Indexed OCR Text

Pages 261-280

- ◌ّ - فلا يأتى المصلى بعد التكبير إلا بالثناء، وهو: "سبحانك اللهم" (٦) إلى
آخره سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا، أو غيره من الأذكار محمولة على النوافل
وصلاة التهجد .
[قال شيخ الإسلام:] ٧٧ - وعن جبير بن مطعم: "أَنَّه رَأَى رسول الله ◌َ﴿ يُصَلَّى
صَلاةٌ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحمدُ للهِ كَثِيرًا، وسُبحانَ اللهِ بُكْرَةَ وأَصِيلاً ثلاثاً ،
أَعوذُ باللهِ من الشيطان الرجيمِ من نَفْخِهِ، ونَفْئِهِ، وهَمْزِهِ" قال: "نَفْثُهُ" الشِّعْرُ.
"وَنَفْخُهُ" الكبرُ. "وَهَمْزُهُ"(٢) الموتةُ . خرجه أبو داود(٣).
أقول : أبو عدی جبیر بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف بن قصی القرشى المدنی ،
قدم على النبى ◌َ﴿ المدينة فى فداء أُسارى بدر وهو مشرك، ثم أسلم بعد ذلك قبل عام
خيبر. وقيل: أسلم يوم الفتح روى له عن رسول الله وَ ستون حديثا، اتفقا على ستة،
وانفرد البخاری بحدیث ، ومسلم بواحد، روى عنه ابناه: محمد ونافع، وسليمان بن
صرد، وسعيد بن المسيب، وسعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن
باباه المخزومى، وعبد الله بن أبى سليمان، وعبد الرحمن بن أذينة، ومحمد بن
طلحة بن يزيد بن ركانة. مات بالمدينة سنة أربع وخمسين. روى / ١٨٣ / له
الجماعة(٤).
(١) يأتى تخريجه برقم (٧٨) .
(٢) فى الكلم الطيب "نفخه: الكبر، ونفثه: الشعر ... ".
(٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة ، باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء (٧٦٤)، وابن ماجه
فى كتاب إقامة الصلاة، باب الاستعاذة فى الصلاة (٨٠٧) وأحمد (٨٥/٤) وغيرهم من طرق
عن شعبة ، عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزى ، عن نافع بن جبير بن مطعم ، عن أبيه به ، وذكر
له الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (٥٣/٢: ٥٩) من الشواهد ما يحسن به ، فانظره لزاما .
(٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣١٥/١)، أسد الغابة (٦٩٨/١)، الإصابة (١٠٩٣/١).
(٢٦٠ )

قوله: "رأى رسول الله آل﴾ يصلى صلاة قال: الله أكبر" إلى آخره. یعنی: كان يقول
بعد الشروع قبل القراءة : "الله أكبر كبيرًا ... ".
قوله: "كبيرا" بالباء الموحدة، منصوب بإضمار فعل، كأنه قال: أكبر كبيرا . وقيل:
منصوب على القطع من اسم الله تعالى .
قوله : "بكرة" أى : غدوة.
قوله: "وأصيلا" أى: عشيا، وهما منصوبان على الظرفية، والعامل فيهما "سبحان"
وهو كقوله : سبحوه بكرة وأصيلا . وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار
فيهما .
قوله: "من نفخه" بدل اشتمال من الشيطان، والنفخ كناية عما يوسوسه الشيطان
للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم فى نفسه، كالذى نفخ فيه، ولهذا قال عليه
الصلاة والسلام للذى رآه قد استطار غضبا: "نفخ فيه الشيطان" ولهذا فسر "النفخ" فى
الحديث بالكبر، وأما "النفث" فقد فسره بالشعر وإنما سمى النفث شعرا، لأنه كالنفس
ينفثه الإنسان من فيه كالرقية. قيل: إن كان هذا التفسير من متن الحديث فلا معدل
عنه ، وإن كان من قول بعض الرواة ، فلعله يراد منه السحر ، فإنه أشبه لما شهد له
التنزيل، قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرُ النَّفَافَاتِ فِى الْعُقَدِ﴾(١)، وأما الهمز فقد فسره
بالموتة وهى الجنون ، سماه همزا، لأنه جعل من النخس والغمز ، وكل شىء دفعته فقد
همزته . قيل أيضا : إن صح التفسير من المعن فلا معدل عنه، وإلا فالاً شبه أن همزه
ما يوسوس به، قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾(٢)
٠٠
وهمزاته / ١٨٤ / خطراته، التى يخطرها بقلب الإنسان ، وهى جمع الهمزة .
(١) سورة الفلق (٤) .
(٢) سورة المؤمنون (٩٧) .
( ٢٦١ )

{قال شيخ الإسلام:] ٧٨ - وعن عائشة(١) - رضى الله عنها -: "أَنَّ النبيَّ ◌ُ ﴿ّ كَان
إِذَا افْتَحَ الصَّلاَةَ قَال: سُبْحَانَكَ اللهِمُ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، ولا
إلهَ غَيْرُكَ" خرجه الأربعة(٢).
أقول : معنى السبحان قد مر مرة .
قوله: "وبحمدك" أى: أحمد بحمدك، أو تقديره: وبحمدك سبحتك، ووفقت لذلك.
قوله: "وتبارك" هو تفاعل من البركة، وهى الكثرة والاتساع، وتبارك أى بارك، مثل:
قائل وتقائل، إلا أن "فاعل" يتعدى، و"تفاعل" لا يتعدى، ومعناه: تعالى وتعظم،
وكثرت بركاته فى السموات والأرض، إذ به تقوم، وبه تستنزل الخيرات . وأَوَّلَهُ بعض
أهل التحقيق على أن باسمه وذكره تنال البركة والزيادة ، ونفى أن يتأول فى وصفه معنى
الزيادة ، لأنه ينبئ عن النقصان .
(١) فى "الكلم الطيب": "وعن عائشة وأبى سعيد وغيرهما" .
(٢) أخرجه الترمذى فى كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة (٢٤٣)، وابن ماجه فى
كتاب إقامة الصلاة، باب افتتاح الصلاة (٨٠٦)، والطحاوى (١١٧/١)، والدارقطنى
(٣٠١/١) والبيهقى (٣٤/٢) من طريق حارثة بن أبى الرجال، عن عمرة، عن عائشة به، وأعلّه
البيهقى بضعف حارثة، وأخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة ، باب من رأى الاستفتاح
بـ "سبحانك"، والدارقطنى (٢٩٩/١)، والحاكم (٢٣٥/١)، والبيهقى (٣٤/٢) من طريق
طلق بن غنام ، ثنا عبد السلام بن حرب الملائى، عن بديل بن ميسرة ، عن أبى الجوزاء، عن
عائشة به ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبى وقال: "على شرطهما". وقال الشيخ الألبانى فى
الإرواء (٥٠/٢) "وأظنه وهما من بعض النساخ" اهـ. وقال الحافظ ابن حجر فى "التلخيص"
(٢٤٤/١): "رجال إسناده ثقات، لكن فيه انقطاع" اهـ.
وأخرجه أبو داود (٧٧٥)، والترمذى (٢٤٢) والنسائى (١٣٣/٢)، وابن ماجه (٨٠٤) وغيرهم من طرق
عن جعفر بن سلیمان الضبعی، عن على بن علی الرفاعى ، عن أبی المتو کل الناجی عن أبى سعيد الخدری به،
وفيه زيادة، وقد بسط الكلام عليه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٣٤١) وصححه فانظره هناك .
( ٢٦٢ )

قوله: "وتعالى" أى: على وارتفع.
قوله : "جدك" أى: عظمتك. وقد سمعت بعض مشايخى من الثقات، أنه ينبغى أن تمد
"تعالى" مدا طويلا، حتى إذا قصر فى الصلاة تفسد صلاته(١).
قوله: "خرجه الأربعة" أى: الترمذى وأبو داود وابن ماجه والنسائى، وهؤلاء رووه من
رواية أبى سعيد الخدرى، وذكر صاحب "المصابيح" هذا الحديث وقال: ضعيف . قيل:
هذا الرمى بالضعف ليس بشىء، لأن هذا حديث حسن مشهور، أخذ به من الخلفاء
الراشدين عمر بن الخطاب والحديث مخرج فى كتاب مسلم عن عمر(٢)، وقد أخذ به
عبد الله بن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة ، وذهب إليه كثير من علماء التابعين ،
/ ١٨٥ / واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء لاستفتاح الصلاة، وأنى ينسب هذا
الحديث إلى الضعف وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث : كسفيان الثورى،
وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه . قال بعض شارحى "المصابيح": الظاهر أن لفظ
"ضعيف" فى "المصابيح" مَزِيدٌ من بعض الناس، ولن يكون من قبل المؤلف . فأراه أنا
دخل عليه الداخل من كتاب أبى عيسى ، لأنه روى هذا الحديث فى "جامعه"(٣) بإسناده
عن أبى سعيد الخدرى، مع زيادة على حديث عائشة، ولفظه فيه أنه قال: "كان
رسول الله وَ﴿ إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول : سبحانك اللهم وبحمدك،
وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول :
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه" ثم قال
أبو عیسی : کان یحیی بن سعید یتكلم فى على بن على .
٠٠
(١) قلت : ولا دليل عليه ، والله أعلم .
(٢) يأتى برقم (٧٩) .
(٢) (٢٤٢) .
( ٢٦٣)

قلت: وعلى بن على الرفاعى، وهو الراوى عن أبى المتوكل، عن أبى سعيد. ثم قال أبو عيسى:
"(١) وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث". ثم روى أبو عيسى بعد ذلك حديث عائشة (٢)،عن
الحسن بن عرفة ، عن أبى معاوية، عن حارثة بن أبى الرجال، عن عمرة، عن عائشة، ثم قال:
هذا حديث لا نعرفه [إلا] من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه".
وظن المؤلف أن هذا الكلام من أبى عيسى طعن فى معن هذا الحديث ، وليس الأمر على
ما ظن، فإن الذى ذكره أبو عيسى فى على الرفاعى فى إسناد حديث أبى سعيد لأ يكون
/ ١٨٦ / حجة على ضعف هذا الحديث ، لأن سياق حديث أبى سعيد غير سياق
حديث عائشة على ما بينا، ألا ترى أنه قال: "وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث" وأحمد
قد انتهى إليه حديث عائشة بإسناد موثوق به ، فَاتَّخِذَ به - كما ذكرنا - عن مذهبه ،
وأما ما ذكر الترمذى من أمر حارثة بن أبى الرجال، فإنه تكلم فى إسناد الحديث من
الوجه الذى ذكره، ولم يقل أن إسناده مدخول فيه من سائر الوجوه، مع أن الجرح
والتعديل يقع فى حق أقوام على وجه الاختلاف ، فربما ضُعِّفَ الراوى من قبل أحد
الأئمة ، وَوثَّقَ من آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث ، وأخذوا به،
ورواه أبو داود فى "جامعه"(٣) عن الحسين بن عيسى، عن طلق بن غنام، عن
عبد السلام بن حرب الملائى، عن بديل بن ميسرة ، عن أبى الجوزاء، عن عائشة . وهذا
إِسناد حسن، رجاله مرضيون ، فعلمنا أن أبا عيسى لم يرمٍ هذا الحديث بالضعف على
الإطلاق ، وإنما تكلم فى الإسناد الذى أورده. وقال البيهقى: "(٤) وأصح ما روى فيه عن
عمر بن الخطاب ، ثم رواه بإسناده عنه: "أنه كبر ثم قال: سبحانك" إلى آخره .
(١) جامع الترمذى (١١/٢).
(٢) (٢٤٣) قال: "حدثنا الحسن بن عرفة ويحيى بن موسى قالا : ... " .
(٢) كذا . وانظر سنن أبى داود (٧٧٦).
(٤) البيهقى (٣٤/٢).
( ٢٦٤ )

ودل أيضا على ما قلنا قول الشيخ "أخرجه الأربعة" وسكت ، ولم يقل ضعيف، أو ضعفه
فلان أو نحوه .
[قال شيخ الإسلام:] ٧٩ - وخرج مسلم عن عمر: "أنه كبر، ثم استفتح به"(١).
أقول: أى خرج مسلم هذا الحديث الذى رواه الأربعة من رواية عمر - ه - ، أنه
عليه الصلاة والسلام - كبر ثم استفتح به، أى بقوله : "سبحانك اللهم" إلى آخره،
وهذا يدل أيضا على / ١٨٧ / صحته وشهرته ، ولم يبق لقول القائل بالضعف على
الإطلاق وجه .
[قال شيخ الإسلام:] ٨٠ - وقال على بن أبى طالب: "كان رسول الله ﴿ إذا قَامَ إلى
الصَّلاَةِ قال: وَجَّهْتُ وَجْهِى للذِى فَطَرَ السمواتِ والأرضَ حَنِيفًا، وما أَنَا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ ومَمَاتِى للَّهِ رَبُ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَه وبذلكَ
أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المسْلِمِين، اللهم أنتَ الَلِكُ، لا إلهَ إلاَّ أنتَ، أنتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ،
ظَلَمْتُ نَفْسِى، واعترفْتُ بذنِى، فاغفرْ لِى ذُنُوبِى، حَيثُ لا(٢) يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ،
(١) مسلم: كتاب الصلاة ، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة (٥٢/٣٩٩) من طريق عبدة بن
أبي لبابة ، أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول "سبحانك ... " وقال المنذرى -
كما فى نصب الراية (٣٢٢/١) -: "وعبدة لا يعرف له سماع من عمر، وإنما سمع من ابنه
عبد الله، ويقال ، إنه رأى عمر رؤية" وقال صاحب "التنقيح": "أخرجه فى صحيحه لأنه سمعه
مع غيره" اهـ. وقال الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" (ص/٥٧) : "صحيح الإسناد بتخريج
غير مسلم ، وأما سنده هو فمنقطع" اهـ. قلت: وانظر طرق هذا الحديث والكلام عليه فى
"التنقيح" (٧٨٩/٢: ٧٩٥) وقد رجح العلماء وقفه على عمر بن الخطاب، وانظر الإرواء
(٣٤٠) .
(٢) فى "ج" وصحيح مسلم: "فاغفر لى ذنوبى جميعا، إنه لا ... " وفى "د": "فاغفر لى ذنوبى
جميعا ، فإنه لا ... " .
( ٢٦٥)

واهْدِنِى لأحسنِ الأخْلاَقِ، لا(١) يَهْدِنِى لُحُسْنِها(٢) إلا أنتَ، واصرفْ عَنِّى سَيْتَهَا ،
لا (٣) يَصرِفُ عَنِّى سَيْئَهَا إلا أنتَ، لَيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ فِى يَدَيْكَ، والشَّرُّ
لَيْسَ إِلَيْكَ(٤)، أَنَائِكَ وإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" خرجه
مسلم(٥) .
أقول: "وجهت وجهى" يعنى: أخلصت دينى وعملى. وقيل: قصدت بعبادتى "للذى
فطر السموات والأرض" يعنى : خلق السموات والأرض.
٠٫
قوله : "حنيفًا" يعنى: مستقيما مخلصاً، وهو حال من الضمير الذى فى: "وجهت".
وقيل معناه : مائلا إلى الدين الحق، وهو الإسلام. وأصل الحنف الميل، ويكون من الخير
والشر، وينصرف إلى ما تقتضيه القرينة .
وقال أبو عبيد(٦): "الحنيفى عند العرب من كان على دين إبراهيم".
قوله: "وما أنا من المشركين" بيان الحنيف، وإيضاح معناه. و"المشركون" يطلق على
کل کافر من عابد وثن وصنم، ويهودى، ونصرانى ، وموسى، ومرتد، وزنديق
وغيرهم .
سـ
(١) فى "د": إنه لا يهدنى".
(٢) فى الكلم الطيب وصحيح مسلم "لأحسنها" .
(٣) فى "د" : "إنه لا يصرف ... ".
(٤) وقع فى "ج" زيادة بعد قوله "والشر ليس إليك" وهى: "اعلم أن مذهب أهل الحق من المحدثين
والفقهاء ... " وقد ذكره المصنف فى الشرح عند شرحه لقوله: "والشر ليس إليك" والظاهر أنها
مقحمة ، ولم يُشَرْ إلى ذلك سوى وضعها بين قوسين ، والله أعلم .
(٥) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه
(٢٠١/٧٧١).
(٦) انظر شرح صحيح مسلم (٥٧/٦) تحت شرح حديث الباب .
( ٢٦٦ )

قوله: "إن صلاتي" / ١٨٨ / یعنی: عبادتى ونسکی. يعنى: تقربى كله. وقيل :
وذبحى، وجمع بين الصلاة والذبح، كما فى قوله: ﴿فَصَلٌ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾(١) وقيل:
صلاتى وحجى من مناسك الحج .
قوله: "ومحياى ومماتى" أى: وما آتيه فى حياتى، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح
"لله رب العالمين" خالصة لوجهه "لا شريك له وبذلك" من الإخلاص "أمرت" فى
الكتاب "وأنا من المسلمين" .
قوله: "ظلمت نفسى" بأن أوردتها موارد المعاصى. "واعترفت بذنبى" والاعتراف
بالذنب بمنزلة الرجوع منه، قدمه على سؤال المغفرة أدبا، قال آدم وحواء صلوات الله
عليهما وسلامه: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ﴾(٢).
قوله : "واهدنی" ای [
] (٣) ووفقنى "لأحسن الأخلاق" أى : لصوابها .
(٢) الأخلاق ، وهو قبيحها .
قوله : "واصرف عنی سیٹھا" أی [
قوله: "لبيك" من اللب بالمكان إذا قام به ولزمه. قال الخليل: وليست لغة فيه. وقال
الفراء : ومنه قولهم: لبيك، أى : أنا مقيم على طاعتك : ونصب على المصدر كقولك:
حمدا لله وشكرا. وقال الخليل: هو من قولهم: دار فلان بلبب دارى، أى : تحاذيها،
أى: أنا مواجهك بما تحب ، وإنما ثنى على معنى التأكيد، أى: إلبابًا بك بعد إلباب ،
وإقامة بعد إقامة ، أو مواجهة إليك بعد مواجهة .
١٠
(١) سورة الكوثر (٢) .
(٢) سورة الأعراف (٢٣) .
(٣) بياض فى الأصل قدر كلمة .
( ٢٦٧ )

قوله: "وسعديك" أى: إسعادا بعد إسعاد، والمعنى: ساعدت طاعتك يارب مساعدة
بعد مساعدة .
قوله: "والشر ليس إليك" "(١) اعلم أن مذهب أهل الحق من المحدثين والفقهاء
والمتكلمين / ١٨٩ / من الصحابة والتابعين، ومَن بعدهم من علماء المسلمين،
أن جميع الكائنات خيرها وشرها، نفعها وضرها، كلها من الله سبحانه وتعالى،
وبإرادته وتقديره، وإذا ثبت هذا فلابد من تأويل هذا الحديث ، فذكر العلماء فيه أجوبة ،
أحدها وهو أشهرها، قاله النضر بن شميل والأئمة بعده : معناه : والشر لا يتقرب به
إليك .
والثانى : لا يصعد إليك، إنما يصعد الكلم الطيب .
والثالث : لا يضاف إليك أدبا، فلا يقال: يا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما
لا يقال : يا خالق الخنازير ، وإن كان خالقها .
والرابع : ليس شرا بالنسبة إلى حكمتك ، فإنك لا تخلق شيئا عبثا .
قوله : "أنا بك وإليك" أى: بك أستجير، وإليك ألتجئ، وبك أحيا وأموت، وإليك
المرجع والمصير، أو أنا قائم بك، لأن جميع الموجودات الممكنة قائمة بك ، بوجوده
الواجب ، وراغب إليك، ونحو ذلك من التقديرات .
قوله: "تباركت" أى : استحققت الثناء . وقيل: ثبت الخير عندك.
قوله: "وتعاليت" أى: تعظمت عن مُتَوَهم الأوهام، ومتصور الأفهام.
(١) انظر شرح صحيح مسلم (٥٩/٦).
( ٢٦٨ )

[وقال شيخ الإسلام:] "إن هذا كان فى صلاة الليل" (١).
أقول : هذا قول الشيخ - رحمه الله - ، بأنه قد قيل: إن هذا الدعاء وقراءته كان فى
صلاة الليل النافلة ، وهو مذهب أبى حنيفة ، والمخصوص بالفرائض ما ورد من حديث
"سبحانك اللهم" إلى آخره، وقد ذكرناه .
[قال شيخ الإسلام:] ومما جاء فى صلاة الليل: ٨١ - حديث عائشة قالت: "كان
النبيُّ ◌َّ يَفْتِحُ صَلَهُ إذا قَامَ منَ الليلِ: اللهمِ رَبَّ جِبريلَ ومِيكَائِيلَ وَإِسْرَائِيلَ، فَاطَرَ
السَّمَواتِ والأَرْضِ، عالِمَ الغيبِ وَالشَّهَادَةِ، أنتَ تحكُمُ / ١٩٠ / بينَ عِبَادِكَ فيما
كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فيه منَ الَحَقُّ ◌ِإذْنِكَ، إنكَ تَهْدِى من تَشَاءُ إلى
صراطٍ مُسْتقيمٍ" خرجه مسلم (٢).
أقول: ومما جاء من الأدعية فى صلاة الليل النافلة حديث عائشة إلى
آخره .
قولة : "رب جبريل" "(٣)إنما خصص هؤلاء الملائكة بالذکر من بين سائر المخلوقات كما
جاء فى القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة ، وكبير الشأن ، دون
ما يستحقر ويستصغر فيقال له : سبحانه رب السموات والأرض، ورب العرش
(١) قال الشيخ الألبانى فى تحقيقه للكلم الطيب: "ليس فى شىء من طرق هذا الحديث تقييده بصلاة
الليل ، والذى وقفت عليه فيما اطلعت من طرقه لفظان: أحدهما كما فى رواية مسلم هذه
"الصلاة" مطلق غير مقيد، والآخر بلفظ "الصلاة المكتوبة" عند الدارقطنى بسند صحيح على
شرط مسلم، والترمذى وصححه ، فلا يعتد بعد هذا بقول الحافظ فى "بلوغ المرام": "وفى رواية
لمسلم أن ذلك كان فى صلاة الليل"، وإن تابعه الصنعانى، ثم الشوكانى، فإنما ذلك من زلات
العلماء" .
(٢) مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه (٢٠٠/٧٧٠).
(٣) انظر شرح صحيح مسلم (٥٧/٦).
( ٢٦٩ )

الكريم، ورب الملائكة والروح، ورب المشرقين ورب المغربين، ورب الناس ورب
العالمين، ورب كل شىء، فاطر السموات والأرض، خالق السموات والأرض،
وكل ذلك وشبهه وصف له سبحانه وتعالى بدلائله العظيمة ، وعظيم القدرة والملك،
ولم يستعمل ذلك فيما يحتقر ويستصغر. فلا يقال: رب الحشرات، وخالق القردة
والخنازير، وشبه ذلك على الإفراد، وإنما يقال: خالق المخلوقات، وخالق كل شىء،
وحينئذ تدخل هذه فى العموم"(١).
ومعنى "جبريل" عبد الله، لأن "جبر" معرب "كبر" وهو العبد، و"ائيل" هو الله،
وهو ملك متوسط بين الله ورسله، وهو أمين الوحى، وكذلك "ميكائيل"
معناه عبد الله، قيل: إنما خص هذه الملائكة تشريفاً لهم، إذ بهم ينتظم هذا
الوجود .
قوله : "فاطر السموات" أى : خالقها.
قوله : "عالم الغيب والشهادة" أى: ما غاب عن العباد وما شاهدوه ، وقد تكررت هذه
الألفاظ بتفسيرها .
قوله: "أهدنى لما اختلف فيه من الحق" معناه: ثبتنى عليه، كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا
الصَّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾(٢).
/ ١٩١ / قوله: "من الحق" بيان لما فى قوله: "لما اختلف".
قوله : "یاذنك" أى : بتيسيرك وفضلك .
قوله: "إلى صراط مستقيم" أى : طريق الحق والصواب.
(١) إلى هنا انتهى النقل من شرح صحيح مسلم .
(٢) سورة الفاتحة (٦) .
( ٢٧٠

[قال شيخ الإسلام:] ٨٢ - عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: "كان رسول الله
﴿ إِذا قَامَ إلى الصَّلاَةِ من جَوْفِ الليلِ يَقُولُ(١): اللهم لَكَ الحمدُ، أنتَ نُورُ
السماواتِ والأرضِ ومن فِيهِنَّ، وَلَكَ الحمدُ ، أنتَ قَيَّامُ السمواتِ والأرضِ ومن
فِيهِنَّ، وَلَكَ الحمدُ، أنتَ رَبُّ السمواتِ والأرضِ ومن فِيهِنَّ، أَنتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ
الحَقُّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ ، والجَنَّةُ حَقٌّ ، والنَّارُ حَقٌ، والنَُّّونَ حَقٌّ، ومحمدٌ
حقٌّ، والسَّاعَةُ [حَقٌّ]. اللهمَّ لكَ أسْلمتُ وبِكَ آمنتُ وعليك توكلتُ وإليك أنبتُ
وبك خَاصَمْتُ ، وإليكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِى ما قَدَّمْتُ وما أَخْرْتُ، وما أَسْرَرْتُ،
وما أَعْلَنْتُ. أَنتَ إِلِى، لا إلهَ إلا أنتَ" متفق عليه(٢).
أقول : أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشى الهاشمى المكى، ابن عم
رسول الله وَ ل، دعا له النبى و﴿ بالحكمة مرتين. ولد فى الشِّعب قبل الهجرة بثلاث
سنين، ومات النبى ◌ُّ وهو ابن ثلاث عشرة سنة. روى له عن رسول الله ﴿ ألف
حديث وستمائة حديث وستون حديثا ، اتفقا على خمسة وتسعين ، وانفرد البخارى بمائة
وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين. روى عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وأنس بن
مالك، وأبو الطفيل عامر بن واثلة ، وثعلبة بن الحكم، وأبو أمامة بن سهل بن حنيف،
وأخوه كثير بن العباس، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة ، وسعيد بن المسيب ، وأبو سلمة
/ ١٩٢ / ابن عبد الرحمن، وكريب، وعكرمة، وشعبة، ونافذ أبو معبد مواليه،
وطاوس بن كيسان ، وابنه على بن عبد الله بن عباس ، وابن أخيه عبد الله بن معبد بن
عباس، وعلى بن الحسين بن على بن أبى طالب، وطلحة بن عبد الله بن عوف،
(١) فى "الكلم الطيب": "كان رسول الله وَثّ يقول ... ".
(٢) البخارى: كتاب التهجد، باب التهجد بالليل .... (١١٢٠) وعنده "قيم السموات" بدل
"قَيَّام" ، مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه
(١٩٩/٧٦٩).
( ٢٧١ )

وسعيد بن جبير وغيرهم. مات بالطائف سنة ثمان وستين، وهو ابن إحدى وسبعين .
وقيل : ابن اثنين وسبعين . روى له الجماعة(١).
قوله: "أنت نور السموات والأرض" معناه: أن كل شىء استنار منها واستضاء
فبقدرتك ، والأجرام النيرة بدائع فطرتك ، والحواس والعقل خلقك وعطيتك. وأضاف
النور إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه ، وفشوا ضياءته ، وعلى هذا فسر
قوله تعالى: ﴿أللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(٢). وقيل: أهل السموات والأرض،
أى: يستضيؤن به، ويستغنى عن هذا التأويل بقوله: "ومن فيهن" وقد فسر كثير من
العلماء النور فى أسمائه بـ: "المُنَوِّر" وجَدُّوا فى الهرب عن إطلاق هذا الاسم على الله إلا
من هذا الوجه . وقالوا: إن النور تضاده الظلمة وتعاقبه، فتعالى الله أن يكون له ضد وندٌّ .
وقال بعضهم: معنى "النور" : الهادى. وفى هذا نظر، لأن إضافة الهداية إلى السموات
والأرض لا يكاد يستقيم إلا أن يقدر محذوف، ولا وجه له هاهنا، لأن فى الحديث :
"ومن فيهن" وإذا قيل: هادى أهل السموات وأهل الأرض ومن فيهن ، جعل العطف
والمعطوف شيئا واحدا، وهذا لا يجوز، وقد ثبت أن الله تعالى سمى نفسه: "النور"
بالكتاب والسنة،(٣) وقد ورد فى الكتاب على صيغة الإضافة، وفى / ١٩٣ / الحديث
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٦٠٦/٣)، أسد الغابة (٣٠٣٥/٣)، الإصابة (٤٧٨٤/٤).
(٢) سورة النور (٣٥) .
(٣) ورد أن من أسماء الله -عز وجل - "النور" فى حديث سرد الأسماء، الذى رواه الترمذى
(٣٥٠٧)، وابن حبان (٨٠٨/٣)، والحاكم (١٦/١)، والبغوى فى شرح السنة (١٢٥٧)،
والخطابى فى شأن الدعاء (ص/٩٨) والزجاج فى تفسير أسماء الله الحسنى (ص/٢١)، ورواه ابن
ماجه (٣٧٦١) بنحوه ، وقد اختلف الأئمة فى تصحيحه ، فمنهم من صححه كابن حبان وابن
خزيمة والحاكم وغيرهم، ومنهم من ضعفه كشيخ الإسلام ابن تيمية فى مجموع الفتاوى
(٣٨٢/٦) وابن كثير فى "تفسيره" (٢٦٩/٢)، فمن أخذ بصحته أثبت أن من أسماء الله تعالى
"النور" ومن قال بضعفه نفى أن يكون من أسماء الله تعالى "النور" والله أعلم.
( ٢٧٢ )

الصحيح الذى رواه أبو ذر من غير إضافة، وذلك قوله: "نور أنى أراه" حين سأله
أبو ذر: "هل رأيت ربك؟"(١) وقد أحصى أهل الإسلام "النور" فى جملة الأسماء الحسنى،
وقد عرفنا من أصول الدين أن حقيقة ذلك ومعناه يختص بالله سبحانه، ولا يجوز أن
يفسر بالمعانى المشتركة، وصح لنا إطلاقه على الله بالتوقيف، ونقول فى بيان ما أشير إليه
إن الله تعالى سمى القمر نورا، وسمى النبى نورا، وهما مخلوقان ، وبينهما مباينة ظاهرة فى
المعنى ، فتسمية القمر بالنور للضوء المنتشر منه فى الأبصار، وتسمية النبى ﴿ به
للدلالات الواضحة، التى لاَحَتْ منه للبصائر، وسمى القرآن نوراً لمعانيهِ ، التى تخرج
الناس عن ظلمات الكفر والجهالة ، وسمى نفسه نورا لما اختص به من إشراق الجلال،
وسبحات العظمة ، التى تضمحل الأنوار دونها ، وهذا الاسم على هذا المعنى لا استحقاق
فيه لغيره، بل هو المستحق له، المدعو به ﴿وَلِلَّهِ اْلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوُهُ بِهَا﴾﴾(٢) .
قوله: "أنت قيام السموات" وفى رواية: "أنت قيم السموات)"(٣) أى: الذى يقوم
بحفظها ومراعاتها، وحفظ من أحاطت به، واشتملت عليه ، يؤتى كل شئ ما به قوامه ،
ويقوم على كل شئ من خلقه بما يراه من تدبيره .
قوله: "أنت رب السموات والأرض" أى: أنت مالك السموات والأرض "ومن
فيهن" والرب يجئ بمعنى المالك والسيد والمطاع والمصلح. قيل: إذا كان بمعنى السيد
المطاع يشترط المربوب أن يكون ممن يعقل، وإليه أشار الخطابى / ١٩٤ / بقوله :
"لا يصح أن يقال سيد الجبال والشجر" . قال القاضى عياض: هذا الشرط فاسد ، لأن
الجميع مطيع له ، قال الله تعالى: ﴿قَالَتَاَ أَيْنَا طَائِعِينَ﴾(٤).
(١) مسلم: كتاب الإيمان، باب فى قوله عليه السلام: "نور أنى أراه" ... (٢٩٢،٢٩١/١٧٨).
(٢) سورة الأعراف (١٨٠).
(٣) البخارى (١١٢٠)، مسلم (١٩٩/٧٦٩ مكرر).
(٤) سورة فصلت (١١).
( ٢٧٣)

قوله: "أنت الحق" "الحق" اسم من أسماء الله تعالى، ومعناه: الموجود حقيقة، المتحقق
وجوده وإلاهيته .
قوله: "ووعدك الحق" أى: الثابت غير الباطل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ
الِيعَادَ﴾(١) .
قوله: "وقولك الحق" أى: غیر کذب، بل هو صادق حقا وجزما.
٠٤
قوله: "ولقاؤك حق" أى واقع كائن لا محالة، والمراد من لقاء الله المصير إلى الدار
الآخرة . وقيل: المراد به الموت ، وهذا القول باطل فى هذا الموضع، والصواب البعث،
وهو الذى يقتضيه سياق الكلام وما بعده، وهو الذى يرد به على الملحد، لا بالموت،
كذا قال الشيخ محيى الدين فى شرح" مسلم"(٢) ولكن يمكن أن يفسر اللقاء بالموت،
ويرد على الملحد أيضا بقوله: "والساعة حق" .
قوله : "والجنة حق" أى: موجود مُعَدٌّ للمؤمنين.
قوله: "والنار حق"ّ موجود مُعَدٌّ للكافرين.
قوله: "والنبيون حق" أى: حق فى أنهم من أنهم من عند الله، وأنهم أنبياء الله
وعبيده .
قوله: "ومحمد حق" أى: حَقٌّ نبوتهُ ورسالتهُ، ولأنه عبد الله ورسوله إلى العرب
والعجم، وإنما أُفرد نفسه بالذ کر وإن کان داخلا فى النبیین ، تنبيها على شرفه وفضله ،
وأنه فى الفضل يقاوم الجميع .
قوله : "والساعة حق" أى واقع كائن لا محالة، والمراد من الساعة هو الحشر والنشر.
(١) سورة آل عمران (٩) .
(٢) انظر " شرح صحيح مسلم" (٥٥/٦) تحت شرح حديث الباب .
( ٢٧٤ )

قوله : "اللهم لك أسلمت" أى: انقَدتُّ وأطعت .
قوله: "وبك آمنت" أى: صدقت بك / ١٩٥ / وبكل ما أخبرت وأمرت ونهيت ،
قال الشيخ محيى الدين فى شرحه لمسلم (١). "فيه إشارة إلى الفرق بين الإيمان والإسلام؛
ويجاب بأن المراد من الإيمان والإسلام هنا معناهما اللغوى لا الشرعى، ولا نزاع لأحد أن
بينهما فرقا من حيث اللغة ، ولكن الخلاف هل بينما فرق من حيث الشرع أم لا؟ كما
عُرف فى موضعه" .
قوله : "وعليك توكلت" أى : فوضت أمري إليك .
قوله: "وإليك أنبت" أى: أقبلت بهمتى وطاعتى، وأعرضت عما سواك.
قوله: "وبك خاصمت" أى: بك أحتج وأدافع، وأقاتل من عاند فيك، وكفر بك،
وقمعته بالحجة وبالسيف .
قوله : "وإليك حاكمت" أى: رفعت محاكمتى إليك فى كل من جحد الحق، وجعلتك
الحكم بينى وبينه ، لا غيرك مما كانت تحاكم إليه الجاهلية وغيرهم، من صنم وكاهن ونار
وشيطان وغيرها ، فلا أرضى إلا بحكمك، ولا أعتمد على غيره .
قوله: "فاغفر لى ما قدمت" أى : من الذنوب .
قوله: "وما أخرت" أى: من الأعمال، قال الله تعالى: ﴿يُنَبَّقُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ
وَأَخْرَ﴾(٢). وما أسررت بها، وما أعلنت منها. فإن قلت: النبى -عليه الصلاة والسلام-
مغفور له ومعصوم عن الذنوب، فما وجه هذا القول؟ قلت: هذا تواضع من النبى مض ﴿ ،
وهضم النفس، أو هو عَدَّ على نفسه فوات الكمال من الذنوب، فكل ما وقع فى أدعية
(١) فى الأصل : "للمسلم" خطأ .
(٢) سورة القيامة (١٣).
( ٢٧٥ )

الرسول من هذا القبيل ، فالجواب فيه هذا، ويجوز أن يكون هذا تعليما لأمته، وإرشاداً
إلى طريق الدعاء، لأنهم غير معصومين، / ١٩٦ / مبتلون بالذنوب، والتقصير فى
الطاعة . واستفيد من هذا الحديث فوائد :
الأولى : جواز إطلاق اسم "النور" على الله تعالى .
والثانية : فيه رد على من ينكر الحشر .
والثالثة: فيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان، وفيه رد على من أنكر وجودهما.
والرابعة: فيه دليل على نبوة محمد # رداً على بعض الكفرة.
( ٢٧٦ )

[قال شيخ الإسلام :]
١٤ - فصل فى دعاء الركوع، والقيام منه، والسجود،
والجلوس بين السجدتين
أقول: هذا الفصل فى بيان دعاء الركوع، ودعاء القيام فيه، أى : فى الركوع، ودعاء
السجود ، ودعاء الجلوس بين السجدتين .
[قال شيخ الإسلام:] ٨٣ - عن حذيفة، "أنه سمع النبى وَ لّ يقول إذاَ ركَعَ سُبْحَان
رَبِّى العظيم ثلاثَ مراتٍ، وإذا سجَدَ(١): سُبحانَ ربى الأعلى ثلاثَ مراتٍ* خرجه
الأربعة(٢).
أقول: حذيفة بن اليمان وقد مر ذكره . وتمسك الإمام أبو حنيفة- اته - بهذا، وجعل
السنة للمصلى أن يقول فى ركوعه : سبحان ربى العظيم ثلاثا ، وإذا سجد يقول :
سبحان ربي الأعلى ثلاثاً .
(١) فى " الكلم الطيب" : وإذا سحد قال".
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده (٨٧١) ،
والترمذى فى كتاب الصلاة ، باب ما جاء فى التسبيح فى الركوع والسجود (٢٦٣،٢٦٢)،
والنسائى فى كتاب الافتتاح، باب الذكر فى الركوع (١٩٠/١)، وباب نوع آخر (٢٢٤/١)
وأحمد (٣٨٢/٥، ٣٩٤،٣٨٤) وغيرهم من طريق الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن
المستورد ، عن صله، عن حذيفة به، وليس عندهم التقييد بثلاث مرات، إلا عند النسائى فى
الموطن الثانى ففيه : "يقول فى ركوعه: سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربى
العظيم ... " ومثله فى السجود. وصححه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٣٣٣). وأخرجه
ابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة ، باب التسبيح فى الركوع والسجود (٨٨٨) من طريق ابن
لهيعة ، عن عبيد الله بن أبى جعفر، عن أبى الأزهر، عن حذيفة به، مقيد بثلاث مرات. وابن
لهيعة ضعيف ، وأبو الأزهر مجهول ، ولكن هذه الزيادة شواهد كثيرة عن جماعة من الصحابة ، عن
النبى وَّ فعلا وقولا، قاله الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (٣٣٣) بعد أن صححها .
( ٢٧٧ )

وروى عن عقبة بن عامر أنه قال: "لما نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْم رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾(١) قال
رسول الله: اجعلوها فى ركوعكم. فلما نزلت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ اْلأَعْلَى﴾(٢)
قال :اجعلوها فى سجود کم" رواه أبو دواد(٣).
وفى كتاب السنن أن النبى وَلّ قال: "وإذا سجد أحدكم فليقل: سبحان ربى الأعلى
ثلاثا ، وذلك أدناه"(٤). وفيه أنه عليه السلام قال: "إذا قال أحدكم: سبحان ربى
(١) سورة الواقعة (٧٤) .
(٢) سورة الأعلى (١).
(٣) أخرجه أبوداود فى كتاب الصلاة ، باب ما يقول الرجل فى ركوعه وسجوده (٨٦٩)،
وابن ماجه فى كتاب إقامة الصلاة ، باب التسبيح فى الركوع والسجود (٨٨٧)، وأحمد
(١٥٥/٤) وغيرهم من طرق عن موسى بن أيوب الغافقى قال: سمعت عمى إياس بن عامر
يقول: سمعت عقبة بن عامر يقول فذكره. وقال الحاكم (٢٢٥/١): صحيح الإسناد ، وقد اتفقا
على الاحتجاج برواته غير إياس بن عامر ، وهو عم موسى بن أيوب القاضى (كذا)، و[هو]
مستقيم الإسناد ... "، ورده الذهبى بقوله "إياس ليس بالمعروف"، وأخرجه الحاكم (٤٧٧/٢)
وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبى ؟ !! وقال الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (٤١/٢) بعد أن
ضعفه : "الذى يقتضيه علم المصطلح أنه (أى إياس بن عامر) غير معروف ، لأنه لم يرو عنه غير
ابن أخيه موسى بن أيوب ... " اهـ وأخرجه أبو داود (٨٧٠) وعنه البيهقى (٨٦/٢) من طريق
الليث بن سعد ، عن أيوب بن موسى أو موسى بن أيوب ، عن رجل من قومه ، عن عقبه بمعناه
وزاد قال: فكان رسول الله صَلّ إذا ركع قال: سبحان ربى العظيم وبحمده ثلاثا، وإذا سجد
قال: سبحان ربى الأعلى وبحمده ثلاثا" . قال أبوداود: وهذه الزيادة يخاف أن لا تكون
محفوظة اهـ. والله أعلم .
(٤) أبوداود : كتاب الصلاة ، باب مقدار الركوع والسجود (٨٨٦)، الترمذى: كتاب الصلاة ،
باب ما جاء التسبيح فى الركوع والسجود (٢٦١) ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب
التسبيح فى الركوع والسجود (٨٩٠) من طريق ابن أبى ذئب ، عن إسحاق بن يزيد الهذلى ، عن
عون بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، عن ابن مسعود به ، وقال الترمذى : "حديث ابن مسعود
( ٢٧٨ )

العظيم / ١٩٧ / ثلاثا، فقد تم ركوعه"(١). وهذا هو السنة عندنا فى الركوع
والسجود، وما روى غير ذلك من الأدعية فمحمول على أنه جاء فى صلاة الليل النافلة،
ثم الإتيان بهذه الأدعية سنة عندنا وعند جماهير العلماء حتى لو تركه عمدا أو سهوا
لا تبطل صلاته ، ولا يسجد للسهو ، ولكن لو تركه عامدا يكون تاركا للسنة، وذهب
الإمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب . وعند ابن أبى مطيع : فرض .
قوله: "خرجه الأربعة" أى: أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه.
[قال شيخ الإسلام:] ٨٤ - وفى حديث على - رؤيته - عن صلاة رسول الله صل:
"وَإِذا رَكَعَ يَقُولُ فى ركوعِهِ : اللهم لَكَ رِكَعتُ، وبك أَمنتُ ، وَلَكَ أَسلمتُ، خَشَعَ
لكَ سَمْعِى، وبَصَرِى، ومُخِّى، وعَظْمِى، وعَصَبِى. وإذا رَفَعَ رأسَهُ من الركوع
يَقولُ: سَمِع الله لمن حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الحمْدُ مِلْء السمواتِ والأرضِ وما بينهما (٢)،
ومِلْءَ ما شِئْتَ من شئٍ بعدُ. وإذا سَجَدَ يقولُ فى سجودِهِ : اللهم لَكَ سجدتُ، وبك
أَمنتُ، ولك أسلمتُ، سَجَدَ وَجْهِى للذى خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ، وشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ،
تَبَارَكَ الله أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ" خرجه مسلم. (٢)
أقول: أى: جاء فى حديث رواه على - رَُّه - عن صلاة رسول الله ◌ُ له .
قوله: "لك ركعت" تأخير الفعل للاختصاص. والركوع هو الميلان والخرور، يقال:
ركعت النخلة إذا مالت . وقد يذكر ويراد به الصلاة .
- ليسٍ إسناده بمتصل، عون بن عبد الله بن عتبة لم يلق ابن مسعود" اهـ. وضعفه الشيخ
الألبانی فی "ضعيف الجامع" (٥٢٥) وغيره .
(١) انظر الحديث السابق ، فهو طرف منه .
(٢) فى "ج" و"هـ": "ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما".
(٣) مسلم: كتاب صلاة المسافرين ، باب الدعاء فى صلاة الليل وقيامه (٢٠١/٧٧١).
( ٢٧٩ )