Indexed OCR Text
Pages 241-260
قوله : "إذا سمعتم النداء" أى الأذان. "فقولوا مثل ما يقول المؤذن" وهذا الحديث عام مخصوص بحديث عمر - ◌َته - والمراد منه أن نقول مثل ما قال غير الحيعلتين ، فإنه يقول فى قوله : "حى على الصلاة، حى على الفلاح" / ١٦٨ /: "لا حول ولا قوة إلا بالله" كما هو المفسر فى الحديث الذى رواه مسلم فى "صحيحه" على ما يجئ الآن(١)، ويقول فى قوله: "الصلاة خير من النوم": "صدقت وبررت(٢)". وإنما منع أن يقول مثل ما قال فى الحيعلتين ، لأنه يشبه المحاكاة والاستهزاء . [قال شيخ الإسلام:] ٦٨ - وخرج مسلم عن عبدالله بن عمرو - رضى الله عنهما - ، أنه سمع النبيَّ ◌َ﴿ يقولُ: "إذا سَمِعْتُم المؤذِّنَ فَقُولُوا مِثلَ ما يقولُ، ثم صَلُّوا عَلَىَّ، فإنه من صَلَّى عَلَىَّ صَلَةً صَلَّى الله عليه بِهَا عَشْرًا، ثم سَلُوا اللهَ لِىَ الوَسِيلَةَ، فإنها مَنْزِلَةٌ فى الجَنَّةِ، لا تَنْبَغِى(٣) إِلا لَعبد من عِبادِ اللهِ، وأَرْجُو أن أَكُونَ أَنَا هو، فمن سَأَلَ لِىَ الوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ"(٤). أقول : "أنه" أى: عبد الله بن عمرو بن العاص. قوله : "ثم صلوا على" أى: بعد الفراغ من إجابة المؤذن صلوا على، وإنما أمر بالصلاة عليه عقيب الإجابة ، لأن الإجابة دعاء وثناء، ولا يقبل الدعاء إلا (١) يأتى تخريجه عند الحديث رقم (٧٢) . (٢) قال الحافظ ابن حجر فى "التلخيص الجبير" (٢٢٢/١) باب الأذان: لا أصل له. وقال على القارى فى "الأسرار المرفوعة" (ص - ٢٣٠، رقم ٢٥٩): استحبه الشافعى. قال الدميرى : وادعى ابن الرفعة أن خبراً ورد فيه [يعنى هذا الخبر] ولا يعرف من قاله . (٣) فى الأصل: "ينبغى" وما أثبتناه من "صحيح مسلم" والكلم الطيب . (٤) مسلم: كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن ... (١١/٣٨٤). ( ٢٤٠ ) بالصلاة عليه، لقوله - عليه الصلاة والسلام - : "الدعوة محجوبة مالم يُصَلَّ على"(١) . قوله : "فإنه" أى: فإن الشأن أن من صلى على صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا، كما روى فى كتاب النسائى أنه قال: "من صلى على صلاة صلى الله عليه عشرا ، وحطت عنه عشر خطيئات ، ورفعت له عشر درجات"(٢) . قوله : "ثم سلوا الله لى الوسيلة " والوسيلة ما يتقرب به إلى الغير. يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة ، وتوسل إليه بوسيلة، إذا تقرب إليه بعمل، والمراد بها فى الحديث منزلة فى الجنة ، حيث فسرها - عليه الصلاة والسلام - بقوله : "فإنها منزلة فى الجنة" . قوله : "لا تنبغى هذه الوسيلة إلا / ١٦٩ / لعبد" واحد "من عباد الله، وأرجوا أن أكون أنا هو " فقوله "أنا" اسم "أكون" . وقوله: "هو" خبره، ومعناه: إياه، لأن "هو" ضمير مرفوع، وقد وقع هنا فى محل النصب ، فيكون تقديره : إياه . (١) رواه أبو الشيخ عن على - ◌َه - - كما فى ضعيف الجامع (٣٠٠٢) بلفظ: "الدعاء محجوب عن الله حتى يصلى على محمد وأهل بيته". وحسنه الألبانى فى الصحيحة (٢٠٣٥) وصحيح الجامع (٤٥٣٣) بلفظ: "كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبى رَ﴾" وانظر الصحيحة لزاما . (٢) أخرجه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٣٦٢، ٣٦٣) من طريق يونس بن أبى إسحاق ، عن برید بن أبی مریم ، عن أنس به . ٠ وأخرجه النسائى فى كتاب السهو، باب الفضل فى الصلاة على النبى رَّ (٥٠/٣) وفى "عمل اليوم والليلة" (٣٦٤،٦٣،٦٢)، وأحمد (٢٦١،١٠٢/٣)، وابن حبان (٩٠٤/٣)، والحاكم (٥٥٠/١) بدون قوله: "ورفعت له عشر درجات" كلهم من طريق يونس بن أبى إسحاق ، عن بريد بن أبى مريم (ووقع عند الحاكم: "يزيد بن أبى مريم" خطأ) عن أنس ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي ، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح الجامع" (٦٣٥٩) وغيره . ( ٢٤١ ) قوله : "حلت له" أى: وجبت له "الشفاعة" أى: شفاعتى. "الألف واللام" بدل من المضاف إليه . واستفيد من هذا الحديث فوائد : الأولى : إن إجابة المؤذن سنة . والثانية: الصلاة على النبى طَلّ بعد الأذان مستحبة. والثالثة : سؤال الوسيلة له مستحب . والرابعة : فيه دليل على إثبات الشفاعة ، ردا على من أنكرها . والخامسة : فيه دليل على مضاعفة الحسنات . [قال شيخ الإسلام: ] ٦٩ - وقال عمر بن الخطابِ: قال رسول الله مَ ﴿: "إذا قَالَ المؤذِّثُ: الله أكبرُ اللهُ أكبرُ فقال أحدُكم: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله قال: أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا الله، ثم قال: أشهدُ أَنَّ محمدًا رسول الله قال: أشهدُ أَنَّ محمدًا رسول الله، ثم قال: حَيَّ عَلَى الصلاةِ قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ثم قال: حَىَّ على الفَلاَحِ قال: لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ثم قال: الله أكبرُ الله أكبرُ قال: الله أكبرُ اللهُ أكبرُ، ثم قال: لا إلهَ إلا الله قال: لا إله إلا الله من(١) قلبهِ دَخَل الجنة" . خرجه مسلم(٢). أقول : عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح - بكسر الراء وبعدها ياء بثنتين من تحتها - ابن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدى بن كعب بن لؤى بن غالب ، يلتقى مع رسول الله ◌َ فى الأب الثامن، وهو: كعب بن لؤى، وأمه حنتمة - بالحاء المهملة (١) زاد فى "د" "خالصا من قلبه"، وقال الشيخ الألبانى فى الكلم الطيب (ص/٥٣): ولا أصل لها ممن أخرج الحديث كما نبهت عليه فى تخريج المنار (رقم/٢٣٧). (٢) مسلم: كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه ... (١٢/٣٨٥). ( ٢٤٢ ) والنون - / ١٧٠ / بنت هاشم ذى الزوجين بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب، أسلم مكة قديما، وهاجر قبل رسول الله ﴿ فى المدينة، وشهد مع رسول الله و ل بدرًا والمشاهد كلها، روى له عن رسول الله وُ لد خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثا ، اتفقا منها على ستة وعشرين حديثا ، وانفرد البخارى بأربعة وثلاثين حديثا، وانفرد مسلم بأحد وعشرين حديثا، ولى الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر. وقيل: ستة أشهر، وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذى الحجة، وقيل : لثلاث بقين منه، سنة ثلاث وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، سِنُّ النبى وَ﴿ وأبى بكر، ودفن مع الرسول و﴿ فى بيت عائشة، وصلى عليه صهيب بن سنان الرومى ، روى عنه عثمان بن عفان ، وعلى بن أبى طالب، وطلحة، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وعبدالله بن مسعود ، وابنه عبدا لله بن عمر ، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير بن العوام، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعرى ، وأبو ذر الغفارى، وأبو سعيد الخدرى، وخلق كثير سواهم. روى له الجماعة(١) . قوله : "ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله" أى: ثم قال المؤذن . قوله : "قال أشهد أن لا إله إلا الله" أى: قال أحدكم إلى آخره ومعنى "حى على الصلاة" أى : أسرعوا إليها . وقوله : "حى على الفلاح" أى: أسرعوا إلى النجاة، ومنه قولهم: "حى على الثريد". قوله : "من قلبه" متعلق / ١٧١/ إلى قوله: "فقال أحدكم" أى خالصا مخلصا من قلبه، ودل هذا على أن الأعمال يشترط لها الإخلاص ، ولا عمل بدون الإخلاص ، لأن الأصل فى القول والفعل الإخلاص، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٨٩٩/٣)، أسد الغابة (٣٨٢٤/٤)، الإصابة (٥٧٤٠/٤). ( ٢٤٣ ) مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ﴾(١). واعلم أن إجابة المؤذن واجبة بالحديثين المتقدمين، لوجود الأمر فيهما (٢)، وكيفية الإجابة بهذا الحديث الذى أخرجه مسلم، ثم إنه يجيب المؤذن فى الأذان والإقامة ، ولا يسلم فيهما ، ولا يرد السلام، ويقطع القراءة، ولا يشرع فيها، ويترك كل عمل سوى الإجابة(٣)، وإذا سمعه وهو فى الصلاة لا يجيب عندنا . وقال مالك : يجيب فى النفل، ولا يجيب فى الفرض. وقال ابن وهب: يجيب فيهما. وقال سحنون : لا يجيب فيهما مثل مذهبنا، وبه قال الشافعى . وقال الشيخ محيى الدين النووى: "إذا سمع وهو يصلى لم يجبه فى الصلاة، فإذا سَلَّم منها أجابه كماً يجيبه من لا يصلى، فلو أجابه فى الصلاة كره، ولم تبطل صلاته. وهكذا إذا سمعه وهو على الخلاء لا يجيبه فى الحال، فإذا خرج أجابه"(٤). انتهى كلامه. وقال بعض أصحابنا : المراد من الإجابة التوجه إلى الجماعة ، حتى إذا أجاب ولم يتوجه لا يحصل له تلك الفضيلة، وإذا توجه ولم يجب تَحَصَّلَ له ذلك، والأصح أنه يجيب، فإذا جمع بين الإجابة والتوجه كان أفضل وأكمل فى تحصيل الثوابين . (١) سورة البينة (٥). (٢) تقدم تحت الحديث السابق قول المصنف: "واستفيد من هذا الحديث فوائد: الأولى: إن إجابة المؤذن سنة" قلت: وهو الراجح، لوجود الصارف لهذا الأمر، وهو ما رواه أبو داود (٥٢٦) من حديث عائشة - رضى الله عنها - "أن رسول الله ﴿ كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال : وأنا وأنا وصححه الشيخ الألبانى فى صحيح أبى داود وصحيح الجامع (٤٧٤٢) والله أعلم. (٣) إذا تقرر أن إجابة المؤذن سنة وليست بواجبة ، علم أن هذه الأمور من عدم التسليم، أو رد السلام وغيرها لا دليل عليها البتة ، كيف والدليل على خلافها ، فقد ثبت عند الترمذى (٣٦٧) من حديث صهيب قال: "مررت برسول الله ◌َّ وهو يصلى، فسلمت عليه، فرد على إشارة" فهذا وهو فى الصلاة ، فعند إجابة المؤذن ، وقراءة القرآن أولى والله أعلم . (٤) انظر "الأذكار" للنووى (ص/٣٩). ( ٢٤٤ ) [قال شيخ الإسلام:] ٧٠ - وخرج البخارى عن جابر - ه -، أن رسول الله حماد قال: "مَن قَال حينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللهم رَبَّ هذِهِ الدعوةِ التامَّةِ، والصلاةِ القائِمَةِ، أَتِ محمدًا الوسيلةَ / ١٧٢ / والفضيلة، وابعثْهُ مقامًا محمودًا الذى وعدتَّهُ، حَلَّتْ له شَفَاعَتِى يومَ القيامَةِ"(١) . أقول : خرج البخارى عن جابر بن عبد الله هذا الحديث فى "صحيحه". قوله : "سمع النداء" أى : الأذان . قوله : "رب هذه الدعوة التامة" "رب" منصوب على النداء، ويجوز الرفع على الخبرية ، والمبتدأ محذوف . قوله : "الدعوة التامة" إنما وصف الدعوة بالتمام ، لأنها ذكر الله - عز وجل - يدعى بها إلى عبادته، وهذه الأشياء وما والاها هى التى تستحق صفة الكمال والتمام، وما سوى ذلك من أمور الدنيا يعرض للنقص(٢) والفساد، ويحتمل أنها وصفت بالتمام لكونها محمية عن النسخ والإبدال ، باقية إلى يوم التناد . قوله : "والصلاة القائمة" أى: الدائمة، التى لا يغيرها ملّة، ولا ينسخها شريعة. قوله : "آت" أى: أعط من الإيتاء. قوله : "الوسيلة" قد مر تفسيرها . قوله: "وابعثه مقاما محمودا الذى وعدته" يعنى: المقام المحمود الذى يحمده القائم فيه، وكل من رآه وعرفه، وهو مطلق فى كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. وقيل: المراد : الشفاعة ، وهى نوع واحد مما يتناوله. وعن ابن عباس: "مقاما يحمدك فيه (١) البخارى: كتاب الأذان ، باب الدعاء عند النداء (٦١٤). (٢) فى الأصل : "النقص". ( ٢٤٥ ) الأولون والآخرون ، وتشرف فيه على جميع الخلائق، يسألُ فَيُعْطَى، ويَشفعُ فَيُشَفْعُ، ليس أحد إلا تحت لوائك" . وعن أبى هريرة - الله -، عن النبى : "هو المقام الذى أشفع فيه لأمتى"(١). فإن قلت : المقام المحمود قد وعده ربه إياه ، والله لا يخلف الميعاد ، فأين الفائدة فى دعاء الأمة فى ذلك؟ قلت : يجوز الدعاء فى الحاصل ، المقطوع به ، للدوام والثبات ، وليكون ذكر النبى ◌َ﴿ / ١٧٣ /، وذكر ما وعد الله إياه ، سببا لإجابة دعاء أمته فى حقهم، لأن ذكر الحبيب عند الحبيب أقرب إلى إجابة السؤال . قوله : "حلت له" أى: وجبت. [قال شيخ الإسلام:] ٧١ - وعن عبد الله بن عمرو(٢): "أن رجلاً قالَ: يا رسول الله، إِنَّ المُؤَذِّنِينَ يَفْضِلُونَنَا. فقال رسول الله وَ﴿ّ، قُلْ كَمَا يَقُولُون، فإذا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَّة" . خرجه أبو داود(٣). (١) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٤٤١/٢، ٤٤٤، ٥٢٨)، والترمذى فى كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الإسراء (٣١٣٧)، والدولابى فى "الكنى" (١٦٤/٢) رابن أبى عاصم فى "السنة" (٧٨٤) وغيرهم من طرق عن داود بن يزيد الأودى ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، وله شواهد كثيرة أوردها الحافظ ابن كثير فى "تفسيره" عند تفسير قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (الإسراء: ٧٩)، منها ما أخرجه البخارى فى "صحيحه" (٤٧١٨) من حديث ابن عمر قال : "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهى الشفاعة إلى النبى ( ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود" ، والحديث حسنه الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (٢٣٦٩) لشواهده . (٢) فى الكلم الطيب "عبدالله بن عمر" خطأ، والصواب كما عندنا وكما فى سنن أبى داود والتحفة (٨٨٥٤/٦). (٣) رواه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع المؤذن (٥٢٤)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٤٤)، وأحمد (١٧٣/٢) وغيرهم من طرق عن حيى بن عبدا لله، عن ( ٢٤٦ ) أقول: "يفضلوننا" أى: يزيدون علينا بالفضل، فقال عليه الصلاة والسلام: "قل كما يقولون" یعنی : فی جمیع الأقوال إلا فى الحیعلتین، وقد مر بيانه . قوله : "فإذا انتهيت" يعنى: إذا أتممت الإجابة .. قوله : "فسل" أى: فسل الله ما تريد، حذف المفعول الأول لشهرته، والثانى ليعم كل شىء من المنافع الدنياوية والأخراوية . قوله : "تعطه " جواب الأمر، أى: تعطى كل ما سألت . وحذف الياء علامةٌ للجزم، لأن علامة الجزم فى الناقص سقوط حرف العلة . وقد دل هذا الحديث على أنه يحصل للمجيب من الفضائل ما يحصل للمؤذن . [قال شيخ الإسلام:] ٧٢ - وقال أنس: قال رسول الله ﴿: "لاَ يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذَانِ والإِقَامَةِ. قالوا: فَمَاذَا نَقُولُ يا رسول الله؟ قال: سَلُوا اللهَ العَافِيَةَ فى الدنيا والأخِرَةِ". قال الترمذى: حديث حسن صحيح.(١) - أبى عبد الرحمن الحبلى ، عن عبد الله بن عمرو به، وصححه الشيخ الألبانى فى "صحيح ابی داود" وغيره . (١) أخرجه الترمذى فى كتاب الدعوات، باب فى العفو والعافية (٣٥٩٤) من طريق يحيى بن اليمان ، حدثنا سفيان ، عن زيد العمى ، عن أبى إياس، عن أنس به. وقال الترمذى: حديث حسن، وقد زاد يحيى بن اليمان فى هذا الحديث هذا الحرف: "قالوا: فماذا نقول؟ قال: سلوا الله العافية فى الدنيا والآخرة" اهـ. ويحيى بن اليمان صدوق يخطئ كثيرا وقد تغير، وزيد العمى ضعيف كما فى التقريب ، ورواه الترمذى (٣٥٩٥،٢١٢)، وأبو داود (٥٢١) وأحمد (١١٩/٣) والنسائى فى عمل اليوم والليلة (٦٨، ٦٩) والبيهقى (٤١٠/١)، وغيرهم من طرق عن سفيان ، به ، بدون زيادة "قالوا: فماذا نقول؟ ... " وقال الترمذى: هكذا روى أبو إسحاق الهمدانى هذا الحديث عن بُريد (فى الأصل بريدة خطأ) بن أبى مريم الكوفى، عن أنس عن النبى وص له نحو هذا، وهذا أصح اهـ. قلت: وحديث بريد هذا رواه أحمد (٢٥٤،١٥٥/٣)، والنسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٦٧) من طريق إسرائيل ، عن أبى إسحاق ، عن بريد به، بدون "فادعوا". - ( ٢٤٧ ) أقول : هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذى والنسائى وابن السنى وغيرهم، ولكن الترمذى زاد فى روايته فى "كتاب الدعوات" من "جامعه": "قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال: سلوا الله العافية فى الدنيا والآخرة" وإنما لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة لأنه بين ذكرين عظيمين ، فالدعاء إذا كان مكتنفا بذکرین يكون / ١٧٤ / أقرب إلى الإجابة، وإنما أمرهم رسول الله وَ بأن يسألوا العافية فى الدنيا والآخرة، لأنه لما كان الدعاء مقبولا فى هذه الحالة ينبغى أن يدعى بشىء يكون نفعه للدین والدنیا ، وذلك فى سؤال العافية . فإن العافية فى الدنيا هى : دفاعُ اللهِ عنه جميعَ الأسقامِ والبلايا ، وجميعَ ما يكرهه ويشينه ، والعافية فى الآخرة هى: دفاعُ اللهِ عنه جميعَ أهوالِ الآخرةِ وأفزاعِهَا ، ولا يخرج مطلوب العبد من هذين القسمين، والله أعلم. [قال شيخ الإسلام:] ٧٢ - وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله و ◌َ﴾: "ثنتان لا تُرَدَّانِ، أو قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدعاءُ عندَ النداءِ، وعندَ البأسِ حينَ يَلْحِمُ بَعضُهُمْ بَعْضًا" خرجه أبو داود(١) . - وأخرجه أحمد (٢٥٥/٣) عن إسماعيل بن عمر الواسطى، وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (١٠٠) عن إسرائيل، كلاهما عن أبى إسحاق به، بزيادة "فادعوا" . وأخرجه ابن حبان (١٦٩٦) من طريق إسرائيل به بلفظ : "الدعاء بين الأذانين يستجاب فادعوا" . وأخرجه ابن خزيمة (٤٢٧) من طريق سلم بن قتيبة، عن أبى إسحاق به بلفظ: "الدعوة بين الأذان والإقامة لا يرد فادعوا". و(٤٢٦) بالإسناد السابق بلفظ: "الدعاء لا يرد ... ". وصححه الحافظ كما فى "الفتوحات" (١٣٧/٢) والشيخ الألبانى فى الإرواء (٢٤١) بلفظ: "الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة فادعوا" . (١) أخرجه أبو داود فى كتاب الجهاد، باب الدعاء عند اللقاء (٢٥٤٠)، والدارمى (٢٧٢/١)، والطبرانى (٥٧٥٦/٦)، وابن خزيمة (٤١٩)، وابن حبان، والحاكم (١٩٨/١)، والبيهقى (٤١٠/١) من طريق سعيد بن أبى مريم، ثنا موسى بن يعقوب الزمعى، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد به . وزاد أبو داود والطبرانى : "قال موسى: وحدثنى رزق بن سعيد بن = ( ٢٤٨ ) أقول : وفى رواية "الموطأ" قال: "ساعتان يفتح لهما أبواب السماء، وقَلَّ داع ترد عليه دعوته: حضرة النداء، والصف فى سبيل الله "(١). وسهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الساعدى الأنصارى المدنى أبو العباس، روى له عن رسول الله وَ ل مائة حديث وثمانية وثمانون حديثا ، اتفقا على ثمانية وعشرين ، وانفرد البخاری بأحد عشر (٢)، روى عنه الزهرى، - عبد الرحمن، عن أبى حازم، عن سهل بن سعد، عن النبى ◌ّ قال: "ووقت المطر". قال الحاكم: "هذا حديث ينفرد به موسی بن يعقوب، وقد یروی عن مالك، عن أبى حازم ، وموسى بن يعقوب ممن يوجد عنه التفرد، وله شهود ، منها حديث سليمان التيمى ، وحديث معاوية بن قرة ، وحديث بريد بن أبى مريم، عن أنس" اهـ. وصححه الحافظ كما فى شرح الأذكار (١٣٧/٢)، والإمام الشوكانى فى "تحفة الذاكرين" (ص/١١٦)، والشيخ الألبانى فى "صحيح الترغيب" وغيره. وصححه الإمام النووى فى "الأذكار" (ص/١٨٨) وقال تعليقا على كلمة "يلحم": "فى بعض النسخ المعتمدة "يلحم" بالحاء، وفى بعضها بالجيم، وكلاهما ظاهر" اهـ. وقد بسط الكلام عليه بعد أن صححه الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (١٣٧/٢)، وصححه كذلك الإمام الشوكانى فى "تحفة الذاكرين" (ص/١١٦)، والشيخ الألبانى فى "التعليق الرغيب" . وزيادة أبى داود والطبرانى فيها رزق بن سعيد ، ويقال رزيق ، قال الحافظ فى "التقريب" : "مجهول". ولكن له شواهد يحسن بها ، والله أعلم . (١) الموطأ: كتاب الصلاة، باب ما جاء فى النداء (٧) . وقال ابن عبد البر: هذا الحديث موقوف عند جماعة رواة "الموطأ" ، ومثله لا يقال بالرأى، وروى من طرق متعددة عن أبى حازم، عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله مح لهاهـ. بواسطة محقق "الموطأ". وانظر صحيح الجامع (٣٥٨٧). (٢) قلت : وانفرد مسلم بحديث واحد وهو ما رواه فی کتاب الجنة (٥/٢٨٢٥) من حديث سهل بن سعد يقول: "شهدت من رسول الله وَ ◌ّ مجلسا وصف فيه الجنة، حتى انتهى، ثم قال بُ لّ فى آخر حديثه: فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر، ثم اقترأ هذه - ( ٢٤٩ ) وأبو حازم سلمة بن دينار، وأبى بن العباس بن سهل بن سعد وغيرهم. مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين ، وهو ابن مائة سنة، قال محمد بن سعد: وهو آخر من مات من أصحاب النبى ◌َ ◌ّ بالمدينة، ليس بيننا فى ذلك خلاف. روى له الجماعة(١). قوله : "ئنتان" أى دعوتان "لا تردان" . قوله : "أو قَلَّما تردان" شك من / ١٧٥ / الراوى. اعلم أن "قَلَّ" و"طَالَ" كلمتان يستعملان فى القلة والكثرة. قال ابن جنى: دخلت عليهما "ما" فجعلتهما مُضْدرا، فلما اختلطت به معنى وتقديرا، اختلطت به خطًا وتصويرا، فعلى هذا ينبغى أن تكتب "ما موصولة بهما . قال المطرزى فى "الإيضاح": "ما" فى "قلما" و"طالما" كافة، بدليل عدم اقتضائهما الفاعل ، وتهيئها لوقوع الفعل بعدها، وحقها أن تكتب موصولة بها كما فى "ربما" و"إنما" وأخواتهما، للمعنى الجامع بينهما، كذا قال المحققون منهم ابن جنى . وقال ابن درستويه : لا يجوز أن تدخل "ما" بشىء من الأفعال سوى "بئس" و"نعم". والقول هو الأول، هذا إذا كانت كافة، فإن كانت مصدرية فالفصل ليس إلا . قوله : "الدعاء عند النداء" أى: أحديهما: الدعاء عند الأذان . قوله : "وعند البأس" بالباء ثانى الحروف، أى: الثانية: عند البأس، وهو: الخوف مع الشدة ، والمراد منه شدة الحرب . قوله : "حين يلحم بعضهم بعضا" قبل أن يشتبك الحرب، فيلزم بعضهم بعضا، يقال: ألحمه القتال ولحمه، أى: لزمه وغشيه. وفيه نظر، لأنه لم يَرِدْ ألحم ولحم بمعنى لزم، - الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفَا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ (السجدة: ١٧،١٦). (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٠٩٤/٢)، أسد الغابة (٢٢٩٣/٢)، الإصابة (٣٥٣٥/٢). ( ٢٥٠ ) ولو كان بمعنى اللصوق والالتزام(١) لكان من حقه أن يقول: "يلحم بعضهم ببعض". ولو قيل فى تفسيره : أى : يقتل بعضهم بعضا، لكان أشبه لسياق اللفظ . فإن قيل : إنما يستعمل اللحم بمعنى القتل على بناء المفعول، فيقال: لَحِمَ الرجلُ فهو ملحوم ولحيم، قلنا : قد وجدناه فى الحديث مستعملا على بناء الفاعل، وذلك فى حديث أسامة ، ولفظ (٢) الحديث: "أن / ١٧٦ / أسامة لَحَم رجلا من العدو" أى: قتله. ويجوز أن يكون المراد من قوله "حين يلحم بعضهم بعضا" أى: يقاتل، فيكون عبر بالقتل عن القتال، وكثيرا ما يرد القتل بمعنى القتال. والرواية بفتح الياء والحاء، وإن كانت الرواية وردت بضم الياء وكسر الحاء، فالمعنى: يقتل بعضهم بعضا، أى : يجعله لحما، ومنه حديث عمر - رضيته - فى صفة الغزاة : ومنهم من ألحمه القتال : قال ابن الأثير فى "النهاية"(٣): "يقال: ألحم الرجل واستلحم إذا نَشِبَ فى الحرب، فلم يجد له مخلصا، وألحمه غيره فيها، ولُحِمَ إذا قُتِل ، فهو ملحوم ولحيم. وقيل : لحمه إذا ضربه من أصاب لحمه، ومنه الملحمة وهى الحرب وموضع القتال، والجمع: الملاحم، مأخوذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها ، كاشتباك لحمة الثوب بالسدى . وقيل : من اللحم ، لكثرة لحوم القتلى فيها، ومن أسمائه عليه الصلاة والسلام: "نبى(٤) الملحمة(٥)". يعنى: نبى (٤) (١) فى الأصل : "الالتزاز" خطأ . (٢) فى الأصل : "ولفظه" خطأ . (٢) انظر النهاية (٢٣٩/٤ -٢٤٠). (٤) فى الأصلى "ابن" خطأ . (٥) أخرجه الإمام أحمد فى "مسنده" (٣٩٥/٤) من طريق يزيد والمسعودى، والحاكم (٦٠٤/٢) من طريق المسعودى ، عن عمرو بن مرة ، عن أبى عبيدة ، عن أبى موسى الأشعرى قال: "سمى لنا رسول الله وَ لَّ نفسه أسماء، منها ما حفظنا، فقال: أنا محمد، وأحمد، والمقفّى، والحاشر، ونبى الرحمة" قال يزيد: "ونبى التوبة، ونبى الملحمة" واللفظ لأحمد، وصححه الحاكم ووافقه ( ٢٥١) القتال، وهو كقوله الآخر: "بعثت بالسيف"(١). قال الشيخ محيى الدين النووى : فى بعض النسخ المعتمدة بالحاء، وفى بعضها بالجيم، و کلاهما ظاهر"(٢). انتهى كلامه . قلت : أما إذا كان بالحاء فقد قلنا، وأما إذا كان بالجيم فمعناه : حتى يشتبك بعضهم، من اللجام ، لأنه يشتبك بفم الفرس . فإن قلت : هذا يفيد الحصر أم لا؟ قلت: لا، لأنه ورد فى حديث آخر أخرجه أبو داود : "وتحت المطر"(٣) أيضا. وروى الإمام الشافعى فى "الأم" بإسناده حديثا - الذهبى، وأخرجه الترمذى فى "الشمائل" (٣٦٨) وأحمد فى "مسنده" (٤٠٥/٥) وغيرهما من حديث حذيفة بن اليمان ، وسنده حسن . تنبيه: ذكر الحافظ المزى فى تهذيب الكمال (١٨٦/١) فصل فى أسمائه ﴿، وفى التحفة (٩١٤٧/٦) أن مسلما روى هذا الحديث من طريق عمرو بن مرة به، وذكر فيه "ونبى الملحمة" فلعله ثبت فى نسخة عنده ، أو هو من زيادة النساخ، وإن كان كلام الحافظ ابن كثير فى تفسيره الآية السادسة من سورة الصف ما يشعر بثبوت ذلك . فائدة: ذكر الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٥٥٥/٦) عند حديث (٣٥٣٢) "لى خمسة أسماء ... " ذكر أن العدد ليس للحصر، والذى يظهر من هذا أنه ﴿﴿ أراد أن له خمسة أسماء، اختُصَّ بها، لم يسم بها أحد قبله، أو معظمة، أو مشهورة فى الأمم الماضية اهـ. وانظر معانى أسمائه وّ ◌ُّ فى "زاد المعاد" (٨٧/١) وما بعدها . (١) أخرجه الإمام أحمد فى مسنده (٥٠/٢) قال: حدثنا محمد بن يزيد الواسطى، و(٩٢،٥٠/٢) قال: حدثنا أبو النضر، كلاهما عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان ، حدثنا حسان بن عطية ، عن أبى منيب الحرشی، عن ابن عمر قال: قال رسول الله څچل: "بعثت بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقى تحت ظل رمحى ، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمرى، ومن تشبه بقوم فهو منهم"، وفى لفظ: "بعثت بين يدى الساعة بالسيف"، وصححه الشيخ الألبانى فى "الإرواء" (١٢٦٩). (٢) انظر الأذكار للإمام النووى (ص/٤٠) باب الدعاء بعد الأذان . (٣) تقدم عند الحديث رقم (٧٢) . ( ٢٥٢) مرسلا، أن رسول الله وض قال: "اطلبوا استجابة الدعاء عند التقاء الجيوش، وإقامة الصلاة ، ونزول الغيب"(١) قال الشافعى: وقد / ١٧٧ / حفظت عن غير واحد طلب الإجابة عند نزول الغيث ، وإقامة الصلاة(٣). [قال شيخ الإسلام:] ٧٤ - وعن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت "عَلَمَّنِى رسول الله ﴿ِ أَن أَقُولَ عندَ [ِأَذَانٍ](٢) المغربِ: اللهم هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ وإدبارُ نَهَارِكَ، وأَصواتُ دُعاتِكَ، وحضورُ صَلَواتِكَ، فاغفرْ لِى" خرجه أبو داود والترمذى(٣). أقول : هذا الدعاء إذا سمع أذان المغرب ، وكذلك بوب الشيخ محيى الدين النووى فقال : "باب ما يقول إذا سمع أذان المغرب"(٤). وروى هذا الحديث أبو داود فى "سننه"، والترمذى فى "جامعه" . (١) أخرجه الشافعى فى كتاب الاستسقاء، باب طلب الإجابة فى الدعاء (٢٨٩/١) قال: أخبرنى من لا أتهم: قال: حدثنى عبد العزيز بن عمر، عن مكحول، عن النبى رُّ به، وسنده ضعيف لجهالة شيخ الشافعى وإرساله، وذكر الشيخ الألبانى فى "الصحيحة" (١٤٦٩) أن له شواهد يرتقى بها إلى درجة الحسن ، منها حديث سهل بن سعد - وهو حديثنا المتقدم آنفا - ، وحديث ابن عمر وأبى أمامة ، وانظرها فى "التعليق الرغيب" (١١٦/١) للشيخ حفظه الله تعالى. (٢) زيادة من "الكلم الطيب" و"سنن أبى داود" و"جامع الترمذى". (٣) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب ما يقول. عند أذان المغرب (٥٣٠) من طريق المسعودى، والترمذى فى كتاب الدعوات ، باب دعاء أم سلمة (٣٥٨٩) من طريق حفصة بنت أبی کثیر، كلاهما عن أبى كثير، عن أم سلمة به ، وقال الترمذى : "هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه ، وحفصة بنت أبى كثير لا نعرفها ولا أباها" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فی "ضعیف أبی داود" (٨٥) وغيره . (٤) الأذكار (ص/٨٢). ( ٢٥٣) قوله : "إقبال ليلك" أى: وقت إستعمال ليلك، ووقت إدبار نهارك، ووقت أصوات دعاتك، والدعاة جمع داعى(١)، كالقضاة جمع قاضى (١)، ووقت حضور صلواتك، وهى صلاة المغرب، وبعدها صلاة العشاء، وبعدها الصبح، كلها من الليل، وإنما أضاف هذه الأشياء - وإن كان جميع الأشياء لله تعالى - لإظهار فضيلة المضاف ، لأن المضاف يكتسى الفضيلة بشرف المضاف إليه، وإنما حث رسول الله ﴿ بالدعاء فى هذا الوقت ، لأن هذا الوقت وقت تشريف باعتبار أنه آخر النهار وأول الليل، اللذان [هما] آيتان من آيات الله تعالى، الدالة على وحدانيته وبقائه وتقدمه، وأنه وقت حضور العبادة، ووقت صعوذ ملائكة النهار، ونزول ملائكة الليل، فيكون أقرب إلى الإجابة . [قال شيخ الإسلام] ٧٥ - وعن بعض أصحاب النبى مح لل: "أن بلالاً أَخَذَ فى الإقامَةِ، فلما قال: قد قَامَتْ الصَّلاةُ قال النبيُّ فَ ﴿ّ: أَقَامَهَا اللهُ وَأَدَامَهَا" . خرجه أبو داود(٢) . أقول: هذا الحديث / ١٨٨ / فى "سنن أبى داود": وعن رجل، عن شهر بن حوشب، عن أبى أمامة أو عن بعض أصحاب النبى و575 . قوله : "أخذ فى الإقامة" أى: شرع فيها. والإقامة مِن أقام يقيم إقامة. (١) كذا . (٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة، باب ما يقول إذا سمع الإقامة (٥٢٨)، وابن السنى (١٠٢) والبيهقى (٤١١/١) من طريق محمد بن ثابت ، حدثنى رجل من أهل الشام، عن شهر بن حوشب، عن أبى أمامة أو عن بعض أصحاب النبى وَلّ به. ومحمد بن ثابت قال الحافظ: صدوق لين الحديث ، ومثله شهر بن حوشب ، والرجل الذى بينهما مجهول ، وقد ضعفه الحافظ فى "التلخيص الحبير" (٢٢٢/١)، وأشار البيهقى إلى تضعيفه حيث قال: "وهذا إن صح شاهد لم استحسنه الشافعى - رحمه الله - من قولهم: "اللهم أقمها وأدمها واجعلنا من صالح أهلها عملا" اهـ. وضعفه الشيخ الألبانى فى الإرواء (٢٤١). ( ٢٥٤ ) قوله : "قد قامت الصلاة" أى: قد قربت الصلاة، لأن "قد" هاهنا للتقريب، وكلمة "قد" تجئ لمعان: للتقريب كما ذكرنا، وللتحقيق مثل: ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾(١)، وللتأكيد مثل: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعوِّقِينَ﴾(٢)، وللتقليل مثل قولهم: قد يكون كذلك. وتجئ مضمرا أيضا، مثل قوله تعالى: ﴿أَو جَاؤُكُمْ حَصِرَتْ﴾(٣) أى: قد حصرت، وهى لا تدخل إلا [على] الفعل . قوله : "أقامها الله وأدامها" دعاء فى صورة الإخبار، أى: اللهم أقمها وأدمها، وأما بلال فهو : أبو عمرو . ويقال : أبو عبد الكريم. ويقال: أبو عبد الرحمن بلال بن رباح القرشى التيمى مولى أبى بكر الصديق ، وأمه حمامة ، وكانت مولاة لبعض بنى جمح، قديم الإسلام والهجرة، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله وَ *، روى له عن رسول الله وَل أربعة وأربعون حديثا، اتفقا على حديث واحد، وانفرد البخارى بحديثين غير مسندين(٤). روى عنه أبو بكر، وعمر، وعبد الله بن عمر، وأسامة بن زيد، وكعب بن عجرة، وأبو عبد الله عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحى ، وأبو عبد الله قيس بن أبى حازم البحلى، والأسود بن يزيد النخعى ، وأبو عامر عبد الله بن لحى الهوزنى، وأبو عثمان النهدى، وأبو إدريس الخولانى، وشداد مولى عاصم بن عامر ، وسعيد بن المسيب ، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، والحكم بن ميناء، نزل الشام بدمشق بعد النبى مَ ا / ١٧٩ / وكان مؤذن النبى و﴿، ولم يؤذن لأحد بعد النبى ﴿ فيما روى إلا مرة واحدة، فى قَدْمَةٍ قدمها المدينة لزيارة قبر النبى ◌َ﴿، طلب إليه الصحابة ذلك، (١) سورة المجادلة (١) . (٢) سورة الأحزاب (١٨). (٣) سورة النساء (٩٠) . (٤) وانفرد مسلم بحديث واحد، رواه فى كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة (٨٤/٢٧٥) عن بلال: "أن رسول الله ﴿ مسح على الخفين والخمار". ( ٢٥٥ ) فأذن ولم يُتمّ الأذانَ . وقيل : إنه أذن لأبى بكر الصديق فى خلافته ، مات بدمشق سنة عشرين . وقيل : سنة إحدى وعشرين. وقيل: سنة ثمان عشرة، وهو ابن بضع وستين . وقيل : كان قرب أبى بكر ، ودفن بباب الصغيرة. وقال على بن عبد الله التميمى : دفن بباب كيسان . وقال أبو سليمان بن زبر: مات بداريا بكورة دمشق ، وحمل على رقاب الرجال، ودفن بمقبرة باب كيسان . وقال على بن عبد الرحمن: إن بلالا مات بحلب ، ودفن على باب الأربعين . روى له الجماعة(١). (١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢١٤/١)، أسد الغابة (٤٩٣/١) الإصابة (٧٣٦/١). ( ٢٥٦ ) [قال شيخ الإسلام : ] ١٣ - فصل فى استفتاح الصلاة أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند استفتاح الصلاة. واعلم أن الصلاة لها مفتاح وافتتاح واستفتاح. قيل: كل من يسأل عن هذه الثلاثة ولم يجب ، لا ينبغى أن يصلّى خلفه ، أما مفتاحها الطهارة، وأما افتتاحها التكبير، وأما استفتاحها فقراءة : "سبحانك اللهم وبحمدك" إلى آخره(١). [قال شيخ الإسلام:] ٧٦ - قال أبو هريرة: "كان رسول الله ◌ُ لّ إذَا استفتحَ الصلاةَ سَكَتَ هُنَّةً(٢) قبل أن يَقْرَأَ. فقلتُ: يا رسول الله بأبى [أنتَ](٣) وأُمِّى، أَرأيتَ، سُكُوتَكَ بينَ التكبيرِ والقراءةِ ما تقولُ؟ قال: أَقُولُ: اللهمِ بَاعِدْ بَيْنِى وبينَ خَطَايَاىَ كما باعدتَ بين المشرق والمغربِ، اللهم نَقْنِى مِنْ خَطَايَاىَ كما يُنَقِّى الثوبُ الأبيضُ من الدَّنَسِ، اللهم / ١٨٠ / اغْسِلْنِى مِن خَطَايَاىَ بالثُلْجِ والماءِ والبَرَد" متفق عليه(٤) . أقول: "سكت هُنَيَّةً" بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء، أى: قليلا من الزمان، وهو تصغير "هَنَّة" وقد جاءت فيه "هُنَيْهَة" أيضا. وفى رواية: "كان رسول الله آل﴾ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكانة، فقلت : بأبى أنت وأمی يا رسول الله، (١) یأتی تخريجه برقم (٧٨). (٢) فى الكلم الطيب "هنيهة" وذكر فى الشرح أنها رواية . (٣) غير موجود فى الكلم الطيب . (٤) البخارى : كتاب الأذان ، باب ما يقول بعد التكبير (٧٤٤) ، مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة (١٤٧/٥٩٨). ( ٢٥٧) إسكاتتك بين التكبير والقراءة ما تقول" إلى آخره(١). وفى رواية مكان قوله "نقنى": "نق قلبى من الخطايا"(٢). قوله : "إسكاتة" أى: سكوتا يقتضى بعده كلاما أو قراءة مع قصور المدة، وإنما أراد بهذا السكوت ترك رفع الصوات بالكلام، ألا ترى يقول: "ما تقول فى إسكاتتك" أى : سكوتك عن الجهر دون السكوت عن القراءة والقول . قوله: "بأبى أنت وأمى" دعاء معناه: أفديك بأبى وأفديك بأمى، وذلك مثل ما يقال: فداك ابی ر أمی . قوله : "أرأيت سكوتك" أى : أخبرنى عن سكوتك . قوله : "خطاياى" هى جمع خطيئة ، وهى الذنب ، وهو ما له تبعة دنياوية أو أخراوية ، وإنما شبه بعدها ببعد المشرق والمغرب مبالغة فى البعد، لأنه ما فى المشاهدات أبعد مما بين المشرق والمغرب، فيكون المراد من المباعدة محو الذنوب، وترك المؤاخذة بها ، أو المنع من وقوعها، والعصمة منها، فيكون فيه مجازان : أحدهما : استعمال المباعدة فى ترك المؤاخذة ، أو فى العصمة . والثانى: استعمال المباعدة فى الإزالة الكلية ، فإن أصلها لا يقبض الزوال، وليس المراد هنا البقاء مع البعد ، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك المراد من / ١٨١ / التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب ترك المؤاخذة ، أو العصمة . (١) أبو داود: كتاب الصلاة ، باب السكتة عند الافتتاح (٧٨١) ، ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة ، باب افتتاح الصلاة (٨٠٥) . (٢) قطعة من حديث طويل رواه البخارى (٦٣٧٥،٦٣٦٨) ومسلم (٤٩/٥٨٩) من حديث عائشة - رضى الله عنها - ، وهذا الدعاء قد ورد فى بعض ألفاظه أنه كان قبل السلام، والله أعلم . ( ٢٥٨ ) قوله: "اللهم نقني" أى: نظفنى "من خطاياى" كما تنظف الثوب الأبيض من الدنس، شبه نظافة ذاته من الذنوب بنظافة الثوب الأبيض من الدنس ، لأن زوال الدنس فى الثوب الأبيض أظهر، بخلاف سائر الألوان ، فإنه ربما يبقى فيه أثر الدنس بعد الغسل ، ولم يظهر ذلك لمانع فيه بخلاف الأبيض، فإنه يظهر كل أثر فيه، والقصد من هذا التشبيه أن يقلع من الذنوب بالكلية، كقلع الثوب الأبيض من الدنس ، بحيث لم يبق فيه أثر ما . قوله: "اللهم اغسلنى من خطاياى" إلى آخره، ذَكَرَ أنواع المطهرات المنزلة من السماء، التى لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها، تبيانًا لأنواع المغفرة، التى لا يخلص من الذنوب إلا بها . أى: طهرنى من الخطايا بأنواع مغفرتك، التى هى فى تمحيص الذنوب نهاية هذه الأنواع الثلاثة فى إزالة الأرجاس ، ورفع الجنابة والأحداث، ويحتمل أنه سأل الله أن يغسل خطاياه بهذه الأنواع، التى يستعملها المتطهرون لرفع الأحداث، والمعنى ، كما جعلتها سببا لحصول الطهارة ، فاجعلها سببا لحصول المغفرة ، وبيان ذلك فى حديث أبى هريرة، عن النبى ◌ُ : "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه، خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء" . الحديث(١). فإن قلت : هل يدعو المصلى بهذا الدعاء بعد التكبير أم لا؟ قلت : أما عند الشافعى فهذا ونحوه مما ورد / ١٨٢ / من الأذكار مستحبة فى الفريضة والنافلة ، ويستحب الجمع بينها كلها للمنفرد وللإمام إذا أذن له الجماعة ، وإن لم يأذنوا فلا يطول عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحسن اقتصاره على "وجهت وجهى" إلى قوله: "من المسلمين"(٢) وكذا المنفرد الذى يؤثر التخفيف. وأما عند أبى حنيفة (١) مسلم: كتاب الطهارة، باب خروج الخطايا من ماء الوضوء (٣٢/٢٤٤). (٢) يأتى تخريجه برقم (٨٠). ( ٢٥٩)