Indexed OCR Text
Pages 1-20
العلم الحليب
في
شِرْح الكَلِمِ الطَّيِّبُ
تأليف
أَوْلَامِ أَبِي محمّد ◌َهُودِبن أحمد بن مُوسى بدر الدّينِ الصَّني
المتوفيسنة ٨٥٥ هـ
تحتِيمٌ
أَبما المُنذِر
خَالِدِ بتْ إِبْرَاهِيمُ المصري
مَكَثَنَةُ الرَّشْدَ
الرياضى
السَّلُمُ الْفَيََّّ
في
شَرْحِ الكَلِم الطيّبِّ
تأليف
إِمَامِ أُبي محمّد محمود بنُ أحَدَ يٌ مُوسِى بَدْر الدّينِ العَيْنِى
المتوفىسنة ٨٥٥هـ
تحقِيقِّ
أبى المُنذِرِ
خَالِد بنْ إبراهيم المصري
مكتبة الرشد
الرياض
شركة الرياض
لِلنشْرّ وَالتوزيع
جميع الحقوق محفوظة
الطبعَة الثّانيَة
١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م
مكتبة الرشد للنّشر والتوزيع
المملكة العربية السعودية - الرياض - طريق الحجاز
**
ص ب ١٧٥٢٢ الرياض ١١٤٩٤ هاتف ٤٥٩٣٤٥١
فاكس ٤٥٧٣٣٨١
فرع مكة المكرمة : - هاتف ٥٥٨٥٤٠١ _ ٥٥٨٣٥٠٦
*
* فرع المدينة المنورة : - شارع أبي ذر الغفاري - هاتف ٨٣٤٠٦٠٠
* فرع القصيم بريدة طريق المدينة - هاتف ٢٢٤٢٢١٤
* فرع أبها : - شارع الملك فيصل هاتف ٢٣١٧٣٠٧
* فرع الدمام : - شارع ابن خلدون - هاتف ٨٣٨٢١٥٧
شركة الرّيَاض للنشر والتوزيع
ضربٌ: ٣٣٦٢٠ - الهاض: ١١٤٥٨ - هاتف: ٤٥٩٤٧٧٩
مُقَدَّمَة
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبدهُ ورسولُهُ ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ أَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءٌ وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ
رَقِيبًا﴾ [النساء ١] .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أَمُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحَ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب ٧١،٧٠] .
أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخيرا لهدى هدى محمد وَل﴿، وشر الأمور محدثاتها
وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة(١).
فالحمد لله - عز وجل - القائل فى كتابه العزيز: ﴿فاذكروني أذكركم﴾(٢)، والقائل
سبحانه فى الحديث القدسى : "أنا عند ظن عبدى بى، وأنا معه إذا ذكرنى. فإن ذكرنى
فى نفسه ذكرته فى نفسى ، وإن ذكرنى فى ملاٍ ذكرته فى ملٍ خير منهم ... "(٢).
فسبحان من أثاب على القليل بالكثير، وأعطى على العمل اليسير الجزاء العظيم .
(١) انظر تخريجه برقم (٢٠١).
(٢) سورة البقرة (١٥٢) .
(٣) متفق عليه من حديث أبى هريرة .
(٣ )
وصلى الله وسلم على نبينا القائل : "ألا أنبئكم بخير أعمالكم؟ وأز كاها عند مليككم؟
وأرفعها فى درجاتكم؟ وخير لكم من إنفاق الذهب والوَرق؟ وخير لكم من أن تلقوا
عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: ذكر
الله"(١) .
فأى منزلة أعظم من هذه المنزلة؟ وأى عمل أزكى من ذكر الله؟ ولما كان للذكر من
الفضل العظيم ماله ، شرع الله على لسان نبيه من الأذكار ما يجعل المسلم مرتبطا بربه ليل
نهار، وعلى مدار الأزمان والأعمار: فى يومه وليلته ، وقيامه واستيقاظه، وأكله
وشربه ، وذهابه وأوبه، وغير ذلك مما يجعله وثيق الصلة بربه، فلا يغفل عن ذكره،
فتضعف الشهوات ، وتسموا النفس ، وتهفوا إلى طاعة ربها ، فتنال بذلك رضاه وثوابه
فى الدنيا والآخرة .
ولما كان للذكر هذه المنزلة العظيمة اعتنى العلماء به قديما وحديثا، فمنهم من أفرده
بمصنفات خاصة كالنسائى وابن السنى فى "عمل اليوم والليلة" لهما، ومنهم من أدخله
فى جملة مصنفاته كالبخارى ومسلم وغيرهما ، وكان من العلماء الأجلاء الذين أفردوه
بمصنف خاص هو شيخ الإسلام ابن تيمية ، الذى أفرده فى "الكلم الطيب" ثم قام العلامة
. البدر العينى بشرحه شرحا وافيا فى "العلم الهيب فى شرح الكلم الطيب"، وقد أودعه
مؤلفه من الفوائد والفرائد ما تقر به أعين الناظرين فيه، فجزاه الله عنا وعن الإسلام
والمسلمين خير الجزاء، ونسأل الله - سبحانه - أن ينفع به المسلمين ، اللهم آمين .
(١) انظر الحديث رقم (١).
( ٤)
ترجمة بدر الدين العينى (١) *
اسمه وكنيته :
هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين بن يوسف بن محمود العينتابى الحلبى
الأصل ، العنتابى المولد، ثم القاهرى الحنفى المعروف بالعينى أبو الثناء ابن الشهاب ،
أبو محمد ، بدر الدين .
مولده :
ولد فى درب كيكين فى السابع عشر من رمضان سنة اثنتين وستين وسبعمائة من
الهجرة ، الموافق سنة إحدى وستين وثلاثمائة وألف من الميلاد .
نشأته العلمية ورحلته فى طلب العلم ووظائفه :
ولد - رحمه الله تعالى - فى درب كيكين، ونشأ بعينتاب، وقرأ القرآن، ولازم الشيخ محمد
الراعى بن الزاهد ابن أحد الآخذين عن الركن قاضى قرم وأكمل الدين ونظرائهما فى الصرف
والعربية والمنطق وغيره، وكذا أخذ الصرف والفرائض السراجية وغيرهما عن البدر
ومحمود بن أحمد العينتابى الواعظ . وقرأ المفصل فى النحو والتوضيح مع متنه التنقيح على الأثير
جبريل جن صالح البغدادى تلميذ التفتازانى، والمصباح فى النحو على خير الدين القصير وسمع
ضوء المصباح على ذى النون ، وقرأ على الحسام الرهاوى مصنفه البحار الزاخرة فى المذاهب
(١) انظر ترجمته فى "الضوء اللامع (١٣١/١٠-١٣٥)، البدر الطالع (٢٩٤/٢-٢٩٥)، شذرات
الذهب (٢٨٧/٧-٢٨٨)، نظم العقيان (١٧٤-١٧٥)، بغية الوعاة (٢٧٥/٢-٢٧٦)، حسن
المحاضرة (٢٧٠/١)، معجم المؤلفين (١٥٠/١٢)، الأعلام للزر كلى (١٦٣/٧).
(٥)
الأربعة، ولازم فى المعانى والبيان والكشاف وغيرهما الفقيه عيسى بن الخاص بن محمود
السرماوى تلميذ الطيبى والجاربردى، وبرع فى هذه العلوم، وناب عن أبيه فى قضاء بلده،
وارتحل إلى حلب فى سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة ، فقرأ على الجمال يوسف بن موسى الملطى
البزدوى، وسمع عليه فى الهداية وفى الأخسيكتى، وأخذ عن حيدر الرومى ، شارح الفرائض
السراجية ، ثم عاد إلى بلده، ولم يلبث أن مات والده فارتحل أيضا، فأخذ عن الولى البهستى
ببهستا، وعلاء الدين بكختا، والبدر الكشافى بلطية، ثم رجع إلى بلده، ثم حج ودخل
دمشق، وزار بيت المقدس ، فلقى فيه العلاء أحمد بن محمد السيرافى الحنفى ، فلازمه ،
واستقدمه معه إلى القاهرة فى سنة تسع وثمانين وسبعمائة ، ولازمه فى الفقه وأصوله والمعانى
والبيان وغيرها ، وأخذ محاسن الإصلاح عن مؤلفه البلقينى، وسمع على العسقلانى الشاطبية ،
وعلى الزين العراقى صحيح مسلم، والإلمام لابن دقيق العيد، وقرأ على التقى الدجوى الكتب
الستة ، ومسند عبد بن حميد، ومسند الدرامى ، وقريب الثلث الأول من مسند أحمد، وعلى
القطب عبد الكريم حفيد الحافظ القطب الحلبى بعض المعاجم الثلاثة للطيرانى ، وعلى
الشرف بن الكويك الشفا، وعلى تغرى برمش شرح معاني الآثار للطحاوى ، وفى غضون
هذا دخل دمشق، فقرأ بها بعضا من أول البخارى على النجم بن الكشك الحنفى ، عن
الحجار - وكان حنفيا - ، عن ابن الزبيدى الحنفى، وقرأ مسند أبى حنيفة، للحارثى على
الشرف بن الكويك، ولم يزل فى خدمة البرقوقية حتى مات شيخها العلاء، فأخرجه جركس
الخليلى أمير آخور منها ، بل رام إبعاده عن القاهرة أصلا ، مشيا مع بعض حسدة الفقهاء،
فكفه السراج البلقينى ، ثم بعد يسير توجه إلى بلاده، ثم عاد وهو فقيه مشهور، ثم حج سنة
تسع وتسعين وسبعمائة ، فلما مات الظاهر برقوق سُعِىَ له فى حسبة القاهرة، فاستقر فيها
فى مستهل ذى الحجة سنة إحدى وثمانمائة ، ثم انفصل عنها قبل تمام شهر بالجمال الطنبدى
ابن عرب، وتكررت ولايته لها، وكان فى مباشرته لها يعزر من يخالف أمره بأخذ بضاعته
غالبا، وإطعامها الفقراء والمحابيس، وكذا ولى فى الأيام الناصرية عدة تداريس، ووظائف
دينية، كتدريس الفقه بالمحمودية، ونظر الأحباس، ثم انفصل عنها، وأعيد إليها فى أيام
المؤيد، وقرره فى تدريس الحديث فى المؤيدية أول ما فتحت ، ولما استقر الظاهر ططر زاد فى
(٦)
إكرامه لسبق صحبته معه، بل تزايد اختصاصه بعدُ بالأشراف حتى كان يسامره، ويقرأ له
التاريخ الذى جمعه باللغة العربية، ثم يفسره له بالتركية، لتقدمه فى اللغتين ، ويعلمه أمور
الدين، وعرض عليه النظر على أوقاف الأشراف فأبى، ولم يزل يترقى عنده إلى أن عينه
لقضاء الحنفية، وولاه إياها مسؤولا على حين غفلة فى ربيع الآخر سنة تسع وعشرين
وثمانمائة، ومات الأشراف وهو قاض، ثم صُرِفَ بالسعد بن الديرى سنة اثنتين وأربعين
وثمانمائة ، ولزم بيته مقبلا على الجمع والتصنيف ، مستمرا على تدريس الحديث بالمؤيدية
ونظر الأحباس حتى مات ، غير أنه عزل عن الأحباس بالعلاء بن أقبرس سنة ثلاث
وخمسين وثمانمائة ، ولم يجتمع القضاء والحسبة ونظر الأحباس فى آن واحد لأحد
قبله ظنا .
مكانته العلمية :
كان - رحمه الله - إماما عالما، علامة، فقيها، أصوليا، مفسرا، محدثا، مؤرخا ،
لغويا، نحويا ، عارفا بالصرف والعربية ، حافظا للتاريخ واللغة، مشاركا فى الفنون ، ذا
نظم ونثر ، لا يَمَلُّ من المطالعة والكتابة، وكان كثير التصنيف، وقد قيل أنه كتب
الحاوى فى ليلة ، وكذا "القدورى" فى ليلة ، اشتهر اسمه، وبَعُدَ صيته مع لطف العشرة
والتواضع، وعَمَّرَ مدرسة مجاورة لسكنه بالقرب من جامع الأزهر، وكان يصرح بكراهة
الصلاة فى جامع الأزهر لكون واقفه رافضيا .
عقيدته :
كان - رحمه الله - على عقيدة السلف الصالح إلا فى باب الأسماء والصفات، ويبدو أنه
تأثر - كغيره - بأهل عصره ومشايخه ، حيث كانوا يؤولون الأسماء والصفات ، وكانوا
ينتهجون فى ذلك منهج الأشاعرة القديم ، الذى نشره فى مصر والشام الآمدى
(المتوفى ٦٣١ هـ) والأرموى (المتوفى ٦٨٢ هـ)، وأعقبهم الإيجى صاحب "المواقف"،
وكان معاصرا لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتابه "المواقف" يعتبر تقنينا وتنظيما لفكر
( ٧)
الرازى ومدرسته ، وهو عمدة مذهب الأشاعرة قديما وحديثا، ويظهر ذلك واضحًا جليًا
عند كلامه على صفات الله وأسمائه، كما فى مقدمة الكتاب عند كلامه على "الرحمن
الرحيم"، وشرحه للحديث (رقم/٦٠) عند قوله وَ ل "أعوذ بكلمات الله التامة: من
غضبه"، وشرحه لحديث نزول العلى العظيم، وهو برقم (٥٠)، ومما يؤكد أنه - رحمه
الله - كان متأثرًا بأهل عصره وشيوخه فى هذه التأويلات ، لا متبنيها ولا داعيا إليها ، أنه
يأتى عند حديث السفر (رقم/١٧٠) وفيه " ... أنت الصاحب فى السفر، والخليفة فى
الأهل ... " فيقول: "فيه دليل على إطلاق لفظ الصاحب والخليفة على الله تعالى" ،
فرحم الله الشيخ وغفر له .
شيوخه :
١ - محمد الراعى بن الزاهد .
٢ - محمود بن أحمد العينتابى الواعظ .
٣ - جبريل بن صالح البغدادى .
٤ - خير الدين القصير .
٥ - الحسام الرهاوى .
٦ - عيسى بن الخاص بن محمود السرماوى .
٧ - يوسف بن موسى جمال الدين الملطى .
٨ - حيدر الرومى .
٩ - الولى البهستى .
١٠ - أحمد بن محمد السيرافى علاء الدين .
١١ - أحمد بن خاص التركى.
١٢ - سراج الدين البلقينى .
١٣ - التقى الدجوى .
١٤ - العز بن الكويك .
(٨)
١٥ - الشرف بن الكويك وغيرهم كثير .
١٦ - و کان من أفضل تلاميذه ابن تغرى بردى .
* مصنفاته :
كان رحمه الله كثير التصانيف ، ونذكر منها:
١ - عمدة القارى شرح صحيح البخارى .
٢ - العلم الهيب فى شرح الكلم الطيب ، وهو كتابنا هذا.
٣ - شرح قطعة من سنن أبى داود .
٤ - عقد الجمان فى تاريخ أهل الزمان .
٥ - مغانى الأخيار فى رجال معانى الآثار .
٦ - تاريخ البدر فى أوصاف أهل العصر .
٧ - مبانى الأخبار فى شرح معانى الآثار .
٨ - نخب الأفكار فى تنقيح الأخبار .
٩ - البناية فى شرح الهداية .
١٠ - رمز الحقائق فى شرح كنز الدقائق .
١١ - الدرر الزاهرة فى شرح البحارى الزاخرة .
١٢ - المسائل البدرية .
١٣ - السيف المهند فى سيرة الملك المؤيد أبى النصر.
١٤ - منحة السلوك فى شرح تحفة الملوك .
١٥ - المقاصد النحوية فى شرح شواهد شروح الألفية، ويعرف بالشواهد الكبرى .
١٦ - فرائد القلائد، مختصر شرح شواهد الألفية ، ويعرف بالشواهد الصغرى .
١٧ - الروض الزاهر فى سيرة الملك الظاهر ططر .
١٨ - طبقات الشعراء .
١٩ - طبقات الحنفية .
٢٠ - اختصار تاريخ ابن خلكان وغيرها من التصانيف الكثيرة .
( ٩)
د
وفاته :
توفى - رحمه الله - فى ليلة الثلاثاء، رابع ذى الحجة ، سنة خمس وخمسين وثمانمائة من
الهجرة ، الموافق إحدى وخمسين وأربعمائة وألف من الميلاد، ودفن بمدرسته التى أنشأها ،
بعد أن صلى عليه المناوى بالأزهر .
فرحمه الله رحمة واسعة ، فقد خلف علما نافعا، وكتبا خالدة، تشهد له بالعلم والفضل ،
فجزاه الله - هو وأئمة المسلمين - خير الجزاء .
( ١٠ )
ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية (١) *
لأن شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى رحمة واسعة - أشهر من أن يترجم له ، "وهو أعظم
من أن تصفه كَلِمِى ، وينبه على شأوه قلمى ، فإن سيرته وعلومه ومعارفه ومحنه وتنقلاته
يَحتَمل أن ترصع فى مجلدتين"(٢) رأيت أن أترجم له بترجمة بسيطة، موجزة غير مخلة،
تتناسب والكتاب ،
فهو "(٣) إمام الأئمة، ومفتى الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعانى
والألفاظ، فريد العصر، وقريع الدهر ... أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن
عبد الله بن الخضر الحرانى، نزيل دمشق ، صاحب التصانيف التى لم يسبق إلى مثلها" .
* مولده : ولد بحَرَّان ، يوم الاثنين عاشر - وقيل: ثانى عشر - ربيع الأول، سنة إحدى
وستين وستمائة .
نشأته العلمية :
قدم مع والده وأهله دمشق وهو صغير فى أثناء سنة سبع وستين ، وكان يحضر المدارس
والمحافل فى صغره، فيتكلم ويناظر، ويفحم الكبار، ويأتى بما يتحير منه أعيان البلد فى
العلم، سمع "مسند الإمام أحمد" مرات، و"معجم الطبرانى الكبير"، والكتب الكبار
(١) انظر ترجمته فى "تذكرة الحفاظ (١٤٩٦/٤-١٤٩٧)، ذيل العبر (١٥٧-١٥٨)، تتمة المختصر
(٤٠٦/٢-٤١٢)، فوات الوفيات (٧٤/١-٨٠)، الواقى بالوفيات (١٥/٧-٣٣)، طبقات
علماء الحديث (١١٥٦/٤)، "العقود الدرية فى مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية"، مرآة
الجنان (٢٧٧/٤-٢٧٨)، البداية والنهاية (١٣٥/١٤-١٣٩)، ذيل طبقات الحنابلة (٣٨٧/٢-
٠٠
٤٠٨)، الدرر الكامنة (١٥٤/١-١٧٠)، المنهل الصافى (٣٣٦/١-٣٤٠)، النجوم الزاهرة
(٢٧١/٩-٢٧٢)، طبقات الحفاظ (٥١٦-٥١٧)، طبقات المفسرين للداودى (٤٥/١-٤٩)،
شذرات الذهب (٨٠/٦-٨٦)، البدر الطالع (٦٣/١-٧٢).
(٢) اقتباس من ترجمته للذهبى.
(٣) اقتباس من طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادى.
( ١١ )
والأجزاء، وعنى بالحديث ، وقرأ بنفسه الكثير، وقرأ الغيلانيات فى مجلس، وتعلم الخط
والحساب فى المكتب، واشتغل بالعلوم، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أياما
فى العربية على ابن عبد القوى ، ثم فهمها ، وأخذ يتأمل "كتاب سيبويه" حتى فهمه،
وبرع فى النحو ، وأقبل على التفسير إقبالاً كليا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم
أصول الفقه وغير ذلك، هذا كله وهو ابن بضع عشرة سنة ، وأفتى وله نحو سبع عشرة
سنة ، وشرع فى الجمع والتأليف منذ ذلك الوقت، ومات والده - وكان من كبار
الحنابلة - فدرس بعده فى وظائفه وله إحدى وعشرون سنة ، واشتهر أمره ، وأخذ فى
تفسير الكتاب العزيز أيام الجمع على كرسى من حفظه ، وحج سنة إحدى وتسعين وله
ثلاثون سنة ، ورجع وقد انتهت إليه الإمامة فى كل شىء .
جهاده :
كان رحمه الله وحيد دهره، وفريد عصره حتى فى جهاده، فلقد كان من الذين جُمعَ لهم
الجهادان: جهاد السيف والقلم، فقد كان قويا على خصومه، ظاهرا عليهم بالحجج
والبراهين ، مفندا لأدلتهم، مما حملهم على الكيد له، والتربص به، حتى بهتوه عند الحكام،
فأمر بحبسه مرارا، وحينما جاء التتار إلى الشام سنة (٦٩٩ هـ) وانهزم جيش الناصر بن
قلاوون ظهر شيخ الإسلام حين تخاذل وفر الأمراء والعلماء، وآثر البقاء مع الناس ليواجه
التقر، فجمع أهل البلد، واتفق معهم أن يذهبوا لمقابلة ملك التتر "قازان" ، فالتقى به، وفتح
الله علیه من الكلام ما أدهش ملك التتر ، حتى أعجب من جرأته ومهابته، ووعده خیرا ،
وأعطى الناس الأمان، وحينما عاد التتار إلى الشام سنة (٧٠٢) أخذ يعمل على تكوين جبهة
قوية من العلماء والأمراء، لمواجهة جيوش التتار ، حتى كتب الله لهم نصرا مؤزرا .
ثناء العلماء عليه :
٤ قال الحافظ المزى : "ما رأيت مثله، ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدا أعلم
بكتاب الله وسنة رسوله ، ولا أتبع لهما منه" .
وقال ابن الزملكانى : "كان إذا سئل عن فن ظن الرائى والسامع أنه لا يعرف غير
ذلك الفن ، وحكم أن أحدا لا يعرفه مثله".
( ١٢ )
٤ وقال عماد الدين الواسطى: "والله ثم والله ثم والله لم أر تحت أديم السماء مثله
علما وعملا، وحالا وخلقا، واتباعا وكرما، وحلما فى حق نفسه، وقياما فى
حق الله عند انتهاك حرماته" .
وقال الذهبى: "فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه، وإن عُدَّ الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق،
وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلسهم وتيسهم(١)،
وهتك أستارهم". وقال: "كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث".
* مصنفاته :
لشيخ الإسلام - رحمه الله - من المؤلفات والفتاوى والقواعد، والرسائل والتعاليق
مالا ينحصر ولا ينضبط ، وأسماء مصنفاته تحتاج إلى أوراق كثيرة، ولتلميذه ابن القيم
كتاب "أسماء مؤلفات ابن تيمية" حققه الشيخ(٢) صلاح الدين المنجد، ونشره مجمع اللغة
العربية بدمشق، وانظر "العقود الدرية" (ص/٢٦ : ٦٧).
وفـاتـه :
كانت وفاته - رحمه الله - ليلة الاثنين(٣)، العشرين من ذى القعدة ، سنة ثمان وعشرين
وسبعمائة ، رحمه الله رحمة واسعة ، وأثابه الجنة برحمته .
* نسبة كتاب "الكلم الطيب" إلى شيخ الإسلام:
شكك بعض الناس فى نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام، وذلك لما فيه من الأحاديث
الضعيفة ، بل والمنافية للعقيدة كما فى الأثرين (٢٣٢،٢٣١)، وقالوا : كيف يتفق هذا
(١) أبطل. قولهم .
(٢) تحاشيت كلمة "الدكتور" وأبدلتها بـ"الشيخ" إشارة إلى ما ابتليت به الأمة من "تغريب الألقاب
العلمية" ولتنظر رسالة الشيخ / بكر أبو زيد"تغريب الألقاب العلمية" ، وإلى الله المشتكى.
(٣) فائدة : كانت ولادته ووفاته - رحمه الله - ليلة الاثنين، وهو اليوم الذى ولد وتوفى فيه
المصطفى ڭ .
( ١٣)
وما عُرف عن شيخ الإسلام من غزارة علمه، وسعة معرفته ومنافحته عن العقيدة ،
والإغلاظ فى القول لأعدائها؟ وأقول: أما نسبة الكتاب إليه فنسبة صحيحة ، فقد نسبه
إليه البدر العينى وهو شارحه فى كتابنا هذا، وكذلك كل من نسب كتاب "العلم
الهيب" إلى مؤلفه وكذلك حاجى خليفة فى "كشف الظنون" (١٥٠٦/٢).
وأما الجواب عن إيراده الأحاديث الضعيفة ، بل والموضوعة، فقد أجاب عنها الشيخ
الألبانى - حفظه الله - فى مقدمة تحقيقه للكتاب بثلاثة أجوبة ، ملخصها :
١- إشارته إلى تضعيف بعض الأحاديث بتصديرها بصيغة التمريض، والبعض الآخر لعله
لم يثبت عنده ضعفها فاكتفى بالإشارة إلى مخرجيها ، تسهيلا لمن يريد التحقيق فيها .
٢ - أنه قد يعتمد على غيره من المتقدمين فى تصحيح الحديث أو تحسينه ، لعدم تمكنه من
دراسة إسناده لعدم تفرغه ، خاصة إذا كان علامة فى العلوم كلها ، فيصعب عليه أن
يتحقق من صحة كل حديث أو ضعفه بنفسه، وقد يكون الذى اعتمد على
تصحيحه من المتساهلين كالترمذى ، فيقع فى الخطأ .
٣ - لعله - رحمه الله - اختصره من "الأذكار" للإمام النووى ، فتبعه فى إيراده لكل
الأحاديث ، وفى صورة تخريجها، وفى تضعيفها والسكوت عنها" اهـ.
قلت : وما أجمل ما قاله الحافظ الذهبى فى ترجمته فى "تذكرة الحفاظ": "وقد انفرد
بفتاوى نيل من عرضه لأجلها، وهى مغمورة فى بحر علمه، فالله تعالى يسامحه، ويرضى
عنه ، فما رأيت مثله، وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك، فكان ماذا؟" .
* استطراد :
لما كان كتاب "الكلم الطيب" من الكتب التى يحتاج إليها المسلم فى يومه وليلته، وقد وقع فيه
من الأحاديث الضعيفة ما وقع، لما كان الأمر كذلك، رأيت أنه من المناسب - تتميما
للفائدة - أن أورد حكم العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال وغيره، ليكون المسلم
على بينة من الأمر ، ولما كان الشيخ الألبانى - حفظه الله - قد تكلم فى هذا الأمر، فأجاد
وأفاد ، رأيت من الأفضل أن أنقل كلامه بنصه، لتعم الفائدة، ويكثر الخير، والله المستعان .
( ١٤ )
قال الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - :
القاعدة الحادية عشرة(*)
لا يجوز ذكر الحديث الضعيف إلا مع بيان ضعفه
لقد جرى كثيرٌ من المؤلفين ولاسيما فى العَصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم
واختصاصاتهم على رواية الأحاديث المنسوبة إلى النبى ﴿ دون أن يُنبِّهوا على الضعيفة
منها ، جهلاً منهم بالسنة، أو رغبةً أو كسلاً منهم عن الرجوع إلى كتب المتخصِّصين
فيها ، وبعض هؤلاء - أعنى المتخصصين - يتساهلون فى ذلك فى أحاديث فضائل
الأعمال خاصة !
قال أبو شامة (١):
"وهذا عند المحقّقين من أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأ، بل ينبغى أن يُبَيَّنَ
أَمْرُه إن عُلِم، وإلا دخل تحت الوعيد فى قوله { ل: "مَنْ حدَّثَ عنى بحديثٍ يُرى أَنَّه
كذِبٌ فهو أحد الكاذبَيْن"، رواه مسلم" .
هذا حُكْمُ من سَكَتَ عن الأحاديث الضعيفة فى الفضائل ! فكيف إذا كانت فى الأحكام
ونحوها ؟
واعلم أن مَن يفعل ذلك فهو أحدُ رجلين :
١ - إمّا أن يعرف ضعف تلك الأحاديث ولا يُنَبِّه على ضعفها، فهو غاشٌ للمسلمين،
وداخلٌ حتمًا فى الوعيد المذكور. قال ابن حبَّان فى كتاب "الضعفاء" (٧/١-٨):
هذا البحث مُستل من "تمام المنة فى التعليق على فقه السنة" للشيخ الألبانى.
(١) فى "الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص/٥٤).
( ١٥)
"فى هذا الخبر دليلٌ على أن المُحَدّث إذا روى ما لم يَصِحْ عن النبىِلَّ مما تُقُوِّلَ عليه
وهو يعلم ذلك يكون كأحد الكاذبَيْن، على أنَّ ظاهرَ الخبر ما هو أشدُّ قال ◌َّ: "من
روى عنى حديثًا وهو يرى أنه كذب ... " - ولم يقل: إنه تَيَقْن أنه كذب - فكل شاك
فيما يروى أنه صحيح أو غير صحيح داخل فى ظاهر خطاب هذا الخبر" .
ونقله ابن عبد الهادى فى "الصارم المنكى" (ص ١٦٥-١٦٦)، وأقره .
٢ - وإما أن لا يعرف ضعفها فهو آثم أيضًا لإقدامه على نسبتها إليه مُ دون علم، وقد
قال ◌َ﴿: "كفى بالمرء كَذِبًا أن يُحَدِّثَ بكل ما سمع"(١)، فله حظّ من إثم الكاذب على
رسول الله ﴿، لأنه قد أشار ﴿ أَنَّ من حَدَّث بكل ما سمعه - ومثله من كتبه - أنه
واقعٌ فى الكذب عليه ﴿ لا محالة، فكان بسبب ذلك أحد الكاذبين.
الأول : الذى افتراه، والآخر: هذا الذى نشره! قال ابن حبَّان أيضًا (٩/١):
"فى هذا الخبر زَجْرٌ للمرء أن يُحدِّث بكل ما سمع حتى يعلم علم اليقين صحّته".
وقد صرَّح النووى بأن من لا يعرف ضعف الحديث لا يحلُّ له أن يهجم على الاحتجاج
به من غير بحثٍ عليه بالتفتيش عنه إن كان عارفًا، أو بسؤال أهل العلم إن لم يكن
عارفًا(٢) . وراجع "التمهيد" فى مقدمة الضعيفة (ص ١٠-١٢).
(١) رواه مسلم (رقم: ٥) فى مقدمة "صحيحه، وهو مخرج فى "الصحيحة" (٢٠٥).
(٢) راجع "قواعد التحديث" .
( ١٦ )
القاعدة الثانية عشرة
تَرْك العمل بالحديث الضعيف فى فضائل الأعمال
اشتهر بين كثير من أهل العلم وطُلاَّبه أن الحديث الضعيف يجوز العمل به فى فضائل
الأعمال . ويظنّون أنه لا خلاف فى ذلك. كيف لا والنووىُّ - رحمه الله - نقل الاتفاق
عليه فى أكثر من كتاب واحد من كتبه؟ وفيما نقله نظرٌ بِيِّن؛ لأن الخلاف فى ذلك
معروف ، فإن بعض العلماء المحققين على أنه لا يُعمل به مطلقًا؛ لا فى الأحكام ولا فى
الفضائل. قال الشيخ القاسمى - رحمه الله - فى "قواعد التحديث" (ص ٩٤).
"حكاه ابن سيِّد الناس فى "عيون الأثر" عن يحيى بن معين، ونسبه فى "فتح المغيث"
لأبى بكر بن العربى ، والظاهر أن مذهب البخارى ومسلم ذلك أيضا ... وهو مذهب ابن
حزم ... ".
قلت : وهذا هو الحق الذى لا شك فيه عندى لأمور :
الأول : أن الحديث الضعيف إنما يفيد الظن المرجوح، ولا يجوز العمل به اتفاقًا، فمن
أخرج من ذلك العملَ بالحديث الضعيف فى الفضائل لابد أن يأتى بدليل ، وهيهات !
الثانى : أننى أفهم من قولهم: " ... فى فضائل الأعمال" ، أى الأعمال التى ثَبَتَتْ
مشروعيتها بما تقوم الحُجة به شرعًا، ويكون معه حديثٌ ضعيفٌ، يُسَمى أجرًا خاصا لمن
عمل به، ففى مثل هذا يُعمل به فى فضائل الأعمال ، لأنّه ليس فيه تشريعُ ذلك العمل
به ، وإنَّما فيه بيانُ فَضْلٍ خاصُ يُرجى أن يناله العاملُ به. وعلى هذا المعنى حَمَلَ القولَ
المذكور بعضُ العلماء كالشيخ على القارى - رحمه الله، فقال فى "المرقاة" (٣٨١/٢):
"قوله: إن الحديث الضعيف يُعمل به فى الفضائل وإن لم يُعتضد إجماعًا كما قاله
النووى، محله الفضائلُ الثابتةُ من كتاب أو سنة" .
( ١٧)
وعلى هذا، فالعمل بهُ جائز إن ثبت مشروعيةُ العمل الذى فيه بغيره مما تقومُ بِهِ الحُجَّة ،
ولكِنِّى أعتقدُ أنَّ جمهور القائلين بهذا القول لا يريدون منه هذا المعنى مع وضوحه، لأنّنا
نراهم يعملون بأحاديث ضعيفةٍ لم يثبت ما تَضَمَّنْهُ من العمل فى غيره من الأحاديث
الثابتة ، مثل استحباب النووى ... إجابةَ المقيم فى كلمتى الإقامة بقوله : "أقامها الله
وأدامها" ، مع أن الحديث الوارد فى ذلك ضعيفٌ كما سيأتى بيانُه، فهذا قولٌ لم يثُبُتْ
مشروعيته فى غير هذا الحديث الضعيف، ومع ذلك فقد استحبوا ذلك مع أنَّ
الاستحباب حكمٌ من الأحكام الخمسة التى لابُدَّ لإثباتها من دليلٍ تقومُ به الحجة ، وكم
هناك من أمور عديدة شرعوها للناس واستحبوها لهم إنما شرعوها بأحاديث ضعيفة
لا أصل لما تضمَّنَتْه من العمل فى السنة الصحيحة ، ولا يَتّسع المقام لضرب الأمثلة على
ذلك، وحسبُنا ما ذكرته من هذا المثال، وفى الكتابِ أمثلةٌ كثيرةٌ سيأتى التنبيه عليها فى
مواطنها إن شاء الله .
على أنَّ المهمَّ هاهنا أن يعلم المخالفون أن العمل بالحديث الضعيف فى الفضائل
ليس على إطلاقه عند القائلين به، فقد قال الحافظُ ابن حجر فى "تبيين العَجَب"
(ص ٣ -٤).
"اشتُهرَ أن أهل العلم يتساهلون فى إيراد الأحاديث فى الفضائل وإن كان فيها ضعف
ما لم تكن موضوعةٌ ، وينبغى مع ذلك اشتراطُ أن يعتقدَ العاملُ كونَ ذلك الحديثِ
ضعيفًا، وأن لا يُشهر ذلك لئلا يعملَ المرءُ بحديثٍ ضعيف فُيُشرع ما ليس بشرع، أو يراه
بعض الجهَّال فيظن أنه سنة صحيحة ، وقد صرح بمعنى ذلك الأستاذ أبو محمد بن
عبد السلام وغيره، وليحذر المرء من دخوله تحت قوله وَ ل: "مَن حدَّث عنى بحديث
يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن" ، فكيف بمن عمل به؟! ولا فرق فى العمل بالحديث
فى الأحكام أو فى الفضائل إذ الكل شرع" .
( ١٨ )
فهذه شروطٌ ثلاثة مهمَّة لجواز العمل به :
١ - أن لا يكون موضوعاً .
٢ - أن يعرف العاملُ به كونه ضعيفًا .
٣ - أن لا يُشهر العمل به .
ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من العُلماء فضلاً عن العامَّة متساهلين بهذه الشروط ، فهم
يعملون بالحديث دون أن يعرفوا صحته من ضعفه، وإذا عرفوا ضَعْفَه لم يعرفوا مقداره،
وهل هو يسيرٌ أو شديد يمنعُ العملَ به. ثم هم يشهرون العملَ به كما لو كان حديثًا
صحيحًا ! ولذلك كثُرَت العبادات التى لا تصحُّ بين المسلمين، وصَرَفَتهم عن العبادات
الصحيحة التى وَرَدت بالأسانيد الثابتة .
ثم إنَّ هذه الشروطَ تُرجِّحُ ما ذهبنا إليه من أنّ الجمهورَ لا يُريد المعنى الذى رجَّحناه
آنفًا؛ لأنَّ هذا لا يُشترط فيه شىءٌ من هذه الشروط كما لا يخفى .
ويبدو لى أنَّ الحافظَ - رحمه الله - يميل إلى عدم جواز العمل بالضعيف بالمعنى المرجوح
لقوله فيما تقدم: " ... ولا فرق فى العمل بالحديث فى الأحكام أو فى الفضائل، إذ الكلُّ
شرعٌ" .
وهذا حقٌّ لأن الحديثَ الضعيف الذى لا يُوجد ما يعضدُه يحتمل أن يكون كذبًا، بل هو
على الغالب كذب موضوعٌ، وقد جزم بذلك بعض العلماء فهو ثمّن يشمله قوله ﴿ ﴿:
" ... يُرى أنه كذبٌ" ، أى يظهر أنه كذلك ولذلك عقّبه الحافظ بقوله: "فكيف بمن عمل
به ؟" ، ويؤيِّد هذا ما سبق نقله عن ابن حبان فى القاعدة الحادية عشرة .
"فكل شاك فيما يروى أنه صحيح أو غير صحيح، داخل فى الخبر" .
فنقول كما قال الحافظ : "فكيف بمن عمل به ... ؟!" .
( ١٩ )