Indexed OCR Text

Pages 41-60

((مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: آللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ المُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي )) ( ز ، ط ) .
الحديث أخرجه البزار والطبراني في الكبير كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من
حديث رويفع بن ثابت الأنصاري ، وأخرجه أيضاً من حديثه الطبراني في الأوسط . قال
المنذري في الترغيب والترهيب ، وبعض أسانيدهم حسن ، وفي الحديث الجمع بين
الصلاة عليه ، وسؤاله أن ينزله المقعد المقرّب عنده يوم القيامة ، فمن وقع منه ذلك
استحق الشفاعة المحمدية ، وكانت واجبة له .
((قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلْتُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: إِذاً تُكْفِى هَمَّكَ وَيُغْفَرَ
ذَنْبُكَ)) (ت ، مس، (١) ، حب ) .
الحديث أخرجه النسائي وابن حبان والطبراني كما قال المصنف رحمه الله ، وفي
نسخة الترمذي والحاكم ، وهو من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه . قال الترمذي حسن
صحيح ، وقال الحاكم صحيح . وأخرجه أحمد في المسند، ولفظ الحديث ((قال كان
رسول اللّه ◌َ﴿ل إذا ذهب ربع الليل قام فقال: أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الراجفة
تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه ، قال أبيّ بن كعب : فقلت يا رسول الله
إني أكثر الصلاة فكم أجعل لك من صلاتي ؟ فقال ما شئت ، قلت الربع قال : ما شئت ،
وإن زدت فهو خير لك . قلت النصف ، قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك . قال أجعل
لك صلاتي كلها : قال إذن تكفى همك ويغفر ذنبك )» وفي رواية لأحمد عنه : قال جاء رجل
فقال يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك ؟ قال إذاً يكفيك الله تعالى ما أهمك
من أمر دنياك وآخرتك . قال المنذري وإسناد هذه الزيادة جيد وأخرج الطبراني بإِسناد حسن
عن محمد بن يحيى بن حبان عن أبيه عن جده أن رجلاً قال يا رسول الله أجعل ثلث صلاتي
عليك ، قال نعم إن شئت ، قال الثلثين ، قال نعم إن شئت . قال صلاتي (٢) كلها قال
رسول الله وَليل إذن يكفيك الله ما أهمك من أمر دنياك وآخرتك ( قوله جعلت لك صلاتي
كلها) المراد بالصلاة هنا الدعاء ، ومن جملته الصلاة على رسول الله وَلقر، وليس المراد
الصلاة ذات الأذكار والأركان ( قوله إذن تكفى همك ، ويغفر ذنبك ) في هذين الخصلتين
(١) وفي نسخة : س ط .
(٢) في المقابل عليها فصلاتي
٤١

جماع خير الدنيا والآخرة . فإِن من كفاه الله همه سلم من محن الدنيا وعوارضها : لأن كل
محنة لا بدّ لها من تأثير الهمّ ، وإن كانت يسيرة ، ومن غفر الله ذنبه سلم من محن الآخرة
لأنه لا يوبق العبد فيها إلا ذنوبه .
أْثِرُوا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ
عَلَيَّ (١) )) (د، حب ) .
الحديث أخرجه أبو داود وابن حبان كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
أوس(٢) بن أوس رضي الله عنه، وأخرجه أيضاً من حديثه أحمد والحاكم في المستدرك ،
وصححه هو وابن حبان، ولفظ الحديث ((أن رسول الله وَلاير قال: من أفضل أيامكم يوم
الجمعة . فيه خلق آدم ، وفيه قبض، وفيه النفخة الثانية ، وفيه الصعقة (٣) فأكثروا من الصلاة
عليّ فيه . فإن صلاتكم معروضة عليّ . قالوا يا رسول الله ، وكيف تعرض عليك صلاتنا ،
وقد أرمت (٤) يعني بليت . قال إن الله سبحانه حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ،
وأخرج البيهقي بإسناد حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه. قال قال رسول الله وَله: ((أكثروا
من الصلاة عليّ في كل يوم جمعة فإِن صلاة أمّتي تعرض عليّ في كل جمعة ، فمن كان
أكثرهم عليّ صلاةً كان أقربهم مني منزلةً))، وفي الحديث دليل على أن صلاة العباد عليه
يوم الجمعة تعرض عليه، وقد تقدم أيضاً حديث (( ما من أحد يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ
روحي حتى أردّ عليه السلام))، وقد تقدم حديث أن لله ملائكة سياحين يبلغوني السلام ،
وظاهر الجميع أن كل صلاة وسلام تبلغه وَيه، وسواء كان ذلك في يوم الجمعة أو في غيره من
الأيام أو الليالي : فلعل في العرض عليه زيادة على مجرد الإِبلاغ إليه ، ويكون ذلك من
خصائص الصلاة عليه وَلقر في يوم الجمعة .
(( لَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِلَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلاَتُهُ)) (مس ) .
الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
(١) قوله أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة إلخ في النسائي أخرجه أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢) قد صححه أوس بن أوس كما في المنذري هذا الحديث ، وكذا النسائي من طريقه ويوجد في بعض النسخ
شداد بن أوس فالظاهر أنه غلط من الناسخ والله أعلم .
(٣) أي الصيحة ، والمراد بها الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى اهـ مرقاة.
(٤) الرمة بالكسر : العظام البالية ، والجمع رمم ورمام : تقول منه رم العظم يرم بالكسر رمة . أي بلي فهو رميم
أهـ صحاح ، * وفي المصباح: ما لفظه رم العظم يرم : من باب ضرب إذا بلي فهو رميم وجمعه في الأكثر أرماء
مثل دليل وأدلاء اهـ بلفظه ، وفي مجمع البحار : ما لفظه أرمت كضربت ، وأصله أرممت ، وقيل أرمت .
٤٢

أبي الدرداء رضي الله عنه ، وأخرجه أيضاً من حديثه ابن ماجه بإسناد جيد بلفظ . قال قال
رسول الله صل: (( أكثروا من الصلاة عليّ يوم الجمعة فإِنه يوم مشهود. تشهده الملائكة،
وإن أحد صلى عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها ، قال وقلت : وبعد الموت .
قال ان الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) وقد تقدم الجمع بين الأحاديث الدالة
على أن الأنبياء أحياء في قبورهم ، والأحاديث المصرحة بأن الله يرد عليه روحه عند سلام
من سلم عليه ، وعند صلاة من صلى عليه حتى يردّ عليه .
((كُلُّ دُعَاءٍ مَحْجُوبٌ حَتَّى يُصَلَّى عَلَى مُحمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ( طس ) .
وَصِفَةُ الصَّلاَةِ عَلَى النَِّّ ◌ََّ تَأْتِي فِي الَّشَهُّدِ فِي الصَّلَاةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى)).
الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط كما قال المصنف رحمه الله ، وهو من حديث
عليّ رضي الله عنه . قال المنذري أنه موقوف ورواته ثقات ، ورفعه بعضهم والموقوف أصح
انتهى ، وقال الهيثمي رجاله ثقات ، وأخرجه البيهقي في الشعب من حديثه ، وأخرجه
الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس رضي الله عنه بلفظ (( كل دعاء محجوب حتى
يصلى على النبي (و98َّ)) وفي إسناده محمد بن عبد العزيز الدينوري . قال الذهبي في
الضعفاء منكر الحديث ، وأخرج الترمذي عن أبي قرّة الأسدي عن سعيد بن المسيب عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفاً قال ((ان الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد
منه شيء حتى تصلي على نبيك ◌َّ#)) وللوقف في مثل هذا حكم الرفع لأن ذلك مما
لا مجال للاجتهاد فيه ، ويشهد لما في الباب ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي ،
وقال حسن وابن خزيمة وابن حبان وصححاه من حديث فضالة بن عبيد قال بينما رسول
الله وَلّ قاعد في المسجد إذ دخل عليه رجل فصلى. فقال اللهم اغفر لي وارحمني . فقال
رسول الله وَل عجلت أيها الرجل . إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم
ادعه. قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي وصلهر. فقال له النبي ◌َّل
ادع تجب .
فصل في آداب الذكر
﴿ينبغي أن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفاً خالياً، والذاكر على أكمل
الصفات الآتية ، وأن يكون فمه نظيفاً ، وأن يزيل تغيره بالسواك ، وأن يستقبل القبلة ، وأن
٤٣

يتدبر ما يقول ويتعقل(١) معناه ، وإن جهل شيئاً تبينه ، ولا يعتدّ له بشيء مما رتبه الشارع
على قوله حتى يتلفظ به ، ويسمع نفسه ، وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شرع بغيره ،
والمواظب على الأذكار المأثورة صباحاً ومساءً، وفي الأحوال المختلفة هو من الذاكرين الله
كثيراً والذاكرات ، ومن كان له ورد معروف ففاته فليتداركه إذا أمكنه ليعتاد الملازمة
عليه ﴾ .
( قوله ينبغي أن يكون المكان الذي يذكر الله فيه نظيفاً خالياً ) . أقول وجه هذا أن
الذكر عبادة للرب سبحانه ، والنظافة على العموم قد ورد الترغيب فيها ، والأمر بالبعد عن
النجاسة كما في قوله تعالى - وثيابك فطهر والرجز فاهجر - ، ولا شك أن القعود حال الدعاء
في مكان متنجس يخالف آداب العبادة كما في آداب الصلاة من تطهير مكانها ، وقد صح
عنه وَّر كما في الصحيحين وغيرهما . أنه قال في الذي لا يتنزه عن بوله أن عامّة عذاب
القبر منه . والحاصل(٢) أن التنزه عن ملابسة النجاسة مطلقاً مندوب إليه فتدخل حالة الدعاء
تحت ذلك دخولاً أوّلياً ، وإن لم يرد ما يدل على هذا على الخصوص ، وأما قوله خالياً ؛
فوجهه أن ذلك أقرب إلى حضور القلب وأبعد من الرياء والمباهاة ، وأعون على تدبر معنى
ما يدعو به أو يذكر به ، ولا شك أن هذه الحالة أكمل مما يخالفها ( قوله والذاكر على أكمل
الصفات الآتية ) . أقول ستأتي هذه الصفات في الباب الذي يلي هذا ( قوله وأن يكون فمه
نظيفاً، وأن يزيل تغيره بالسواك ) . أقول وجه هذا أن الذكر عبادة باللسان ، فتنظيف الفم
عند ذلك أدب حسن، ولهذا جاءت السنة المتواترة بمشروعية السواك للصلاة، والعلة في
ذلك(٣) تنظيف المحل الذي يكون الذكر به في الصلاة، وقد صح أنه وَلا لما سلم عليه
بعض الصحابة(٤) تيمم من جدار الحائط ثم ردّ عليه، وإذا كان هذا في مجرد ردّ السلام.
فكيف بذكر الله سبحانه فإِنه أولى بذلك ، وأخرج أبو داود من حديث ابن عباس عنه وَّير :
((كرهت أن أذكر الله إلا على طهر))، وصححه ابن خزيمة ( قوله وأن يستقبل القبلة).
أقول وجه ذلك أنها الجهة التي شرع الله سبحانه أن تكون الصلاة إليها ، وهي الجهة التي
(١) وجدت حاشية في نسخة من عدة الحصن الحصين عند قوله في المتن ويتعقل معناه. قال ، ولهذا كان المذهب
الصحيح المختار مد الذاكر لله تعالى قوله لا إله إلا الله لما فيه من التدبر كما ذكره النووي في الأذكار ، وأما انتقال
الكافر إلى الإِسلام فالمستحب أنه يقصرها ولا يمدها . قاله الإمام الرازي اهـ . من هامش الأصل باللفظ اه .
(٢) وفي نسخة : فالحاصل .
(٣) وفي نسخة : فيه .
(٤) وفي نسخة : أصحابه .
٤٤

يتوجه إلى الله عز وجل منها ، ولهذا ورد النهي عن أن يبصق الرجل إلى جهة قبلته معللاً.
بمثل هذه العلة كما في الأحاديث الصحيحة ، وسيأتي في هذا الباب المذكور بعد هذا
ما ورد في استقبال القبلة ( قوله ويتدبر ما يقول ويتعقل معناه ، وإن جهل شيئاً تبينه ) . أقول
لا ريب أن تدبر الذاكر لمعاني ما يذكر به أكمل . لأنه بذلك يكون في حكم المخاطب
والمناجي . لكن وإن كان أجر هذا أتمّ وأوفى . فإِنه لا ينافي ثبوت ما ورد الوعد به من ثواب
الأذكار لمن جاء بها فإِنه أعمّ من أن يأتي بها متدبراً لمعانيها متعقلاً لما يراد منها أولاً ، ولم
يرد تقييد ما وعد به من ثوابها بالتدبر والتفهم ( قوله ولا يعتدّ له بشيء مما رتبه الشارع على
قوله حتى يتلفظ به ويسمع نفسه). أقول أما باعتبار التلفظ فهو معلوم من أقواله ◌َّر
المصرّحة بأن من قال كذا كان له من الأجر كذا ، فلا يحصل له ذلك الأجر إلا بما يصدق
عليه معنى القول، وهو لا يكون إلا بالتلفظ باللسان، وأما اشتراط أن يسمع نفسه فلم يرد
ما يدل عليه لأنه يصدق القول بمجرد التلفظ ، وهو تحريك اللسان ، وإن لم يسمع نفسه ،
فينظر ما وجه الاشتراط ؟ مع أنه قد تقدم الحديث الذي في الصحيحين المذكور في أوّل هذا
الكتاب بلفظ: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي)): فإِذا كان مجرد الذكر النفسيّ
مقتضياً للثواب . فكيف لا يكون الذكر اللساني الذي قد صدق عليه أنه قول مقتضياً
للثواب . والحاصل أنه لا وجه لهذا الاشتراط لا باعتبار أصل الثواب ، ولا باعتبار كماله .
بل قد يكون التدبر والتفهم بما لا يسمع(١) النفس من الأذكار أتم وأكمل ( قوله وأفضل الذكر
القرآن إلا فيما شرع بغيره). أقول ثواب الأذكار قد قدّرها الشارع ◌َّر، وصرح بما يحصل
لفاعلها من الأجر وهكذا ما ورد في تلاوة القرآن على العموم ، وفي تلاوة سورة منه معينة ،
وآيات خاصة كما هو معروف في مواضعه ، وكون هذا الذكر أفضل من هذا الذكر إنما يظهر
بما يترتب عليه من الأجر فما كان أجره أكثر كان أفضل ولا ريب(٢) أن كلام الرب سبحانه
أفضل من حيث ذاته ، وأشرف الكلام على الإطلاق ، وأين يكون كلام البشر من كلام خالق
القوى والقدر ؟ تبارك اسمه وعلا جده ، ولا إله غيره . وأما قوله إلا فيما شرع بغيره فذلك
في المواطن التي قد ورد النهي عن قراءة القرآن فيها كما ثبت عنه ◌ّله في الصحيح ((إني
نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً))، وهكذا ما وردت به السنة من الأذكار في الأوقات ،
وعقيب الصلوات . فإنه ينبغي الاشتغال بما ورد عنه طاهر فإِن إرشاده إليه يدل على أنه أفضل
من غيره ( قوله والمواظب على الأذكار المأثورة صباحاً مساءً، وفي الأحوال المختلفة هو من
(١) وفي نسخة : بما لم يقع إسماع النفس به من إلخ .
(٢) وفي نسخة : إن كلام الله سبحانه من حيث ذاته أشرف الكلام إلخ .
٤٥

الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ) . أقول لا شك أن صدق هذا الوصف أعني كونه من
الذاكرين الله كثيراً والذاكرات أكمل من صدقه على من ذكر الله كثيراً من غير مواظبة ، وقد
ثبت في الصحيح من حديث عائشة أن النبي وَ ي كان يذكر الله كثيراً على كل أحيانه ، وورد
عنه ێ﴾ ( ان أحب العمل إلی الله تعالی أدومه )) ( قوله ومن كان له ورد معروف ففاته تدار كه
إذا أمكنه ليعتاد الملازمة عليه ) . أقول هكذا ينبغي حتى يصدق عليه أنه مديم للذكر مواظب
عليه ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يقضون ما فاتهم من أذكارهم التي كانوا يفعلونها
في أوقات مخصوصة ، وثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال
قال رسول الله وَّر: من نام عن حزبه من الليل أو شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة
الظهر كتب الله له كأنما قرأه من الليل .
فصل في آداب الدعاء(١)
﴿وآكدها تجنب الحرام مأكلاً ومشرباً وملبساً، والإِخلاص لله ، وتقديم عمل صالح
والوضوء ، واستقبال القبلة ، والصلاة ، والجثوّ على الركب ، والثناء على الله تعالى،
والصلاة على نبيه أوّلاً وآخراً، وبسط يديه ورفعهما حذو منكبيه وكشفهما مع التأدّب ،
والخشوع ، والمسكنة والخضوع(٢)، وأن يسأل الله بأسمائه العظام الحسنى(٣)، والأدعية
المأثورة ، ويتوسل إلى الله بأنبيائه والصالحين بخفض صوت ، واعتراف بذنب ، ويبدأ
بنفسه ، ولا يخص نفسه إن كان إماماً ويسأل بعزم ورغبة وجدّ واجتهاد ، ويحضر قلبه ،
(١) قال في سلاح المؤمن ، وهو كتاب نفيس في الدعاء والذكر تأليف الشيخ المتقن الحافظ أبي عبد الله محمد بن
علي بن همام المعروف بابن الإِمام : روى الشيخ في كتابه المذكور عن النووي أنه قال أجمع العلماء على
استحباب ابتداء الدعاء بحمد الله تعالى والثناء عليه ، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم . قال : وكذا
يختم بهما ، قلت ولعل لفظ ذلك أن يقول : الحمد لله رب العالمين الحي القيوم العلي العظيم الرحمن الرحيم
السميع العليم الأول القديم الحليم الحكيم حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه حمداً يوافي نعمه ويكافىء مزيده لا نحصي
ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه فلك الحمد حتى ترضى ، وإن شئت قلت : لا نحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت
على نفسك . ثم يقول : اللهم صل وسلم وشرّف وكرّم وعظم على رسولك سيدنا محمد النبيّ الأميّ الطاهر الزكيّ
وآله الطيبين وصحبه المحقين وسلم عليهم تسليماً عدد ما ذكرهم الذاكرون وغفل عن ذكرهم الغافلون . ثم يدعو
بما أحب ويختم إن شاء الله بمثل ذلك ، والله أعلم اهـ .
(٢) وأن لا يرفع بصره إلى السماء م س اهـ حصن .
(٣) وأن يتجنب السجع وتكلفه خ وأن لا يتكلف التغني بالأنغام مو واختيار الأدعية الصحيحة عن النبي صلى الله عليه
وآله وسلم فإِنه لم يترك حاجة إلى غيره دس وتخير الجوامع من الدعاء داه . حصن بلفظه .
٤٦

ويحسن رجاءه ، ويكرر الدعاء ، ويلحّ فيه ، ولا يدعو بإِثم ، ولا قطيعة رحم ، ولا بأمر قد
فرغ منه، ولا بمستحيل(١) ولا يتحجر، ويسأل حاجاته كلها، ويؤمّن الداعي والمستمع ،
ويمسح وجهه بيديه بعد فراغه ، ولا يستعجل أو يقول دعوت فلم يستجب لي ﴾ .
( قوله آداب الدعاء) . اعلم أن المصنف رحمه الله ذكر في كتابه الحصن الحصين
هذه الآداب كما هنا، ورمز رموزاً لمن حرّجها فلم تكتف بذلك. بل بحثنا كل البحث عن
أدلتها كما تراه ههنا ، وقد نشير إلى رمز نادر(٢)، وقد تتبعنا كثيراً منها فلم نجده صحيحاً ،
ولعل ذلك سببه اختلاف أقلام الناسخين لذلك الكتاب ( قوله وآكدها تجنب الحرام مأكلاً
ومشرباً وملبساً) . أقول وجه ذلك أن ملابسة المعصية مقتضية لعدم الإِجابة . إلا إذا تفضل
الله على عبده ، وهو ذو الفضل العظيم ، ومما يدل على هذا قوله عز وجل - إنما يتقبل الله
من المتقين -، ومما يدل على ذلك قوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم
وغيره عن النبي والقر ((أنه ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمدّ يديه إلى السماء يا رب
یا رب، ومطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له ))، ووجه تخصیص
المسافر بالذكر أنه قد ورد أن دعوته مستجابة : فإذا كانت ملابسته للحرام مانعة لقبول دعوته
فغيره بفحوى الخطاب أولا ( قوله والإِخلاص لله) . أقول هذا الأدب هو أعظم الآداب في
إجابة الدعاء ، لأن الإِخلاص هو الذي تدور عليه دوائر الإجابة ، وقد قال عز وجل - فادعوا
الله مخلصين له الدين - فمن دعا ربه غير مخلص فهو حقيق بأن لا يجاب إلا أن يتفضل الله
عليه ، وهو ذو الفضل العظيم . وقد روى ما يدل على ذلك الحاكم في المستدرك ( قوله
وتقديم عمل صالح ) . أقول ليكون ذلك وسيلة إلى الإِجابة ، ويدل على ذلك الحديث في
أمره ** بالصلاة عليه ، ويدل على ذلك حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة كما
في الصحيحين وغيرهما . فإِن النبي ◌َّر: حكى عنهم أنه توسل كل واحد منهم بِأعظم
أعماله التي عملها لله عز وجل . فإِنه استجاب الله دعاءهم ، وارتفعت عنهم الصخرة ،
وكان ذلك بحكايته وَ الر سنة لأمته ( قوله والوضوء) . أقول وجهه ما تقدم في الباب المتقدم
على هذا من قوله ﴿ ((كرهت أن أذكر الله إلا على طهر))، والدعاء ذكر، ويدل على ذلك
حديث(١) أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي الدرداء . قال سمعت رسول
الله ◌َ﴾ يقول: ((من توضأ فأحسن وضوءه ثم صلى ركعتين فدعا ربه إلا كانت دعوته
(١) عبارة المصنف في الحصن الحصين ، وأن لا يعتدي في الدعاء بأن يدعو بمستحيل أو ما في معناه خ اهـ بلفظه .
(٢) وفي نسخة : رموزها نادراً .
(٣) وفي نسخة : ما أخرجه إلخ .
٤٧

٠٠
مستجابة معجلة أو مؤخرة )) وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله وَالز دعا
بماء ثم توضأ ثم رفع يديه فقال : اللهم اغفر لعبيد بن عامر ، الحديث ، وهو في
الصحيحين ، وفيه قصة طويلة ، ويدل على ذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي ، والحاكم
في المستدرك عنه ولي أنه قال: ((من كانت له حاجة إلى الله عز وجل أو إلى أحد من بني
آدم فليتوضأ وليحسن الوضوء ثم ليصلّ ركعتين ثم ليثن على الله تعالى بما هو أهله وليصل
على النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
سيد المجالس قبالة القبلة
( قوله واستقبال القبلة ) . أقول : وجه ذلك أنها الجهة التي يتوجه إليها العابدون لله
سبحانه ، والداعون له ، والمتقرّبون إليه ، وقد ورد ما يرغب في ذلك على العموم كما
أخرجه الطبراني بإِسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال قال رسول الله وَله: ((إن
لكل شيء سيداً ، وإن سيد المجالس قبالة القبلة )) ، وأخرج نحوه في الأوسط من حديث
ابن عباس رضي الله عنهما، ومن ذلك أنه * لما أراد أن يدعو في الاستسقاء استقبل القبلة
كما في البخاري وغيره ، وقد استقبل ويطلق القبلة في دعائه في غير موطن كما في يوم بدر ،
أخرجه مسلم وغيره ( قوله والصلاة ). أقول(١)، يدل على ذلك الذي ذكرناه قريباً ((ثم
ليصل ركعتين)) إلخ ونحوه ( قوله والجثوّ على الركب ) . أقول: لم يثبت في هذه الهيئة
شيء يصلح للإحتجاج به ، وقد روى ما يدل عليه (٢) أبو عوانة ( قوله والثناء على الله
سبحانه). أقول يدل على هذا قوله في الحديث المذكور قريباً ثم ليثن على الله (٣) بما هو
أهله وصلّ علي ثم ادعه ( قوله والصلاة على نبيه) . أقول يدل على ذلك ما تقدم بلفظ :
(( كل دعاء محجوب حتى يصلى على محمد وعلى آل محمد)) ، وما تقدم أيضاً هنالك في
حديث آخر بلفظ ((وصلّ عليّ)) وما تقدم قريباً بلفظ ((وليصلّ على النبي وَّر))(قوله وبسط
يديه ورفعهما حذو منكبيه). أقول يدل على ذلك ما وقع منه ث الر من رفع يديه(٤) في نحو
(١) وفي نسخة : يدل على ذلك الحديث المتقدم قريباً الذي ذكرناه ثم ليصل إلخ.
(٢) وفي نسخة : على ذلك .
(٣) وقوله في الحديث المتقدم في فضل الذكر بلفظ فاحمد الله .
(٤) رفع الیدین في الدعاء فيه أحاديث متعددة ، وفيه أنه رفع صلی الله عليه وآله وسلم يديه حتى رؤي بياض إبطيه في
شيء من دعائه إلا في الاستسقاء ، وهو حديث صحيح ، ووجه الجمع أنه أراد التبليغ إلى أن تصير اليدان حذو
المنكبين ، وقوله في رواية أحمد والحاكم وأبي داود كان يرفع حذو منكبيه ، وعند ابن ماجه ، وبسطهما هو يقتضي
أن يكونا متفرقتين مبسوطتين لكن بينته الأعراف . قال ابن حجر غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في
الدعاء إنما المراد بها مدّ اليدين وبسطهما عند الدعاء، وعند الطبراني في حديث ابن عباس أنه كان صلى الله عليه
٤٨

ثلاثين موضعاً في أدعية متنوعة ، وما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وابن
حبان في صحيحه ، والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين من حديث سلمان رضي الله
عنه قال: قال رسول الله وَلفر: ((إن الله حيي(١) كريم يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن
يردهما صفراً (٢) خائبتين))، وأخرج الحاكم نحوه وقال صحيح الإسناد من حديث أنس
رضي الله عنه قال: قال رسول الله - 18: ((إن الله رحيم كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه
يديه ثم لا يضع فيهما خيراً))، وأخرج أحمد وأبو داود من حديث مالك بن بشار رضي الله
عنه. قال: قال رسول الله وَله: ((إذا سألتم اللّه فاسألوه ببطون أكفكم، ولا تسألوه
بظهورها )» .
مسح الوجه باليدين في الدعاء
وأخرجا أيضاً من حديث ابن عباس رضي الله عنهما نحوه وزاد فيه (( فإِذا فرغتم
فامسحوا بها وجوهكم)) ، وأخرج الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال
كان رسول الله ◌َّير: ((إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه))، وأما
كشفهما فقد روى ذلك ابن مردويه ( قوله مع التأدّب والخشوع والمسكنة والخضوع ) .
أقول هذا المقام هو أحق المقامات بهذه الأوصاف . لأن المدعوّ هو رب العالمين خالق
الخلق ورازقه ، وفي ذلك سبب الإِجابة . لأن العبد إذا خشع وخضع رحمه ربه وتفضل عليه
بالإجابة ، وقد ورد في الترغيب في هذه الأوصاف على العموم ما فيه كفاية ، ومنه قوله عزّ
وجل - ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية - ، وقد روى ما يدل على التأدّب مسلم وغيره ، وروى
ما يدل على الخشوع ابن أبي شيبة في المصنف ، وروى ما يدل على الخضوع الترمذي .
فأما ما رواه مسلم فهو من حديث عليّ رضي الله عنه، وفيه (( أنا عبدك ظلمت نفسي ،.
واعترفت بذنبي))، وأما ما رواه ابن أبي شيبة فهو من قول مسلم بن يسار. قال ((لو كنت
بين يدي ملك تطلب(٣) حاجة لسرّك أن تخشع له))، وأما ما رواه الترمذي فهو في أحاديث
وآله وسلم إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما يلي وجهه وسنده ضعيف ، وهل يمسح بهما وجهه كما في القنوت
في الصلاة فالأصح لا ، لعدم وروده فيه . قال البيهقي لا أحفظ فيه عن أحد من السلف شيئاً وإن روي عن بعضهم
في الدعاء خارج الصلاة ، وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خارج الصلاة خبر ضعيف ، وأما فيها
فلم يثبت فيه لا خبر ولا أثر انتهى من نسخة من عدة الحصن الحصين .
(١) قال في مجمع البحار ما لفظه حبي بكسر أولى الياءين مخففة ورفع الثانية مشددة . أي الله تعالى تارك للقبائح ساتر
للعيوب والفضائح وهو تعريض للعباد وحث لهم على تحري الحياء اهـ باللفظ .
(٢) الصفر بكسر الصاد المهملة وإسكان الفاء هو الفارغ اهـ منذري .
(٣) وفي نسخة : لطلب إلخ .
٤٩

الاستسقاء من كتابه ( قوله وأن يسأل بأسماء الله العظام الحسنى ، والأدعية المأثورة ) . أقول
يدل على ذلك قوله عز وجل - ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها -، وما أخرجه أبو داود
والترمذي وحسنه ، وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح على شرطهما
من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله وَلقر سمع رجلاً يقول : اللهم إني أسألك
بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً
أحد : فقال لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ، وأخرج
الترمذي وحسنه من حديث معاذ رضي الله عنه. قال سمع النبي وَل* رجلاً وهو يقول: يا ذا
الجلال والإكرام . فقال : قد أستجيب لك فسل ، وفي الباب أحاديث كثيرة سيأتي بعضها .
وجه التوسل بالأنبياء و بالصالحین
( قوله ويتوسل إلى الله سبحانه بأنبيائه والصالحين ) . أقول : ومن التوسل بالأنبياء
ما أخرجه الترمذي ، وقال حسن صحيح غريب ، والنسائي ، وابن ماجه ، وابن خزيمة في
صحيحه والحاكم ، وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم من حديث عثمان بن حنيف
رضي الله عنه أن أعمى أتى النبي وَّ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن
بصري . قال أوأدعك فقال يا رسول الله إني قد شقّ عليّ ذهاب بصري . قال : فانطلق
فتوضأ فصلّ(١) ركعتين، ثم قل: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بمحمد نبيّ الرحمة)):
الحديث ، وسيأتي هذا الحديث في هذا الكتاب عند ذكر صلاة الحاجة : وأما التوسل
بالصالحين . فمنه ما ثبت في الصحيح أن الصحابة استسقوا بالعباس رضي الله عنه عمّ
رسول الله وَّير، وقال عمر رضي الله عنه: ((اللهم إنا نتوسل إليك بعمّ نبينا إلخ ( قوله
بخفض صوت). أقول الحديث ((أربعوا على أنفسكم فإِنكم لن تدعوا أصمّ ولا غائباً ))،
وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى رضي الله عنه ( قوله واعتراف بذنب ) .
أقول لقوله وسير في حديث علي رضي الله عنه عند مسلم ((ظلمت نفسي واعترفت بذنبي
فاغفر لي ذنوبي جميعها)) ( قوله ويبدأ بنفسه) . أقول وجه ذلك ما روي من الأحاديث
المصرحة بأنه يبدأ الإنسان بنفسه ، وأخرج الترمذي وقال حسن صحيح غريب عن ابن عمر
رضي الله عنهما. قال كان رسول الله وَ ﴾ ((إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه)): ( قوله
ولا يخص نفسه(٢) إن كان إماماً). أقول الحديث (( لا يؤمّ رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء
(١) لفظ المنذري فتوضأ ثم صل إلخ .
(٢) لحديث ثوبان يرفعه ((لا يؤمّ رجل قوماً فيخص نفسه بالدعاء دونهم، فإن فعل فقد خانهم)). قال المصنف في
مفتاح الحصن وذلك فيما يؤمن المأمومون عليه من الدعاء كالقنوت فهو خيانة لهم ، وأما إذا دعا لنفسه في السجود

دونهم . فإِن فعل فقد خانهم)) ، أخرجه الترمذي وحسنه ، وأخرجه أيضاً غيره ( قوله ويسأل
بعزم ورغبة وجدّ واجتهاد ) . أقول وجه(١) هذا ما أخرجه البخاري وغيره من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه. قال قال رسول الله وَلقول: ((إذا دعا أحدكم فلا يقول اللهم اغفر
لي إن شئت وارحمني إن شئت وارزقني إن شئت ، وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء ولا مكره
له)) وفي لفظ لمسلم من هذا الحديث، ((ولكن ليعزم وليعظم الرغبة . فإن الله تعالى
لا يتعاظم شيئاً أعطاه)) ( قوله ويحضر قلبه ويحسن رجاءه ) . أقول وجه ذلك ما أخرجه
أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله وَلير: قال:
(( القلوب أوعية ، وبعضها أوعى من بعض فإذا سألتم الله تعالى أيها الناس فاسألوه وأنتم
موقنون بالإِجابة . فإن الله لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل))، وأخرجه أيضاً
الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . قال الحاكم مستقيم الإِسناد ، وتفرّد
به صالح(٢) المرّي ، وهو أحد زهاد البصرة . قال المنذري صالح المرّي لا شك في
زهده . لكن تركه أبو داود والنسائي ( قوله ويكرر الدعاء ويلح فيه ) . أقول وجه ذلك
ما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها. أنه قال: ((إن الله يحب الملحين في
الدعاء)): أخرجه ابن عديّ في الكامل والبيهقي في الشعب من حديث عائشة رضي الله
عنها، وأخرج مسلم في صحيحه أنه وَّر: ((كان إذا دعا كرره ثلاثاً)) (قوله ولا يدعو بإِثم
ولا قطيعة رحم ) . أقول : وجه ذلك ما أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه. قال قال رسول الله وَلقر: ((يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم))، وأخرج
أحمد والبزار ، وأبو يعلى . قال المنذري بأسانيد جيدة من حديث أبي سعيد رضي الله
عنه، أن النبي و ير قال: (( ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه
الله بها إحدى ثلاث . إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدّخرها له في الآخرة ، وإما أن
يصرف عنه من السوء مثلها ))، وأخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد ( قوله ولا بأمر قد فرغ
مثلاً أو في الجلوس بين السجدتين أو التشهد وهو إمام فليس بخيانة لأن كل واحد من المأمومين ينبغي أن يدعو
لنفسه وقد صح عنه صلی الله عليه وآله وسلم . أنه دعا وهو إمام بالأفراد مثل قوله: « اللهم باعد بيني وبين خطاياي
كما باعدت بين المشرق والمغرب)) وغير ذلك ، ولم يرد عنه أنه دعا في التشهد أو في السجود أو في الجلوس بين
السجدتين ، وهو إمام في الصلاة بلفظ الجمع اهـ من هامش نسخة من الحصن قال في آخرها اهـ من شرح العدة
اهـ .
(١) وفي نسخة : ذلك .
(٢) صالح بن بشير بن وادع المرّي بضم الميم وتشديد الراء أبو بشر البصري القاضي الزاهد ضعيف من السابعة اهـ
تقريب .
٥١

منه) . أقول : وجه ذلك أن الشيء إذا قد فرغ منه لم يتعلق(١) بالدعاء فيه فائدة ، وقد روى
مسلم والنسائي ما يدل على ذلك من حديث أم حبيبة رضي الله عنها لما سمعها(٢) تدعو
للنبي وَله ولأبيها ولأخيها بأن يمتعها الله بهم. فقال ◌َله: ((لن يعجل الله شيئاً قد أجله)).
الحديث ( قوله ولا بمستحيل ) أقول ، وجه ذلك أن الدعاء بالمستحيل هو من الاعتداء في
الدعاء ، وقد ثبت النهي القرآنيّ عنه . قال الله تعالى - ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب
المعتدين - ، وأخرج البخاري تعليقاً عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى - انه
لا يحب المعتدين -. قال في الدعاء وغيره ، وأخرج أبو داود وابن ماجه ، وابن حبان في
صحيحه عن عبد الله بن معقل رضي الله عنه. أنه سمع ابنه يقول ((اللهم إني أسألك القصر
الأبيض عن (٣) يمين الجنة إذا دخلتها)) فقال أي بنيّ سل الله الجنة وتعوّذ من النار . فإِني
سمعت رسول الله وسلم يقول: ((إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء))
( قوله ولا يتحجر). أقول: وجهه أن النبي ور: لما سمع الأعرابي يقول: ((اللهم
ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً. قال له لقد تحجرت واسعاً))، وهو ثابت في
الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ( قوله ويسأل حاجاته كلها ) . أقول لما أخرجه
الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه. قال قال رسول الله وَالر: (( ليسأل أحدكم ربه
حاجاته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع)) ، وأخرجه أيضاً ابن حبان ( قوله ويؤمّن
الداعي والمستمع ) . أقول : وجهه أن التأمين بمعنى طلب الإِجابة من الرب سبحانه ،
واستنجازها ، فهو تأكيد لما تقدم من الدعاء وتكرير له ، وقد ورد في الصحيح ما يرشد إلى
ذلك، وأخرج أبو داود عنه وَ# أنه سمع رجلاً يدعو، فقال: وجب أن ختمه بآمين ،
وأخرج الحاكم وقال صحيح الإسناد عن أم سلمة رضي الله عنها. أن النبي ◌َّرٍ أَمّن في
دعائه، وأخرج الحاكم أيضاً، وقال صحيح الإسناد أنه ويلثم قال: ((لا يجتمع ملأ فيدعو
بعضهم ويؤمّن بعضهم إلا أجابهم الله)) ( قوله ويمسح وجهه بيديه بعد الفراغ من الدعاء ) .
أقول : وجهه ما أخرجه أحمد وأبو داود عن مالك بن يسار رضي الله عنه . قال قال رسول
الله ◌َل: ((إذا سألتم اللّه فاسألوه ببطون أكفكم ، ولا تسألوه بظهورها فإِذا(٤) فرغتم فامسحوا
وجوهكم )) وأخرجه أيضاً الترمذي وابن ماجه وابن حبان ، والحاكم من حديثه ، وأخرجه
(١) وفي نسخة : بالدعاء له فيه إلخ .
(٢) لما سمعها النبي صلى الله عليه وآله وسلم تدعو له ولأبيها إلخ كذا في المقابل عليها اهـ .
(٣) في نسخة في .
(٤) وفي نسخة : وإذا .
٥٢

الترمذي والحاكم أيضاً من حديث عمر رضي الله عنه ( قوله ولا يستعجل أو يقول دعوت
فلم يستجب لي ) . أقول : وجهه ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه. أن رسول الله وَّ ر قال: ((يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب
لي))، وأخرج أحمد وأبو يعلى برجال الصحيح من حديث أنس. قال قال رسول الله الطيار:
(( لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل ، قالوا يا نبيّ الله وكيف يستعجل ؟ قال يقول قد دعوت
الله فلم يستجب لي)): ففي الحديث تفسير الاستعجال بقول الداعي (( دعوت فلم يستجب
لي))، وليس مجرد سؤال العبد لربه عز وجل أن يعجل له الإجابة من هذا فقد ثبت عنه وصلت
أنه قال في دعاء الاستسقاء عاجلاً غير رائث ، وكان الأحسن أن يقول المصنف ،
ولا يستعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي لما في عبارته من الإِيهام(١) .
(١) ولفظ الحصن، وأن لا يستعجل بأن يستبطىء الإجابة أو يقول دعوت فلم يستجب لي خ م دس ق اهـ .
٥٣

الباب الثاني
في أوقات الإِجابة ، وأحوالها ، وأماكنها ، ومن يستجاب له ،
وبم يستجاب ؟
واسم الله الأعظم ، وأسمائه الحسنى ، وعلامة الاستجابة ،
والحمد علیھا
فصل في أوقات الإجابة وأحوالها
﴿ ليلة القدر ، ويوم عرفة، وشهر رمضان ، وليلة الجمعة ، ويوم الجمعة ،
وساعة الجمعة ﴾ .
﴿وهي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة، والأقرب أنها عند قراءة الفاتحة
حتى يؤمّن ، وجوف الليل ونصفه الثاني ، وثلثه الأوّل ، وثلثه الأخير ، ووقت السحر ، وعند
النداء بالصلاة ، وبين الأذان والإقامة ، وبين(١) الحيعلتين للمجيب المكروب ، مس ،
وعند الإِقامة ، وعند الصف في سبيل الله ، وعند التحام الحرب ، ودبر الصلوات
المكتوبات ، وفي السجود ، وعند تلاوة القرآن . لا سيما الختم ، وعند قول الإِمام :
ولا الضالين ، وعند شرب ماء زمزم، ح م وصياح الديكة(٢)، واجتماع المسلمين ، وفي
مجالس الذكر، وعند تغميض الميت ((دس ت))، وعند نزول الغيث وعند الزوال في يوم
الأربعاء . قاله البيهقي في شعب الإِيمان ﴾ .
( قوله فصل في أوقات الإجابة ) . أقول قد رمز المصنف رحمه الله في كتابه الحصن
الحصين في هذا الفصل كما فعل في الفصل الأول ، وقد ذكرنا هنالك عدم اعتمادنا على
رموزه ، ورجوعنا إلى البحث ، لتلك العلة ( قوله ليلة القدر ) . أقول قد نطق الكتاب العزيز
(١) في الحصن : وبعد الحيعلتين ، وكذا في نسخة من المتن اهـ .
:
(٢) كعنبة أفاده في المصباح اهـ .
٥٥

بشرف تلك(١) الليلة قال الله تعالى - وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل
الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام -، وشرفها مستلزم لقبول دعاء الداعين
فيها ، ولهذا أمرهم ◌َّ بالتماسها وحرّض الصحابة على ذلك غاية التحريض، وكرروا
السؤال عنها ، وتلاحوا في شأنها ، وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث
عبادة بن الصامت رضي الله عنه ؛ أن من قامها إيماناً واحتساباً غفر الله له(٢) ما تقدم من ذنبه
وما تأخر ، وثبت في الصحيحين وغيرهما بمعناه ، وقد روى أبو داود والترمذي ، وابن ماجه
والحاكم ما يدل على أن الدعاء فيها مجاب ، وأخرجوا من حديث عائشة رضي الله عنها ؛
أن النبي وَّه قال لها: تقول: في ليلة القدر ((اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)).
وقد اختلف في تعيينها على أقوال كثيرة زيادة على أربعين قولاً ، وقد استوفيناها في شرحنا
للمنتقى ، وذكرت أدلتها ، ورجحت ما هو الراجح . فليرجع إليه ( قوله ويوم عرفة ) . أقول
قد ثبت ما يدل على(٣) فضيلة هذا اليوم وشرفه حتى كان صومه يكفر سنتين ، وورد في فضله
ما هو معروف ، وذلك يستلزم إجابة دعاء الداعين فيه ، وقد روى الترمذي ما يدل على إجابة
دعاء الداعين فيه ، وهو ما أخرجه وحسنه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي
الله عنهم أن النبي صلجر: قال: ((خير الدعاء يوم عرفة)) (قوله وشهر رمضان). أقول قد
ورد في شرفه وفضله من الأدلة الثابتة في الأمّهات وغيرها ما هو معروف ، وأخرج أحمد
والترمذي وحسنه ، وابن ماجه ، وابن خزيمة ، وابن حبان في صحيحيهما من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَلير: ((ثلاثة لا تردّ دعوتهم: الصائم حين
يفطر، وفي لفظ لبعضهم حتى يفطر، والإِمام العادل ، ودعوة المظلوم)) ، وأخرج البيهقي
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله وَلفي: ((إن
للصائم عند فطره لدعوة (٤) لا تردّ)) ( قوله وليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وساعة
الجمعة ) . أقول قد ثبت فضل يوم الجمعة وشرفه على سائر الأيام ، وهكذا ليلته ، وتواترت
النصوص بأن في يوم الجمعة ساعة لا يسأل العبد فيها ربه شيئاً إلا أعطاه إياه ، وقد اختلف
العلماء في تعيينها على أكثر من أربعين قولاً ، قد أوضحناها في شرحنا للمنتقى ، وذكرنا
أدلتها ورجحنا ما هو الراجح منها فليرجع إليه ، وقد روى الترمذي والحاكم حديثاً في قبول
(١) وفي نسخة هذه .
(٢) في المقابل عليها غفر له اهـ .
(٣) وفي نسخة : أفضلية .
(٤) في المقابل عليها دعوة . اهـ .
٥٦

الدعاء ليلة الجمعة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. أن النبي وَّر: قال لعليّ بن
أبي طالب رضي الله عنه: ((إن في ليلة الجمعة ساعة الدعاء فيها مستجاب))، وحسنه
الترمذي وصححه ، والحاكم ، روى أبو داود والنسائي ، وابن ماجه ، وابن حبان ،
والحاكم حديثاً في قبول الدعاء يوم الجمعة من غير نظر إلى تلك الساعة التي تواترت
الأحاديث بقبول الدعاء فيها ( قوله وجوف الليل ) . أقول : يدل على هذا ما أخرجه
الترمذي وحسنه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه . قال : قيل يا رسول الله . أيّ الدعاء
يسمع ؟ قال في جوف الليل ، ودبر الصلاة ( قوله ونصفه الثاني ، وثلثه الأوّل ، وثلثه
الأخير ) . أقول يدل على ذلك ما أخرجه الترمذي ، وقال حسن صحيح من حديث
عمرو(١) بن عبسة أنه سمع النبي ◌َالهر يقول: (( أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل
الآخر ؛ فإِن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن))، وأخرجه أيضاً
ابن خزيمة في صحيحه ، وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .
قال قال رسول الله وَالر: ((ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر:
فيقول من يدعوني فأستجيب له . من يسألني فأعطيه . من يستغفرني فأغفر له؟))، وفي
رواية لمسلم ((إن الله سبحانه يمهل . حتى إذا ذهب ثلث الليل الأوّل ، نزل إلى سماء
الدنيا ، فيقول : أنا الملك . أنا الملك. من الذي يدعوني)). الحديث، وأخرج مسلم
من حديث جابر. قال سمعت رسول الله وَ له يقول: ((إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل
مسلم يسأل الله خيراً من أمور الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ))، وذلك في كل ليلة ( قوله
ووقت السحر ) . أقول هذا جزء من أجزاء ثلث الليل الآخر ، وقد تقدم في الصحيحين
وغيرهما ؛ ما يدل على قبول الدعاء فيه ( قوله وعند النداء بالصلاة ) . أقول لما أخرجه
مالك في الموطأ وأبو داود من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه . قال قال رسول
الله {َ *: ((ثنتان لا يردّان: الدعاء (٢) عند النداء، وعند البأس حين يلحم بعضهم
بعضاً))، وزاد أبو داود ((وتحت المطر))، وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه ( قوله وبين
الأذان والإقامة ) . أقول لما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه من حديث أنس رضي الله
عنه. قال قال رسول الله وَ ل18: ((لا يردّ الدعاء بين الأذان والإقامة)): قيل ماذا نقول
يا رسول الله؟ قال: «سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة)»، وأخرجه أيضاً النسائي،
(١) عمرو بن عبسة بموحدة مفتوحة ومهملتين مفتوحتين . ابن عامر بن خالد السلمي أبو نجيح صحابي مشهور أسلم
قديماً وهاجر بعد أحد ، ثم نزل الشام اهـ تقريب وخلاصة .
(٢) لفظ أبي داود: ((ثنتان لا يردّان أو قلّ ما يردّان إلخ.
٥٧

وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ( قوله وبين الحيعلتين للمجيب(١) المكروب ) .
أقول يريد بالمجيب الذي يقول كما يقول المؤذن فإِنه كالمجيب له ، وبقوله المكروب : من
أصابه كرب . وفيه إشارة إلى ما ورد في ذلك ، وهو ما أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد
من حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي وب لير قال: (( إذا نادى المنادي فتحت أبواب
السماء واستجيب الدعاء ، فمن نزل به كرب أو شدة فليتحين المنادي فإِذا كبر كبر ، وإذا
تشهد تشهد ، وإذا قال حيّ على الصلاة . قال حيّ على الصلاة ، وإذا قال حيّ على
الفلاح ، قال حيّ على الفلاح : ثم يقول اللهم رب هذه الدعوة التامة الصادقة المستجاب
لها دعوة الحق وكلمة التقوى أحينا عليها ، وأمتنا عليها واجعلنا من خيار أهلها أحياءً وأمواتاً
ثم يسأل الله حاجته(٢))) وفي إسناده عفير بن معدان . قال المنذري : وهو واه ولا يخفاك أن
هذا الدعاء في هذا الحديث مصرح بأنه بعد الحيعلتين فقول المصنف وبين(٣) الحيعلتين
غير صواب ( قوله وعند الإِقامة ) . أقول(٤) ولعل الوجه في ذلك أن الإِقامة هي نداء إلى
الصلاة(٥) كالأذان وقد تقدم مشروعية الدعاء مطلقاً عند النداء ، ويدل على خصوصية(٦)
الإقامة ما أخرجه أحمد من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي وَ لّر قال: ((إذا ثوّب
بالصلاة فتحت أبواب السماء ، واستجيب الدعاء))، وفي إسناده ابن لهيعة ، وأخرج
الحاكم وصححه من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه بلفظ (( ساعتان لا ترد على داع
دعوته : حين تقام الصلاة ، وفي الصف )) ولفظ ابن حبان في صحيحه من هذا الحديث
عند حضور الصلاة . وقوله فيما تقدم قريباً في الشرح . إذا ثوّب بالصلاة المراد بالتثويب
الإقامة وكذلك قوله في الحديث الآخر حين تقام الصلاة ، وعند حضور الصلاة ( قوله وعند
الصف في سبيل الله ) . أقول يدل على ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ عن أبي هريرة(٧)
(١) وضبطه في نسخة من المتن بالقلم للمخبت بالخاء المعجمة .
(٢) وفي نسخة : حاجاته .
(٣) وفي نسخة : بعد الحيعلتين ، وهو كذلك في الحصن الحصين فما ذكر الشارح رحمه الله إنما هو على ما في بعض
النسخ والله أعلم .
(٤) وفي نسخة : لعل وجه ذلك .
(٥) وفي نسخة : للصلاة .
(٦) وفي نسخة : خصوص .
(٧) الموجود فيما بأيدينا من نسخة الموطأ، وكذا في شرح الزرقاني إخراج هذا الحديث من طريق أبي حازم بن دينار
رضي الله عنه . عن سهل بن سعد الساعدي ، وذكره المزني في الأطراف ، ونسبه إلى أبي داود من طريق
موسى بن يعقوب الزمعي عن أبي حازم عن سهل بن سعد رفعه بلفظ «ثنتان لا تردان أو قلّ ما تردان : الدعاء عند
النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً)): فلعل ما في الشرح غلط من قلم الناسخ والله أعلم اهـ .
٥٨

رضي الله عنه. (( ساعتان تفتح لهما (١) أبواب السماء، وقلّ (٢) داع تردّ عليه دعوته . حضرة
النداء للصلاة والصف في سبيل الله))، ورواه أيضاً ابن حبان والطبراني مرفوعاً ( قوله وعند
التحام الحرب) أقول: يدل على ذلك حديث سهل بن سعد المتقدم بلفظ ((وعند البأس
حين يلحم بعضهم بعضاً)) ( قوله ودبر الصلوات المكتوبات ) . أقول: قد ورد الإِرشاد إلى
الأذكار في دبر الصلوات ، وهي مشتملة على ترغيب عظيم ، وفيها أن الذاكر يقوم مغفوراً
له ، وفيها أنها تحل له الشفاعة ، وفيها أنه يكون في ذمة الله عز وجل إلى الصلاة الأخرى ،
وفيها أنها(٣) لو كانت (٤) خطاياه مثل زبد البحر لمحتهنّ ، وغير ذلك من الترغيبات ، وكل
ذلك يدل على شرف هذا الوقت ، وقبول الدعاء فيه ، وقد ورد حديث أخرجه الترمذي :
((ان دبر الصلاة من الأوقات التي تجاب فيها الدعوات)) وهو من حديث أبي أمامة رضي الله
عنه : قال قيل يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع ؟ قال جوف الليل الأخير ، ودبر الصلاة
المكتوبة . قال الترمذي حديث حسن ( قوله وفي السجود ) . أقول يدل على ذلك حديث
أبي هريرة رضي الله عنه. عنه وَّالية: (( أقرب ما يكون العبد من ربه ، وهو ساجد فأكثروا
الدعاء)) . أخرجه مسلم وغيره ( قوله وعند تلاوة القرآن لا سيما الختم ) أقول يدل على
ذلك ما أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن من حديث عمران بن حصين أنه مرّ على قارىء
يقرأ ثم يسأل فاسترجع ثم قال سمعت رسول الله وَليل يقول: ((من قرأ القرآن فليسأل الله به
فإِنه سيجيء أقوام يقرءون القرآن يسألون به الناس ))، وأخرج الطبراني ما يدل على مشروعية
الدعاء عند ختم القرآن ، وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد: ((إذا ختم القرآن نزلت
الرحمة )) ( قوله وعند قول الإِمام ولا الضالين ) . أقول يدل على ذلك ما ثبت في مسلم
وغيره بلفظ ((إذا قال الإِمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين: فقولوا آمين يحبكم الله))،
وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن رسول الله وَّر قال:
((إذا أمّن الإِمام فأمّنوا، فإِنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه))، وفي
الموطأ أنه يقول: ((رب اغفر لي، آمين)) ( قوله وعند شرب ماء زمزم) . أقول يدل على
(١) أي فيهما أو من أجل فضيلتهما اهـ زرقاني.
(٢) إخبار بأن الإِجابة في هذين الوقتين هي الأكثر وأن ردّ الدعاء فيهما يندر، ولا يكاد يقع . قاله الباجي فأشار بقوله قلّ
إلى أنها قد تردّ لفوات شرط من شروط الدعاء أو ركن من أركانه أو نحو ذلك ، وقال السيوطي بل قلّ هنا للنفي
المحض كما هو أحد استعمالاتها اهـ زرقاني .
(٣) وفي نسخة : أنه .
(٤) وفي نسخة : كان .
٥٩

ذلك ما أخرجه الدارقطني ، والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما . قال قال
رسول الله و 58: ((ماء زمزم لما شرب له . ان شربته تستشفي به شفاك الله، وإن شربته
لشبعك أشبعك الله ، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله ، وهي هزمة جبريل ، وسقيا
إسمعيل ، وزاد الحاكم ، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله )) . قال وكان ابن عباس إذا شرب
ماء زمزم قال: ((اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء)) قال
الحاكم بعد إخراجه صحيح الإِسناد(١) إذا سلم من الجارود ، معناه محمد بن حبيب . قال
المنذري سلم منه فإنه صدوق قاله الخطيب البغدادي وغيره ، ولكن الراوي عنه محمد بن
هشام المروزي لا أعرفه ، وروى الدارقطني دعاء ابن عباس مفرداً من رواية حفص بن عمر
العدني (٢) ( قوله وصياح الديكة ) . أقول يدل عليه ما ورد في الصحيحين وغيرهما من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال قال رسول الله وَالر: ((إذا سمعتم صياح الديكة
فاسألوا الله من فضله . فإِنها رأت ملكاً، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوّذوا بالله فإِنه رأى
شيطاناً)) ( قوله واجتماع المسلمين، وفي مجالس الذكر). أقول المراد باجتماع(٣)
المسلمين في مجالس الذكر . فإِنها قد وردت بذلك الأدلة الصحيحة ، ومن ذلك ما أخرجه
مسلم وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي سعيد رضي الله عنه أنهما شهدا على
رسول الله وسلم أنه قال: ((لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة ،
ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده))، وثبت في الصحيحين من الحديث
الطويل، وفيه ((ان الله يقول لملائكته اشهدوا أني قد غفرت لهم : فيقول ملك من
الملائكة . فيهم فلان ، ليس فيهم . إنما جاء لحاجة . قال هم القوم لا يشقى بهم
جليسهم)) ، وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث حفصة بنت سيرين في خروج النساء
يوم العيد، وفيه ((وليشهدن الخير، ودعوة المسلمين))، فهذا دليل على أن مجامع
المسلمين من مواطن الدعاء ( قوله وعند تغميض الميت ) . أقول يدل على ذلك(٤)
ما أخرجه مسلم وأهل السنن من حديث أم سلمة: قالت دخل رسول الله وَلهر على
أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه. فقال: ((إن الروح إذا قبض تبعه البصر . فضج ناس
(١) لفظ المنذري، وقال يعني الحاكم صحيح الإسناد إن سلم من الجارود ، يعني محمد بن حبيب إلخ ما هناك اهـ .
(٢) حفص بن عمر بن ميمون العدني الصنعاني أبو إسمعيل لقبه الفرخ بالفاء وسكون الراء وبالخاء المعجمة ضعيف من
التاسعة اهـ تقريب .
(٣) في المقابل عليها : اجتماع اهـ .
(٤) وفي نسخة : هذا .
٦٠
٠