Indexed OCR Text

Pages 221-240

٩ - فصل فيما يقول إذا خرج من منزله(١)
[قال شيخ الإسلام :]
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول المسلم إذا خرج من داره ، أو منزله .
[قال شيخ الإسلام:] ٥٦ - قال أنس - -: قال رسول الله { ل: "من قال" يعنى
إذا خرج من بيته "بسْمِ اللهِ، توكلتُ على اللهِ، لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، يقالُ لَهُ:
كُفِيتَ ، وَوُقِيتَ، وَهُدِيتَ، وتنحى(٢) عنه الشيطانُ، فيقولُ لشيطان أَخَرَ كَفَ لَكَ
بِرَجُلٍ قَدْ هُدِى ، وَكُفِى، وَوُقِى"؟ خرجه أبو داود، والنسائى، والترمذى، / ١٥٢ /
وقال حديث حسن(٣).
أقول : "بسم الله" يعنى بسم الله أخرج.
قوله : "توكلت على الله" أى: فوضت جميع أموری إليه .
قوله : "يقال له" يجوز أن يكون القائل هو الله تعالى، ويجوز أن يكون ملك من
الملائكة .
قوله : "كفيت" ، أى : كفيت شر هذا اليوم .
قوله: "ووقيت"، أى: حفظت عن الأشياء الخفية عنك من الأذى والسوء.
(١) سقط هذا التبويب من "ج" .
(٢) فى الأصل : "وينحى" وما أثبتناه من الشرح والكلم الطيب ومصادر التخريج .
(٣) أبو داود: كتاب الأدب، باب ما يقول الرجل إذا رأى الهلال (٥٠٩٥)، الترمذى: كتاب
الدعوات ، باب ما يقول إذا خرج من بيته (٣٤٢٦) وقال : حديث حسن صحيح غريب ، وكذا
فى "ج" ووقع فى التحفة (١٨٣): حسن غريب، وذكره الحافظ المنذرى فى الترغيب
والترهيب (٤٥٨/٢) وقال: وحسنه، ورواه النسائى فى "عمل اليوم والليلة" (٨٩) وغيرهم من
طريق ابن جريج، عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة ، عن أنس به ، وصححه الشيخ الألبانى
فى تحقيقه للكلم الطيب .
( ٢٢٠ )

قوله : "وهديت" إلى طريق الحق والصواب، حيث وفقت على تقديم ذكر الله تعالى،
ولم تزل مهديا فى جميع أفعالك، وأقوالك ، وأحوالك .
قوله : "وتنحى عنه"، أى: بعد عنه الشيطان، "فيقول لشيطان آخر" يَقْصِدُ أذاه،
وإخلاله "كيف لك برجل" يعنى: ما بقى لك يد فى رجل قد هُدِى بذكر الله، وكُفِى
شرك ، وَوُقِى من مكرك وكيدك .
قوله : "فيقول لشيطان آخر" إلى آخره، زيادة أبى داود فى روايته، والباقى متفق عليه
بينه ، وبين الترمذى، والنسائى، وابن ماجه أيضا (١)، أخرجه مثل ما أخرج الترمذى .
[قال شيخ الإسلام:] ٥٧ - وقالت أم سلمة - رضى الله عنها - : "ما خرج
رسول الله لَّ مِن بَيْتِى إلا رَفَعَ طَرْلَهُ إلى السماءِ، فقال: اللهم إنى أعوذُ بكَ أَنْ أَضِلَّ
أَو أُضَلَّ، أَو أَزَّلَ أَوْ أُزَلَّ، أَو أَظْلِمَ أَو أُظْلَمَ، أَو أَجْهَلَ أَو يُجْهَلَ عَلَىَّ" خرجه الأربعة ،
وقال الترمذى : حديث حسن صحيح(٢).
(١) ابن ماجه : كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا خرج من بيته (٣٨٨٦) من حديث
أبى هريرة ، وليس من حديث أنس بن مالك. وقال فى الزوائد: فى إسناده هارون بن عبد الله
وهو ضعيف ، وضعفه الشيخ الألبانى فى ضعيف الجامع (٤٧٤).
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا خرج من بيته (٥٠٩٤)، والترمذى فى
كتاب الدعوات ، باب (٣٥)، رقم (٣٤٢٧)، والنسائى فى كتاب الاستعاذة باب الاستعاذة
من الضلال (٢٦٨/٨)، وباب الاستعاذة من دعاء لا يستجاب (٢٨٥/٨)، وفى "عمل اليوم
والليلة" (٨٧،٨٦)، وابن ماجه فى كتاب الدعاء، باب ما يدعو به الرجل إذا خرج من بيته
(٣٨٨٤) وغيرهم من طريق منصور عن عامر الشعبى ، عن أم سلمة به ، ورواه النسائى فى
"عمل اليوم والليلة" (٨٥) من طريق مؤمل بن إسماعيل، عن شعبة ، عن عاصم، عن الشعبى به ،
وقال : هذا خطأً من الشعبى ، والصواب: "شعبة، عن منصور"، ومؤمل بن إسماعيل كثير
الخطأ اهـ. ورواه كذلك (٨٨) عن بندار، عن عبد الرحمن ، عن سفيان، عن زبيد، عن
الشعبى، عن النبى وَه به مرسلا. والحديث صححه النووى فى "الأذكار" . وقال الحافظ كما
( ٢٢١ )

أقول : أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم
القرشية المخزومية زوج رسول الله وم ﴿، وكانت قبله عند أبى سلمة عبد الله بن
عبد الأسد، روى لها عن رسول الله وُّ ثلاثمائة وثمانية وسبعون / ١٥٣ / حديثا،
اتفقا على ثلاثة عشر حديثا، ولمسلم مثلها ، هاجرت الهجرتين : هجرة الحبشة ، وهجرة
المدينة، روى عنها ابنها عمرو ، وابنتها زينب، وسعيد بن المسيب ، وأبو بكربن
عبد الرحمن ، وكريب مولى ابن عباس ، وسليمان بن يسار، وغيرهم ، قال الواقدى :
توفيت سنة تسع وخمسين ، وصلى عليها أبو هريرة ، وقيل : صلى عليها سعيد بن زيد،
روى لها الجماعة(١).
قوله : "أن أَضِلَّ" بفتح الهمزة وكسر الضاد، أى : أن أضل فى نفسى ، والضلال الذى
هو نقيض الهدى، وفى الأصل ضَلَّ الشىء إذا ضاع، وضل عن الطريق إذا حار .
قوله : "أو أُضَلَّ" بضم الهمزة، وفتح الضاد ، حتى أو يضلنى غيرى.
قوله : "أو أَزِل" بفتح الهمزة ، و کسر الزاى .
قوله : "أو أُزَل" بضم الهمزة، وفتح الزاى، كلاهما من الزلة، معنى الأول: أن أزل
من نفسى ، ومعنى الثانى : أن يوقعنى غيرى فى الزلة .
- فى الفتوحات (٣٣١/١): "صححه الحاكم من طريق عبد الرحمن بن مهدى وقال: إنه على
شرطهما ، فقد صح سماع الشعبى من أم سلمة . وخالفه ابن الصلاح فقال: "لم يسمع الشعبى
من أم سلمة وعائشة" . وقال ابن المدينى فى "العلل": "لم يسمع من أم سلمة" . فالحديث
منقطع، ولعل من صححه سهل الأمر فيه لكونه من الفضائل ، ولا يقال يكتفى بالمعاصرة ، لأن
محل ذلك ألا يحصل الجزم بانتفاء التقاء المتعاصرين إذا كان النافى واسع الإطلاع مثل ابن
المدينى" اهـ. وصحح إسناده الشيخ الألبانى فى "الكلم الطيب" (ص/٤٩).
(١) انظر ترجمتها فى الاستيعاب (٣٥٩٤/٤)، أسد الغابة (٧٤٦٤/٧)، الإصابة (١٢٠٦١/٨).
( ٢٢٢ )

قوله: "أو أَظلِم، أو أُظلَم" الأول بفتح الهمزة، وكسر اللام، والثانى بضم الهمزة وفتح
اللام من الظلم، وهو وضع الشىء فى غير محله، معنى الأول: أن أظلم غيرى ، أو
نفسی ، ومعنی الثانى : أن يظلمنی غیری .
قوله: "أو أَجهل، أو يُجهل على" الأول بفتح الهمزة، والثانى بضم حرف المضارعة،
معنى الأول : أن أفعل فعل الجهلاء، أو أُشتغل فى شىء لا يعنينى، ومعنى الثانى : أن
يَجهل غيرى علىَّ بأن يقابلنى مقابلة الجهلاء بالسفاهة، والمجادلة ، ونحوهما .
قوله : "خرجه الأربعة" أى أبى داود، وابن ماجه، والنسائى والترمذى، ولكن فى رواية
أبى داود: "أن أضل، أو أضل، أو أزل، أو أزل" / ١٥٤ / وكذا الباقى بلفظ
التوحيد، وفى رواية الترمذى: "أعوذ بك من أن نزل"، وكذلك "فضل" و"نظلم"،
و"تجهل" بلفظ الجمع، وفى رواية أبى داود: "ما خرج رسول الله وَلَّ من بيتى إلا رفع
طرفه إلى السماء، فقال: اللهم إنى أعوذ"، وفى رواية غيره(١): "كان إذا خرج من
بيته قال" كما ذكرناه .
فإن قلت: ما معنى استعاذته لّ من هذه الأشياء المذكورة ، وهو معصوم عن مثل هذا؟
قلت : فيه جوابان ، الأول : إن المراد منه الدوام ، والثبات على ما هو عليه من عصمته .
والثانى : وهو الأشهر، أن هذا تعليم لأمته، وبيان الطريقة فى كيفية استعاذتهم عند
خروجهم من منازلهم، والله أعلم .
٠٠
(١) ابن ماجه (٣٨٨٤).
( ٢٢٣ )

[قال شيخ الإسلام : ]
١٠ - فصل فى دخول المنزل
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقول العبد المسلم عند دخول منزله .
[قال شيخ الإسلام:] ٥٨ - قال جابر: سمعت النبيَّ ﴿، يقول: "إذا دَخَلَ الرجلُ
بيتَهُ، فَذَكَرَ الله تَعَالى عندَ دُخُولِهِ، وعندَ طعامِهِ ، قال الشيطانُ: لاَ مِبِيتَ لَكُمْ، ولاَ
عَشَاءَ ، وإذا(١) دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ الله [عندَ دُخُولِهِ قال الشيطانُ أدرَكْتُمُ الَبِيتَ ، وإذا
لم يَذكرِ اللّهَ(٢) عندَ طعَامِهِ، قال: أَدْرَكْتُمُ الَبِيتَ، والعَشَاءَ" خرجه مسلم(٣).
أقول : جابر هذا هو ابن عبد الله المذكور غير مرة . اعلم أن من دخل بيته يستحب له
أن يقول: "بسم الله" وأن يكثر من ذكر الله، وأن يسلم، سواء كان فى البيت آدمى أم
لا ، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مُنْ عِندِ اللهِ مُبَارِكَةً
طَيِّبَةً﴾(٤)، وروى فى "الموطأ" أنه يستحب إذا دخل بيتا غير مسكون أن يقول: "السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين"(٥).
(١) فى الأصل : "أو إذا" والتصويب من "صحيح مسلم" والكلم الطيب .
(٢) ساقط من الأصل وأثبتناه من "صحيح مسلم" ، والكلم الطيب .
(٣) مسلم: كتاب الأشربة ، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما (١٠٣/٢٠١٨).
(٤) سورة النور (٦١) .
(٥) أخرجه فى الموطأ فى كتاب السلام ، باب جامع السلام (٨) بلاغًا، وضعفه الحافظ كما فى "شرح
الأذكار" (٣٥٥/١) اهـ. وقال قتادة وغيره عند تفسير قوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على
أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ قال: "إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من
سلمت عليهم. فإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، حدثنا أن
الملائكة ترد عليه" اهـ. وقال ابن عباس: "هو المسجد، إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله
الصالحين" اهـ. قال الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٣٣٩/١): "أخرج ابن المبارك فى "كتاب
الاستئذان" عن ابن عباس بسند صحيح فى تفسير هذه الآية: "المساجد، إذا دخلتموها فسلموا على
من فيها، وإن لم يكن فيها أحد قال: السلام على رسول الله. وقيل: يقول: السلام عليكم
- يعنى : الملائكة - ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" اهـ.
( ٢٢٤ )

قوله: "فذكر الله" / ١٥٥/ الفاء فيه للتعقيب، أى: إذا دخل البيت فذكر الله
عقيب دخوله ، وإنما أطلق الذكر ليعم كل ذكر كان .
قوله : "وعند طعامه" يعنى إذا قرب إليه الطعام؛ وقال : بسم الله .
قوله : "قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء" أى : قال الشيطان لجنوده : لا مبيت
لكم فى هذا البيت، ولا عشاء لكم، فهذا دليل على أن الشيطان يتبع المؤمن فى أحواله ،
عند دخوله البيت ، وعند طعامه، وشرابه، وجماعه، فإذا ذكر الله خَنَسَ ، وأَيَسَ، وإذا
لم يذكر شاركه فى طعامه، ومبيته، وغيرهما، يدل عليه قوله وُّل: "وإذا دخل فلم
يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم" أى: قال الشيطان لجنوده: أدر كتم المبيت،
والعشاء، ولإبليس جنوده من الخيل، والرَّجل، قال الله: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ
وَرَجِلِكَ﴾(١) وله مشاركة فى الأموال، والأولاد، قال الله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِى
الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾(١) وذلك بحمله إياهم على الربا، والمكاسب المحرمة، والإنفاق فى
الفسوق ، والإسراف ، ومنع الزكاة، والتوصل إلى الأولاد بالنسب الحرام، ودعوى ولد
بغير سبب ، والتسمية بعبد العزى، وعبد الحارث ، ونحوهما .
[قال شيخ الإسلام:] ٥٩ - عن أبى مالك الأشعرى - ه - قال: قال رسول الله لت:
"إِذَا وَلَجَ الرِجُلُ بِيتَهُ فَليقلْ: اللهم إنى أَسْأَلُكَ خَيْرَ الَولِجِ، وخَيْرَ المَخْرَجِ، بِسمِ اللهِ
وَلَجْنَا، وبِسمِ اللهِ خَرَجْنَا، وعَلَى اللَّهِ رَبْنَا تَوَكَّلْنَا، ثم لِيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ" خرجه
أبو داود(٢) .
(١) سورة الإسراء (٦٤) .
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الأدب ، باب ما يقول إذا دخل بيته (٥٠٩٦) من طريق إسماعيل بن
عياش، حدثنى ضمضم، عن شريح، عن أبى مالك به، وصححه الشيخ الألبانى فى
"الصحيحة" (٢٢٥).
( ٢٢٥)

أقول : أبو مالك الأشعرى اسمه كعب بن عاصم، وقيل: عمرو ، وقيل: عبد الله،
/ ١٥٦ / وقيل: عبيد، روى عن النبى - أحاديث، روى عنه: عبد الرحمن بن
غنم، وأم الدرداء، وشريح بن عبيد، وربيعة بن عمرو الجُرَشى، وأبو سلام الحبشى،
وعطاء بن يسار، وغيرهم، روی له أبو داود، والنسائى ، وابن ماجه(١) .
قوله: "خيرَ الَوْلِجِ" "المولج" مَفْعِل، بفتح الميم، وكسر اللام، ومن الرواة
من فتحها، وهذا ليس بصواب، من وَلَجَ يَلِجُ وُلُوجًا وَوُلْجَةٌ، وهو الدخول،
قال سيبويه : إنما جاء مصدره ولوجا وهو من مصادر غير المتعدى، على معنى
و جت فيه .
قوله : "وخير المخرج" بفتح الميم والراء، وهو موضع الخروج، ولكن المراد منه المصدر،
وهو الخروج، لأنه لو أريد به المكان لم يكن لقوله: "وخير المخرج" وكان قد خرج منه
وجه، وإنما أراد الخير الذى يأتيه من قبل الولوج، والخروج، ويقترن بهما، ومتوقع
منهما، فيكون المراد من كل واحد من المولج، والمخرج المصدر بمعنى الولوج، وبمعنى
الخروج ، لا المكان .
قوله : "بسم الله ولجنا"، أى: دخلنا، و"الباء" فى "بسم الله" متعلق بقوله: "ولجنا"،
وتأخير الفعل للاختصاص .
قوله : "ثم ليسلم على أهله" دليل على أن السلام على أهله عند دخوله عليهم سنة،
وقد قلنا : إنه إذا دخل داره ، ولم يكن فيها أحد ، يستحب أن يقول : "السلام علينا،
وعلى عباد الله الصالحين»(٢).
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣١٩٠/٤)، أسد الغابة (٦٢١١/٦)، الإصابة (٧٤٢١/٥).
(٢) تقدم تخريجه تحت الحديث قبل السابق .
( ٢٢٦ )

[قال شيخ الإسلام: ] ٦٠ - وقال أنسٌ: قال لى رسول الله ﴿: "يا بُنَىَّ، إذا دَخَلْتَ
عَلَى أَهْلِكَ فَسَلَّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ، وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ" قال الترمذى: حديث حسن
صحيح(١) .
أقول: أنس / ١٥٧ / هذا هو أنس بن مالك، خادم رسول الله {َ﴾، وقد مربيانه.
قوله : "يا بنى" تصغير ابن، وهذا التصغير للاشتقاق، ومنه قوله تعالى حاكيا عن
لقمان - عليه السلام - : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَىَّ﴾(٢) وقوله تعالى:
﴿يَا بُنَىَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾(٣).
قوله : "يكن بركة عليك" يجوز أن ينتصب بركة على أنه خبر "يكن" ويكون
اسم الضمير الذى فيه الراجع إلى السلام، أى: يكن السلام بركة عليك، وعلى
أهل بيتك، ويجوز أن تكون البركة اسم "يمكن" وتكون تامة ، يعنى : تقع بركة عليك،
فعلى هذا توقع بركة ، ويستفاد من هذا الحديث سنية السلام على الأهل عند
الدخول علیھم .
(١) الترمذى: كتاب الاستئذان ، باب ما جاء فى التسليم إذا دخل بيته (٢٦٩٨) وقال: هذا حديث
حسن غريب ، وذكره المزى (٨٦٥) ولم يذكر كلام الترمذى وقال الحافظ ابن حجر فى
النكت : "فى النسخ المعتمدة : حسن غريب، ووقع بخط الكرحى "حسن صحيح غريب" وعليه
اعتمد النووى فى "الأذكار" ، وتصحيح مثل هذا من غلط الرواة بعد الترمذى، فإنه لا يقع
ممن له أدنى معرفة بالحديث" اهـ. قلت: وقد ذكره الحافظ المنذرى (٤٦٠/٢) وقال:
"قال الترمذى: حسن صحيح غريب وكذا فى المطبوع من الكلم الطيب، فلعله من اختلاف
النسخ، وقال الألبانى فى "الكلم الطيب": له طرق كثيرة يتقوى الحديث بها، وقد
جمعها الحافظ ابن حجر فى جزء صغير ، انتهى فيه إلى تقوية الحديث ، وهو محفوظ فى المكتبة
الظاهرية .
(٢) سورة لقمان (١٣).
(٣) سورة يوسف (٥) .
( ٢٢٧ )

[قال شيخ الإسلام : ]
١١- فصل فى دخول المسجد ، والخروج منه
أقول : هذا الفصل فى بيان ما يقال عند دخول المسجد ، وعند الخروج منه .
[قال شيخ الإسلام:] ٦١ - ويذكر عن أنس وغيره: "أن رسول الله ﴿ كان إذا
دَخَلَ الْمَسْجِدَ قال: بِسمِ اللهِ، اللهم صَلُ عَلَى مُحمدٍ، وإذا خَرَجَ قال: بِسمِ اللهِ،
اللهم صَلُّ عَلَى مُحمدٍ*(١) .
أقول : هذا الحديث رواه ابن السنى فى "كتابه" .
قوله: "اللهم صل على محمد"، أى: ارحمه، واغفر له، وهذا تعليم لأمته أيضا، ومعنى الصلاة
على النبى ◌ُ ﴾ فى جميع المواضع: اللهم عظمه فى الدنيا بإعلاء كلمته، وإحياء شريعته، وفى
الآخرة برفع درجته، وتشفيعه لأمته، هكذا وقع سماعی من بعض شيوخى الثقات .
(١) أخرجه ابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" (٨٦) عن الحسن بن موسى الرسغنى، حدثنا إبراهيم بن
الهيثم البلدى ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن البخترى، حدثنا عيسى بن يونس ، عن معمر، عن الزهرى ،
عن أنس به. وقال السخاوى كما فى "شرح الأذكار" (٤٨/٢): "فيه من لا يعرف". وقال الشيخ
الألبانى فى "الكلم الطيب" (٦٣): "حديث حسن، أخرجه ابن السنى بسند ضعفه الحافظ ابن حجر
فى "تخريج الأذكار" (٢/٥٩/١)، وانظر "لسان الميزان" (٣١٦/٢)، لكن للحديث شاهد من حديث
فاطمة عند ابن السنى والترمذى، وقال : حديث حسن" اهـ.
قلت: وحديث فاطمة هذا أخرجه الترمذى (٣١٤) وابن ماجه (٧٧١) وأحمد (٢٨٢/٦) وابن السنى
(٨٥) من طريق عبد الله بن الحسن، عن أمه فاطمة الصغرى، عن جدتها فاطمة بنت رسول الله وال*
قالت: "كان رسول الله به إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لى ذنوبى،
وافتح لى أبواب رحمتك. وإذا خرج صلى على محمد وسلم، وقال: رب اغفر لى ذنوبى، وافتح لى
أبواب فضلك. قال الترمذى: "وفى الباب عن أبى حميد، وأبى أسيد، وأبى هريرة. وقال: حديث
فاطمة حديث حسن، وليس إسناده بمتصل، وفاطمة بنت الحسين لم تدرك فاطمة الكبرى، وإنما
عاشت فاطمة بعد النبى (وَهُ أشهراً" اهـ. وكذا أعله الحافظ كما فى "شرح الأذكار" (٤٩/٢)
بالانقطاع. ولعل الترمذى حسنه لشواهده كما ذكره .
( ٢٢٨ )

[قال شيخ الإسلام: ] ٦٢ - وعن أبى حميد، أو أبى أُسَيد - رضى الله عنهما - قال:
قال رسول الله ﴿ / ١٥٨/: "إذا دَخَلَ الرجلُ (١) [المسجدَ)(٢) فَلْيُسلمْ على النبىِّ
﴿ّ، وَلْيَقُلْ " اللهم الْتَحْ لى أبوابَ رَحْمَتِكَ، وإذا خَرَجَ فَليقلْ: اللهم إنى أَسْأَلُكَ من
فَضْلِكَ" حديث صحيح، وقد خرجه مسلم بنحوه(٣).
أقول : أبو حميد عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، ويقال: عبد الرحمن بن سعد بن
مالك بن خالد بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة، روى له عن رسول الله لا
ستة وعشرون حديثا، اتفقا على ثلاثة أحاديث ، وللبخارى حديث، ولمسلم آخر،
روى عنه: جابر بن عبد الله، وعروة بن الزبير، وعباس بن سهل بن سعد الساعدى،
وعمرو بن سليم الزرقى ، ومحمد بن عمرو بن عطاء بن عبد الملك بن سعيد بن
سويد الأنصارى، توفى فى آخر خلافة معاوية، وهو معدود فى أهل المدينة،
روى له الجماعة (٤). وأما أبو أُسَيد، بضم الهمزة، وفتح السين، وسكون الياء
تحتها نقطتان ، وبالدال المهملة، فهو مالك بن ربيعة بن البدن ، ويقال : البدنى بن
عمرو ، ويقال : عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن
الخزرج الأنصارى الساعدى ، شهد بدرا، وقال: "لو كنت اليوم ببدر، ومعى
بصرى، لأريتكم الشعب الذى خرجت منه الملائكة، ولا أشك، ولا أتمارى"
(١) فى الكلم الطيب "أحدكم"
(٢) زيادة من الكلم الطيب .
(٣) مسعلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب ما يقول إذا دخل المسجد (٦٨/٧١٣)،
أبو داود : كتاب الصلاة ، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (٤٦٥)،
النسائى: كتاب المساجد ، باب القول عند دخول المسجد وعند الخروج منه (٥٣/٢)،
ابن ماجه : كتاب المساجد ، باب الدعاء عند دخول المسجد (٧٧٢).
(٤) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٩٥١/١)، أسد الغابة (٥٨٢٢/٦)، الإصابة (٩٧٨٧/٧).
( ٢٢٩ )

روى له عن رسول الله مُ ل ثمانية وعشرون حديثا، اتفقا على حديث واحد،
وللبخارى حديثان، ولمسلم آخر، روى عنه: أنس بن مالك، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن ، وابنه المنذر بن أبى أسيد، وعباس بن سهل بن سعد ، وعبد الملك بن
سعيد / ١٥٩ / بن سويد الأنصارى ، مات بعد ما ذهب بصره سنة أربعين عام
الجماعة ، وهو ابن ثمان وسبعين ، وقيل: سنة ثلاثين، وقيل: سنة ستين، روى له
الجماعة(١) .
,٠
قوله : "أبواب رحمتك" ، أى : أنواع رحمتك .
قوله : "حديث صحيح" يعنى يروى بأسانيد صحيحة ، رواه أبو داود، والنسائى ، وابن
ماجه ، وغيرهم .
قوله : "وقد خرجه مسلم"، أى : خرج هذا الحديث مسلم فى "صحيحه" ، ولكن ليس
فى روايته "فليسلم على النبى" وهو فى رواية الباقين، وزاد ابن السنى فى روايته: "وإذا
خرج فليسلم على النبى - عليه السلام، وليقل: اللهم أعذنى من الشيطان الرجيم" ،
وروى هذه الزيادة ابن ماجه ، وابن خزيمة ، وأبو حاتم ابن حبان - بكسر الحاء - فى
"صحیحیهما"(٢).
[قال شيخ الإسلام : ] ٦٣ - وعن عبد الله بن عمرو - رضى [الله] عنهما - عن النبى
﴿ أنَّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجدَ قال: أعوذُ باللهِ العظيمِ، وبِوَجْهِهِ الكَريمِ،
(١) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٢٨٧٤/٤)، أسد الغابة (٥٦٨٠/٦)، الإصابة (٧٦٣٤/٥).
(٢) عمل اليوم والليلة (٨٨)، وابن ماجه: كتاب المساجد، باب الدعاء عند دخول المسجد (٧٧٣)
من حديث أبى هريرة بلفظ: "اللهم اعصمنى ... " وابن خزيمة (٤٥٢/١)، و(٢٧٠٦/٤)،
وابن حبان (٢٠٤٧/٥، ٢٠٥٠) بلفظ: "اللهم أجرنى ... " وانظر صحيح ابن ماجه (١٢٩/١)
وصحيح الجامع (٥١٥) .
(٢٣٠ )

وسُلْطَائِهِ(١) القَديمِ من الشيطانِ الرجيمِ، قال: فإذا قال ذَلِكَ، قال الشيطانُ: حُفِظَ
مِنْ سَائِرَ اليومِ" خرجه أبو داود(٢) .
أقول : عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سُعَيد - بضم السين، وفتح
العين - بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب القرشى
السهمی ، وأمه رائطة بنت منیه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم ، روی له
عن رسول الله ﴿ سبعمائة حديث، اتفقا على سبعة عشر حديثا، وانفرد البخارى
بثمانية، ومسلم بعشرين حديثا ، روى عنه: سعيد بن المسيب ، وأبو سلمة بن
عبد الرحمن، وأخوه حميد بن عبد الرحمن، وعروة / ١٦٠ / بن الزبير، وعيسى بن
طلحة بن عبد الله، وعمرو بن أوس الثقفى، وأبو العباس السائب بن فروخ المكى
الأعمى الشاعر ، ومسروق بن الأجدع، وغيرهم، مات بمكة، وقيل : بالطائف ،
وقيل : بمصر سنة خمسة وستين فى ذى الحجة، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، وقال
يحيى بن عبد الله: مات بأرضه بالسَّبُع من فلسطين ، سنة خمس وستين، روى له
الجماعة(٣).
قوله : "وبوجهه الكريم" العرب تطلق الكريم على الشىء النافع الذى يدوم نفعه،
ويسهل تناوله، وكل شىء، يشرف فى بابه فإنهم يصفونه بالكرم، ولا يستعمل الكرم
فى وصف أحد إلا فى المحاسن الكثيرة، ولا يقال : كريم، حتى يظهر ذلك منه، والمراد
(١) فى الكلم الطيب : "وبسلطانه".
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الصلاة ، باب فيما يقوله الرجل عند دخوله المسجد (٤٦٦) قال :
حدثنا إسماعيل بن بشر، ثنا ابن مهدى، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن
عقبة بن مسلم ، عن عبد الله بن عمرو به، وقال النووى فى الأذكار (ص/٣٣) : "حديث
حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد". وحسنه الحافظ ابن حجر كما فى "شرح الأذكار" (٥٧/٢)
لابن علان ، وصححه الشيخ الألبانی فی "صحيح أبى داود" (٤٨٥) وغيره .
(٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (١٦٣٦/٣)، أسد الغابة (٣٠٩٠/٣)، الإصابة (٤٨٥٠/٤).
( ٢٣١ )

من الوجه، قيل: هو ذات الله(١)، والعرب تقول: أكرم الله وجهك، أى: أكرمك،
ويستعمل الوجه فى أشرف ما يقصد، وأعظم ما يبتغى ، ووجه الله الكريم أشرف
ما يتوجه إليه ، وأكرم ما يتوسل به ، ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام: "لا يُسأل
بوجه الله إلا الجنة"(٢) كراهة أن يسأل به السائلون عرضا من أعراض الدنيا .
قوله : "وسلطانه القديم" السلطان فى الأصل الحجة ، والمراد به هاهنا قهره ، وقدرته
الباهرة القديمة ، فإن قلت : ما معنى اختصاص وجه الله الكريم، وسلطانه القديم بالذكر
عند الاستعاذة؟ قلت : لأن التعوذ إنما يصح بمن انتهى كرمه، وعلا شأنه، وكملت
قدرته ، فلا يَخْذِلُ المستعيذَ به، ولا يُسْلِمُهُ، ولا يُخَيِّبُ رجاءه، ولا يعجز عن أمره،
ولا يحيل إلى غيره، وذلك بما لا يوجد إلا عند الله، ولا ينال إلا منه .
قوله : "سائر اليوم"، / ١٦١ / أى: جميع اليوم.
(١) بل المراد وجه الله تعالى ، وجةً يليق به سبحانه ، وجه على الحقيقة ، لا تأويل فيه ولا تشبيه ،
ولا تعطيل، ولا تمثيل، ﴿ليس كمثله شىء وهو السميع البصير﴾ إجماع أهل السنة والجماعة ،
وانظر مجموع الفتاوى (١٢٩/٣ : ١٣٣).
(٢) أخرجه أبو داود فى كتاب الزكاة ، باب كراهية المسألة بوجه الله تعالى (١٦٧١) قال: حدثنا
أبو العباس الِقِلّوْرِى، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرمى ، عن سليمان بن معاذ التميمى ، ثنا ابن
المنكدر، عن جابر به. ومن طريقه أخرجه الخطيب فى "الموضح" (٣٥٢/١-٣٥٣)، وأخرجه
الخطيب فى "الموضح" (٣٥٣/١) وابن عدى فى "الكامل" (٢٥٧/٣) من طريق يعقوب بن
إسحاق به . وقال ابن عدى: "عن سليمان بن قرم" واختلف العلماء فى سليمان ، هل هو ابن
معاذ أو ابن قرم، وذكره الشيخ الألبانى فى "مشكاة المصابيح" (١٩٤٤) بعد أن ضعفه، على أنه
سليمان بن قرم بن معاذ، وسليمان هذا ضعيف ، قال فى التقريب: "سيئ الحفظ"، والله أعلم.
( ٢٣٢ )

[قال شيخ الإسلام : ]
١٢ - فصل فى الأذان ، ومن يسمعه
أقول : هذا الفصل فى بيان ما جاء فى فضائل الأذان ، والمؤذن ، وما يقال عند الأذان ،
وماذا يجب على من يسمعه .
[قال شيخ الإسلام:] ٦٤ - قال أبو هريرة - -: قال رسول الله مح لل: "لو يَعْلَمُ
النَّاسُ ما فى النِّدَاءِ، والصَّفُّ الأَوَّلِ، ثُم لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُواْ عَلَيْهِ،
لاَسْتَهَمُوا"(١).
أقول : النداء هو الأذان ، لأن معناه ما فى النداء إلى الصلاة، وليس النداء إلى الصلاة إلا
الأذان .
قوله : "أن يستهموا"، أى: يقترعوا، يقال: ساهمته أى : قارعته، فسهمته أُسهمه
بالفتح، وأسهم بينهم، أى: أقرع، وتساهموا، أى : تقارعوا، وهذا خارج مخرج
المبالغة فى فضل الأذان ، والصف الأول بأنه لو حصل الأذان ، والصف الأول بالقرعة
لاقترعوا على هذا تحصيلا لثوابهما، وتمام الحديث فى "الصحيحين": "ولو يعلمون ما فى
التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما فى العتمة، والصبح لأتوهما ولو حبوا" .
التهجير : السير فى الهاجر إلى صلاة الظهر للجماعة، وإلى صلاة الجمعة، وقد فسره
الأكثرون بالتبكير ، فمنهم من قال: إلى الجمعة، ومنهم من قال: إلى كل صلاة، والحبو
من حَبَى الصبىُّ على استه إذا زحف .
فإن قلت : هل يتصور حقيقة الاستهام فى الأذان ، والصف الأول ، قلت : نعم، فى
موضع يكون فيه جماعة ، وحضر وقت صلاة، فأراد كل منهم أن يؤذن وليس لذلك
الموضع مؤذن معين ، فالأذان لمن هو عالم بالأوقات ، ومتصف بالورع، والتقوى، حتى
(١) البخارى: كتاب الأذان ، باب الاستهام فى الأذان (٦١٥) ، مسلم: كتاب الصلاة ، باب
تسوية الصفوف وإقامتها ... (١٢٩/٤٣٧).
( ٢٣٣)

إذا تساووا فى ذلك يقرع / ١٦٢ / بينهم، فيؤذن من خرجت له القرعة ، وأما صورة
الاستهام فى الصف، إنما يكون إذا أقبل رجلان إلى الصف الأول ، وليس فيه إلا موضع
لواحد، فإن كان أحدهما أفضل فالموضع له، وإن تساوت حالهما ، وتشاحا ، يقرع
بينهما ، فمن خرجت له القرعة يدخل فى الصف .
فإن قلت : من هو الذى يكون فى الصف الأول؟ قلت : اختلف فيه ، فقيل : السابق إلى
المسجد، وقيل: الذى يلى الإمام .
قوله : "لاستهموا" جواب لو، أى: لاستهموا عليه، حذف "عليه" لدلالة الكلام الأول عليه .
[قال شيخ الإسلام:] ٦٥ - وعنه أيضا، أن رسول الله ﴿ قال: "إذَا نُودِىَ الصَّلاةِ(١)
أَدْبَرَ الشيطانُ له ضُرَاطٌ ، حتى لا يَسمِعُ التَّأْذِينَ، فإذا قُضِىَ التأذينُ أَقْبَلَ ، فإذا نُوِّبَ
بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ ، فإذا قُضِىَ الّغْوِيبُ أَقْبَلَ، حتَّى يَخْطَرَ بين المرْءِ ونَفْسِهِ، يقولُ : اذْكُرْ
كَذَا(٢)، لما [لم](٣) يَكُنْ يَذْكُرُ، حتى يَظَلَّ الرجلُ لا(٤) يَدْرِى كَمْ صَلَّى" متفق
عليهما(٥) .
أقول : أى : عن أبى هريرة أيضا .
قوله : "إذا نودي للصلاة" ، أى إذا أذن .
قوله : "أدبر الشيطان له ضراط" يعنى يهرب ، ويتولى ، حتى لا يسمع التأذين .
(١) فى "ج": "بالصلاة".
(٢) فى الكلم الطيب "اذكر كذا" مرتين، وفى الشرح "اذكر كذا وكذا".
(٣) زيادة من الكلم الطيب .
(٤) فى الكلم الطيب "ما" ، وفى الشرح ما يشعر بأنها "ما"، والله أعلم.
(٥) البخارى: كتاب الأذان، باب فضل التأذين (٦٠٨)، مسلم: كتاب الصلاة ، باب فضل
الأذان ... (١٩/٣٨٩).
( ٢٣٤ )

قوله: "له ضراط" جملة وقعت حالا، والأصل فى وقوع الجملة الاسمية حالا أن تكون
بالواو ، وقد تترك الواو كقوله : "كلمته فوه إلى فِىَّ"، فإن قلت: ما حقيقة هذا الكلام؟
قلت : هذا تمثيل لحال الشيطان عند هروبه من سماع الأذان بحال من خرقه أمر عظيم،
واعتراه خطب جسيم، حتى لم يحصل له الضراط من شدة ما هو به، لأن الواقع فى
الشدة العظيمة من خوف ، وغيره، تسترخى مفاصله، ولا يقدر على أن يحفظ نفسه
/ ١٦٣ / فينفتح مخرج البول، والغائط ، ولما كان الشيطان - عليه اللعنة - يعتريه شدة
عظيمة ، وداهية جسيمة عند النداء إلى الصلاة ، حتى يتوجه إلى الهروب ، حتى لا يسمع
الأذان ، شبه حاله بحال ذلك الرجل ، وأثبت له على وجه الادعاء الضراط الذى ينشأ من
كمال الشدة، والخوف، وفى الحقيقة ما ثَمَّ ضراط، ويجوز أن يكون له ضراط حقيقة
عند إدباره، ولم يعرف كيفيته(١)، فإن قيل: ما الحكمة أن الشيطان يهرب من الأذان ،
ولا يهرب من قراءة القرآن، وهى أفضل من الأذان؟ قيل له: إنما يفر من الأذان ، وله
ضراط ، لئلا يسمعه ، فيحتاج أن يشهد بما يسمع إذا استشهد يوم القيامة ، لأنه جاء فى
الحديث على ما يجىء الآن : "لا يسمع مدَى صوتِ المؤذنِ جنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شىءٌ
إلا شهد له يوم القيامة"(٢) والشيطان أيضا شىء، وقيل: الشيطان ليس بأهل للشهادة،
لأنه كافر، والمراد من الحديث : يشهد له المؤمنون من الجن، والإنس .
قوله : "ولا شىء" ، أى: من الجمادات، وأجيب بأن هذا ليس بشىء، لما جاء من
الآثار من خلافه، والأحسن فيه أن يقال: إنما يدبر الشيطان لعظم أمر الأذان ، لما اشتمل
عليه من قواعد التوحيد ، وإظهار شعار الإسلام، وإعلانه، وقيل : إنما يدبر ليأسه من
وسوسة الإنسان عند الإعلان بالتوحيد .
قوله : "فإذا قضى التأذين أقبل" يعنى: فإذا فُرِغ من الأذان أقبل الشيطان ، لزوال
ما يلحقه من الشدة ، والداهية .
(١) بل الظاهر أنه ضراط على الحقيقة كما قال القاضى عياض وغيره، وانظر الفتح (٨٤/٢).
(٢) يأتى تخريجه فى الحديث الآتى.
( ٢٣٥ )

قوله: "فإذا ثوب بالصلاة"، / ١٦٤ / أى: إذا أقيم للصلاة أدبر حتى لا يسمع الإقامة.
قوله : "فإذا قضى التثويب أقبل" يعنى: إذا فرغ من الإقامة وشرع فى الصلاة "أقبل
حتى يخطر بين المرء ونفسه" . وقوله : "يخطر" بضم الطاء وكسرها ، حكاهما القاضى
عياض. قال: ضبطناه عن المتقنين بالكسر، وسمعنا[٥] من أكثر الرواة بالضم، قال:
والكسر هو الوجه، ومعناه: يوسوس، وهو من قولهم: "خطر العجل بِذَنْبِه، إذا حركه
يضرب به فخذه ، وأما بالضم فمن السلوك والمرور، أى: يدنو منه، فيمر بينه وبين
قلبه ، فيشغله عما هو فيه ، والوسوسة أمر يتمكن منه الشيطان ، وجعل دواءه الاستعاذة ،
قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْعٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾(١).
قوله : "فيقول" أى: الشيطان يقول، ويوسوس فى قلب المصلى، ويقول له: "اذكر
كذا وكذا" لأشياء لم يكن هو يذكرها .
قوله : "حتى يظل الرجل [لا يدرى] كم صلى" وفى رواية: "حتى يظل الرجل إن
يدرى كيف صلى (٢)" "إن" بمعنى "ما". ثم قيل: "إن" بالكسر وقيل: بالفتح والصحيح
الكسر، و"يُظل" هاهنا بمعنى يصير، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشْرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ
وَجْهُهُ مُسْوَدًا﴾(٣) .
فإن قلت : ما معنى أنه أُثبت له الضراط فى إدباره الأول، ولم يَثبت فى الإدبار الثانى ؟
قلت . الشدة تلحقه فى الأول أعظم من الثانية ، فلذلك يلحقه الضراط فى الأول دون
الثانى، لأن الشدة الأولى تلحقه على سبيل الغفلة ، وتكون هى أعظم فافهم .
وقوله : "متفق عليهما" أى: على الحديثين، هذا الحديث والذى قبله .
(١) سورة فصلت (٣٦) .
(٢) البخارى (١٢٣١)، مسلم (٢٠/٣٨٩).
(٣) سورة النحل (٥٨) .
( ٢٣٦ )

[قال شيخ الإسلام:] ٦٦ - وقال أبو سعيد: سمعتُ رسول الله وَ ﴿ / ١٦٥ / يقول:
"لا يسمع مَدَى صوتِ الْمُؤَذّنِ جِنٌّ، ولا إنسٌ، ولا شَىءٌ، إلا شَهِدَ لَه يَوْمَ القِيَامَةِ" .
خرجه البخارى(١) .
أقول : أبو سعيد : سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبهر ، وهو :
خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الخدرى الأنصارى، روى له عن رسول الله لا لا
ألف حديث ومائة حديث وسبعون حديثا ، اتفقا على ستة وأربعين، وانفرد البخارى
بستة عشر، وانفرد مسلم باثنین(٢) وخمسین، وقد روی عن أبی بکر ، وعمر، وعثمان ،
وعبد الله بن سلام، وأبى قتادة الأنصارى، وأبيه مالك بن سنان ، وأخیه لأمه قتادة بن
النعمان . روی عنه عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وجابر بن عبد الله الأنصارى، وزید بن
ثابت ، وعبد الله بن عباس ، وأبو أمامة سهل بن حنيف، وسعيد بن المسيب، وطارق بن
شهاب ، وجماعة كثيرة غيرهم. مات بالمدينة سنة أربع وستين . وقيل : سنة أربع
وسبعين ، وهو ابن أربع وسبعين سنة. روى له الجماعة(٣).
قوله : "مدى صوت المؤذن" أى: غاية صوته، وإنما ورد البيان على الغاية مع حصول
الكفاية بقوله: "لا يسمع صوت المؤذن" تنبيها على أن آخر من ينتهى إليه صوت المؤذن
(١) البخارى: كتاب الأذان ، باب رفع الصوت بالنداء (٦٠٩) وله قصة وهى: "أن أبا سعيد
الخدرى قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة: إنى أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت
فى غنمك - أو باديتك - فأذنت بالصلاة ، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع ... ، فذكره
وقال: "سمعته من رسول الله وَ الشّ".
(٢) فى الأصل: "باثنتين" .
(٣) انظر ترجمته فى الاستيعاب (٣٠٢٧/٤)، أسد الغابة (٢٠٣٥/٢)، الإصابة (٣١٩٨/٣)،
وتقدمت ترجمته تحت الحديث رقم (٣٩).
( ٢٣٧ )

يشهد له ، كما يشهد له الأولون ، وفيه حث على استفراغ الجهد فى دفع الصوت
بالأذان .
فإن قيل : أى شىء يحتاج إلى شهادة الشاهدين وكفى بالله شهيدا؟ قلت : المراد منها
اشتهاره يوم القيامة فيما / ١٦٦ / بينهم بالفضل ، وعلو الدرجة ، ثم إن الله سبحانه
وتعالى كما يهين قوما بشهادة الشاهدين عليهم، تحقيقا لفضوحهم على رؤوس
الأشهاد ، وتسويدا لوجوههم، فكذلك يكرم قوما بشهادة الشاهدين ، تكميلا
لسرورهم، وتطييبا لقلوبهم، وبكثرة الشهود تزداد قرة عيونهم، فأخبر أن المؤذنين كلما
کانت أصواتهم أجھر، کانت شهودهم أکثر .
قوله : "جن ولا إنس" تقديم الجن لا يدل على أفضليته، لأن الواو لا تدل على
الترتيب ، ولكن تقديمه فى الذكر من قبل الترقى ، كأنه ترقى بذكر الجن أولا من
الأدنى إلى الأعلى، وهو الإنس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ﴾(١).
قوله : "ولا شىء" تعميم بعد تخصيص، وذلك لأجل المبالغة . قيل: هذا فيمن تصح منه
الشهادة ممن يسمع. وقيل: بل هو عام فى الحيوان والجماد ، وإن الله يخلق لها ولما
لا يعقل من الحيوان إدراكا للأذان ، وعقلا ومعرفة . واستفيد من هذا الحديث فوائد :
الأولى : يستحب أن يكون المؤذن صَيِّئًا .
والثانية : إن الجن يحشرون يوم القيامة كالإنس، ولهم الثواب، وعليهم العقاب .
والثالثة : هذا رد على قول من ينكر وجود الجن .
والرابعة : إن الجمادات تشهد يوم القيامة بأفعال العباد من الطاعة والمعصية .
(١) سورة الذاريات (٥٦).
( ٢٣٨ )

فإن قلت : أليس قد جمع بين الحقيقة والمجاز فى قوله: "لا يسمع" وفى قوله: "شهد"(١)؟
لأن السماع والشهادة حقيقة من حق الإنس والجن ، بجاز فى حق غيرهما من الأشياء؟
قلت : قد عرفت أن معنى / ١٦٧ / الشهادة كونه مشتهرا بينهم بالفضل ، حتى أن
كل من شهده عرف(٢) أنه إنما حصل له هذا من أذانه فى الدنيا ، فإذن له شهادة
لا حقيقة ولا مجازا، وأما فى السماع فيقدر فعل آخر لقوله: "ولا شىء" أى: ولا يسمع
شىء" فلا جمع، أو يكون المراد من سماع الجمادات أيضا حقيقة، وذلك بإسماعِ اللهِ
إياها ، وخَلْقُهُ فيها مَسامِعَ، وما ذلك على الله بعزيز(٣)، ثم اعلم أن هذه الفضيلة
للمؤذن الذى يؤذن بلا أجرة ، محتسبا لله تعالى، وأن يكون متورعا، عالما بالأوقات .
ثم اختلفوا أن الأذان أفضل أم الإمامة؟ فبعضهم رجحوا الأذان على الإمامة بهذا الحديث
وغيره، وهو مذهب الشافعى فى الصحيح، وفى قول: الإمامة أفضل، وهو مذهب
أبى حنيفة وأصحابه، والقول الثالث : هما سواء . والقول الرابع: إن علم من نفسه
القيام بحقوق الإمامة ، واستجمع خصالها، فهى أفضل، وإلا فالأذان أفضل ، والأصح
قول أبى حنيفة، لأن الإمامة وظيفة النبى و5 7 . .
[قال شيخ الإسلام:] ٦٧ - وقال أبو سعيد: قال رسول الله وَلّ: "إذا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ،
فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ الْمُؤَذِّثُ" . متفق عليه(٤).
أقول : أبو سعيد هو : سعد بن مالك الخدرى ، المذكور آنفا .
(١) فى الأصل : "فشهد" والتصويب من لفظ الحديث .
(٢) فى الأصل: "عرفه" خطأ .
(٣) بل الراجح أنه على الحقيقة، وهو كقول النار: "أكل بعضى بعضا"، وكقول البقرة: "إنما
خلقت للحرث" وكلاهما فى "الصحيحين"، وانظر "الفتح" (١٨/٢، ٨٨).
(٤) البخارى: كتاب الأذان ، باب ما يقول إذا سمع المنادى (٦١١) ، مسلم: كتاب الصلاة ، باب
استحباب القول مثل قول المؤذن ... (١٠/٣٨٣).
( ٢٣٩ )