Indexed OCR Text
Pages 381-399
المسيح الدجال على الفتن العامة ، وهو من عطف الخاص على العام ، ويستفاد منه أن فتنة
المسيح الدجال أشدّ الفتن وأعظمها كما تقتضيه نكتة هذا العطف .
((اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ جَهْدِ الْبَلاَءِ، وَدَرْكِ الشَّقَاءِ ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ ، وَشَماتَةٍ
الأَعْدَاءِ)) (خ).
الحديث أخرجه البخاري كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي هريرة
رضي الله عنه عن النبيّ وَلهر قال: ((تعوّذوا بالله من جهد البلاء ، ودرك الشقاء ، وسوء
القضاء، وشماتة الأعداء)) وأخرجه أيضاً مسلم والنسائي ( قوله جهد البلاء) بفتح الجيم
وروي بضمها ، وقيل هو بالفتح كل ما أصاب الإِنسان من شدّة المشقة ، وبالضم ما لا طاقة
له بحمله ولا قدرة له على دفعه، والبلاء ممدود * استعاذ # من جهد البلاء، لأن ذلك مع
ما فيه من المشقة على صاحبه قد يحصل به التفريط في بعض أمور الدين ، وقد يضيق صدره
بحمله فلا يصبر فيكون ذلك سبباً في الإِثم ( قوله ودرك الشقاء ) الدرك روي بفتح المهملة
وإسكانها ، فبالفتح الإِسم ، وبالإِسكان المصدر ، وهو شدّة المشقة في أمور الدنيا وضيقها
عليه وحصول الضرر البالغ في بدنه أو أهله أو ماله ، وقد يكون باعتبار الأمور الأخروية ،
وذلك بما يحصل عليه من التبعة والعقوبة بسبب ما اكتسبه من الوزر واقترفه من الإِثم .
استعاذ ◌ّر من ذلك لأنه النهاية في البلاء والغاية في المحنة ، وقد لا يصبر من امتحنه الله به
فيجمع بين التعب عاجلًا والعقوبة آجلاً ( قوله وسوء القضاء) هو ما يسوء الإِنسان ويحزنه من
الأقضية المقدّرة عليه ، وذلك أعمّ من أن يكون في دينه ، أو في دنياه ، أو في نفسه ، أو في
أهله ، أو في ماله ، وفي الاستعاذة منه # من ذلك ما يدل على أنه لا يخالف الرضا بالقضاء
فإِن الاستعاذة من سوء القضاء هي من قضاء الله سبحانه وتعالى وقدره ، ولهذا شرعها
لعباده ، ومن هذا ما ورد في قنوت الوتر السابق بلفظ : وقني شرّ ما قضيت * والحاصل
أنها قد وردت السنة الصحيحة ببيان أن القضاء باعتبار العباد ينقسم إلى قسمين
خير وشرّ ، فإِنه قد شرع لهم الدعاء بالوقاية من شرّه والاستعاذة منه ، ولا ينافي هذا ما ورد
عنه ◌َّير في بيان معنى الإِيمان لمن سأله عنه بقوله: أن تؤمن بالله، وملائكته ، وكتبه ،
ورسله، والقدر خيره وشرّه كما هو ثابت في الصحيحين عنهم لل وغيرهما من طرق ، فإِنه
يمكن أن يكون الإِنسان مؤمناً بما قضاه الله سبحانه وتعالى من خير وشرّ مستعيذاً بالله من شرّ
القضاء عملاً بمجموع الأدلة ، فحديث الإِيمان بالقضاء كما دل على أنه من جملة ما يصدق
عليه مفهوم مطلق الإِيمان دلّ على أن القضاء منقسم إلى ما هو خير وإلى ما هو شرّ كما
قال: والقدر خيره وشره. ثم بين رَليل بما وقع منه من الاستعاذة من شر القضاء أن ذلك جائز
٣٨١
:٥
للعباد بل سنة قويمة وصراط مستقيم : اللهم إنا نؤمن بقضائك خيره وشره ، ونعوذ بك من
شر ما قضيت ، فقنا شرّه، وأعطنا خيره ، يا من بيده الخير والشر، والعطاء والمنع ،
والقبض والبسط ( قوله وشماتة الأعداء ) الشماتة هي فرح الأعداء بما يقع على الشخص من
المكروه ، ويحلّ به من المحنة . قال في الصحاح : الشماتة الفرح ببلية العدوّ ، ويقال
شمت به بالكسر يشمت شماتة وبات فلان بليلة الشوامت ، أي بليلة تشمت الشوامت
انتهى ، وفي القاموس شمت كفرح شمتاً وشماتة : فرح ببلية العدوّ ، وفي النهاية شماتة
الأعداء فرح العدوّ ببلية تنزل بمن يعاديه انتهى * استعاذ ويه الز من شماتة الأعداء لعظم
موقعها ، وشدّة تأثيرها في الأنفس البشرية ، ونفور طباع العباد عنها ، وقد يتسبب عن ذلك
تعاظم العداوة المفضية إلى استحلال ما حرمه الله سبحانه وتعالى .
((اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ)) (م).
الحديث أخرجه مسلم كما قال المصنف رحمه اللّه ، وهو من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله و الله يقول: ((إن قلوب بني آدم بين
أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه كيف يشاء ، ثم قال إن رسول اللّه وَالخير قال:
اللهم مصرّف القلوب صرّف قلوبنا إلى طاعتك)) * سأل رسول اللّه ◌َل ربه سبحانه وتعالى
بعد بيانه ان قلوب العباد بين يدي الله سبحانه وتعالى بمنزلة قلب واحد يصرفه كيف يشاء أن
يصرف قلبه إلى طاعته لأن من جعل الله سبحانه وتعالى قلبه مصروفاً إلى طاعته لم يكن له
اهتمام بغير طاعة الله تعالى ، والعمل بما يقرب منه تعالى إذ لا رغبة لقلبه إلى غير طاعته ،
ولا التفات إلى شيء من المعصية، ومثل هذا ما ورد من دعائه وَله: يا مقلب القلوب ثبت
قلبي على دينك * والحاصل أن تثبيت قلب العبد على الدين وانصرافه إلى الحق من أعظم
أسباب النجاة والفلاح والعصمة عن كثير من الذنوب التي يقارفها كثير من العباد .
((اللَّهُمَّ أَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا، وَأَرْضَ عَنَّا وَتَقَبَّلْ مِنَّا، وَأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ وَنَجِّنَا مِنَ
النَّارِ ، وَأَصْلِحْ لَنَا شَأْنَتَا كُلَّهُ)) (د، ق ) .
الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: ((خرج علينا رسول اللّه وَالل وهو متكىء على عصا،
فلما رأيناه قمنا ، فقال : لا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها ، قلنا يا رسول الله لو
دعوت لنا . قال : اللهم اغفر لنا الحديث إلخ . قال فكأنا أحببنا أن يزيدنا . قال : أو ليس
قد جمعت لكم ما فيه الخير كله)) أخرجه من هذا اللفظ ابن ماجه ، وأخرجه أبو داود
٣٨٢
مختصراً ، وفي إسنادهما أبو العدبس بفتح المهملتين بعدهما مشدّدة ، وبعدها مهملة ،
كوفي مجهول ، وفي إسنادهما أبو مرزوق وهو لين الحديث لا يعرف اسمه ، وأخرج
الطبراني من حديث السائب بن يزيد أن نبيّ الله وَير كان يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني
وأدخلني الجنة)) ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو من رجال الحسن * سأل
النبيّ ◌َّه ربه المغفرة للذنوب، ثم سأله ما هو أعمّ من ذلك وهو الرحمة، ثم سأله ما هو
أكبر من المغفرة والرحمة وهو الرضا، كما قال عزّ وجلّ - ورضوان من الله أكبر - ثم سأله
ما هو النتيجة للمغفرة والرحمة والرضوان وهو أن يدخله الجنة وينجيه من النار ، ثم سأله
ما هو أعمّ من أمور الدنيا والدين ، فقال : وأصلح لنا شأننا كله فإِنه لا يبقى شيء من شؤون
الدنيا والآخرة إلا وهو مندرج تحت هذا .
((اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلاَ تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلاَ تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلاَ تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا
وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنِا، وَأَرْضِنَا وَأَرْضَ عَنَّا )) (ت ، مس) .
الحديث أخرجه الترمذي والحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو
من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [ كان رسول الله وَليل إذا نزل عليه الوحي
سمع عند وجهه كدويّ النحل ، فأنزل عليه الوحي فمكثنا ساعة فسرّي عنه فاستقبل القبلة
ورفع يديه وقال : اللهمّ زدنا الحديث إلخ ] وصححه الحاكم وأخرجه من حديثه أيضاً
النسائي ( قوله اللهمّ زدنا ) أي من عطائك وفضلك ، وفي هذا مشروعية طلب الزيادة من
نعم الله سبحانه وتعالى ، ولما كانت الزيادة ربما تكون في شيء من أمور الدين والدنيا
ويلحق النقص بشيء آخر. قال وَالر: ولا تنقصنا وهكذا الإكرام فإِنه قد يكون من جهة دون
أخرى ، فقال : أكرمنا ولا تهنا ، وهكذا الإِعطاء فإِنه قد يكون بسبب ، والمنع بسبب آخر ،
فقال وأعطنا ولا تحرمنا ، وهكذا قوله ، وآثرنا بالمدّ فإنه قد يكون التأثير للشخص بشيء دون
شيء ، فقال : ولا تؤثر علينا ، والمعنى اجعلنا غالبين لأعدائنا لا مغلوبين ، منصورين
لا مخذولين ، ظافرين لا مظفوراً بنا . قال القاضي والطيبي : عطف النواهي على الأوامر
تأكيداً ومبالغة وتعميماً ، وحذف ثواني المفعولات في بعض الألفاظ إرادة إجرائها مجرى
قولك : فلان يعطي ويمنع انتهى ، وقد قرر أهل المعاني(١) ما يفيده حذف المتعلقات من
التعميم بما هو معروف ، ثم سأله ◌َير أن يرضيه بما قضاه الله له من خير وشرّ ، ومحبوب
ومكروه ، ولا ينافي ذلك ما ورد من الاستعاذة من سوء القضاء كما قدّمنا الكلام على ذلك
(١) في نسخة : البيان اهـ .
٣٨٣
قريباً ، ثم ختم هذا الدعاء الذي هو من جوامع الكلم بسؤاله عزّ وجلّ الرضا عنه ، وذلك هو
الأمر الذي يتنافس فيه المتنافسون فمن حظي بالرضا فقد فاز بكل خير ، وليس بعد الرضا
شيء ، ولا يساويه أمر : اللهم ارض عنا يا أرحم الراحمين.
((اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنٍ عِبَادَتِكَ)) (مس) .
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أبي هريرة أن النبي و ير قال لهم: [ أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء ؟ قالوا نعم
يا رسول الله، قال: قولوا اللهمّ أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ] وصححه الحاكم
وأخرجه من حديثه أيضاً أحمد في المسند بهذا اللفظ ، ورجاله رجال الصحيح غير
موسى بن طارق وهو ثقة ، وأخرجه من حديث ابن مسعود مطلقاً غير مقيد بأذكار بعد
الصلاة ، ورجاله رجال الصحيح غير عمرو بن عبد الله الأودي(١) وهو ثقة ، وقد أخرجه
أبو داود والنسائي من حديث معاذ مقيداً باذكار الصلاة ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم ، فهذا الدعاء بهذا اللفظ ورد مطلقاً كما هنا ، وورد مقيداً باذكار الصلاة ، ولهذا
ذكره المصنف في البابين ، وفيه طلب الإِعانة من الرّب سبحانه وتعالى على هذه الثلاثة
الأمور ، وهي : الذكر لله عزّ وجلّ ، والشكر له ، وحسن عبادته فإنه لا يقوم بها إلا الموقنون
المعانون من الله عزّ وجلّ لأنّ الذكر إذا وقع مع حضور وخشوع وتذلل كان له موقع غير موقع
الدعاء مع الذهول ، وعدم الحضور ، وعدم الخشوع ، وعدم التذلل والمراقبة ، وهكذا
الشكر فإِنه لا يقوم به إلا من استحضر نعم الله تعالى عليه ، وعرف مقدارها وشكرها عن
خلوص وإقبال وتطابق على الشكر لسانه وقلبه وأركانه ، وهكذا العبادة فإنه لا يهتدي لحسنها
وإحسانها إلا الرّاغبون في الخير المقبلون على الله عزّ وجلّ الطالبون لما لديه من الثواب
الجزيل ، والعطاء الجليل .
(( اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِيَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلُّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابَ
الآخِرَةِ )) ( حب ) .
٠٠
الحديث أخرجه ابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث بسر بن أرطاة
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَ لا يقول: ((اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ،
(١) عمرو بن عبد الله بن حنش الأودي ، ثقة ، من العاشرة ، مات سنة خمسين اهـ تقريب وهو بمفتوحة فواو ساكنة
فدال مهملة منسوب إلى أود بن صعب اهـ مغني .
٣٨٤
وأجرنا من خزي الدنيا ، وعذاب الآخرة )) وصححه ابن حبان ، وأخرجه أيضاً من حديثه
أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه ، وصححه والطبراني في الكبير . قال في مجمع
الزوائد : وإسناد أحمد وأحد إسنادي الطبراني ثقات انتهى، ولفظ الطبراني (( من كان دعاؤه
اللهمّ أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ، وأجرنا من خزي الدنيا ، وعذاب الآخرة مات قبل أن
يصيبه البلاء )) ولهذا ذكره المصنف معزوّاً إلى الطبراني بهذا اللفظ في الباب الثاني كما
تقدّم ، وقد قدّمنا هنالك ما ورد من الأحاديث التي فيها ذكر حسن الخاتمة * وهذا الدعاء من
جوامع الكلم لأنه إذا أحسن الله تعالى عاقبة العبد في الأمور كلها فاز في جميع أموره ،
ووقعت أعماله مرضية مقبولة وجنبه ما لا يرضيه ووفقه وسدّده وثبته حتى تحسن عاقبة أموره .
ثم قال : وأجرنا من خزي الدنيا ، وهو كل ما فيه ذلّ وفضيحة . ثم قال : وعذاب الآخرة ،
وهو يشمل جميع أنواع عذابها كما يفيده إضافة اسم الجنس ، ومن سلم من خزي الدنيا
وعذاب الآخرة فقد ظفر بخير الدارين ووقي من شرّهما .
((اللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْسَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ
مَا تُبُلِّغُنَا بِهِ جَتْتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا
وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا أَبَدَأَ مَا أَحْيَبْتَنَا، وَأَجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، وَأَجْعَلْ ثَأُرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمْنَا،
وَأَنْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلاَ تَجْعَلْ مُصِيبَتْنَا فِي دِينِنَا، وَلاَ تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا ،
وَلاَ مَبْلَغَ عِلْمِنَا(١) وَلَ تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا)) (ت، مس) .
الحديث أخرجه الترمذيّ والحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو
من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((ما كان رسول الله وَل يقوم من مجلس حتى
يدعو بهذه الدعوات : اللهم اقسم لنا الحديث إلخ )) قال الترمذي بعد إخراجه حديث
حسن ، وقال الحاكم صحيح على شرط البخاري ، وفي إسناده عبد الله بن زحر ، وقد
ضعفوه بما يقتضي أن لا يكون حديثه صحيحاً بل غاية رتبة هذا الحديث أن يكون حسناً كما
قال الترمذي ، فقد قال أبو زرعة انه صدوق ، وقال النسائي لا بأس به ، وأخرجه من حديثه
أيضاً النسائي ( قوله اقسم) أي اجعل لنا قسماً ونصيباً ، والخشية : الخوف المقترن
بالتعظيم ، ومعنى ما تحول به بيننا وبين معاصيك : ما تحجب بيننا وبينها وتجعلها ممتنعة
منا * وقد اشتمل هذا الحديث الجليل على مطالب ينبغي لكل عبد أن يستكثر من طلبها
(١) في الحصن الحصين زيادة لفظ ولا غاية رغبتنا ، وجعل عليها علامة نسخة اهـ .
٣٨٥
ويكرّر سؤالها ، فإِنه أوّلاً سأل ربه عزّ وجلّ أن يرزقه الخشية ، وبذلك تصير الطاعات
محبوبة إلى العبد والمعاصي مبغضة لديه ، ثم سأله أن يحول بينه وبين المعاصي ، ومن
رزق الخشية ، وعصم من المعصية على اختلاف أنواعها فقد ظفر بالخير كله دقه وجله ، ثم
سأله وَ ل ◌ّ أن يرزقه من طاعته ما يبلغه به جنته ، ولا شيء أنفع من هذه الأمور التي يبلغ بها
صاحبها إلى الجنة ، فإِن الجنة هي الغاية القصوى والمطلب الأسنى ، والمقصود الأعظم ،
ولا بدّ مع ذلك من الفضل الرّباني، والتفضل الرّحماني، ولهذا صح عنه ◌َّ أنه قال:
(( سدّدوا وقاربوا واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله . قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟ قال
ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)) ثم سأله أن يرزقه من اليقين ما يهوّن به عليه مصائب
الدنيا ، وذلك أن من حصل له اليقين التام ، والإِيمان الخالص علم أن الأمور بقدر الله
سبحانه وتعالى ، وأنه المعطي المانع ، والضار النافع ليس لأحد معه حكم ولا له معه
تصرّف وعند ذلك تهون عليه المصائب الدنيوية لأن تقديره عزّ وجلّ لا يخلو عن حكم
ومصلحة للعبد لو كشف له الغطاء لوجدها أنفع له ، ومع ذلك ينبغي له ألا يهمل الاستعاذة
به سبحانه وتعالى من شرّ القضاء ، وقد جعل ◌َّ الإِيمان بالقدر خيره وشرّه داخلاً تحت
مفهوم الإِيمان كما تقدّم ، فإِذا حصل للعبد الإِيمان الكامل فهو اليقين الكامل الذي تهون به
عليه مصائب الدنيا ، وبالجملة فمن جاهد نفسه حتى تصير مؤمنة بقدر الله عزّ وجلّ عاش
سعيداً وطاحت(١) عنه الهموم والغموم التي يجلبها ضعف الإِيمان ، وعدم كماله : اللهمّ قوّ
إيماننا وارزقنا اليقين الذي لا يتعلق بذيله شك قلب ولا شبهة نفس ، ثم بعد هذا سأله أن
يمتعه بما لا يتمّ الإِتيان بما فرضه الله عليه إلا به ، ولا تصفو له الحياة بدونه ، فقال : ومتعنا
بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا أبداً ما أحييتنا : أي أدم لنا الانتفاع بهذه الأمور ما دمنا في الحياة
الدنيا ، فإِنه لا حياة لمن لم يكن متمتعاً بها ولا عيش لمن فقدها ثم أكد ما أفاده هذا الكلام
بقوله : واجعله الوارث منا ، أي اجعله باقياً نافعاً حتى تتوفانا ، فمعنى الوارثة لزومها له عند
موته لزوم الوارث له فكأنها لما لم تذهب إلا بذهابه ولم تفقد إلا بموته باقية والنفع بها
مستمرّ ، وهذا المعنى قد أفاده قوله : ما أحييتنا ، ولكنه زاده تأكيداً وتقريراً ، والضمير في
قوله : واجعله يعود إلى المذكور ، وهي الأمور الثلاثة ، أو إلى مصدر متعنا : أي اجعل
التمتع بهذه الأشياء الثلاثة هو الوارث منا أو إلى مصدر اجعل : أي اجعل هذا الجعل
الوارث منا أو الضمير بمعنى اسم الإِشارة ، وقد وقع مثل هذا في الكتاب العزيز كثيراً كما
(١) في نسخة : وقلعت أهـ .
٣٨٦
أوضحت ذلك في التفسير الذي سميته ((فتح القدير)) ثم سأله أن يجعل ثأره على من .
ظلمه ، والثأر في الأصل هو الدم الذي يكون عند قوم لقوم ، وطالب الثأر هو طالب الدم
يقال ثأرت القتيل وثأرت به أي طلبت بدمه واستوفيته من قاتله ، وإنما خصّ من ظلمه لأن
الانتصاف من الظالم هو الذي وردت به الشريعة كقوله تعالى : - ولمن انتصر بعد ظلمه
فأولئك ما عليهم من سبيل - وقوله تعالى : - فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى
عليكم ، وجزاء سيئة سيئة مثلها - وغير ذلك ، وأما سؤاله للنصر على غير من ظلمه ، فذلك
تعذّ وشروع في ظلم جديد إلا أن يكون ممن يجوز الانتصار عليه ابتداءً كالكفار والبغاة ،
ولكن هذا يدخل تحت قوله : وانصرنا على من عادانا ، فإِن فريق الكفار على اختلاف
أنواعهم أعداء لفريق المسلمين ، وهكذا فريق البغاة أعداء للمبغيّ عليهم بل هم إذا قد وقع
الاعتداء عليهم ظالمون ، فيدخل تحت قوله : واجعل ثأرنا على من ظلمنا كما يدخل تحت
قوله : وانصرنا على من عادانا، ثم أخذ في نوع آخر من الدعاء ، فقال : ولا تجعل مصيبتنا
في ديننا أي لا تبتلنا بالمصائب الدينية فإِنها هي المصائب التي يعود ضررها على الحياة
المستمرّة الدائمة بلا انقطاع ، وأما مصائب الدنيا فهي زائلة منقضية بانقضائها وذاهبة بذهاب
الحياة ، وبين الأمرين من البعد ما بين المشرق والمغرب ثم لما كانت الدنيا حقيرة يسيرة ،
والبقاء فيها ذاهب ، وطويلها كالقصير ، وباقيها كذاهبها ، قال : ولا تجعل الدنيا أكبر
همنا ، فإِنها ليست بحقيقة بذلك ، وإنما قال أكبر همنا لأن يسير الهمّ لا بدّ منه في دار
الأكدار ، ولو لم يكن إلا بتحصيل ما تمس إليه الحاجة من قوام العيش وسداد الفاقة ، ثم
لما كان العلم بأحوال الدنيا وصفاتها وتقلباتها بأهلها ليس من العلم النافع ، ولا مما يحصل
به الثواب والأجر عليه قال : ولا مبلغ علمنا ، يعني بحيث يكون رأس معلومات الإِنسان
وغاية ما يطمح إليه نظره وتتطلبه نفسه ، فإِن العلم النافع في الحقيقة هو المتعلق بالحياة
الدائمة وهي الدار الآخرة ، وإنما قال ولا مبلغ علمنا لأنه لا بدّ من العلم بأحوال الدنيا في
الجملة ولا يتيسر تحصيل ما تقوم به المعيشة إلا به ، ثم ختم هذا الدعاء الجامع الخيري
الدنيا والآخرة بقوله : ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا ، فإِن تسليط من لا يرحم على
من لا يقدر على الدفع عن نفسه من أعظم محن الدنيا وأشدّ مصائبها ، وذلك تسليط الكفرة
والبغاة والظلمة والفسقة على المؤمنين فإنهم إن ظفروا بهم بلغوا في التنكيل بهم إلى غاية
ليس بعدها غاية للعداوة التي بين أهل الخير وأهل الشرّ، والمنافاة التي بين أهل الطاعة
وأهل المعصية * وبالجملة فهذا الدعاء الشريف مستحقّ للإِطالة في شرحه ، والإِطابة في
بيان فوائده ، فلنقتصر على هذا المقدار .
٣٨٧
«اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كلِّ
إِثْمِ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلُّ بِرْ، وَالْفَوْزَ بِالجَنَّةِ وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ ( مس، ط ) آللَّهُمَّ
لَا تَدَعْ لَنَا ذَنْباً إِلَّ غَفَرْتَهُ ، وَلَ هَمَّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَ دَيْناً إِلَّا قَضَيْتَهُ، وَلَا حَاجَةً مِنْ
حَوَائِجِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هِيَ لَكَ رِضاً إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ)) ( طب ) .
الحديث أخرج الطرف الأوّل منه الحاكم في المستدرك والطبراني في الكبير ، وأخرج
الطرف الثاني منه الطبراني في الدعاء له كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أنس ، وقد جمع الطبراني الطرفين في الأوسط والصغير، وهو من حديث أنس رضي الله
عنه بلفظ (( اللهمّ إني أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كلّ برّ ،
والسلامة من كل إثم ، اللهمّ لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته ، ولا هماً إلا فرجته ، ولا ديناً إلا
قضيته ، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها برحمتك يا أرحم الراحمين )) قال في
مجمع الزوائد بعد سياق هذا اللفظ ، أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط ، وفيه عباد بن
عبد العظيم وهو ضعيف اهـ وأما الحاكم في المستدرك ، فأخرج الطرف الأوّل باللفظ الذي
ذكره المصنف رحمه الله من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ، وقال صحيح على شرط
مسلم ( قوله موجبات رحمتك ) بكسر الجيم جمع موجبة ، وهي ما أوجبت لقائله الرحمة
من قربة أيّ قربة كانت : أي نسألك ما أوجب لنا رحمتك حسب وعدك الصادق الذي
لا يجوز الخلف فيه بقولك: كتب ربكم على نفسه الرّحمة، وبقول رسولك # فيما يحكيه
عنك ((تباركت وتعاليت سبقت رحمتي غضبي)) والعزائم جمع عزيمة ، والعزيمة عقد
القلب على إمضاء الأمر : أي نطلب منه أن ترزقنا العزائم منا على الطاعات التي نتوصل بها
إلى المغفرة * وهذا الدعاء من جوامع الكلم النبوية ، فإِنه سأله أوّلاً أن يرزقه ما يوجب له
رحمة الله عزّ وجلّ ، ومن فعل ما يوجب له الرحسة ، فقد دخل بذلك تحت رحمته التي
وسعت كل شيء ، واندرجٍ في سلك أهلها ، وفي عداد مستحقها ثم سأله أن يهب له عزماً
على الخير يكون به مغفوراً له ، فإن من غفر الله له ذنوبه ، وتفضل عليه برحمته فقد ظفر
بخيري الدارين الدنيا والآخرة ، واستحقّ العناية الرّبانية في محياه ومماته ، ولأنه قد صفا
عن كدورات(١) الذنوب ، وأدران المعاصي وشملته الرحمة التي توصل إلى السعادتين ،
وتصرف عنه الشقاوتين ، ثم لما كان الإِنسان بعد مغفرة ذنوبه لا يأمن من الوقوع في معاصي
آخرة ، وفي ذنوب مستأنفة ، سأل ربه أن يرزقه السلامة من كل إثم كائناً ما كان كما تدل .
(١) لم توجد الواو في نسخة اهـ .
٣٨٨
عليه هذه الكلية التي لا يخرج عنها فرد من أفرادها ، وقد تفضل الله سبحانه وتعالى على
بعض عباده بالسلامة من كل ذنب ، وإن لم تكن العصمة ثابتة لغير الأنبياء لكنها بالنسبة إلى
الأنبياء واجبة ، وبالنسبة إلى غيرهم جائزة ، وسؤال الجائز جائز ، وإن كان لا يخلو من
الذنب أحد ولا يسلم من المعصية فرد من أفراد من لم يوجب الله تعالى له العصمة كما في
قوله في حديث (( لو لم تذنبوا فتستغفروا لجاء الله بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم)) وقد
تقدّم ، ثم لما كانت مغفرة الذنب والسلامة منه لا تستلزم أن يفعل العبد الطاعات ويرزقه الله
منها ما يشاء . قال والغنيمة من كلّ برّ أي من كلّ نوع من أنواع البر كما تدلّ عليه هذه
الكلية ، والبّ بكسر الباء الطاعة فكأنه قال والغنيمة من كل طاعة ، ومن فتح له باب الاغتنام
من جميع أنواع طاعاته فقد يسر له من الخير ما يفوز به ، ويدرك عنده طلبته ، ولهذا كمل
هذا الدعاء بقوله: والفوز بالجنة والنجاة من النار، وهذا من باب التعليم منه وَلّ لأمّته لأن
الله سبحانه وتعالى قد أخبره بأنه فائز بالجنة ناج من النار لا يضرّه ذنب لأنه مغفور له ،
ولا تقع منه معصية لأنه معصوم ، ثم جاء بما يشمل أمور الدين والدنيا ويعمّ أحوال المعاش
والمعاد فقال: ((اللهمّ لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته)) وتنكير ذنب للتحقير أي لا تدع لنا ذنباً
حقيراً يسيراً إلا غفرته فضلاً عن ذنب أكبر منه، ثم قال: ((ولاهما إلا فرّجته)) لأن اشتغال
خاطر العبد بالهموم يكسر من نشاطه إلى الطاعة ، ويثني من عزمه على الخير ، ويقبض من
عنان جواد سعيه إلى مراضي الله عزّ وجلّ ، فإِذا انفرج همه واندفع كربه تراجع له نشاطه
وقوي عزمه وجرى جواده ، ولما كان الدين هو أعظم ما يكون به الاهتمام والتكاسل عن كثير
من أفعال الخير . قال : ولا ديناً إلا قضيته وهو من عطف الخاص على العام لمزيد العناية
والاحتياجِ إليه ، لأن الاهتمام بالدين هو من جملة الهموم الدنيوية التي أفادها قوله :
((ولا هماً إلا فرجته)) ولما كانت أمور الدنيا وحاجاتها مما لا بدّ للعبد منه لقوام عيشه
واستمرار حياته. قال: ((ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا إلا قضيتها)) وقيد
ذلك يكون الحاجة هي لله رضا لأن من الحوائج التي يستدعيها العبد في الدنيا ويشتهيها
طبعه وتطلبها نفسه ما لا يكون لله فيها رضا ، فيكون طلبها معصية محضة ، فلا يستعان بالله
عز وجل عليها ، وهذه النكرات المذكورة هنا هي نكرات واقعة بعد النهي وما وقع هذا
الموقع منها فهو في صيغ العموم كما هو مقرر في علم الأصول ، ثم ختم هذا الدعاء بقوله :
(( يا أرحم الراحمين » وفي هذا استحضار العبد لرحمة الله عز وجل فإنه لا يجاب منه الدعاء
بدونها ، وهي مما يقتضي أن يتفضل الله بها عليه ، وإذا تفضل عليه بها أجاب دعاءه ، ولبى
نداءه .
٣٨٩
((اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ
النَّارِ)) (خ. م) .
الحديث أخرجه البخاري ومسلم كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((كان أكثر دعاء النبي ◌ّ: اللهم ربنا آتنا في الدنيا
حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار)) زاد مسلم وكان أنس رضي الله عنه إذا أراد
أن يدعو بدعوة دعا بها ، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه . وأخرجه من حديثه أبو داود
والنسائي، والحديث من جوامع الكلم، وقد كان رسول الله وَّه يستحبّ الجوامع من
الدعاء ، ويدع ما سوى ذلك ، كما أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد من حديث عائشة رضي الله
عنها * وقد اختلف في تفسير الحسنة في الدنيا ، والحسنة في الآخرة . فروى عن عليّ
رضي الله عنه أنه قال : الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة . وفي الآخرة : الحور . وعذاب
النار : امرأة السوء ، وقال الحسن البصري الحسنة في الدنيا : العلم والعبادة ، وفي
الآخرة : الجنة . ومعنى وقنا عذاب النار : احفظنا من كل شهوة وذنب . وقيل الحسنة في
الدنيا : الصحة والكفاف والعفاف والتوفيق للخير . والحسنة في الآخرة الثواب والرّحمة ،
وقيل غير ذلك مما يطول ذكره * والحاصل أنه لا عموم لأنه لا صيغة عامة ها هنا لأن وقوع
النكرة في حيز الإِثبات لا يفيد العموم إلا أن العبد يعطى في الدنيا حسنة واحدة ، وفي
الآخرة حسنة واحدة ، ومعلوم أنه لو كان المطلوب حسنة واحدة لم يكن هذا الدعاء من
جوامع الكلم ، ولا وقعت منه ◌َ لّ المواظبة عليه حتى كان أكثر دعائه ، فالظاهر أن المراد أنه
يكون ما يعطاه في الدنيا حسنة فيكون كل خصلة من خصال الدنيا حسنة ، وكل خصلة من
خصال الآخرة حسنة ، أو تفسر الحسنة في الدنيا بفرد من أفرادها ، يستلزم سائر الأفراد ،
وتفسر الحسنة في الآخرة بفرد من أفرادها يستلزم جميع الأفراد ، وذلك بأن يقال المراد
حسن المعاد ، وحسن المعاش ، وحسن الحياة ، وحسن الممات . فإِن ذلك يستلزم أن
يكون كل أمور دنياه، وآخرته حسنة . قال النووي : وأظهر الأقوال في تفسير الحسنة في
الدنيا أنها الصحة والعافية ، وفي الآخرة التوفيق للخير والمغفرة ، ولا يخفاك أن الصحة
داخلة في العافية ، والتوفيق للخير يستلزم عدم وجود الشرّ فلا ذنب حتى يغفر ، ولو فسر
حسنة الدنيا بمجرّد العافية وحسنة الآخرة بها لكان ذلك أولى وأنسب لما سيأتي من أن سؤال
العافية يستلزم حصول المطالب كلها للعبد .
((اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ نَّهَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا
٣٩٠
أَسْتَعَاذَكَ مِنْهُ نَبُّكَ مُحَمَّدٌ نَّهِ وَأَنْتَ المُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَ حَوْلَ وَلَ قُوَّةَ إِلَّ
بِاللَّهِ)) (ت) .
الحديث أخرجه الترمذي كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي أمامة
رضي الله عنه قال: ((دعا النبيّ وَلقر بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً ، فقلنا يا رسول الله دعوت
بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئاً ثم قال : ألا أدلكم على ما يجمع ذلك كله تقولون : اللهمّ
إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد گی# إلخ)» قال الترمذي بعد إخراجه حسن غريب
انتهى كلام الترمذي ، وإنما لم يصححه لأن في إسناده ليث بن أبي سليم وهو وإن كان فيه
مقال فقد أخرج له مسلم وحديثه لا يقصر عن رتبة الحسن ، وأخرجه من حديثه الطبراني في
الكبير بهذا اللفظ ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ، وأخرجه في الصغير من حديث
أبي هريرة قال: ((قام رسول الله وَ الر فدعا بدعاء لم يسمع الناس مثله ، واستعاذ استعاذة لم
يسمع الناس مثلها(١) فقال له بعض القوم كيف لنا يا رسول الله أن ندعو مثل ما دعوت ، وأن
نستعيذ مثل ما استعذت ، فقال قولوا : اللهم إنا نسألك بما سألك محمد عبدك ورسولك ،
ونستعيذ بما استعاذ منه محمد عبدك ورسولك)) وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن
المجبر(٢) وهو متروك * ولا شيء أجمع ولا أنفع من هذا الدعاء، فإِن رسول الله وج ليل قد
صحّ عنه من الأدعية الكثير الطيب ، وصح عنه من التعوّذ مما ينبغي التعوّذ منه الكثير الطيب
حتى لم يبق خير في الدنيا والآخرة إلا وقد سأله من ربه ، ولم يبق شر في الدنيا والآخرة إلا
وقد استعاذ ربه منه، فمن سأل الله عزّ وجلّ من خير ما سأله منه نبيه وِّ واستعاذ من شرّ
ما استعاذ منه نبيه وس# فقد جاء في دعائه بما لا يحتاج بعد إلى غيره، وسأله الخير على
اختلاف أنواعه ، واستعاذ من الشّ على اختلاف أنواعه وحظي بالعمل بإرشاده وير إلى هذا
القول الجامع والدعاء النافع .
(( وَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَداً لَمْ يُعْطَ
بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْراً مِنَ الْعَافِيَةِ)) (ت ، حب ) .
الحديث أخرجه الترمذي وابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
(١) في نسخة : بمثلها اهـ .
(٢) محمد بن عبد الرحمن بن المجبر العمري البصري ، عن نافع وعطاء . قال يحيى ليس بشيء ، وقال الفلاس
ضعيف ، وقال النسائي وجماعة متروك اهـ ميزان .
٣٩١
أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه قال: ((قام رسول الله وَليل عاماً أوّلاً(١) على المنبر، ثم
بكى فقال: سلوا الله العفو والعافية ، فإِن أحداً لم يعط الحديث إلخ)) قال الترمذي بعد
إخراجه هذا حديث حسن من هذا الوجه وصححه ابن حبان ، وأخرجه أيضاً من حديثه أحمد
والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ، وإنما لم يصححه الترمذي لأن في إسناده
عبد الله بن محمد بن عقيل ، وفيه مقال لكنه قد قال الترمذي إنه صدوق ، وحكي عن
البخاري أن أحمد بن حنبل رحمه الله وإسحاق بن راهويه والحميدي رحمهم الله كانوا
يحتجون بحديثه ( قوله العفو ) هو التجاوز عن العبد بغفران ذنوبه وعدم مؤاخذته بما اقترفه
منها ( قوله والعافية ) قال في الصحاح وعافاه الله وأعفاه بمعنى واحد ، والاسم العافية ،
وهي دفاع الله سبحانه وتعالى عن العبد ، وتوضع موضع المصدر فيقال عافاه عافية ،
فقوله : دفاع الله عن العبد يفيد أن العافية جميع ما يدفعه الله عن العبد من البلايا كائنة
ما كانت ، وقال في النهاية : والعافية أن يسلم من الأسقام والبلايا ، وهذا يفيد العموم كما
أفاده كلام صاحب الصحاح ، وقال في القاموس : والعافية دفاع الله عن العبد ، عافاه الله
من المكروه معافاة وعافية وهب له العافية من العلل كأعفاه انتهى ، وهكذا كلام سائر أئمة
اللغة ، وبهذا تعرف أن العافية هي دفاع الله عن العبد ، وهذا الدفاع المضاف إلى الإِسم
الشريف يشمل كل نوع من أنواع البلايا والمحن ، فكل ما دفعه الله عن العبد منها فهو
عافية ، ولهذا قال النبيّ ◌َلّ في هذا الحديث فإن أحداً لم يعط بعد اليقين خيراً من العافية *
سأل النبيّ وَليس ربه سبحانه وتعالى أن يرزقه العفو الذي هو العمدة في الفوز بدار المعاد ، ثم
سأله أن يرزقه العافية التي هي العمدة في صلاح أمور الدنيا والسلامة من شرورها ومحنها ،
فكان هذا الدعاء من الكلم الجوامع والفوائد النوافع ، فعلى العبد أن يستكثر من الدعاء
بالعافية ، وقد أغنى عن التطويل في ذكر فوائدها ومنافعها ما ذكره رسول الله وسير في هذا
الحديث فإِنها إذا كانت بحيث انه لم يعط أحد بعد اليقين خيراً منها ، فقد فاقت كل الخصال
وارتفعت درجتها على كل خير، وسيأتي في حديث العباس رضي الله عنه ما يدلّ على أن
العافية تشمل أمور الدنيا والآخرة ، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة لأن قولهم : دفاع الله عن
العبد غير مقيد بدفاعه عنه لأمور الدنيا فقط بل يعمّ كل دفاع يتعلق بالدنيا والآخرة وقال في
النهاية : والمعافاة أن يعافيك الله من الناس ، ويعافيهم منك أي يغنيك عنهم ، ويغنيهم
عنك ، ويصرف أذاهم عنك ، وأذاك عنهم ، وقيل : هي مفاعلة من العفو، وهي أن يعفو
(١) لفظ الترمذي وعن أبي بكر أنه قام على المنبر ثم بكى فقال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عام أول
على المنبر ، ثم بكى فقال : سلوا الله إلخ اهـ منذري .
٣٩٢
عن الناس ويعفوا هم عنك * وقال في القاموس والمعافاة أن يعافيك الله من الناس ويعافيهم
منك .
((وَقَالَ رَ مَا سَأَلَ اللَّهَ الْعِبَادُ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيُعَافَيَهُمْ)) (ز) .
الحديث أخرجه البزار كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث أبي الدرداء
رضي الله عنه قال: ((قال رسول الله وَ ليل ما سأل الله العباد شيئاً الحديث إلخ)) قال في
مجمع الزوائد رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن السائب وهو ثقة * أخبر والفر
بهذا القول العامّ والكلام الشامل بأنه ما سأل العباد ربهم من المسائل المتعلقة بأمور الدنيا
والآخرة أفضل من أن يسألوه أن يغفر لهم ويعافيهم ، لما قدّمنا من أن العمدة الكبرى في نيل
السعادة الأخروية هي مغفرة الذنوب وعفو الله عنها ، والعمدة العظمى في نيل السعادة
الدنيوية هي العافية ، وهذه الكلمة كما ترى فيها ما يبعث رغبات الراغبين إلى إدامة الطلب
من ربّ العالمين أن يغفر ويعافي ، فمن رزق الاستكثار من هذا السؤال ، وحظي بتكرير هذا
الدعاء ، فقد لاح له عنوان السعادة ، وفتح له باب الفوز وأخذ بطرفي النجاة .
((وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِقَوْمٍ مُبْتَلَيْنَ فَقَالَ: أَمَا كَانَ هُؤُلَاءِ يَسْأَلُونَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ))
(ز) .
الحديث أخرجه البزار كما قال المصنف رحمه الله، وفي بعض نسخ هذا الكتاب رمز
الترمذي مكان البزار ولعله غلط فإِنه لم يوجد هذا الحديث في الترمذي بعد مزيد البحث
عنه، وهو في مسند البزار من حديث أنس رضي الله عنه قال: ((مرّ النبيّ بَّ بقوم مبتلين،
فقال أما كان هؤلاء يسألون الله العافية)) قال في مجمع الزوائد : رواه البزار ورجاله ثقات *
وفي الحديث دليل على أن سؤال الله سبحانه وتعالى العافية يدفع كل بلية ويرفع كل محنة ،
ولهذا جاء لي بهذا الاستفهام بمعنى الاستنكار، فكأنه قال لهم كيف تتركون أنفسكم في
هذه المحنة والابتلاء ؟ وأنتم تجدون الدواء الحاسم لها والمرهم الشافي لما أصابكم منها ،
وهو الدعاء بالعافية ، واستدفاع هذه المحنة النازلة بكم بهذه الدعوة الكافية ، وفي هذا
ما يزيد النّفوس نشاطاً والقلوب بصيرة باستعمال هذا الدواء عند عروض كل داء ، ومساس
كل محنة ، ونزول كل بلية ( قوله مبتلين ) بفتح اللام جمع مبتلي كمصطفين جمع
مصطفى .
(( وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَّمْنِي شَيْئاً أَدْعُو اللَّهَ بِهِ؟ فَقَالَ: سَلْ رَبَّكَ
٣٩٣
الْعَافِيَةَ ، قَالَ فَمَكَثْتُ أَيَّاماً، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَّمْنِي شَيْئاً أَسْأَلُهُ رَبِّي
عَزَّ وَجَلَّ ، فَقَالَ: يَا عَمِّ سَلِ اللَّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)) (ط ).
الحديث أخرجه الطبراني كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث العباس بن
عبد المطلب رضي الله عنه قال: (( قلت يا رسول الله علمني شيئاً أسأله الله ، فقال : سل
ربك العافية الحديث إلخ)) قال في مجمع الزوائد : رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها
رجال الصحيح غير يزيد بن أبي زياد ، وهو حسن الحديث ، وهذا الحديث أخرجه الترمذي
في سننه . قال حدّثنا أحمد بن منيع حدّثنا عبيدة بن أحمد عن يزيد بن أبي زياد عنِ
عبد الله بن الحارث عن العباس بن عبد المطلب قال: ((قلت يا رسول الله علمني شيئاً
أسأله الله . قال سل الله العافية ، فمكثت أياماً ثم جئت ، فقلت يا رسول الله علمني شيئاً
أسأله الله تعالى. قال يا عباس يا عمّ رسول الله وَيرسل الله العافية في الدنيا والآخرة )) هذا
لفظ الترمذي قال بعد إخراجه هذا حديث صحيح ، وعبد الله هو ابن الحارث بن نوفل ،
وقد سمع من العباس بن عبد المطلب ، وكان عزو هذا الحديث من المصنف رحمه الله إلى
الترمذي أولى لا سيما بعد تصحيحه له * وفي أمره و لر للعباس بالدعاء بالعافية بعد تكرير
العباس سؤاله بأن يعلمه شيئاً يسأل الله به دليل جليّ بأن الدعاء بالعافية لا يساويه شيء من
الأدعية ولا يقوم مقامه شيء من الكلام الذي يدعى به ذو الجلال والإكرام ، وقد تقدّم تحقيق
معنی العافية أنها دفاع الله عن العبد ، فالداعي بها قد سأل ربه دفاعه عنه كل ما ينوبه ، وقد
كان رسول الله ولم ينزل عمه العباس منزلة أبيه ويرى له من الحق ما يراه الولد لوالده ، ففي
تخصيصه بهذا الدعاء وقصره على مجرّد الدعاء بالعافية تحريك لهمم الراغبين على
ملازمته ، وأن يجعلوه من أعظم ما يتوسلون به إلى ربهم سبحانه وتعالى ويستدفعون به في
كل ما يهمهم، ثم كلمه وَ الل بقوله: ((سل الله العافية في الدنيا والآخرة)) فكان هذا الدعاء
من هذه الحيثية قد صار عدّة لدفع كل ضرّ وجلب كل خير : اللهم إنا نسألك العافية في
الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين آمين .
(( وَكَانَ يَقُولُ لَهُ: يَا عَمِّ أَكْثِرِ الدُّعَاءِ بِالْعَافِيَةِ (ط ) فَلْيَنْظُرِ الْعَاقِلُ هُذِهِ الْكَلِمَةِ
الَّتِي أَخْتَارَهَا رَسُولُ اللَّهِ وَهِ لِعَمِّهِ مِنْ دُونِ الْكَلَمَ، وَلْيُؤْمِنْ بِأَنَّهُ وَّهِ أُعْطِيَ جَوَامِعِ
الْكَلِمِ، وَاخْتُصِرَتْ لَهُ الْحِكَمُ ، فَإِنَّ مَنْ أُعْطِيَ الْعَافِيَةَ فَازَ بِمَا يَرْجُوهُ وَيُحِبُّهُ قَلْباً
وَقَالَبَأْ وَدِينَاً وَدُنْيَا وَوُفِيَ مَا يَخَافُهُ فِي الدَّارَيْنِ عِلْماً يَقِيناً، فَلَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ وَِّ دُعَاؤُهُ
بِالْعَافِيَةِ وَوَرَدَ عَنْهُ وَّهِ لَفْظً وَمَعْنىَّ مِنْ نَحْوِ خَمْسِينَ طَرِيقاً، هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ
٣٩٤
مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ ، وَهُوَ المَعْصُومُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةً، فَكَيْفَ بِنَا وَنَحْنُ عَرَضُ
لِسِهَامِ الْقَدَرِ وَغَرَضٌ بَيْنَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ وَالْهَوَى، كَمَا وَرَدَ في الخَبَرِ : اللَّهُمَّ إِنَّا
تَسْأَلْكَ الْعَافِيَّةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلْيَكُنْ ذَلِكَ آخِرَ مَا نَعُدُّهُ(١) مِنَ عُدَّةِ الْحِصْنِ
الحَصِينِ مِنْ كَلاَمِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ».
الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله في أوّل كلامه هذا ، وهو آخر أحاديث هذا
الكتاب كما أن ما يتكلم به بعده آخر هذا التصنيف وخاتمته ، أخرجه الطبراني في الكبير كما
قال ، وهو من حديث ابن عباس رضي الله عنهما [ أن النبيّ ◌َ ير قال لعمه العباس: يا عم
أكثر الدعاء بالعافية ] قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني ، وفيه هلال بن خباب(٢) وهو
ثقة ، وقد ضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات ، ومما ورد في هذا المعنى ما أخرجه الترمذي من
حديث أنس رضي الله عنه [ أن رجلاً جاء إلى النبيّ وَ له فقال يا رسول اللّه أيّ الدعاء
أفضل ؟ قال سل ربك العافية والمعافاة في الدنيا والآخرة ، ثم أتاه في اليوم الثاني ، فقال
يا رسول الله أيّ الدعاء أفضل ؟ فقال له مثل ذلك، ثم أتاه في اليوم الثالث فقال له مثل
ذلك. قال فإذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت ] قال الترمذي بعد
إخراجه هذا حديث حسن من هذا الوجه وإنما نعرفه من حديث سلمة بن وردان * ففي هذا
الحديث التصريح بأن الدعاء بالعافية أفضل الدعاء ولا سيما بعد تكريره للسائل في ثلاثة أيام
حين أن يأتيه للسؤال عن أفضل الدعاء ، فأفاد هذا أنّ الدعاء بالعافية أفضل من غيره من
الأدعية مع ما قدّمنا من اشتماله على جلب كل نفع ودفع كل ضرّ، ثم في قوله { 18 في آخر
هذا الحديث: ((فإِذا أعطيت العافية في الدنيا وأعطيتها في الآخرة فقد أفلحت)) دليل ظاهر
واضح بأن الدعاء بالعافية يشمل أمور الدنيا والآخرة لأنه قال هذه المقالة بعد أن قال له : سل
ربك العافية ثلاث مرّات ، فكان ذلك كالبيان لعموم بركة هذه الدعوة بالعافية لمصالح الدنيا
والآخرة ، ثم رتب على ذلك الفلاح الذي هو المقصد الأسنى والمطلوب الأكبر ، ومن ذلك
ما أخرجه الطبراني في الكبير من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : [ قال رسول
اللّه ◌َل: ما من دعوة أحبّ إلى الله أن يدعو بها أحد من أن يقول: اللهم إني أسألك
المعافاة والعافية في الدنيا والآخرة ] ورجاله رجال الصحيح * فهذا الحديث قد دلّ على أن
(١) من عدة إلخ في نسخة من متن أهـ .
(٢) هو بمعجمة مفتوحة كما في الخلاصة وموحدتين العبدي اهـ تقريب .
٣٩٥
الدعاء بالعافية أحبّ إلى الله سبحانه وتعالى من كل دعاء كائناً ما كان كما يفيده هذا العموم
وتدلّ عليه هذه الكلية ، فجمع هذا الدعاء بهذه الكلمة بين ثلاث مزايا * أوّلها شموله
لخيري الدنيا والآخرة * وثانيها أنه أفضل الدعاء على الإِطلاق * وثالثها أنه أحب إلى الله
سبحانه من كل دعاء يدعو به العبد على الإطلاق كائناً ما كان ، ومن ذلك ما أخرجه الطبراني
في الكبير أيضاً من حديث محمد بن عبد الله بن جعفر رحمه الله قال : [ كنت مع
عبد الله بن جعفر إذ جاءه رجل فقال مرني بدعوات ينفعني الله بهنّ ، قال نعم سمعت رسول
الله ◌َّ وسأله رجل عما سألتني عنه، فقال سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة ] وفي
إسناده سليمان بن داود الشاذكوني(١) وفيه ضعف ، ومن ذلك الحديث الذي رواه البزار عن
ابن عباس قال: [ كان رسول الله و لل يقول: اللهمّ إني أسألك العفو والعافية في ديني
ودنياي وأهلي ومالي الحديث ] * وفيه دليل على شمول هذه الدعوة بهذه الكلمة لخيري
الدنيا والآخرة ، ومن ذلك ما أخرجه الترمذي وحسنه النسائي وابن خزيمة ، وابن حبان ،
وصححاه من حديث أنس قال: [ قال رسول الله وسلم لا يردّ الدعاء بين الأذان والإقامة. قيل
ماذا نقول يا رسول الله ؟ قال سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ] ومن ذلك ما أخرجه
النسائي وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه وَّر أنه قال: [ سلوا الله العفو
والعافية ] * وبالجملة فالأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدّاً. منها ما ورد في الدعاء
بخصوص العافية ، ومنها ما ورد في الدعاء بها مع غيرها من الأدعية ، واستيفاء ذلك يحتاج
إلى مزيد بسط ومن له خبرة بعلم السنة المطهرة عرف صدق ما قاله المصنف رحمه الله في
كلامه هذا الذي ختم به كتابه أن الدعاء بالعافية ورد من نحو خمسين طريقاً ، والتواتر يثبت
بدون هذا المقدار ، وبه تعرف أن ثبوت الدعاء عن رسول الله ورسله بالعافية قولاً منه وتعليماً
للغير مقطوع به معلوم صدقه وصحة ما اشتمل عليه من الفوائد الشاملة للدارين * ومنها
حسن الخاتمة المشار إليها في علم البديع من أئمة ذلك * وإلى هنا انتهى الشرح المفيد ،
الشارحِ لصدور أهل التقوى من كل مراد ومريد ، والحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه كما يحبّ ربنا ويرضى ، عدد خلقه ، ورضا نفسه ، وزنة عرشه ، ومداد كلماته .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره
الغافلون .
(١) سليمان بن داود المنقري الشاذكوني البصري الحافظ أبو أيوب ، لقي حماد بن زيد. قال البخاري فيه نظر وكذبه
ابن معين في حديث ذكر له عنه ، وقال النسائي ليس بثقة اهـ ميزان .
٣٩٦
فهرست
تحفة الذاكرين، بعدة الحصن الحصين،
من كلام سيد المرسلين (وَچ )
للإِمام الشوكاني رحمه الله آمين
الباب الثاني
٣
ترجمة حياة الإمام القاضي
٥٥
محمد بن علي بن محمد الشوكاني
١١
الباب الأول
٥٥
فضل في أوقات الإِجابة وأحوالها
في فصل الذكر، والدعاء، والصلاة والسلام
على النبي ◌ّل﴾ وآداب ذلك.
٦١
المباركة
فصل الذکر
١١
٦٤
یستجاب
١٣
دعاء عمر بن عبد العزيز رحمه الله
فصل الذكر على الصدقة استشكال بعض
أهل العلم لهذا الحدیث والجواب عنه،
استشكال بعض أهل العلم : تفضيل
١٦
الذکر على الجهاد
هل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره
١٧
کالحي والميت
فصل الدعاء .
٢٧
بحث نفيس في كون الدعاء يرد القضاء
٣٠
٣٣
فصل الصلاة على النبي ◌َال#
فصل في آداب الذکر
٤٣
فصل في آداب الدعاء
٤٦
سيد المجالس قبالة القبلة
٤٨
٥٠
وجه التوسل بالأنبياء وبالصالحين
في أوقات الإجابة، وأحوالها، وأماكنها الخ
فصل في أماكن الإِجابة وهي المواضع
فصل الذين يستجاب دعاؤهم ، وبم
فصل في بيان اسم الله الأعظم ما ورد
في تعين الاسم الأعظم
٧٠
اختلف في تعيين الاسم الأعظم
١٥
أفضل الأعمال ذكر الله .
على نحو أربعين قولا أرجح
ما ورد في تعيين الاسم الأعظم
٧١
فصل في فضل اسماء الله الحسنى .
٧٢
فصل في علامة استجابة الدعاء
٧٩
الباب الثالث .
٨١
فيما يقال في الصباح والمساء
٨١
فصل : في أذكار الصباح والمساء
فصل: فيما يقال في الليل والنهار جميعاً ١٠١
١٠٢
فصل : فيما يقال في النهار
فصل: فيما يقرأ في الليل
١٠٤
٤٩:
مسح الوجه باليدين في الدعاء
١٠٩
فصل: في النوم واليقظة
فصل: في آداب الرؤيا
١١٧
٣٩٧
الباب الرابع
فيما يتعلق بالظهور، والمسجد والأذان الخ
١٢٣
فصل الطهور
فصل الأذان .
فصل فيما يقال في الصلاة المكتوبة
١٣٢
١٤٢
سجود التلاوة
ما يقال بين السجدتين
١٤٤
التشهد .
١٤٥
صفة الصلاة على النبي ◌َ# فيه
معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن
دبر كل صلاة مكتوبة
١٥٣
فضل التطوع
١٦٠
١٧٠
فصل الصلواة المنصوصات
١٧٣
صلاة الطواف .
١٧٣
صلاة الكعبة
١٧٤
صلاة الاستخارة
صلاة الزواج
١٧٦
صلاة التوبة
١٧٦
٢٦٠
ما يقال عند الفزع
١٧٧
صلاة الآبق والضائع
صلاة حفظ القرآن
١٧٨
١٨٠
صلاة الضرّ والحاجة
١٨٣
صلاة التسبيح
١٨٦
صلاة القدوم من السفر .
١٨٩
الباب الخامس
فيما يتعلق بالأكل ، والشرب، الخ
١٨٩٠
فصل في الأكل، والشرب، والصوم
فصل في الأكل، والشرب، والصوم ١٨٩
فصل الزكاة
١٩٦٠
فصل السفر
١٩٧٠
فصل الحج
١٢٣
٢٠٧
فصل الجهاد
٢١٦
فصل النكاح
٢١٩
٢٢٣
الباب السادس
١٢٦
فصل في أذكار الخروج إلى المسجد
.
فيما يتعلق بالأمور العلوية، كسحاب، ورعد،
مطر، وهلال، وريح، وقمر
٢٣١
الباب السابع
فيما يتعلق بالشخص من أمور مختلفات باختلاف
الأحوال
فصل في نفسه
٢٣١
فصل المال والرقيق والولد
٢٣٥
٢٣٨
فصل الرؤية
فصل في بيان ما يقال عند سماع صياح
٢٤٢
الدیکة وغيرها
الباب الثامن
٢٥١
فيما يهمّ من عوارض وآفات في الحياة إلى الممات
.. ٢٥١
دعاء الكرب، والهمّ، والغم، والحزن
ما يقال لهرب الشیاطین
٢٦١
ما يقوله من خدرت رجله
٢٦٦
ما يقال عند الغضب
٢٦٦
فصل فيما يقوله ح اللسان
٢٦٨
٢٦٨
ما يقال إذا ابتلي بالدین
٢٧١
ما يقول لمن أصيب بعين
٢٧١
ما يقال للمصاب بلمّة من الجنّ
ما يقال للمعتوه
٢٧٣
٢٧٣
ما يقال للديغ
ما يقال للمحروق
٢٧٦
٣٩٨
١٢٨
١٤٦
٣٢٥
فصل الاستغفار
٢٧٦
ما يقول من احتبس بوله أو به حصاة
ما يقال لمن به قرحة أو جرح
٢٧٧
٢٧٨
ما يقول من أصابه رمز .
٣٣٧
فضل سورة الفاتحة
٢٧٨
ما یقول من حصل له حمی
٢٧٩
ما يقول من اشتكى ألماً أو شيئاً في جسده
ما يقول إذا عاد مريضاً
٢٨١
ما يقوله المحتضر
٢٨٥
ما يقوله من مات له ولد
٢٨٩
٢٨٩
ما يقال في الضراء
کیفیة الصلاة على الميت
٢٩١
٢٩٣
ما يقال إذا وضعه في القبر
٢٩٤
ما يقال إذا فرغ من الدفن
ما يقال إذا زار القبور
٢٩٥
الباب التاسع
٢٩٧
في ذكر ورد فضله ولم يخص وقتاً من الأوقات،
واستغفار يمحو الخطيئات في فضل القرآن
العظيم، وسور منه وآيات
٢٩٧
فصل الذکر
حديث البطاقة
٣٠٣
٣٣٥
فضل القرآن العظيم سور منه وآيات
فضل سورة البقرة
٣٤٠
فضل البقرة وآل عمران
٣٤٢
فضل آية الكرسي
٣٤٣
فضل آخرة سورة البقرة
٣٤٤
فضل سورة الأنعام
٣٤٥
فضل سورة الكهف
٣٤٥
فضل سورة یس
٣٤٨
فضل سورة الفتح
٣٤٨
فضل سورة الملك
٣٤٩
فضل سورة الزلزلة
٣٥٠
فضل سورة الكافرون
٣٥١
فضل إذا جاء نصر الله
٣٥١
فضل قل هو الله أحد
٣٥٢
فضل سورتي الفلق والناس
٣٥٣
الباب العاشر
٣٥٧
في أدعية صحت عنه صلى الله عليه وآله وسلم
مطلقات غير مقيدات
٣٩٩