Indexed OCR Text
Pages 281-300
قوله: "وبك آمنت" أى: صدقت
قوله: "ولك أسلمت" أى: انقدت وأُطعت .
قوله: "خشع لك سمعى" أى: خشع وخضع، وخشوع السمع والبصر والمخ والعظم
/ ١٩٨ / والعصب كالخضوع فى البدن .
فإن قلت : كيف يتصور الخشوع من هذه الأشياء؟ قلت، ذكر الخشوع وأراد به
الانقياد والطاعة، فيكون هذا من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم .
فإن قلت : ما وجه تخصيص السمع والبصر من بين الحواس، وتخصيص المخ والعظم
والعصب من بين سائر أجزاء البدن ؟ قلت : أما تخصيص السمع والبصر فلأنهما أعظم
الحواس، وأكثرها فعلا، وأقواها عملا، وأمسها حاجة، ولأن أكثر الآفات بهما، فإذا
خشعتا قُلْتِ الوساوس . وأما تخصيص المخ والعظم والعصب فلأن ما فى أقصى قعر البدن
المخ، ثم العظم، ثم العصب، لأن المخ يمسكه العظم، والعظم يمسكه العصب ، وسائر
أجزاء البدن مركبة عليها ، فإذا حصل الانقياد والطاعة ، فهذه عمدة بنية الحيوان
وأطنابها، وأيضا العصب خزانة الأرواح النفسانية، واللحم والشحم غادٍ ورائح، فإذا
حصل الانقياد والطاعة من هذه، فمما الذى يتركب عليها بالطريق الأولى .
فإن قلت : ما معنى انقياد هذه الأشياء؟ قلت : أما انقياد السمع فالمراد به قبول سماع الحق،
والإعراض عن سماع الباطل. وأما انقياد البصر فالمراد به النظر إلى كل ما ليس فيه حرمة .
وأما انقياد المخ والعظم والعصب فالمراد به انقياد باطنه كانقياد ظاهره، لأن الباطن إذا لم
يوافق الظاهر لا يكون انقياد الظاهر مفيدا معتبرا، وانقياد الباطن عبارة عن تصفيته عن
دنس الشرك والنفاق ، وتزيينه بالإخلاص والعلم والحكمة ، وترك الغل والغش والحقد
والظنون والأوهام الفاسدة، ونحو ذلك من الأشياء التى تخبث الباطن . وانقياد الظاهر
عبارة عن اشتغال / ١٩٩ / الجوارح بالعبادات كل جارحة بما يخصها من العبادة
المناسبة لها .
( ٢٨٠)
فإن قلت : ما وجه ارتباط قوله : "خشع لك سمعى" بما قبله؟ وما وجه ترك العاطف بين
الجملتين؟ قلت: كأن هذا وقع بيانا لقوله: "ولك أسلمت" فلذلك ترك العاطف ، لأن
معنى "لك أسلمت" انقدت وأطعت، ومعنى: "جشع سمعى" إلى آخره : انقاد وأطاع
كما قررنا، فكأنه ﴿ بَيِّن نوعى الانقياد والإطاعة بقوله: "خشع سمعى" إلى آخره بعد
الإجمال بقوله : "خشع سمعى وبصرى" بيان الانقياد الظاهر، وقوله: "ومخى وعظمى
وعصبى" بيان الانقياد الباطن، فهذه الأسئلة والأجوبة قد لاحت من الأنوار الربانية ببركة
الأفكار الرحمانية .
قوله: "سمع [الله] لمن حمده" أى: تقبل الله منه حمده، وأجابه بقوله: "اسمع دعائى"
أى: أجب. وَضَعَ السمعَ موضعَ القبولِ والإجابة للاشتراك بين القبول والسمع،
والغرض من الدعاء القبول والإجابة . و"الهاء" فى قوله: "حمده" "هاء" السكتة لا "هاء"
الكتابة ، فلذلك ◌ُسكّن فافهم .
قوله : "ربنا ولك الحمد" وفى رواية بلا "واو"، والأكثر على أنه "بالواو" ، وكلاهما
حسن. ثم قيل : هذه "الواو" زائدة . وقيل : عاطفة، تقديره : ربنا حمدناك ولك الحمد .
قوله: "ملء السموات والأرض وما بينهما" إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق
الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، فإنه عليه الصلاة والسلام حمده ملء السموات والأرض،
وهذه نهاية أقدام السابقين . قال الخطابي: هذا الكلام تمثيل وتقريب، والكلام لا يقدر
بالمكاييل، ولا تسعه الأوعية، وإنما المراد منه تكثير العدد حتى لو يقدر أن تكون تلك
الكلمات أجساما تملأ الأماكن لبلغت من كثرتها / ٢٠٠ / مايملاً السموات والأرض.
قوله: "وملء ما شئت من شىء بعد" هذا إشارة إلى أن حمد الله أعز من أن يعتوره
الحسبان ، أو يكتنفه الزمان والمكان ، فأحال الأمر فيه على المشيئة، وليس وراء ذلك
للحمد منتهى ، ولم ينته أحد من خلق الله فى الحمد مبلغه ومنتهاه، وبهذه الرتبة استحق
أن یسمی أحمد، لأنه كان أحمد ممن سواه .
( ٢٨١ )
قوله: "وشق سمعه وبصره" من الشَّق - بفتح الشين - أى: فلق وفتح، والشِّق -بكسر
الشين- نصف الشىء .
"(١)واستدل الزهرى بقوله: "سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره" على
أن الأذنين من الوجه. وعند أبى حنيفة هما من الرأس، لقوله عليه السلام: "الأذنان من
الرأس"(٢)، والمراد به بيان الحكم لا الخلقة. وقال جماعة: هما من الرأس، وأوسطهما من
الوجه، وآخرون: أعلاهما من الرأس وأوسطهما من الوجه. وآخرون: ما أقبلّعلى الوجه
فمن الوجه، وما أدبر فمن الرأس. وقال الشافعى: هما عضوان مستقلان ، لا من الرأس،
ولا من الوجه . والجواب للجمهور عن احتجاج الزهرى، أن المراد بالوجه جملة الذات،
كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهُ﴾(٣)، ويؤيد هذا أن السجود يقع بأعضاء أُخَرَ مع
الوجه، والثانى: أن الشىء يضاف إلى ما يجاوره، كما يقال: بساتين البلد"(٤).
قوله: "تبارك الله" أى: تعالى وتعظم.
قوله: " أحسن الخالقين" أى المقدرين، والمصورين.
(١) انظر شرح صحيح مسلم (٦٠/٦).
(٢) أبو داود: كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبى/3 (١٣٤)، الترمذى: كتاب الطهارة، باب
ما جاء أن الأذنين من الرأس (٣٧)، ابن ماجه : كتاب الطهارة ، باب الأذنان من الرأس (٤٤٤)
من طريق حماد بن زيد ، عن سنان بن ربيعة ، عن شهر بن حوشب ، عن أبى أمامة الباهلى به ،
وفيه خلاف فى رفعه ووقفه، ورواه ابن ماجه أيضا (٤٤٣) من حديث عبدالله بن زيد ، ورواه
الدارقطنى (٩٧/١: ٩٩) من حديث ابن عمر وابن عباس، وقد أطال العلماء البحث فيه ،
وانظر تعليق الشيخ أحمد شاكر على "جامع الترمذى" والشيخ الألبانى فى الإرواء (٨٤) وقد
صححاه .
(٣) سورة القصص (٨٤).
(٤) إلى هنا انتهى النقل من "شرح صحيح مسلم".
( ٢٨٢)
[قال شيخ الإسلام:] ٨٥ - وقالت عائشة -رضى الله عنها -: "كان رسول الله الحل
يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فى رُكوعِهِ، وسُجودِهِ: سُبحانَكَ اللهِم رَبَّنَا، وَبِحَمْدِكَ، اللهم اغْفِرْ لِ،
يَتَأَوَّلُ الْقرآن" / ٢٠١ / متفق عليه(١). يريد قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبُّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنّهُ
كَانَ تَوَّابًا﴾(٢) .
أقول : هذا محمول أيضا عندنا على صلاة النافلة .
قوله: "يريد قوله" من كلام الشيخ، أى: تريد عائشة من قولها: يتأول القرآن، ومعنى
يتأول القرآن يعمل ما أمر به فى قول الله -عز وجل -: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، أى كان فى الأزمنة الماضية توابا عليهم إذا استغفروا .
[قال شيخ الإسلام:] ٨٦ - وقالت عائشة -رضى الله عنها -: "كان رسول الله ◌ِ ﴾
يَقُولُ فى رُكوعِهِ، وسُجودِهِ: سُبُّوحٌ، قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلاَئِكَةِ والرُّوحِ" خرجه
مسلم (٣).
أقول : هذا محمول أيضا على صلاة الليل النافلة .
قوله: "سُّوحٌ" بضم السين، و "قُدُّوسٌ" بضم القاف، وقد جاء فيهما الفتح، وهو
القياس فى الأسماء، كالسَّفُود(٤)، واللّهُوب(٥)، ونحوهما، ولم يأت من الأسماء على هذا
الوزن بضم الأول إلا هما، وهو الأشهر، والأجود فيهما، و"السُّبوح" المنزه عن كل
(١) البخارى: كتاب الأذان ، باب الدعاء فى الركوع (٧٩٤)، مسلم: كتاب الصلاة ، باب
ما يقال. فى الركوع والسجود (٢١٧/٤٨٤).
(٢) سورة النصر (٣) .
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقال فى الركوع والسجود (٢٢٣/٤٨٧، ٢٢٤).
(٤) عود من حديد يُنظّمُ فيه اللحم ليشوى .
(٥) صيغة مبالغة فى اشتعال النار .
( ٢٨٣ )
عيب، من سبحت الله، أى : نزهته، و "القُدوس" الطاهر من كل عيب، البليغ فى
النزاهة عن كل ما يستقبح، فإن قلت : ما موقع (١) قوله: "سُبُّوح، قُدُّوس" من
الإعراب؟ قلت : هما خیرا مبتدإٍ محذوف ، أى : ر کوعى، وسجودى لمن هو سبوح،
وقدوس .
قوله: "والروح" قيل: جبريل -عليه السلام- خص بالذكر تفضيلا على سائر الملائكة،
كما فى قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ اَلَمْلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾(٢). وقيل: الروح صنف من الملائكة،
كما فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفَا﴾(٣) ويحتمل أن يراد به الروح
الذی به قوام كل حى ، أى : رب الملائكة ، ورب الروح .
[قال شيخ الإسلام: ] ٨٧ - عن ابن عباس(٤) - رضى الله عنهما - / ٢٠٢ / قال: قال
رسول الله وَ﴿: "أَلاَ وَإِنِّى نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرآنَ رَاكِعًا، وَسَاجِدً(٥)، فَأَمَّا الركُوعُ فَعَظِّمُوا
فِيهِ الرَّبَّ، وأما السُّجُودُ، فَاجْتَهِدُ وا فِى الدُّعَاءِ، فَقَمِنَّ أن يُسْتَجَابَ لَكُمْ)(٦) .
أقول : هذا الحديث من الذى انتهى إلى الأمة من كلام النبوة فى آخر عهده -عليه
السلام- عند اقتراب زمان انقطاع الوحى، رواه النسائى فى "كتابه" عن ابن عباس،
وفى روايته كشف النبى -عليه السلام- الستارة، والناس صفوف خلف أبى بكر،
(١) فى الأصل: "وقع".
(٢) سورة القدر (٤) .
(٣) سورة النبأ (٣٨).
(٤) فى الكلم الطيب "وخرج أيضا عن ابن عباس" .
(٥) فى الكلم الطيب "أوساجدا" .
(٦) مسلم: كتاب الصلاة ، باب النهى عن قراءة القرآن فى الركوع والسجود
(٢٠٧/٤٧٩، ٢٠٨)، أبو داود: كتاب الصلاة، باب [فى] (كذا فى الأصل بين معقوفتين)
الدعاء فى الركوع والسجود (٨٧٦)، النسائى: كتاب الافتتاح ، باب تعظيم الرب فى الركوع
(١٨٩/٢).
( ٢٨٤ )
فقال: " أيها الناس، إنه لم يبق من مبشرات النبوة، إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم،
أو ترى له، ثم قال (١): ألا إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعا، وساجدا(٢)" الحديث.
فإن قلت : ما الحكمة فى النهى عن القراءة فى حالتى الركوع، والسجود ؟
قلت : الذى يلوح لنا فى هذا المقام، هو أن النبى - عليه السلام- أخبر الأمة عن انقطاع
الوحى بوفاته، وعزَّهم عن مبشرات النبوة، ثم نَّهَهُمْ على جلالة قدر ما هو تارك فيهم
من الوحى المنزل، وهو الكتاب العزيز، الذى لم يؤت نبى مثله بقرينة مُسْتَكَنَة فى صيغة
النهى ، وذلك أن الركوع، والسجود من باب الخضوع، وإجازات التذلل من العباد،
لجلال وجه الله الكريم، فنهى أن يقرأ الكتاب الكريم الذى عظم شأنه ، وارتفع محله
عند هيئة موضوعة للخضوع، والتذلل، ليتبين لأولى العلم معنى الكتاب العزيز،
وينكشف لذوى البصائر حقيقة القرآن الكريم.
فإن قلت : لم تأخر النهى إلى آخر الرسالة؟ قلت: ليكون مورده على تمام النعمة بمواقع
النجوم، واستيفاء أنصبة القرب بإطلاعه على مطالع الوحى ، / ٢٠٣ / ومقاطعه .
فإن قلت : إذا قرأ المصلى القرآن فى ركوعه، أو سجوده هل تبطل صلاته، أم لا؟.
قلت : لا تبطل صلاته عند أبى حنيفة مطلقا، سواء قرأ عامدا، أو ناسيا، ولكن فى
الناسى تجب سجدة السهو ، وعند الشافعى لو قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاته ، وكذا لو
قرأ الفاتحة على الأصح، وقال بعض الشافعية : تبطل .
قوله: "فقمن" بفتح الميم، أى: جدير، يقال: أنت قمن -بفتح الميم- أن تفعل كذا،
ولا يثنى، ولا يجمع، ولا يؤنث، فإن كسرت الميم، أو قلت : قمين، ثنيت، وجمعت،
وأطلق الشيخ محيى الدين "قمن" بفتح الميم وكسرها محمول على ما قلنا(٣).
(١) فى الأصل: "ثم قال له" والتصويب من سنن النسائي.
(٢) فى سنن النسائي "أو ساجداً".
(٣) انظر شرح صحيح مسلم (١٩٧/٦) تحت شرح حديث الباب .
(٢٨٥ )
[قال شيخ الإسلام:] ٨٨ - وقال عوف بن مالك: "قُمتُ مَعَ رسول الله ﴿ لَيْلَةَ، فَقَامَ
فَقَرَأْ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، لا يُرُّ بَآيَةٍ رَحَمْةٍ إِلا وَقَفَ وَسَأَلَ، ولا يَمُرُّ بَآيَةٍ عَذَابٍ إلا وَقَفَ وَتَعَوّذَ،
قال: ثم رَكَعَ بِقَدْرِ قِيَامِهِ، يقولُ فى رُكُوعِهِ: سُبْحَانِ ذِى الْجَبَرُوتِ، وَالمَلَكُوتِ،
والِكْبِرِيَاءِ وَالعَظَمَةِ، ثم قال فى سُجُودِهِ مِثْلَ ذَلِكَ" خرجه أبو داود، والنسائى(١).
أقول: عوف بن مالك أبو عبد الرحمن ، ويقال: أبو محمد، ويقال: أبو حماد، ويقال :
أبو عمرو عوف بن مالك بن أبى عوف الأشجعى الغطفانى ، شهد فتح مكة مع
رسول الله وَ ﴿، نزل الشام، وسكن دمشق، وكان داره بها عند سوق الغزل العتيق،
روی له عن رسول الله گڅ سبعة وستون حدیثا ، روی له البخاری حديثا واحدا ،
ومسلم خمسة أحاديث ، روى عنه: أبو هريرة، وأبو مسلم، وأبو إدريس / ٢٠٤ /
الخولانيان، وحُبير بن نُفيَر، ومسلم بن قرط ، وشداد أبو عمار، وراشد بن سعد، وخلق
سواهم، مات سنة ثلاث وسبعين، وروى له: الترمذى، والنسائى، وابن ماجه(٢).
قوله: "إلا وقف، وسأل"، أى: سأل الرحمة من الله عند وقوفه عند آية الرحمة.
قوله: "إلا وقف، وتعوذ" أى: تعوذ بالله من العذاب عند وقوفه عند آية العذاب.
قوله: "ذى الجبروت" الجبروت: فَعَلُوت من الجبر، وهو القهر، وهو صفة من صفات
الله تعالى ، ومنه الجبار، ومعناه: الذى يقهر العباد على ما أراد من أمر ونهى .
(١) أبو داود: كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده (٨٧٣)، النسائى : كتاب
الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر فى الركوع (١٩١/٢)، وباب نوع آخر (٢٢٣/٢)،
والترمذى فى الشمائل(رقم/٣١٤) باب ماجاء فى صوم رسول الله ومثل، وأحمد (٢٤/٦)
وغيرهم من طرق عن معاوية بن صالح ، عن عمرو بن قيس، أنه سمع عاصم بن حميد قال : سمعت
عوف بن مالك يقول فذكره. والحديث صححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبي داود" .
(٢) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٠٢٦/٣)، أسد الغابة (٤١٢٤/٤)، الإصابة (٦١٠٥/٤).
( ٢٨٦ )
قوله: "الملكوت" من الملك، ومعنى ذى الملكوت : مالك كل شىء، وصيغة الفعلوت
للمبالغة ، كالرحموت، والرهبوت .
قوله : "والكبرياء" أى: سبحان ذى الكبرياء، أى، العظمة ، والملك، وقيل: هى عبارة
عن كمال الذات ، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله سبحانه وتعالى.
قوله: " ثم قال فى سجوده مثل ذلك"، أى: مثل ما قال فى ركوعه، وهذا الحديث
رواه الترمذى أيضا فى كتاب "الشمائل" بأسانيد صحيحة، وقال الشيخ محيى الدين
النواوى: هذا حديث صحيح(١). وهو محمول أيضا على النافلة .
[قال شيخ الإسلام:] ٨٩ - قال أبو هريرة - -: "كان رسول الله مل﴾ يقول: سَمِعَ
الله لِمَنْ حَمِدَهُ حينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثم يَقُولُ وهو قائمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"(٢)
وفى لفظ صحيح: "لَكَ الْحَمْدُ"(٣) والمتفق عليه فى "الصحيحين"(٤) "رَبَّنَا وَلَكَ
الحَمْدُ* (٥)، أو (٦)"اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ))(٧).
أقول: قد استدل بعض العلماء بهذا الحديث على أن يجمع الإمام بين التسميع،
والتحميد، وهو مذهب الشافعى، وأبى يوسف، ومحمد، وعند أبى حنيفة / ٢٠٥/
(١) انظر الأذكار (ص/٥١) باب أذكار الركوع .
(٢) البخارى: كتاب الأذان ، باب التكبير إذا قام من السجود (٧٨٩)، مسلم: كتاب الصلاة ،
باب إثبات التكبير فى كل خفض ورفع فى الصلاة إلا رفعه من الركوع ... (٢٨/٣٩٢).
(٣) البخارى: (٧٨٩)، ووقع فى الكلم الطيب "ربنا ولك الحمد".
(٤) فى الكلم الطيب "فى لفظ الصحيحين".
(٥) البخاري: كتاب الأذان ، باب التكبير إذا قام من السجود (٧٨٩)، مسلم: كتاب الصلاة ،
باب إثبات التكبير فى كل خفض ورفع فى الصلاة إلا رفعه من الركوع ... (٢٨/٣٩٢).
(٦) فى الكلم الطيب "وَ".
(٧) البخارى: كتاب الأذان، باب ما يقول الإمام ومن خلفه إذا رفع رأسه من الركوع (٧٩٥)، ولم أر عند
مسلم الجمع بين "اللهم" و "الواو"، ووقع فى "ج": "اللهم ربنا لك الحمد" بدون الواو. والله أعلم.
( ٢٨٧ )
يكتفى بالتسميع، واستدل عليه بقوله عليه الصلاة والسلام: " إذا قال الإمام: سمع الله
لمن حمده، فقولوا : ربنا لك الحمد" رواه البخارى، ومسلم(١).
قوله: "وفى لفظ صحيح" من كلام الشيخ، أى: فى لفظ صحيح "ربنا لك الحمد"
بلا واو .
وقوله: "والمتفق عليه فى الصحيحين"، أى: الذى اتفق عليه البخارى ومسلم فى
"صحيحيهما" "ربنا ولك الحمد" أو "اللهم ربنا ولك الحمد" والحاصلٌ فيه ثلاث
روايات "ربنا لك الحمد"، "ربنا ولك الحمد"، " اللهم ربنا ولك الحمد".
[قال شيخ الإسلام:] ٩٠ - وعن أبى سعيد الخدرىِّ- صَلَهُ - قالَ: " كَانَ رسول الله
﴿ إِذَا رَفَعَ رأسَهُ من الرُّكُوعِ قالَ: اللهم رَبَّنَا (٢) وَلَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَواتِ،
ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما بينهما ، ومِلْءَ ما شِئْتَ من شَىءٍ بَعدُ، أهلَ الثناءِ وَالَجْدِ،
أَحَقُّ ما قَالَ العبد، وكُلُّنَا لَكَ عبد، اللهَّمِ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِى لِمَا مَنَعْتَ،
ولا يَنْفَعُ ذَا الْجُدُ مِنكَ الْجَدّ" خرجه مسلم(٣).
أقول: "مِلءَ السموات" بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها، واختلف فى
الراجح منهما، والأشهر النصب، ومعناه: حمداً لو كان أجساما لملأ السموات
والأرض . وقد مر مرة .
قوله: "أهل الثناء" أهل منصوب على النداء، وجوز بعضهم رفعه على تقدير: أنت أهل
الثناء، والمختار النصب، والثناء: الوصف الجميل، والمدح.
(١) البخارى: كتاب الأذان ، باب فضل "اللهم ربنا لك الحمد" (٧٩٦)، مسلم: كتاب الصلاة ، باب
التسميع والتحميد والتأمين (٧١/٤٠٩) من حديث أبى هريرة، بلفظ : : اللهم ربنا لك الحمد".
(٢) فى الكلم الطيب "لك الحمد" وفى صحيح مسلم "ربنا لك الحمد" بدون "اللهم".
(٣) مسلم: كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع (٢٠٥/٤٧٧).
( ٢٨٨ )
قوله: "والمجد" أى: العظمة، ونهاية الشرف، يقال رجلٌ ماجدٌ منضال كثيرُ الخيرِ
شريفٌ ، والمجيد فعيل، منه للمبالغة ، ومنه سُمى الله بجيدا، أو ماجدا، أو المشهور من
الرواية "والمجد" قال القاضى عياض: ووقع فى روية ابن ماهان / ٢٠٦ / "أهل الثناء
والحمد" وله وجه، ولكن الصحيح المشهور الأول .
قوله: "أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد" هكذا هو فى مسلم وغيره "أحق" بالألف،
"و كلنا" بالواو ، وأما ما وقع فى كتب الفقه "حق ما قال العبد، كلنا لك عبد" بحذف
"الألف، والواو" فغير معروف من حيث الرواية، وإن كان كاملا صحيحا، وعلى
الرواية المعروفة تقديره : أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ، ولا معطى لما منعت .
وقوله: "وكلنا لك عبد" معترض بينهما، وتقديره: أحق قول العبد: لا مانع لما
أعطيت ، وكلنا لك عبد، فينبغى أن نقوله، وفائدة الاعتراض للاهتمام به، وارتباطه
بالكلام السابق، ونظيره من القرآن ﴿فَسُبْحَانَ اللهَ حِينَ تُمسُونَ﴾(١) الآية ، فإن قوله :
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ اعترض بين قوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَعَشِيًّا﴾، فإن قلت : ما وجه
كون هذا أحق ما يقوله العبد ؟
قلت : لأن فيه التفويض إلى الله ، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته .
قوله: "ولا ينفع ذا الجد منك الجد"، أى: لا ينفع ذا الغنى منك غناه، وإنما ينفعه
العمل بطاعتك، أو معناه: لا يسلمه من عذابك غناه، والجد فى اللغة الحظ ، والسعادة،
والغنى، ومنه "تعالى جدك"(٢)، أى: علا جلالك، وعظمتك، ويجئ بمعنى أب الأب،
والجد بكسر الجيم، ضد الهزل من جَدَّ يَجِدُّ جدًّا بكسر العين فى المضارع، والفاء فى
المصدر ، وقد روى بعضهم بالكسر فى الحديث ، ومنهم الشيبانى ، وهو خلاف ما عرفه
٠٠
أهل النقل ، واستفيد من هذا الحديث فوائد :
(١) سورة الروم (١٨،١٧).
(٢) تقدم تحت الحديث رقم (٧٨) .
( ٢٨٩ )
الأولى : إن تعديل الأركان سنة .
والثانية: فيه دليل ظاهر على فضيلة هذا القول، فقد أخبر النبي ﴿ / ٢٠٧ / الذى
لا ينطق عن الهوى ، أن هذا أحق ما قاله العبد .
والثالثة: فيه دليل على أن الأفضل أن يقولها بعد رفع رأسه من الركوع، كما كان ◌ٌ
يقولها، ولكن أصحابنا حملوا نقل هذا على النافلة، وصلاة الليل، بل يؤتي بها فى
الفرائض أيضا عند الإمام أحمد - رحمه الله - لكن من الإمام، والمنفرد، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] ٩١ - وقال رفاعة (١): "كنا يَوْمًا نُصَلِّى وَرَاءَ رسول الله(٢) ﴿ّ،
فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبََّا وَلَكَ
الحَمْدُ ، حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ ، فَلَمَّ انْصَرَفَ قَالَ: مَنِ الْمُتَكُلِّمُ؟ قَالَ: أَنَا.
قَالَ: [ِلَقَدِْ(٣) رَأَيْتُ بِضْعَةَ وَثَلاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ" خرجه
البخارى(٤) .
أقول : رفاعة هذا ابن رافع بن مالك بن العجلان بن عمرو بن عامر بن زريق بن
عبد حارثة بن غضب بن حشم بن الخزرج الزرقى أبو معاذ، شهد بدرا مع النبى و﴿ هو
وأبوه، وكان أبوه نقيبا، روى له عن رسول الله وَ ﴿ أربعة وعشرون حديثا، روى له
البخارى ثلاثة أحاديث ، روى عنه : ابنه معاذ، ويحيى بن خلاد الزرقى، وعبد الله بن
شداد بن الهاد ، مات فى أول خلافة معاوية ، روى له الجماعة إلا مسلما(٥).
(١) فى الكلم الطيب "رفاعة بن رافع" .
(٢) فى الكلم الطيب "النبى" .
(٣) غير موجود فى الكلم الطيب .
(٤) البخارى: كتاب الأذان ، باب حدثنا معاذ بن فضالة (٧٩٩).
(٥) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٧٧٦/٢)، أسد الغابة (١٦٨٦/٢)، الإصابة (٢٦٦٦/٢).
( ٢٩٠ )
واعلم أن من ليس له اطلاع فى أسماء الرجال يشتبه عليه شىء كثير، فإن الشيخ - رحمه
الله - أطلق رفاعة هنا، ولم يبين من هو ؟ فربما يظنه الظان أنه رفاعة بن عبد المنذر
الأنصارى المدنى، أو رفاعة بن يَثْربى أبو رِمْثة البلوى، أو رفاعة بن / ٢٠٨ / عرابة
الجهنى المدنى ، وليس هؤلاء كلهم، بل رفاعة هنا ما ذكرته لك وهو رفاعة بن رافع
الزرقى .
قوله : "حمدا كثيرا" "حمدا" منصوب على أنه مفعول مطلق، و"كثيرا" صفته، و"طيبا"،
و "مبار كا" صفاته، ومعنى طيبا: خالصا .
قوله: "فلما انصرف"، أى النبى عليه السلام من الصلاة "قال: من المتكلم؟" أى: من
قائل: "ربنا ولك الحمد ... " إلى آخره؟.
قوله: "أنا" ، أى: قال الرجل: أنا يا رسول الله.
قوله: "قال"، أى: قال النبى { ل: "لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها" البضعة
بكسر الباء فى العدد، وقد تفتح، ما بين الثلاث إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى
العشرة، لأنه قطعة من العدد ، وقال الجوهرى : تقول : بضع سنين ، وبضعة عشر
رجلا ، فإذا جاوزت العشرة لا تقول : بضع وعشرون ، وهذا يخالف ما جاء فى
الحديث ، والبَضعة بالفتح: القطعة من اللحم، وفى الحديث: "بَضْعة منى"(١) أو وجه
تخصيص العدد بالمقدار المذكور مفوض إلى علم الله تعالى، وعلم رسوله عليه الصلاة
والسلام .
٠٠
(١) البخارى: كتاب فضائل الصحابة ، باب مناقب فاطمة عليها السلام (٣٧٦٧) ، مسلم : كتاب
فضائل الصحابة ، باب فضائل فاطمة بنت النبى عليها الصلاة والسلام (٩٣/٢٤٤٩ : ٩٦)،
ولفظ البخارى "فاطمة بضعة منى، فمن أغضبها أغضبنى" ولفظ مسلم مطول، وفيه قصة إرادة
على خطبة ابنة أبى جهل على فاطمة .
( ٢٩١ )
قوله : "يبتدرونها" من الابتدار، وهو السبق، ومعناه يستبقونها، أيهم يكتبها فى
الصحائف ، والضمير فى "يبتدرونها" وفى "يكتبها" للكلمات.
قوله: "أول" من الظروف، كما تقول: أبداً بهذا الفعل أول كل شىء، فحذف
المضاف إليه، وبنى "أول" على الضم، واستفيد من هذا الحديث فوائد، الأولى: إن
وظيفة الإمام التسميع، ووظيفة المقتدى التحميد، كما هو مذهب أبى حنيفة ، فلذلك
أخبر رسول الله ﴿ بثواب ذلك الرجل، حيث أتى بشىء فى محله .
٠٫
الثانية: إنه ينبغى / ٢٠٩ / المقتدى أن يقول: "ربنا لك الحمد" عقيب تسميع الإمام،
كما استفيد هذا من كلمة الفاء من قوله: "فقال الرجل" ، فإن الفاء للتعقيب .
الثالثة : إن قائل هذا القول يستحق حسنات أضعافا مضاعفة ، زيادة على ما يستحقه
بطريق العدل .
الرابعة : يدل هذا على كثرة الملائكة .
والخامسة : إنه يحتمل أن يكون هؤلاء الملائكة من الكرام الكاتبين ، ويحتمل أن يكون من
غيرهم، لأنه ورد أن مع كل مؤمن ملكان ، وقيل : ستون ، وقيل : مائة وستون .
والسادسة: إن الملائكة يُرَوْنَ كما يُرَى بنو آدم، لأنه قال - عليه الصلاة والسلام - :
"لقد رأيت" .
والسابعة: إن هذه الرؤية مخصوصة بالنبى ﴿، حيث رآهم رسول الله ﴿، ولم يرهم
غيره، وذلك معجزة له آ﴾ .
والثامنة: يدل على أن الكلام فى الصلاة حرام، حيث سأل رسول الله و 8 عن هذا
المتكلم بعد انصرافه من الصلاة، ولم يسأل وهو فى الصلاة .
( ٢٩٢ )
[قال شيخ الإسلام:] ٩٢ - وعن أبى هريرة، أن رسول الله ﴿ قال: "أَقْرَبُ ما يَكُون
العبد مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فأكثِرُوا الدُّعَاءَ"(١).
أقول: "أقرب ما يكون" مبتدأ حذف خبره لسد الحال، وهو قوله: "ساجد" مسده،
وهو مثل قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما ، إلا أن الحال ثمة مفرد، وهنا جملة مقرونة
بالواو ، وعلم من ذلك خطأ من زعم أن الواو فى قوله : "وهو ساجد" زائدة، لأنه خبر
قوله: "أقرب" ، واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على (٢) أن السجود أفضل من
القيام، وقال الإمام أحمد - ه - إن كثرتهما، أفضل من طول القيام على الصحيح،
ومذهب أبى حنيفة / ٢١٠ / أن طول القيام أفضل من كثرة الركوع والسجود، وبه
قال الشافعى ، لقوله عليه الصلاة والسلام فى "صحيح مسلم": "أفضل الصلاة طول
القنوت(٣) ومعناه القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر الركوع والسجود هو
التسبيح، والقرآن أفضل، لأن ما طول به أفضل، وقال بعضهم: كثرة الركوع
والسجود أفضل ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال إسحاق : أما بالنهار فكثرة الركوع
والسجود ، وأما بالليل فطول القيام، إلا أن يكون رجل له حزب بالليل يأتى عليه ،
فكثرة الركوع، والسجود فى هذا أحب إلى، لأنه يأتى على حزبه، قال الترمذى : وإنما
قال إسحاق هذا لأنه وصف صلاة النبى ﴿ بالليل، ووصف طول القيام، وأما بالنهار
فلم يوصف من صلاته من طول القيام ما وصف بالليل .
قوله: "أقرب ما يكون العبد من ربه" المراد من هذا القرب قرب الرحمة، ونحوها(٤).
(١) مسلم: كتاب الصلاة ، باب ما يقال فى الركوع والسجود (٢١٥/٤٨٢).
٠٠
(٢) فى الأصل "إلى" كذا .
(٣) مسلم: كتاب صلاة المسافرين ، باب أفضل الصلاة طول القنوت (١٦٤/٧٥٦) من حديث
جابر بن عبد الله .
(٤) بل القرب المراد قربا حقيقيا يليق بالله تعالى، ولا ينافى علوه، وانظر التعليق على الحديث رقم (٥١).
( ٢٩٣ )
فإن قلت: ما معنى كون العبد أقرب إلى الله حالة السجود من بين سائر أحواله. قلت :
لأن حاله يدل على غاية تذلل، واعتراف بعبودية نفسه، وربوبية ربه، فكانت مظنة
للإجابة، فلذلك أمر النبى وَ ل بإكثار الدعاء، والله أعلم.
[قال شيخ الإسلام:] ٩٣ - وعنه أن رسول الله وَ ◌ّ كان يقولُ فى سجودِهِ: "اللهمَّ
اغْفِرْ لى ذنِى كُلُّهُ، دِقْهُ وجِلَّهُ، وأَوَّلَهُ وَأَخِرَهُ، وعَلَِّيَتَهُ(١) وسِرَّهُ(٢)" .
أقول: أى: عن أبى هريرة - له -..
قوله: "دِقه" بكسر الدال ، أى: قليله .
قوله: "جلَّه" بكسر الجيم، أى كثيرة .
قوله: "دقه وجله ... " إلى آخره، تفصيل بعد إجمال، / ٢١١ / لأنه لما قال: "اغفر
لى ذنبى كله" تناول جميع ذنوبه مجملا، ثم فصله بقوله كذا وكذا، وفائدته أن التفصيل
بعد الإجمال أوقع، وفيه عِلْمَانٌ ، والعِلمان خیر من عِلم واحد .
[قال شيخ الإسلام: ] ٩٤ - وقالت عائشة: "افْتَقَدْتُ(٣) النبيِّ ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ،
فالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَى بَطْنٍ قَدَمَيْهِ، وهو فِى الَسْجِدِ، وهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وهو
يَقُولُ : اللهمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ،
لا أُخْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" خرجهن(٤) مسلم(٥) .
(١) فى "ج" "وعلانيه" ولعله خطأ مطبعى .
(٢) مسلم: كتاب الصلاة ، باب ما يقال فى الركوع والسجود (٢١٦/٤٨٣).
(٣) فى الكلم الطيب "فقدت"، وهى رواية أبى داود (٨٧٩).
(٤) فى الأصل : "خرجه" والتصويب من الشرح والكلم الطيب .
(٥) مسلم: كتاب الصلاة ، باب ما يقال فى الركوع والسجود (٢٢٢/٤٨٦).
( ٢٩٤ )
أقول: "افتقدت"، أى: طلبت، وفى رواية: "فقدت))(١).
قوله: "وهما منصوبتان"، أى : قدماه منصوبتان ، أرادت أنه ساجد ، وفى رواية
لمسلم، عن عائشة، قالت: "افتقدت النبى { / ذات ليلة، فتحسست، فإذا هو
راكع، أو ساجد، يقول: سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت"(٢).
قال الخطابي: "استعاذ رسول الله و لة بالله، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه،
وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط ضدان متقابلان ، وكذلك المعافاة والمؤاخذة
بالعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له استعاذ به منه لا غير، ومعنى ذلك الاستغفار
من التقصير فى بلوغ الواجب فى حق عبادته، والثناء عليه"(٣).
قوله: "أعوذ بك منك"، أى : أعوذ بك من سخطك، أو من عذابك .
قوله: "لا أحصى ثناء عليك" ، أى : لا أطيقه ، ولا أبلغه .
قوله: "أنت كما أثنيت على نفسك" اعتراف بالعجز عن تفصيل الثناء، وأنه لا يقدر
على بلوغ حقيقته، فكما أنه لا نهاية لصفاته / ٢١٢ / فكذلك لا نهاية للثناء عليه ،
لأن الثناء تابع للمثنى عليه ، فكل ثناء أثنى به عليه - وإن كثر، وطال، وبالغ فيه -
فقدر الله أعظم، وسلطانه أعز، وصفاته أكثر وأكبر، وفضله وإحسانه أوسع وأسبغ .
قوله: "خرجهن مسلم"، أى: خرج مسلم هذا الحديث الذى روته عائشة - رضى الله
عنها - والحديثين اللذين قبله هما (٤أبو هريرة قبله٤)، واستفيد من هذا الحديث فوائد،
ء
(١) أبو داود: كتاب الصلاة ، باب [فى] (كذا فى الأصل بين معقوفتين) الدعاء فى الركوع
والسجود (٨٧٩).
(٢) مسلم: كتاب الصلاة ، باب ما يقال فى الركوع والسجود (٢٢١/٤٨٥).
(٣) انظر معالم السنن (١٨٥/١) كتاب الصلاة ، باب فى الدعاء فى الركوع والسجود.
(٤) كذا فى الأصل والجادة: "وهما حديثا أبى هريرة".
( ٢٩٥ )
الأولى: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء وهو مذهب أبى حنيفة ، خلافا للشافعى ،
ومالك، وأحمد(١).
والثانية : فيه دليل على أن نصب القدمين فى السجود سنة .
والرابعة(٢): فيه دليل لأهل السنة فى جواز إضافة الشر إلى الله سبحانه كما يضاف إليه
الخير، لقوله : "أعوذ بك من سخطك، ومن عقوبتك" .
والخامسة: فيه دليل على أن الصلاة فى الظلام غير مكروهة.
[قال شيخ الإسلام: ] ٩٥ - وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "كان
رسول الله ﴿ يَقُولُ بينَ السَّجْدَتِينِ: اللهمَّ اغْفِرْ لِی وارْحَمْنِى ، واهْدِنِی واجْبُوْنِى،
وَعَافِنِی وارْزُقْنِی"(٣) .
أقول : هذا محمول أيضا على صلاة الليل النافلة، ألا ترى أن ابن عباس - رضى الله
عنهما - رواه فى حديث مبيته عند خالته ميمونة، وصلاة النبى ﴿ّ فى الليل؟ وفى
"سنن البيهقى": "وارفعنى" مكان "وعافنى" وفى رواية أبى داود: "وعافني".
قوله: "واجبرنى" من جبر العظم المكسور، لا من الجبر الذى هو القهر، فافهم.
(١) بهامش الأصل: "قوله: وأحمد" : ليس كما أطلق ، بل لا ينقض إلا إذا كان لشهوة على
الصحيح" اهـ.
(٢) كذا فى الأصل .
(٣) أبو داود: كتاب الصلاة، باب الدعاء بين السجدتين (٨٥٠)، الترمذى كتاب الصلاة، باب
ما يقول بين السجدتين (٢٨٥،٢٨٤) ابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة، باب ما يقول بين
السجدتين (٨٩٨)، والحاكم (٢٧١،٢٦٢/١) والبيهقى (١٢٢/٢) وغيرهم من طرق عن
زيد بن الحباب ، عن كامل أبى العلاء، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس به . وصححه الحاكم ووافقه الذهبى ، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح أبى داود"
وغيره .
( ٢٩٦ )
قوله: "وارزقنى" ترك المفعول / ٢١٣ / الثانى، ليدل على العموم.
[قال شيخ الإسلام:] ٩٦ - وفى حديث حذيفة - هو - "أنَّ رسول الله لنُ الثّ كان
يقولُ بينَ السَّجْدَتينِ: رَبِّ اغْفِرْ لِی، رَبِّ اغْفِرْ لِى" خرجهما أبو داود، وغيره (١).
أقول: أى: جاء فى حديث حذيفة فى صلاة النبى فى الليل، وقيامه الطويل
بالبقرة ، والنساء، وآل عمران ، وركوعه نحو قيامه، وسجوده نحو ذلك، قال: "وكان
يقول بين السجدتين : رب اغفر لى، رب اغفر لى، وجلس بقدر سجوده" .
قوله: "خرجهما أبو داود"، أى: خرج هذا الحديث الذى رواه حذيفة، والذى قبله،
رواه ابن عباس أبو داود ، والترمذى، والنسائى ، والبيهقى .
(١) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده (٨٧٤)،
والنسائى فى كتاب الافتتاح، باب ما يقول فى قيامه ذلك (٢٠٠/١)، وباب الدعاء بين
السجدتين (٢٣١/١)، وأحمد (٣٩٨/٥) من طرق عن شعبة، عن عمرو بن مرة ، عن أبى حمزة
مولى الأنصار، عن رجل من بني عبس عن حذيفة به. والرجل الذى أبهم هنا ذكره شعبة فى
رواية أبى داود الطيالسى (٤١٦) وأنه صلة بن زفر. وأخرجه ابن ماجه فى كتاب إقامة
الصلاة، باب ما يقول بين السجدتين من طريق العلاء بن المسيب، عن عمرو بن مرة ،
عن طلحة بن يزيد ، عن حذيفة . ح ومن طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن المستورد ،
عن صلة ، عن حذيفة به. وطلحة لم يسمع من حذيفة. وقد صححه الشيخ الألبانى
فى "الإرواء" (٣٣٥).
( ٢٩٧ )
١٥ - فصل فى الدعاء فى الصلاة بعد التشهد (١)
[قال شيخ الإسلام :]
أقول: لما فرغ عن بيان أذكار الركوع، والسجود، وعبر بهما ، شرع فى بيان الأدعية
بعد التشهد .
[قال شيخ الإسلام:] ٩٧ - قال أبو هريرة - رحمه - قال رسول الله { ل: "إِذَا فَرَغَ
أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، ومِنْ عَذَابٍ
جَهَنَّمَ(٢)، ومِنْ فَِْةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، ومِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ"(٣).
أقول: المحيا بمعنى الحياة، والممات بمعنى الموت، وفتنة الحياة التى تعرض للإنسان مدة
حياته من الافتتان بالدنيا ، والشهوات، والجهالات، وأشدها وأعظمها - والعياذ بالله -
أمر الخاتمة عند الموت، واختلفوا فى فتنة الموت ، قيل: فتنة القبر، وقيل: يحتمل أن يراد
به الفتنة عند الاحتضار، أضيف الفتنة إلى الموت لقربها منه .
فإن قلت: إذا كان المراد من / ٢١٤ / قوله: "وفتنة الممات" فتنة القبر يكون هذا
مكررا، لأن قوله: "من عذاب القبر" يدل على هذا.
قلت : لا تكْرَارَ، لأن العذاب يزيد على الفتنة، والفتنة سبب له، والسبب غير المسبب .
قوله : "المسيح الدجال" أما تسميته بالمسيح فلأن الخير مسح منه ، فهو مسيح الضلالة ،
وقيل(٤): "سمى به، لأن عينه الواحدة ممسوحة، ويقال: رجل ممسوح الوجه ومسيح،
وهو أن لا يبقى على أحدٍ شِقِىْ وجههِ عينٌ، ولا حاجبٌ إلا استوى، وقيل: لأنه يمسح
(١) فى الكلم الطيب "وبعد التشهد" .
(٢) فى "ج" و"هـ" : "من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر ... " .
(٣) البخارى: كتاب الجنائز ، باب التعوذ من عذاب القبر (١٣٧٧)، مسلم: كتاب المساجد،
باب ما يستعاذ منه فى الصلاة (١٢٨/٥٨٨).
(٤) انظر النهاية لابن الأثير (٣٢٦/٤-٣٢٧).
( ٢٩٨ )
الأرض ، أى: يقطعها، وقال أبو الهيثم: إنه مِسِّيحٌ على وزن سِكِّيتٌ، وأنه الذى مُسِحَ
خَلْقُهُ، أى: شُرِّهَ، فكأنه هرب من الالتباس بالمسيح ابن مريم - عليهما السلام -
ولا التباس، لأن عيسى - عليه السلام - إنما سمى مسيحا لأنه كان لا يمسح بيده المباركة
ذَا عَاهَةٍ إلا برأ، وقيل: لأنه كان أمسح الرِّجْلِ، لا أخمص له، وقيل: لأنه خرج من
بطن أمه ممسوحا بدهن، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: هو بالعبرانية مشيحا فَعُرِّب،
وأما تسميته بالدجال، فلأنه خداع، ملبس"(١).
والدجل: الخلط ويقال: الطلى والتغطية، ومنه البعير المدجل أى: المهْنُوءُ بالقطران،
ودجلة نهر بغداد ، سميت بذلك لأنها تغطى الأرض بمائها، وهذا المعنى أيضاً فى
الدجال، لأنه يغطى الأرض بكثرة أتباعه ، وقيل لأنه مطموس العين من قولهم : دحل
الأثر ، إذا عفى ودرس ، وقيل من دجل، أى : كذب والدجال : الكذاب
فإن قلت : ما الحكمة فى أمره بالتعوذ من هذه الأشياء؟ قلت : لعظم هذه النفس،
وفظاعة / ٢١٥ / شأنها وفخامة هولها، وهذا ظاهر بالضرورة . فإن قلت : فائدة أمره
- عليه الصلاة والسلام - بأن يتعوذوا من عذاب القبر، ومن عذاب جهنم، ومن فتنة
المحيا والممات ظاهرة، فما فائدة التعوذ من شر الدجال فى ذلك الوقت ، مع علمه
- عليه الصلاة والسلام - بأن الدجال متأخر عن ذلك الزمان بكثير؟ قلت : فائدته أن
ينتشر الخبر، ويشيع بين الأمة من جيل إلى جيل، وجماعة إلى جماعة بأنه كذاب، مبطل ،
مفترى ، ساع على وجه الأرض بالفساد ، ومموه ساحر ، حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره
عند خروجه، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أنه على الباطل، كما أخبر به رسول الله { 27،
واستفيد من هذا الحديث فوائد، الأولى : عرف أن التعوذ من هذه الأشياء فى الصلاة
مستحبةُ، لأن الأمر للاستحباب ، وعند البعض للوجوب ، منهم طاوس ، حتى أوجب
بعضهم إعادة الصلاة لفواته .
(١) إلى هنا انتهى النقل من النهاية .
( ٢٩٩ )