، ومن أنه كان يربطه لينظروا إليه كلهم، ويلعب به ولدان أهل
المدينة. / ٢٦٢ / وقيل: إن رؤيتهم على حالتهم وصورهم الأصلية ممتنعة لظاهر الآية
إلا للأنبياء عليهم السلام، ومن خرقت له العادة، وإنما يراهم بنو آدم فى صور غير
صورهم .
والثالثة : فيه دليل على جواز الدعاء لغيره أو على غيره بصيغة الخطاب .
والرابعة : فيه دليل على أن العمل القليل لا يفسد الصلاة .
والخامسة : تجوز اللعنة على الشيطان فى الصلاة .
والسادسة : فيه دليل على الاستغاثة منه فى الصلاة .
فإن قلت : الخطاب فى الصلاة مفسد، حتى لو قال للعاطس : يرحمك الله، تفسد
صلاته، فكيف خاطب رسول الله و3 الشيطان باللعنة فى الصلاة؟ قلت : يحتمل أنه
كان قبل تحريم الكلام فى الصلاة، وهو الظاهر .
[قال شيخ الإسلام:] ١٣١ - وقال عثمانُ بن أبى العاص: "قلتُ يا رسول الله، إن
الشَّيطانَ حَالَ بَيْنِى وبينَ صَلاَتِى وبينَ قِرَاءِتِى يُلَبِسُهَا عَلَىَّ. فقال رسول الله (١) ◌ِّ:
ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقالُ لَه خِنَرَبٌّ، فإذا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ منهُ، وَالْفُلْ عَلَى (٢) يَسَارِكَ
ثَلاَثاً، فَفَعَلْتُ ذَلَكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّى" خرجه مسلم(٣) .
أقول: أبو عبد الله عثمان بن أبی العاص بن بشر بن عبد ڈُهمان بن همام بن أبان بن يسار
ابن مالك بن حطيط بن جشم بن سواه بن عامر بن قيس، وهو ثقيف بن منبه بن بكر بن
(١) فى "ج" و"هـ": "فقال ◌َّ". وفى "د": "فقال النبى".
(٢) فى الكلم الطيب. "عن".
(٣) مسلم: كتاب السلام ، باب التعوذ من شيطان الوسوسة فى الصلاة (٦٨/٢٢٠٣).
(٣٦٠ )
هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن مضر، قدم على النبى ﴿ّ فى
وفد أهل الطائف، واستعمله أبو بكر وعمر، روى له عن رسول الله و * تسعة
/ ٢٦٣ / أحاديث ، روى له مسلم ثلاثة أحاديث، روى عنه سعيد بن المسيب،
ونافع بن جبير بن مطعم، وأبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، والحسن بن
أبى الحسن .
وقيل: لم يسمع منه . روى له أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه . سكن البصرة،
ومات بها سنة إحدى وخمسين(١).
قوله: "حال بينى وبين صلانى" أى: صار حائلا، والحائل: الحاجز بين الشيئين.
قوله: "يلبسها" بفتح الياء، وكسر الباء، أى: يخلطها على من اللبس - بفتح اللام - ،
وهو الخلط .
قوله : "خِنزَبٌّ" "بخاء(٢) معجمة ، ثم بنون ساكنة ، ثم زاى مفتوحة ، ثم باء موحدة،
واختلفوا فى ضبط الخاء، فمنهم من فتحها ، ومنهم من كسرها ، ويعدان مشهوران ،
ومنهم من ضمها" حكاه ابن الأثير فى "نهاية الغريب"، والمعروف الفتح والكسر. قال
أبو عمرو : خنزب لقب لذاك الشيطان ، وهو فى اللغة قطعة لحم منتنة"(٣).
قوله: "واتفل على يسارك" إنما أمر باليسار، لأن الشيطان يأتى من قبل اليسار، لأن
القلب أقرب إلى اليسار، ولا يقصد الشيطان إلا القلب، وقد مر مرة، وهذا الحديث
ذكره الشيخ هنا لمن بُلى بالوسوسة ، والطريق فى دفعها ما قاله رسول الله لعثمان بن
أبى العاص، والحديث الذى يلى هذا فى دفع الوسوسة .
(١) انظر ترجمنة فى الاستيعاب (١٧٩١/٣)، أسد الغابة (٣٥٧٥/٣)، الإصابة (٥٤٤٥/٤).
(٢) انظر النهاية (٨٣/٢).
(٣) إلى هنا انتهى النقل من النهاية .
( ٣٦١ )
[قال شيخ الإسلام:] ١٣٢ - وقال أبو زميل: قلتُ لابن عباس: ما شىءٌ أَجِدُهُ فى
نَفْسِى - يعنى: شيئا من شكِّ - . فقالَ لى: إذا وَجَدْتَ فى نَفْسِكَ شَيْئًا فقلْ: ﴿هُوَ
الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلُ شَىْءٍ عَلِيمْ﴾(١) خرجه أبو داود(٢).
أقول : أبو زميل(٣) - بضم الزاى، وفتح الميم، وسكون الياء وباللام - / ٢٦٤ / هو
سماك بن الوليد الحنفى البابى . قال أبو زرعة : يقولون هو كوفى ، أصله من اليمامة، وهو
تابعى مشهور، سمع ابن عباس ، وابن عمر ، روى عنه شعبة، ومسعر ، وعكرمة بن
عمار، وعبد ربه بن مازن الحنفى ، وابنه زميل . قال أحمد بن حنبل ويحيى وأحمد بن
(١) سورة الحديد (٣) .
(٢) أخرج أبو داود فى كتاب الأدب، باب فى رد الوسوسة (٥١١٠) قال: حدثنا عباس بن
عبد العظيم ، ثنا النضر بن محمد، ثنا عكرمة بن عمار قال : وثنا أبو زميل قال: سألت ابن عباس
فقلت : ما شىء أجده فى صدرى؟ قال: ما هو ؟ قلت : والله ما أتكلم به. قال: فقال لى:
أُشىء من شك؟ قال: وضحك. قال: ما نجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله عز وجل:
﴿فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك) الآية. قال:
فقال لى: وذكره . وقال الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (٣٧/٤): "أخرجه أبو داود وابن
أبى حاتم فى "التفسير" ، ورجاله موثقون. أخرج لهم مسلم، لكن فى عكرمة مولى ابن عباس فيه
مقال، والنضر بن محمد الراوى للحديث عن عكرمة له غرائب . وهذا المتن شاذ. وقد ثبت عن
ابن عباس من رواية سعيد بن جبير، ومن رواية مجاهد وغيرهما عنه: "ما شك النبى وَلَّ، ولا
سأل" أخرجه عبد بن حميد والطبرانى وابن أبى حاتم بأسانيد صحيحة . وجاء من وجه آخر
مرفوعا من لفظه ◌َّ قال: "لا أشك، ولا أسأل" أخرجوه من رواية سعيد ومعمر وغيرهما عن
قتادة قال: "ذكر لنا". وفى لفظ: "بلغنا" فذكره، وسنده صحيح" اهـ. وقال فى "التقريب"
فى عكرمة : "ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة". وقال
فى النضر: "ثقة له أفراد" اهـ. وقد جود إسناده الإمام النووى فى "الأذكار" (ص/١١٨) ،
وحسنه الشيخ الألباني .
(٣) انظر ترجمته فى تهذيب الكمال (١٢٧/١٢، رقم/٢٥٨٣)
( ٣٦٢)
عبد الله: ثقة . وقال أبو حاتم : لا بأس به. روى له مسلم والترمذى وابن ماجه
وأبو داود .
قوله: "ما شىء أجده" أى: أى شىء أجده "فى نفسى". وقد فسره الشيخ بقوله :
"يعنى: شيئاً من شك".
قوله: "فقال له" أى: قال ابن عباس له، "إذا وجدت فى نفسك شيئا من الشك فقل:
﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ إلى آخره. الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، والظاهر: الغالب، أو:
الظاهر بآياته الباهرة، الدالة على وحدانيته . والباطن: الذى لا يستولى عليه توهم
الكيفية ، وقد مر تفسير الجميع مرة، ومما روى فى دفع الوسوسة "(١) بالإسناد الصحيح
فى رسالة الأستاذ أبى القاسم القشيرى ، عن أحمد بن عطاء الروذبارى السيد الجليل قال :
كان لى استقصاء فى أمر الطهارة، وضاق صدرى ليلة لكثرة ما صببت من الماء، ولم
يسكن قلبى، فقلت : يا رب عفوك عفوك. فسمعت هاتفا يقول : العتق فى العلم . فزال
عنى ذلك. وقال بعض العلماء: يستحب قول "لا إله إلا الله" لمن ابتلى بالوسوسة فى
الوضوء والصلاة وشبههما، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس، أى: تأخر وَبَعُدَ ، "ولا
إله إلا الله" رأس الذكر، وأفضل الذكر لا إله إلا الله" .
(١) انظره بتمامه فى الأذكار (ص/١١٨) باب ما يقوله من بُلى بالوسوسة ، وقد قال الإمام النووى :
"وروينا بإسنادنا الصحيح فى ... " .
( ٣٦٣ )
٢١ - فصل فى التسليم للقضاء من غير عجز ولا تفريط
[قال شيخ الإسلام :]
أقول: هذا الفصل فى بيان التسليم للقضاء / ٢٦٥ / من غير عجز ولا تفريط ،
یعنی : من غير ترك ما يجب عليه فعله و تسويفه وتأخيره عن وقته .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمُنُوا لا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ
كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَّبُواْ فِى الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَأْتُواْ
وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةٌ فِى قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِى وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَّه ◌َعْمَلُون
بَصِيرٌ﴾(١) .
أقول: إنما أورد الشيخ - رحمه الله - هذه الآية الكريمة دليلا على أن ترك التسليم
للقضاء مذموم، وأن ذكر "لو" فى الكلام يفتح أبواب المعصية ، وأن التكاسل والتقاعد
ليس من صفات المؤمنين ، ألا ترى كيف خاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿لاَ تَكُونُواْ
كَالَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ وهم منافقوا أهل الكتاب، ﴿وَقَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ من المنافقين
﴿إِذَا ضَرَّبُواْ فِى الأَرْضِ﴾ يعنى: إذا ساروا فى الأرض تجارا مسافرين، فماتوا فى
سفرهم ﴿أَوْ كَانُواْ غُزَّى﴾ يعنى: خرجوا فى الغزو فقتلوا، والغز جمع غازى،
مثل : صُوَّم جمع صائم، ونُوَّم جمع نائم ﴿لَوْ كَانُواْ عِندَنَا﴾ بالمدينة ﴿مَا مَاتُواْ﴾ فى
سفرهم ﴿وَمَا (٢) قُتِلُواْ﴾ فى الغزو، فانظر إلى هؤلاء، كيف تركوا التسليم للقضاء،
وفتحوا عليهم إبطال القدر بكلمة "لو"؟ فلا جرم لامهم الله تعالى، ونهى المسلمين أن
يكونوا مثلهم.
قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ﴾ أى: الظن ﴿حَسْرَةٌ فِى قُلُوبِهِمْ﴾ ويقال: جعل الله ذلك
حسرة فى قلوبهم لأنه ظهر نفاقهم، ثم قال: ﴿وَاللهُ يُحْيِى وَيُمِيتُ﴾ يعنى: يحيى فى
(١) سورة آل عمران (١٥٦).
(٢) فى الأصل: "ولا" والتلاوة كما أثبتناه .
( ٣٦٤ )
السفر، ويميت فى الحضر، ويحيى فى الحضر، ويميت فى السفر. وقيل: يحيى قلوب
المؤمنين، ويميت / ٢٦٦ / قلوب الكافرين. وقال الضحاك . يعنى : يحيى من أحيى
من نطفة بقدرته ، ويميت من أمات بعزته وسلطانه .
قوله: ﴿وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ معناه: قل لهم: والله بما تعملون من الخير والشر،
والسر والعلن بصير، لا يخفى عليه .
[قال شيخ الإسلام:] ١٣٣ - قال أبو هريرة: قال رسول الله مح لل: "الْمُؤْمِنُ القَوىُّ خَيْرٌ
وأَحَبُ إِلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفِى كُلِّ خَيرٌ، اخْرِصْ عَلَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسَْعِنْ
باللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلاَ تَعْجَزْ(١)، وإِنْ أَصَابَكَ شَىءٌ لا تقلُ (٢): لَوْ أَنّى فَعَلْتُ(٣) كَانَ
كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ [ِقُلْ)(٤): قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَل، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ"
خرجه مسلم(٥) .
أقول : معنى قوله - عليه السلام -: "المؤمن القوى خير من المؤمن [الضعيف أى:
المؤمن](٦) الذى له عزيمة النفس والقريحة فى أمور الآخرة، ويكون له كثرة الإقدام على
العدو فى الجهاد ، وسرعة الخروج والذهاب فى طلبه، وشدة العزيمة فى الأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر، والصبر على الأذى فى كل ذلك، واحتمال المشاق فى ذات الله،
وشدة الرغبة فى الصلاة والصوم والأذكار وسائر العبادات، والنشاط فى طلبها،
والمحافظة عليها ونحو ذلك .
(١) فى "د": "ولا تعجزن" .
(٢) فى الكلم الطيب وصحيح مسلم: "فلا تقل" .
(٣) فى "د" و"هـ": "فعلتُ كذا كان ... ".
(٤) زيادة من الشرح والكلم الطيبب ، وصحيح مسلم .
(٥) مسلم: كتاب القدر، باب فى الأمر بالقوة وترك العجز ... (٣٤/٢٦٦٤).
(٦) زيادة يقتضيها السياق .
( ٣٦٥)
قوله: "وفى كل خير" أى: فى كل واحد من القوى والضعيف خير، لاشتراكهما فى
الإيمان .
قوله: "احرص" بكسر الراء، ومعناه: احرص على طاعة الله تعالى، والرغبة فيما عنده .
قوله: "واستعن بالله" أى: اطلب العون من الله.
قوله: "ولا تعجز" بكسر الجيم، وحكى فتحها، وفى بعض النسخ: "ولا تعجزن" بنون
التأكيد، أى: لا تعجزن على الطاعات، ولا تكسلن عنها، / ٢٦٧ / ولا عن
الطلب للإعانة ، ويحتمل العموم فى أمور الدنيا والآخرة، والمراد منه أن لا يترك النشاط .
قوله: "وإن أصابك شىء" أى: شىء مما تكرهه .
قوله: "ولكن قل: قدر الله" أى: هذا قَدَرُ اللهِ، أو قَدَرُ اللهِ هكذا.
قوله: "ما شاء فعل" أى: "ما شاء الله أن يفعل فعل، فإن المشيئة له، والذى قدره كائن
لا محالة، ولا ينفع قول العبد : لو كان كذا لكان كذا .
قوله: "فإن لو" تعليل لقوله: "لا تقل لو" أى: التلفظ بكلمة "لو" " تفتح عمل
الشيطان" واعلم أن المراد بقوله { / "فإن لو تفتح عمل الشيطان" الإتيان به من صيغة
يكون فيها منازعة القدر دون التأسف على ما فاته من أمور الدنيا ، ولم يكن المراد به
كراهة التلفظ بكلمة "لو" فى جميع الأحوال، وسائر الصور، ويبين هذا المعنى قوله
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِى بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ
كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ(١) إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾(٢)، فأنت الآية على قسمين : ما يحمد منه وما
(١) كذا، وهى قراءة الحسن والزهرى، وقال أبو حيان فى البحر المحيط (٣٩٦/٣): "وتحتمل هذه
القراءة الاستغناء عن المنافقين ، أى لو تخلفتم أنتم لبرز المطيعون المؤمنون، الذين فرض عليهم
القتال، وخرجوا طائعين إلى مواضع استشهادهم، فاستغنى بهم عنكم".
(٢) سورة آل عمران (١٥٤).
( ٣٦٦ )
يذم، وقوله - عليه السلام -: "ولو أنى استقبلت من أمرى ما استدبرت"(١) وما أشبهه
من كلامه غير داخل فى هذا الباب، لأنه لم يُرَدْ به المنازعة فى القدر، وكلمة "لو" فى
قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَأْتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ من قبيل رد القدر، والمنازعة فيه،
ولذلك ذمهم الله تعالى، وجعل ذلك حسرة فى قلوبهم ، فعرفنا أن التلفظ بكلمة "لو"
إنما يكون مذموما إذا كان مفضيًا بالعبد إلى التكذيب بالقدر، أو عدم الرضا بصنع الله،
واستفيد من هذا الحديث فوائد: / ٢٦٨ / الأولى: إن النشاط وترك العجز والكسل
مما (٢) يجبب العبد إلى الله تعالى.
والثانية : إن الكسل وإظهار العجز مذموم .
والثالثة : إن الحرص فى الخير ممدوح .
والرابعة : فيه تصريح بإثبات القدر ، وأنه عام فى كل شىء، وكل شىء مقدر فى
الأزل ، معلوم لله تعالى، وما يكون إلا ما يشاء .
والخامسة : إن التعرض للقدر، وترك الرضا به من الشيطان ، ألا ترى إلى قوله - عليه
السلام - "يكون فى أمتى خسف ومسخ، وذلك فى المكذبين بالقدر"(٣)؟
(١) البخارى: كتاب الشركة، باب الاشتراك فى الهدى والبدن ... (٢٥٠٥)، مسلم: كتاب
الحج، باب حجة النبي ◌ّ (١٤٧/١٢١٨) من حديث جابر .
(٢) فى الأصل: "ما" خطأ .
(٣) أخرجه الترمذى فى كتاب القدر، باب (١٦)، رقم (٢١٥٣،٢١٥٢)، وابن ماجه فى كتاب
الفتن، باب الخسف (٤٠٦١) من طريق أبى صخر حميد بن زياد، عن نافع، عن ابن عمر
مرفوعاً به . وله قصة وهى: "أن رجلا أتى ابن عمر فقال: إن فلانا يقرؤك السلام. قال: إنه
بلغنى أنه قد أحدث. فإن كان قد أحدث فلا تقرئه منى السلام. فإنى سمعت رسول الله وَ ثّ
يقول: وذكره . وحسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٣٩٣/٤-٣٩٤)، وذكر له سبعة
شواهد ، فانظرها هناك برقم (١٧٨٧).
( ٣٦٧ )
[قال شيخ الإسلام: ] ١٣٤ - وعن عوف بن مالك، "أن النبىَّمَّ قَضَى بينَ رَجُلَينِ،
فقال المَفْضِىُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِىَ اللهُ ونِعمَ الوَكِيلُ. فقال النبيُّ مَ﴿ّ: إِنَّ اللهَ يَلُومُ
عنٍ (١) العَجْزِ، ولكنْ عَلَيْكَ بِالكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِىَ اللهُ ونِعْمَ
الوَكِيلُ" . خرجه أبو داود(٢) .
أقول: عوف بن مالك الأشجعى قد مر ذكره، وهذا الحديث أورده الشيخ أيضا فى
التسليم للقضاء، حيث قال عليه السلام: "فإذا غلبك أمر فقل: حسبى الله ونعم
الوكيل" .
قوله: "إن الله يلوم عن العجز" أى: يلوم عبده عن العجز، يعنى: الكسل، وترك
ما يجب عليه فعله .
قوله: "ولكن عليك بالكيس" بفتح الكاف، وإسكان الياء، وهى تجئ
لمعان : منها الرفق، فمعناه - والله أعلم - عليك بالعمل فى رفق ، بحيث تطيق
الدوام عليه .
(١) فى "سنن أبى داود" و"الكلم الطيب": "على".
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأقضية، باب الرجل يحلف على حقه (٣٦٢٧)، والنسائى فى
"عمل اليوم والليلة" (٦٢٦)، وعنه ابن السنى (٣٤٣)، وأحمد (٢٥/٦)، والطبرانى (٧٥/١٨،
رقم ١٣٩)، والبيهقى (١٨١/١٠) من طريق بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن
معدان ، عن سيف الشامى ، عن عوف به. وقال الحافظ بعد أن حسنه كما فى "شرح الأذكار"
(٢٤/٤-٢٥): "وفى سنده سيف الشامى، وثقه العجلى، وما عرفت اسمه ولا اسم أبيه، وباقى
رجاله من رواة مسلم. وفى عنعنته بقية (كذا) لكن من روايته عن شامى" اهـ. قلت: وقال
النسائى عقب إخراجه الحديث: "سيف لا أعرفه" . وقال الذهبى : "لا يعرف، تفرد عنه خالد به
معدان" اهـ. فكيف يحسن مثل هذا، خاصة وأن العجلى من المعروفين بالتساهل فى التوثيق ؟
وقد ضعفه الشيخ الألبانى فى "ضعيف الجامع" (١٥٧٩) وغيره .
( ٣٦٨ )
قوله: "فقال النبى - عليه السلام" إلى آخره، إشارة إلى أنه - عليه السلام -
صور قول ذلك الرجل الذى قضى عليه، فإنه غلبه أمر ، ورضى به، فلذلك قال :
"حسبى الله ونعم الوكيل"، فلما سمع هذه المقالة / ٢٦٩ / منه قال: "إن الله يلوم"
إلى آخره .
قوله : "حسبى الله" أى : الله محسبى ، أى : يكفينى.
قوله: "ونعم الوكيل" أى: نعم الوكيل الله، والمخصوص بالمدح محذوف، وقد مر
الكلام فيه مَرَّةٌ .
( ٣٦٩ )
[قال شيخ الإسلام : ]
٢٢ - فصل فيما ينعم به على الإنسان
أقول: هذا الفصل فى بيان ما يقال عند ما أنعم به على الإنسان .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى فى قصة الرجلين: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ
ما شَاءَ الله لا قُوَّةَ إلاَّ بِالهِ﴾(١).
أقول: إنما أورد الشيخ هذه الآية الكريمة دليلا على أن من أنعم عليه بنعمة يجب عليه أن
يشكر الله، وإذا أراد أن تدوم عليه النعمة لا يزال يقول: ﴿مَا شَاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ﴾
ألا ترى إلى قصة الرجلين كيف ذم أحدُهما الآخرَ على ترك قوله: ﴿مَا شَاءَ الله لا قُوَّةَ
إِلاَّ بِاللهِ﴾ حين دخل جنته، وهو معجب بما أوتى ، مفتخر به، كافر لنعمة ربه ، وقال:
ما أظن أن تفنى جنتى أبدا، وذلك من طول أمله، واستيلاء الحرص عليه، واغتراره
بالمهلة ، وإطراحه النظر فى عواقب أمثاله، ولم يشكر الله تعالى على ذلك، ولم يقل:
﴿مَا شَاءَ الله لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ فلا جرم أهلكه الله تعالى، وأهلك بستانه بالصواعق ،
"(٢) وحكايته أنه كان أخوان فى بنى إسرائيل، أحدهما كافر اسمه قطروس، والآخر
مؤمن اسمه يهوذا، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار ، فاقتسماها نصفين ، فاشترى الكافر
أرضا بألف، فقال المؤمن(٣): اللهم إن أخى اشترى أرضا بألف دينار، وأنا أشترى منك
أرضا فى الجنة بألف ، فتصدق به، ثم بنى أخوه دارا بألف ، فقال: اللهم إنى أُشترى
منك / ٢٧٠ / دارا فى الجنة بألف ، فتصدق به. ثم تزوج أخوه امرأة بألف ، فقال :
اللهم إنى جعلت ألفا صداقا للحور، فتصدق ، ثم اشترى أخوه خدما ومتاعا بألف،
فقال: اللهم إنى اشتريت منك الولدان المخلدين بألف ، فتصدق به، ثم أصابته حاجة
فجلس لأخيه على طريقه ، فمر به فى حشمه ، فتعرض له فطرده ، ووبخه على التصدق
(١) سورة الكهف (٣٩).
(٢) انظر تفسير الكشاف (٧٢٠/٢ -٧٢٤).
(٣) فى الأصل : "فقال له المؤمن" خطأ ، والتصويب من تفسير الزمخشرى .
( ٣٧٠ )
بماله، ثم أخذ بيد أخيه يطوف به فى أرضه التى عمرها بستاناً ، ويريه ما فيه، ويفاخره
بما ملك من المال دونه، وهو متعجب بما أوتى به ، مفتخر به ، كافر لنعمة ربه، ويقول :
ما أظن أن تفنى هذه أبدا، وما أظن الساعة قائمة ، ولئن تقوم الساعة على زعمك
لأجدن فى الآخرة جنة خيرا منها ، فقال له أخوه : كفرت بالذى خلق أصلك من
تراب، وخلقك من نطفة، وسواك رجلا ، هلا قلت : ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله؟
إقرارا بأن ما قويت به على عمارتها، وتدبير أمرها بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد فى
بدنه، ولا فى ملك يده إلا بالله، وأنت رددتنى وطردتنى لأجل فقرى، وأنا أتوقع من
الله أن ينقلب ما بى وما بك من الفقر والغنى ، فيرزقنى بإيمانى جنة خيرا من جنتك،
ويسلبك لكفرك نعمته ، ويخرب بستانك، وما كان إلا ما توقع، فأرسل الله صواعقا،
فأصبحت جنته أرضا بيضاء، زلق عليها . وقيل : أرسل الله عليها نارا فأكلتها، فلما
رآها أخوه قال: يا ليتنى لم أشرك بربى أحدا، حتى لا يهلك الله بستانى، فأنزل الله
قصتهما فى سورة الكهف / ٢٧١ / بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاَ رَّجُلَيْنِ﴾ وهما
الأخوان المذكوران ﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَغْنَابٍ﴾ يعنى : بستانين من كروم
﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلِ﴾ يعنى: جعلنا النخل محيطا بالجنتين، وهذا مما يؤثره الدهاقين فى
كرومهم، أن يجعلوها محفوفة بالأشجار المثمرة ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعَا﴾ يعنى : جعلنا
أرضا جامعة للأقوات والفواكه ﴿كِلْتَا الْجَنْتَيْنِ أَتَتْ أَكْلَهَا﴾ أى: أعطت أكلها،
والأكل: الثمر ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ أى: ولم تنقص ﴿مِّنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلاَلَهُمَا نَهَرًا﴾ أى:
أجرينا خلال البساتين نهرا، وهذا أيضا من حسن البستان ﴿وَكَانَ لَّهُ ثَمَرٌ﴾ أى : أنواع
من المال من ثمر ماله إذا كَثُرَ وعن مجاهد: الذهب والفضة ، أى كان له خلاف الجنتين
الأموال المدثرة من الذهب والفضة وغيرهما ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ أى: لأخيه المؤمن ﴿وَهُوَ
يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه الكلام، من حار إذا رجع ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعْزُّ نَفَرًا﴾ يعنى:
أنصارا وحشما. وقيل: أولاداً ذكورا، ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ أى: قطروس دخل بستانه
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ يعنى: معجب مفتخر به، كافر لنعمة ربه ﴿قَالَ ما أَظُنُّ أن تَبِيدَ﴾
( ٣٧١ )
أى: تفنى ﴿هَذِهِ﴾ أى: جنتى ﴿أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ﴾ أى: القيامة ﴿قَائِمَةٌ وَلَئِن
رُدِدتُّ إِلَى رَبِّى﴾ على سبيل الفرض والتقدير، أو على زعم أخيه المسلم ﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا
مُنْهَا﴾ أى: من جنته ﴿مُنقَلَبًا﴾ وانتصابه على التمييز، وهذا كان تمنى منه، وادعاء
لكرامته على الله، ومكانته عنده، وأنه ما أولاه الجنتين إلا لاستحقاقه واستئهاله، وأن
معه هذا الاستحقاق أين توجه ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ أى: أخره / ٢٧٢ / المسلم
﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أى: يراجعه فى الكلام ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ﴾ أى: خلق أصلك
من تراب ، لأن خلق أصله سبب فى خلقه، وكان خلقه خلقا له (ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ
ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾ أى: عدلك وكملك إنسانا ذكرا، بالغا مبلغ الرجال ﴿لَكِنَّا هُوَ
الله رَبِّى﴾ أى: لكن أنا أقول: هو الله ربى، ﴿هُوَ﴾ ضمير الشأن، أى الشأن: الله
ربى ، والجملة خبر "أنا" ، وفى هذا جعله كافرا بالله، جاحدا لنعمته ، لشكه فى البعث ،
وفى قراءة عبد الله ﴿لَكِنْ [أنا لا إله إلا](١) هُوَ رَبِّى﴾. ﴿وَلَوْلاَ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّّكَ﴾
يعنى: هلا دخلت جنتك ﴿قُلْتَ﴾ عند دخولها، والنظر إلى ما رزقك الله منها ﴿مَا شَاءَ
الله﴾ اعترافا بأنها وكل خير فيها إنما حصل بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده، إن شاء
تركها عامرة، وإن شاء خربها ﴿لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ بأن ما قويت به على عمارتها وتدبير
أمرها بمعونته وتأييده، إذ لا يقوى أحد فى بدنه، ولا فى ملك يده إلا بالله ﴿إِن تَرَنِ
أَنَا أَقَلَّ﴾ أى: إن رأيتنى أنا أقل منك ﴿مَالاً وَوَلَدًا﴾ فى الدنيا ﴿فَعَسَى رَبِّى أَن يُؤِْیَنِ
خَيْرًا مِن جَنْتِكَ﴾ هذه فى الدنيا، ومن قرأ ﴿أقل﴾ بالنصب فقد جعل "أنا" فصلا، ومن
رفع جعله مبتدأ، و﴿أَقَّل﴾ خبره، والجملة مفعولا ثانيا. لـ ﴿حَرَنِ﴾. ﴿فَعَسَى رَبِی﴾
أى: أتوقع من صنع الله ﴿أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِن جَنْتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أى: على جنتك
﴿حُسْبَانًا﴾ أى: مقداراً قَدَّره الله وحسبه، وهو الحكم بتخريبها. وقال الزجاج: عذاب
حسبان ، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك . وقيل: حسبانا مرامى، الواحدة حسبانة ،
(١) زيادة من تفسير الكشاف .
( ٣٧٢ )
وهى الصواعق ﴿فَتَصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقَا﴾ أى: تصبح جنتك أرضا بيضاء / ٢٧٣ /
يزلق عليها لملامستها ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ يعنى: غائرا. ويقال: غار ماؤها إذا
لم يقدر عليه ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَّبًا﴾ أى: حيلة ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ عبارة عن
إهلاكه ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ وتقليب الكف كناية عن الندم والتحسر، لأن النادم
يقلب كفيه ظهرًا لبطن، كأنه قيل: فاصبح يندم على ما أنفق فيها ، أى : فى عمارتها،
﴿وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يعنى: إن كرومها المفروشة سقطت عرشها على
الأرض، وسقطت فوقها الكروم ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِى﴾ هذا تذكر موعظة أخيه، فعلم أنه
أُوتَى من جهة شركه وطغيانه، فتمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه،
ويجوز أن يكون توبة من الشرك، وندما على ما كان منه، ودخولا فى الإيمان"(١).
-
٢٠
(١) إلى هنا انتهى النقل من تفسير الكشاف .
( ٣٧٣)
[قال شيخ الإسلام: ] ١٣٥ - وعن أنس بن مالكٍ - ◌َُه - قالَ: قالَ رسول الله ◌َّ :
"مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فِى أَهْلِ وَمَالِ وَوَلَدٍ، فقالَ: مَا شَاءَ الله، لا قُوَّةَ إِلاَّ
باللهِ، فَيَرَى فِيهَا أَلَّةَ دُونَ الَوْتِ"(١).
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه، ونقله الشيخ محيى الدين النواوى فى
"باب ما يقول لدفع الآفات" فى كتابه "الأذكار"(٢).
قوله : "نعمة فى أهل ... " النعمة فى الأهل أن يُرزق امرأة صالحة حسنة، والنعمة فى
المال أن يرزق أنواع الدثور من الذهب والفضة والمتاع ونحوها، والنعمة فى الولد أن
يرزق أولادا .
قوله : "ما شاء الله " كلمة اعتراف بأن كل شىء يصيب ابن آدم من خير وشر بمشيئة
الله تعالى .
قوله : "لا قوة إلا بالله" اعتراف بأن القوة والقدرة لله تعالى، وأن كل ما يتصرف العبد
فى ماله وبدنه بقوة الله وتأييده، وكلمة "ما" فى قوله: "ما أنعم" نافية، وقوله "فيرى"
(١) أخرجه ابن أبى الدنيا فى "الشكر" (رقم/١)، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٥١)،
والطبرانى فى "الصغير" (رقم/٥٨٨)، وفى "الأوسط" (٤٢٧٣/٥)، والبيهقى فى "الأسماء
والصفات" (ص/١٦١)، والخطيب فى "التاريخ" (١٩٨/٣) من طريق عمر بن يونس ، ثنا
عيسى بن عون الحنفى ، عن عبد الملك بن زرارة الأنصارى ، عن أنس بن مالك به . وزاد
الطبرانى فى معجميه: "ثم قرأ: ﴿ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾.
وقال الحافظ ابن كثير فى "تفسيره" (٨٤/٣) عند تفسير الآية (٣٩) من سورة الكهف: "قال
الحافظ أبو الفتح الأزدى: عيسى بن عون، عن عبد الملك بن زرارة، عن أنس لا يصح
حديثه" اهـ. وقال فى المجمع (١٤٠/١٠): "رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط، وفيه عبد
الملك بن زرارة وهو ضعيف " اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى "الضعيفة" (٢٠١٢) وغيره .
(٢) انظر الأذكار (ص/١١٦).
( ٣٧٤ )
جواب / ٢٧٤ / النفى، تقديره: فأن يرى، وهو فى قوة المصدر، والمعنى : لا يكن
إنعام من الله مع قول العبد ما شاء الله لا قوة إلا بالله ورؤية الآفة ، يعنى : اجتماعهما لا
يكون ، فمتى يوجد الإنعام مع قول العبد ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، لا يوجد رؤية
الآفة، وإذا وجدت رؤية الآفة يكون لعدم قول العبد، لأن الشرط المجموع ينتفى بانتفاء
جزئيه .
فإن قلت : قوله "فقال" عطف على أى شىء؟ قلت: الظاهر أنه عطف على قوله
"أنعم"، ويجوز أن يكون عطفا على مقدر، وتقديره: ما أنعم الله على عبد نعمة فى
أهل ومال وولد، وذكر العبد ربه فقال ما شاء الله، لا قوة إلا بالله. فإن قلت : على ما
قلت من الظاهر يلزم تفكيك الضمير، وهو بشيع، خصوصا فى كلام الفصيح. قلت :
ذاك فى مقام اللبس ، فلا لبس هاهنا أصلا، فلا بشاعة قوله : "آفة" عام يشمل جميع
أنواع الآفات، ولكن خص بالموت، لأن الموت لا مدفع له ولا مرد .
فإن قلت: إذا قدر الله فى الأزل برؤية آفة إما فى الأهل، وإما فى المال، وإما فى
الولد، فكيف تدفع هذه الآفة بقول العبد ما شاء الله، لا قوة إلا بالله؟ والمقدر كائن لا
محالة؟ قلت : يجوز أن يقدر الله رؤية الآفة، ويقدر دفعها أيضا عند هذا القول، فالعبد
إذا سكت يرى هذه الآفة المقدرة، وإذا قالها لا يراها ، لأن كلا منهما داخل فى التقدير،
غير خارج عنه فافهم . وهذا جواب شامل جنس أسئلة هذا الباب .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٣٦ - وعن النبى { ﴿ أَنَّهُ كَانَ إِذَا رَأَى مَا يَسُرُّهُ قَالَ: الحَمْدُ
للهِ الذِى بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتِ، وَإِذَا رَأَى مَا يَسُوِؤُهُ قَالَ: الَحَمْدُ للهِ عَلَى كُلُ
حَالٍ*(١) ...
(١) أخرجه ابن ماجه فى كتاب الأدب ، باب فضل الحامدين (٣٨٠٣)، وابن السنى فى "عمل اليوم
والليلة" (٣٧٢)، والحاكم (٤٩٩/١) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا زهير بن محمد، عن
منصور بن عبد الرحمن ، عن أمه صفية بنت شيبة ، عن عائشة به . وقال الحاكم: صحيح
-
( ٣٧٥ )
أقول: / ٢٧٥ / هذا الحديث رواه ابن ماجه وابن السنى بإسناد جيد عن عائشة -
ـُ -، قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث صحيح الإسناد. وهذا يدل على أن العبد
ينبغى أن يحمد الله تعالى فى جميع الأحوال، فى حالة السراء وحالة الضراء .
قوله : "بنعمته" المراد من النعمة هاهنا النعمة الخاصة، وهو رؤية الشىء الذى يسره،
ورؤيةُ الشخصِ ما يحبه ويسره نعمةٌ ، فلأجل ذلك قال: "بنعمته تتم الصالحات" أى:
الأشياء الصالحات، وهى تتناول كل شىء صالح من الدنيا والآخرة .
٠٠
قوله: "وإذا رأى ما يسوؤه" أى: يكرهه ويبغضه "قال: الحمد لله على كل حال"
يعنى : فى السراء والضراء، والفرح والترح، والفقر والغنى، والصحة والمرض، وجميع
الأحوال والأفعال والأوقات، ففى الأول خص الحمد على شىء، وفى الثانى عممه،
رعايةً لمقتضى المقام والمقال فافهم .
- الإسناد، ولم يتعقبه الذهبى بشىء. وجود إسناده الإمام النووى فى "الأذكار" (ص/٢٨٤)،
وقال البوصيرى فى "الزوائد" : "إسناده صحيح ورجاله ثقات" اهـ. كذا قالوا، والحديث
فيه زهير بن محمد الخراسانى الشامى، قال فى "التقريب" : "رواية أهل الشام عنه غير
مستقيمة ، فضعف بسببها . قال البخارى عن أحمد : كأن زهيرا الذى يروى عنه الشاميون
آخر! وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه" اهـ. والوليد بن مسلم
الذى روى عنه هذا الحديث شامى، وهو مدلس، وقد عنعنه. وقد ذكره الشيخ الألبانى
فى "الصحيحة" (٢٦٥)، وذكر له شاهدين، ثم قال فى "الكلم الطيب: قد وجدت له شاهدا
ضعيفا يمكن تحسين الحديث به، ولكنى لا أسيطيع الجزم بذلك الآن"، وكذا توقف فى
"الصحيحة".
( ٣٧٦ )
[قال شيخ الإسلام :] ٢٣ - فصل فيما يصاب به المؤمن من صغير وكبير
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال إذا أصابته نكبة قليلة أو كثيرة .
[قال شيخ الإسلام:] قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُهْتَدُون﴾(١) .
أقول: إنما أورد الشيخ - رحمه الله - هذه الآية الكريمة بيانا على أن من أصابته مصيبة
ينبغى أن يسترجع ويقول ﴿إِنّا للهِ وَإِنَا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ ألا ترى كيف مدح الله الذين إذا
أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون؟ وكيف أمر نبيه أن يبشرهم بقوله :
﴿وَبَشْرِ الصَّابِرِينَ﴾ يعنى: الذين / ٢٧٦ / يصبرون على المصائب من الخوف،
والجوع، ونقص الأموال والأنفس والثمرات، ولم يجزعوا، وقالوا: ﴿إِنّ اللهِ﴾ أى: نحن
عبيد الله، وفى ملكه، إن عشنا فعليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا، ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ﴾ بعد الموت، ونحن راضون بحكمه، ﴿أُولَئِكَ﴾ يعنى: أهل هذه الصفة
﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ﴾ الصلوات من الله على ثلاثة معان : توفيق الطاعة،
والعصمة عن المعصية، والمغفرة للذنوب ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ الموفقون للاسترجاع.
وعن سعيد بن جبير: لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة ، ألا ترى أن يعقوب - عليه
السلام - قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾(٢)؟ فلو كان لهم الاسترجاع لقال ذلك.
وروى عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: قال رسول الله - عليه السلام -: "من ذكر
مصيبته، أو ذكر من عنده مصيبته فاسترجع، جدد الله ثوابها كيوم أصيب بها*(٣).
(١) سورة البقرة (١٥٧،١٥٦).
(٢) سورة يوسف (٨٤) .
(٣) نقله المصنف من تفسير السمرقندى (١٦٩/١) ولم أره بهذا اللفظ، وإنما رواه ابن ماجه فى
كتاب الجنائز، باب ما جاء فى الصبر على المصيبة (١٦٠٠) وأحمد فى مسنده (٢٠١/١) من
=
( ٣٧٧ )
وروى عن عمر بن الخطاب - ر - أنه قال: نعم العدلان، ونعمت العلاوة،
فالعدلان: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، والعلاوة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ
المُهْتَدُون﴾ .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٣٧ - ويذكر عن أبى هريرة - - قال: قال رسول الله
◌َ: "لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِى كُلُّ شَىءٍ، حَتّى فِى شِسْعِ نَعْلِهِ، فَإِنَّهَا مِنَ الَصَائِبِ"(١).
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى كتابه .
٠٠
قوله: "ليسترجع" أى: ليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون.
قوله: "فى شسع نعله" أى: فى انقطاع شسع نعله . الشسع بكسر الشين المعجمة ، ثم
بإسكان السين المهملة، هو أحد سيور النعل، التى / ٢٧٧ / يشد إلى زمامها، وهذا
خارج مخرج المبالغة ، والمقصود أن الاسترجاع لابد منه فى كل شىء من أنواع المصائب
والآفات فى الأموال والنفوس .
- حديث الحسين بن على مرفوعا: "من أصيب بمصيبة فذكر مصيبته فأحدث استرجاعا - وإن
تقادم عهدها - كتب الله له من الأجر مثله يوم أصيب" واللفظ لابن ماجه . وقال فى الزوائد :
فى إسناده ضعف ، لضعف هشام بن زياد ، وقد اختلف هل هو روى عن أبيه أو عن أمه ؟ ولا
يعرف لهما حال. قيل : ضعفه الإمام أحمد . وقال ابن حبان: روى الموضوعات عن الثقات اهـ .
وضعفه الألبانى فى ضعيف الجامع (٥٤٣٤). وروى البخارى نحوه فى تاريخه الكبير (٣٢٢/١)
من طريق هشام بن أبى هشام ، عن أمه عائشة ، وقال : هشام هذا أبو المقدام لم يصح حديثه .
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٤٦) قال : أخبرنا أبو خليفة ، حدثنا
مسدد بن مسرهد، ثنا هشيم، عن يحيى بن عبد الله، عن أبيه ، عن أبى هريرة به . وضعفه
الحافظ كما فى "الفتوحات الربانية" (٢٨/٤)، وذكر له شواهد عند ابن السنى لا تخلو من
مقال . وضعفه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٥٤٤٨)، وطلب حذفه من "صحيح الكلم
الطيب" .
( ٣٧٨ )
قوله: "فإنها" أى: شِسع النعل، أى: انقطاعها "من المصائب"، لأنه نقصان فى
الجملة ، وإنما قدرنا انقطاعها ، لأن الشِّسع عينها ليست من المصائب ، وإنما انقطاعها من
المصائب ، لأن النقصان فيه .
[قال شيخ الإسلام: ] ١٣٨ - وقالت أم سلمة - رضى الله عنها - : سمعت رسول الله
◌َّ يقول: "مَا مِن عَبْدِ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِليهِ رَاجِعُونَ، اللهمَّ أُجِرْنِى
فِى مُصِيبَتِى، وَأَخِلِفْ لِى خَيْرًا مِنْهَا، إلاَّ أَجَرَهُ اللهُ فى مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَه خَيْرًا
مِنْهَا. قالت: فَلَمَّا تُوِفَى أبو سَلَمَةَ قلتُ كَما أَمَرَنِى رسول اللهِلَ﴿هِ، فَأَخْلَفَ اللهُ
خَيْرًا(١) مِنْهُ، رسول الله ﴿ل" خرجه مسلم(٢).
أقول: معنى قوله : "وأخلف لى" أى: عوض لى "خيرا منها" أى: من تلك المصيبة،
والمصيبة عام، سواء كانت فى النفوس أو فى الأموال .
قوله: "قالت" أى: أم سلمة. "فلما توفى أبو سلمة" وهو: عبد الله بن عبد الأسد،
وكانت أم سلمة تحته، فلما توفى زوجها عبد الله، قالت كما سمعت من رسول الله
: "اللهم أجرنى فى مصيبتى، وأخلف لي خيراً منها" . فأخلف الله لها خيرا منه،
وهو رسول الله څ .
قوله: "رسول الله" بالنصب على أنه بيان لقوله: "خيرًا" ويجوز أن يكون مرفوعا على
أنه خبر مبتدإ محذوف، أى: هو رسول الله ﴾ .
[قال شيخ الإسلام:] ١٣٩ - وقالت: "دَخَلَ رسول الله ﴿ عَلَى أبى سَلَمَةَ وقد شَقَّ
بَصَرُهُ فَأَغْمِّضَهُ، ثم قالَ: إِن الرُّوحَ إذا قُبِضَ تَبِعَهُ / ٢٧٨ / الْبَصَرُ، فَضَجَّ نَاسٌ مِن
(١) فى "ج" فأخلف الله لى خيرا منه" وفى "هـ": "فأخلف لي خيرا منه".
(٢) مسلم: كتاب الجنائز، باب ما يقال عند المصيبة (٣/٩١٨: ٥).
( ٣٧٩ )