Indexed OCR Text

Pages 1461-1480

١٤٦١
الحرز الثمين الحصن الحصين
حقيقة المباعدة إنما هي في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أنَّ التقاء
المشرق والمغرب مُستحيل، فكأنه أراد أنه لا يبقى لها أثر منه بالكلية.
قال الكرماني: ((وكرر لفظة (بين))؛ لأن العطف على الضمير المجرور
يُعاد فيه الخافض))، ثم قال: ((ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث
الإشارة إلى الأزمنة الثلاثة، فالغسل للماضي، والتنقية للحال، والمباعدة
في الاستقبال))، وقال ابن دقيق العيد: ((يحتمل أن يكون المراد: أن كل
واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، كقوله تعالى:
﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦])).
(ع) أي: رواه الجماعة عن عائشة(١).
(اللهم أعوذ بك من العَجْز) هو: ((عدم القدرة على الخير، وقيل: هو
ترك ما يجب فعله والتسويف به، وكلاهما يُستحبُّ التعوذ منه))(٢)، ذكره
المصنف.
(والكسل) تقدم، (والجبن) بضم الجيم وسكون الموحدة، ويضمان
على ما في ((القاموس))، (والهرم) بفتحتین، وسبق.
(وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات) قال
(١) أخرجه أحمد (٥٧/٦ و٢٠٧/٦) والبخاري (٦٢٧٥)، ومسلم (٥٨٩)،
والترمذي (٣٤٩٥)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي (٢٦٢/٨) وابن ماجه
(٣٨٣٨).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).

١٤٦٢
الحرز الثمين الحصن الحصين
المصنف: ((أي: الحياة والموت، واختلف في المراد بفتنة الموت، فقيل:
فتنة القبر، وقيل: الفتنة عند الاحتضار))(١)، انتهى.
وأراد بالاحتضار: حُضُور الموت وظهور علامته، وأن كلا من
المصدرين الميميَّيْن وُضع موضع الاسم، وقيل: ((هما اسما زمان، أي:
زمان الحياة وزمان الموت من أول النزع وهَلُمَّ جَرًا».
قال ابن بطال: ((هذه كلمة جامعة لمعاني كثيرة، وينبغي للمرءِ أن
يرغب إلى رَبّه في دفع ما نزل به ودفع ما لم ينزل، ويستشعر الافتقار إلى ربه
في جميع ذلك، وكان # يتعوذ من جميع ما ذكر دفعًا عن أمته وتشريعًا
لهم؛ حيث بيَّن لهم صفة المهم من الأدعية)).
(خ، م، د، ت، حب، مس، صط) أي رواه: البخاري، ومسلم، وأبو
داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، والطبراني في ((الصغير))؛ كلهم
عن أنس(٢).
(وأعوذ بك) هذا من تتمة الحديث السابق في بعض الروايات، لكن
هذا لفظ الطبراني في ((الصغير))، ولفظ الباقين (من القسوة) بفتح فسُكون
بمعنى القساوة، وهي: غلظة القلب وشِدّته وحدّته، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) أحمد (٢١٤/٣)، والبخاري (٢٦٦٨)، ومسلم (٢٧٠٦)، وأبو داود
(١٥٤٠)، والترمذي (٣٤٨٥) وقال: حسن صحيح. والنسائي (٢٥٧/٨)،
وابن حبان (١٠٠٩). وأخرجه أيضًا: أبو يعلى (٣٠٧٤).

١٤٦٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَالِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةَ﴾ [البقرة: ٧٤]،
وقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْر اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
(والغفلة) أي: عن الذكر، وعن المذكور بفقد الحضور، أو عن الغفلة
في الطاعة والسهو عنها، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكِ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ
أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقال المصنف: ((يعني: قَسْوَة القلب، وهو: غِلَظُهُ وشدَّتُه، وعدم
الرحمة على الخلق، والغفلة هي: الذهول عن الطاعة))(١)، (والعَيْلة) ((بفتح
العين المهملة: الفاقة، وهكذا العالة، والعوذ منه كالعوذ من الفقر، وقد
))(٢)
تقدم))(٢).
(والذلّة) ((من الذل، وهو: ضد العز، يعني: الهُونُ، كما وقع في دعائه
لما رجع من الطائف: ((اللهم إليك أشكو ضعفَ قوتي، وقلةَ حيلتي،
وهواني على الناس))(٣)، انتهى. وهي بكسر الذال، والمراد بها: أن يكون
ذليلًا، بحيث يَسْتخفه الناس ويَحْقِرُونَهُ ويعيبونه، ويشغلونه عما يَعْنِيه،
ولا ينتفعون بأوامره ونواهيه.
(والمسكنة) قال المصنف: ((يعني: الحال السيئة، من الذل والخضوع
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ب).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).

١٤٦٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
والحاجة))(١)، قلت: وكأن في الاستعاذة منهما إشعار بقوله تعالى في حق
الأعداء: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، وقيل: ((الذلة:
الشّح، والمسكنة: الحرص))، أقول: ((الذلة)) هي: المذلة عند الأغنياء،
و((المسكنة)) هي: السكون إليهم، والتملق لديهم، والاعتماد عليهم.
(وأعوذ بك من الفقر) أراد به فقر النفس، أعني: الشّرَهَ أو عدم
اتصافها بصفات الكمال، وهو يقابل غنى النفس، الذي هو: قناعتها أو
اتصافها بصفات الكمال، أو أراد به: قلة المال، وكثرة العيال، أو الحاجة
إلى الناس.
(والكفر) هو ضد الإيمان، أو كفران النعمة ضد الشكر، (والفسوق)
قال المصنف: ((أي: الخروج عن الاستقامة وارتكاب المعاصي،
(والشِقاق) بالكسر من الشقة، وهو: الشدة والثقل))(٢)، انتهى.
والأظهر أنه بمعنى الخلاف كما في ((المهذب))؛ لأنه يقع كل من
المخالفين في شِق، أي: ناحية، على ما حققه الطيبي، ومنه قوله تعالى:
وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَفُواْ فِى الْكِتَبِ لَفِى شِقَاقِ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]، والشقاق
أيضًا يجيء بمعنى العداوة الباعثة على الخلاف، ومنه قوله تعالى: ﴿فى
عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]، على أحد القولين.
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).

١٤٦٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
(والسمعة والرياء) قال المصنف: ((هو بضم السين، وهو: أن يفعل الفعل
من الطاعة؛ ليسمعه الناس ويروه، لا يريد به الإخلاص، وكذلك الرياء))(١).
قلت: المعنى الذي ذكره يصلح بطريق اللّف والنشر أن يكون معنّى
للسمعة والرياء، وهو مطابق لما في أصل الاشتقاق المأخوذ منهما
المعنیان، وإن كان كل واحد منهما يطلق على المعنیین جمیعًا عند انفراده،
لکن عند اجتماعهما یعطی کلّ ذي حق حقه.
ثم ((الرياء)): بكسر الراء وبعده همزة عند جمهور القراء، وذهب بعضهم
إلى إبداله ياء في الوقف، أو مطلقًا، ويجري عليه ألسنة العامة.
(وأعوذ بك من الصمَمَ) بفتحتين، قال المصنف: ((وهو عدم السمع))،
(والبَكَم) بفتح الباء والكاف: الخرس))(٢)، [انتهى](٣)، أي: عدم النطق،
وخُصّا لأنهما بابان للاستفادة والإفادة، ولا يبعد أن يراد بهما: عدم
سماع الحق ونفي كلام الحق، كما قيل في قوله تعالى: ﴿صُمُّ بُكْمٌ﴾.
(والجنون) أي: المزيل للعقل من إدراك الباطن الفائت به حسن
السيرة، (والجذام) أي: المزيل للصورة الظاهرة على وجه النفرة؛ ففي
((القاموس)): ((الجذام كغراب، علة تحدث من انتشار السوداء في البدن
كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ب).
(٣) من (ج) و(د) فقط.

١٤٦٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
وسُقوطها عن تقرح»، انتهى.
والحاصل أنه # استعاذ من حصول عوارض هذه البلايا، مع
التضمن لما هو [ذكر](١) للنعماء، وشكر على ما منحه من العطايا،
وطلب المزيد بالثبات، والدوام على تلك الصفات إلى حين الممات.
ثم عَمَّمَ سالكًا سبيل الإجمال، إظهارًا لعجزه عن عَدِّ نِعَمِه سبحانه على
وجه الكمال، فقال: (وسّئ الأسقام) كـ: البرص، والعمى، والفالج،
وإنما قيد الأسقام بالسيئ؛ لأن الأمراض مطهرة للسيئات، ومرقية
للدرجات، وأكثر الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأولياء، فالتعوذ من جميع
الأسقام ليس من دأب الكرام، قال المصنف: ((سيئ الأسقام)): قبيحها،
أعاذنا الله تعالى منها))(٢).
وقال ميرك نقلًا عن المظهر: ((إن الإضافة ليست بمعنى ((من))، كما في
قولك: خاتم فضة، بل هي من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي:
الأسقام السيئة، ولم يستعذ من الأسقام على الإطلاق؛ لأن منها ما إذا
تحامل الإنسان [فيه](٣) على نفسه بالصبر خفّتْ مؤنتُه مع عدم إزمانه،
كالحمى والصداع والرمد، وإنما استعاذ من المزمن، فينتهي بصاحبه إلى
حالة يفرُّ منه الحميم، ويقل دونها المؤن والمداوي، مع ما يورث من
(١) كذا في (ج)، وفي (أ) و(ب): ((تذكر))، وفي (د): ((مذكر)).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ب).
(٣) من (ج) و(د) فقط.

١٤٦٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
الشين، ومنها: الجنون الذي يزيل العقل، ولا يأمن صاحبه القتل، ومنها:
البرص والجذام، وهما علتان لازمتان مع ما فيهما من القذارة والبشاعة
وتغيير الصورة، وقد اتفقوا على أنهما يَعْدِيان إلى الغير، واللّه العاصم)).
(وضَلَع الدين) ((بفتح الضاد واللام، هو: ثقله، وهو في الأصل:
الاعوجاج والميل، أي: يثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء
والاعتدال))(١)، ذكره المصنف، وحاصله كثرة ديون العباد بحيث يشغله
ويمنعه حضور العبادة وحصول الاستقامة، بسبب كثرة المطالبة الواقعة
في الذمة؛ ولذا ورد في الحديث: ((لا هَمَّ إلا هَمَّ الدَّين)).
(حب، مس، صط) أي رواه: ابن حبان، والحاكم، والطبراني في
((الصغير))، عن أنس(٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن) بضم فسُكون وبفتحهما، وتقدم
الفرق بينهما، (والعجز والكسل والبُخْل) بضم فسُكون ويفتحهما،
(والجُبْن) بضم فسُكون ويجوز ضمهما، وهو: ضد الشجاعة.
(وَضَلَع الدَّيْن) قال العسقلاني: ((هو - بفتح المعجمة واللام -:
الاعوجاج، يقال: ضَلَع بفتح اللام، أي: مال، والمراد به ها هنا: ثِقَل
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٥٣٠) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه،
وأخرجه الطبراني في الصغير (٣١٦)، وفي الدعاء (١٣٤٣)، والبيهقي في
الدعوات الكبير (٢٩٧)، والضياء (٣٤٤/٦، رقم ٢٣٧٠). وصححه الألباني
في صحيح الجامع (١٢٨٥).

١٤٦٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
الدَّين وشدَّته، وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاءه، لا سيما مع
المطالبة، فقد قال بعض السلف: ((ما دخل هم الدين قلبًا إلا أذهب من
العقل ما لا يعود إليه)))، والقائل لهذا القول هو: سعيد بن المسيب ﴾ه،
كذا ذكره الكرماني في شرحه على البخاري.
(وغلبة الرجال) قيل: ((الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، فكأنه
إشارة إلى العَوْذ من أن يكون مظلومًا أو ظالمًا، وفيه إيماء إلى العوذ عن
الجاه المُفْرِط عن الذل المهين))، وقال ميرك: ((أي: شدة تَسلُّطِهِمْ،
استعاذ ﴿﴿ من أن يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس)».
قال الكرماني: «هذا الدعاء من جوامع الكلم؛ لأن أنواع الرذائل ثلاثةٌ:
نفسانيةٌ، وبدنيةٌ، وخارجيةٌ، بحسب القوى التي للإنسان، وهي ثلاثة:
العقلية، والغضبية، والشهوانية، فالهم والحزن متعلق بالعقلية، والجبن
بالغضبية، والبخل بالشهوانية، والعجز والكسل بالبدنية، والثاني يكون
عند سلامة الأعضاء وتمام الآلات والقوى، والأول عند نقصان عُضو
ونحوه، والضلع والغلبة بالخارجية، فالأول: ماليٌ، والثاني: جاهيٌ،
والدعاء مشتمل على جميع ذلك)).
(خ، د، ت، س) أي رواه: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي؛
كلهم عن أنس، وقال في ((المشكاة)): ((متفقٌ عليه))(١).
(١) أخرجه البخاري (٦٣٦٩)، ومسلم (٢٧٠٦)، وأبو داود (١٥٤١)، والترمذي
(٣٤٨٤)، والنسائي (٢٧٤/٨).

١٤٦٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
(اللهم إني أعوذ بك من البخل) أي: المورث للحرص، المانع عن
الخير، (وأعوذ بك من الجبن) أي: المانع عن الشجاعة الباعثة على قهر
أعداء الدين، [والمانع] (١) عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ءُ
(وأعوذ بك أن أرَدّ) بصيغة المجهول، أي: من أن أنقلب (إلى أرذل
العُمُر) بضمتين، وبضم فسكون، وقد فسِّر بـ: الهرم، وعلل في قوله
تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج: ٥]، ولا شك أنه حينئذٍ
ليس له منفعة دينية ولا دنيوية، فالموت خيرٌ من [تلك](٢) الحياة.
وأما قول الحنفي: ((إنه ليس بمخصوص بالهرم؛ لأنه شاملٌ للعمر
الذي فيه البلايا، مثل: كثرة العيال، مع قلة المال، وعدم الصبر
والابتذال)) = فليس في محله؛ فإنّه يرد عليه قوله: ((أن أُرَدَّ).
مع أن المعنى الذي ذكره ليس يُستفاد من الكلام، لا لغةً ولا عرفًا،
وكثرة العِيَال مع قلة المال هو من أوصاف الرجال، لكن مع الصبر
والشكر في كل حال، وقد يؤخذ عدم الصبر من الجبن، أو من قوله:
(وأعوذ بك من فتنة الدنيا) لأنها بظاهره شاملة لكل بَليَّةٍ، ومحنةٍ حِسِّية
أو معنويّة، كائنة فيها مانعة عن أمور العقبى.
وقال العسقلاني: ((قد فسر عبدالملك بن عُمَيْر أحد رواة هذا الحديث
فتنة الدنيا بـ: ((فتنة الدجال))، كما وقع عند الإسماعيلي: ((قال شعبة:
(١) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((والمانعة)».
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي جميع النسخ: ((ذلك)).

١٤٧٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
سألتُ عبدالملك بن عمير عن فتنة الدنيا، فقال: الدجال))، وفي إطلاق
الدنيا على الدجال إشارة إلى أن فتنته أعظمُ الفتن الكائنة في الدنيا، وقد
ورد ذلك صَرِيحًا في حديث أبي أمامة، قال: ((خطبنا رسول اللََّ ﴿ .... ))،
فذكر الحديث، فيه: ((أنه لم يكن فتنة في الأرض منذ ذرأ اللّهَ ذُرية آدم
أعظم من فتنة الدجال)) (١)، انتهى.
ولعل وجهه أن بقية فتن الدنيا أمر سهل بالنسبة إليها؛ فإنه يكلف
الإنسان على الإيمان به، والكفر بربه، وإلا فالعذاب والعقاب، مع أن
الوقت زمن القحط والبلاء وعنده - بحسب الظاهر - الوسع والعطاء،
فكأنه العليئي تعوذ منه وعلّم أمته الحذر، مع أنه لم يوجد إلا في آخر الزمان
عند ظهور المهدي ونزول عيسى التقنية إيماء إلى أن كل بلاء ديني أو
دنيوي بالنسبة إلى فتنة الدجال أمره سهل، فيكون تسلية للأمة، وهذا من
كمال الرحمة، وتمام الرأفة.
(وأعوذ بك من عذاب القبر) فإنه مُقَدّمة عذاب النار. (خ، ت، س)
أي رواه: البخاري، والترمذي، والنسائي، عن سعد بن أبي وقاص.
(اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل، والهَرَم)
بفتحتين (وعذاب القبر، اللهم آت) أمر من الإيتاء، أي: أعط (نفسي
تقواها) أي: توفيقها بإلهامها والقيام بها، قال ميرك: ((ينبغي أن يفسر
التقوى بما يقابل الفجور في قوله تعالى: ﴿فَأَهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا ﴾
(١) ((فتح الباري)) (١١/ ١٧٩).

١٤٧١
الحرز الثمين الحصن الحصين
[الشمس: ٨]، وهي الاحتراز عن متابعة الهوى وارتكاب الفجور
والفواحش؛ لأن الحديث هو البيان للآية)).
(وزكّها) أمر من التزكية، أي: طهرها من الذنوب ونقها من العُيُوب،
(أنت خير من زكاها) فيه إيماء إلى قوله تعالى: ﴿قَد أَفْلَحَ مَن زَكَّتِهَا﴾
[الشمس: ٩]، وإشارة إلى أن ضمير الفاعل في ((زكاها)) إلى ((مَنْ))؛ ليستقم
((أنت خير من زكاها))، وأما إذا كان راجعًا إلى اللّه تعالى فيتعين أنه هو المزكي
لا غير على ما هو في الحقيقة كذلك، وأن الإسناد إلى غيره مجازي.
(أنت وليّها) أي: المتصرف فيها ومُصْلحها ومربيها (ومولاها) أي:
ناصرُها وعاصمُها، وقال الحنفي: ((عطف تفسیري)).
(اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع) أي: علم لا أعمل به ولا أعلِّمه،
ولا يهذب الأخلاق والأقوال والأفعال، أو علم لا يحتاج إليه في الدين،
أو لا يَرِدُ في تعلمه إذنٌ شرعي، وسيأتي فيه زيادة بيان.
(وقلب لا يخشع) أي: لا يطمئن بذكر اللّه، ولا يسكن بما قدّره
وقضاه، وأمره ونهاه، (ومن نفسٍ لا تشبع) أي: بما آتاه اللّه، حيث لا تقنع
ولا تفتر عن الجمع؛ لشدة ما فيها من الحرص، أو يراد بها النهمة وكثرة
الأكل، والمبالغة في حُصُول الشهوة.
(ومن دعوةٍ لا يُستجاب لها) الضمير عائد إلى الدعوة واللام زائدة،
وفي ((جامع الأصول)): ((دعوة لا يستجاب))، ذكره ميرك.
وفيه: أن الاستجابة قد تتعدى باللام، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابِ لَّهُمْ﴾.

١٤٧٢
الحرز الثمين للحصن الحصين
وقد تقدم الفرق بينها وبين الإجابة، وليس ما في ((جامع الأصول)) نصّ
على المقصود؛ إذ يحتمل أن يكون من باب الحذف والإيصال، وكذا ما
ورد هنا في ((مصنف ابن أبي شيبة)): ((ودعاء لا يستجاب))، على أنه يجوز
تقدير: ((له)) في هذا المقام، والله أعلم بالمرام.
(م، ت، س، مص) أي رواه: مسلم، والترمذي، والنسائي، وابن أبي
شيبة، عن زيد بن أرقم(١).
(اللهم إني أعوذ بك من الجبن والبخل، وسوء العُمُر) بضم الميم
وسكونه، أي: أرذله، وهو: الهرم، وقال المصنف: ((أي: عمر غير
مرضي، لا یعمل فیه عمل صالح)»(٢)، انتهى.
وهو بضم السين ويجوز فتحها، ففي ((الصحاح)): ((ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوءًا،
بالفتح، نقيض: سَرَّهُ، والاسم: السُّوء بالضم، ومن فتح فهو من المَسَاءَةِ،
وقد قُرئَ بهما: ﴿عَلَّيْهِمِ دَابِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨]))(٣)، والحاصل: أنه عمر
یسوء صاحبه ولا يفرح به طالبه في العقبى.
(وفتنة الصدر) قال المصنف: ((يعني ما يوسوس به الشيطان في قلبه،
كما في الحديث: «من وساوس الصدر))))(٤)، انتهى.
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في (٢٩٧٣٤)، ومسلم (٢٧٢٢)، والنسائي (٢٦٠/٨)،
والترمذي (٣٥٧٢).
(٢) «مفتاح الحصن الحصین)» (ل ١٩/ ب).
(٣) الصحاح (١ / ٥٥ - ٥٦) مادة (س وأ).
(٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩ / ب).

١٤٧٣
الحرز الثمين الحصن الحصين
وقيل: ((موت القلب وقساوته))، وقيل: ((ما ينطوي عليه من غلّ
وحسد وخُلق سيئع))، وقيل: ((هي الضيق المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَمَن
يُرِدّ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَه ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]))، وهي: الإنابة إلى
دار الغرور التي هي سجن المؤمن، والتجافي عن دار الخلود، وهي: التي
عرضها كعرض السماء والأرض، عكس حال من شرح الله صدره حيث
يميل إلى دار العقبى، ويزهد في دار الدنيا، ويستعد للموت قبل نزوله.
(وعذاب القبر) أي: مما يوجبه. (د، س، ق، حب) أي رواه: أبو داود،
والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، عن عمر ﴾(١).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: ((إني أعوذ)) (بعزتك) أي: بقوتك وقدرتك،
وسلطانك وغلبتك، (لا إله إلا أنت، أن تضلني) بضم التاء، من
الإضلال، وهو: متعلق بـ((أعوذ))، أي: من أن تضلني، وكلمة التوحيد
معترضة لتأكيد العِزّ.
(أنت الحي لا تموت) ولفظ ((المشكاة)): ((أنت الحي الذي لا يموت))،
(والجن) أي: الشامل للملائكة، (والإنس) أي: وأتباعهم من الحيوانات
والحشرات (يموتون. م، خ، س) أي رواه: مسلم، والبخاري،
والنسائي، عن ابن عباس، واللفظ لمسلم؛ ولذا قُدِّمَ على البخاري.
(اللهم إنا نعوذ بك من جَهْد البلاء) قال المصنف: ((بفتح الجيم،
(١) أخرجه أبو داود (١٥٣٩)، والنسائي (٢٥٥/٨)، وابن ماجه (٣٨٤٤)،وابن
حبان (١٠٢٤).

١٤٧٤
الحرز الثمين الحصن الحصين
ورُوي بضمها، وقد روي عن ابن عمر أنه فسره بـ: ((قلة المال، وكثرة
العِيال))، وقيل: ((الحالة الشاقة)))(١).
أقول: لا بد [لتفسير] (٢) ابن عمر من قيد: عدم الصبر ووجود الجزع
والفزع؛ لئلا يشكل بأكثر أحوال الأنبياء والأولياء، وكذا قوله: ((الحالة
الشاقة))، وإلا فأشد الناس بلاءً الأنبياء فالأمثل فالأمثل، فتأمل، وقيل:
((هو ما يختار الموت عليها)).
(ودَرَك الشقاء) بفتح الراء، وفي نسخة بسكونها، قال صاحب
((السلاح)): ((الدرك - بفتح الراء -: اسم، وبالسكون: المصدر))، وفي
((النهاية)): ((الدرك هو: اللحوق والوصول إلى الشيء، يقال: أدركته
إدراكًا ودرگًا»، انتھی.
والشقاء والشقاوة بالفتح نقيض السعادة على ما في ((الصحاح))، وقال
العسقلاني: ((بمعجمة وقاف، وهو: الهلاك، وقد يطلق على السبب
المؤدي إلى الهلاك)).
وقال المصنف: ((المحفوظ فيه فتح الراء، وروي بإسكانها، يعني: أن
يدركني شقاء وقد [يرد](٣) [أيضا](١) في أمور الآخرة))(٢).
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) هذا هو الأليق بالسياق، وفي (أ): ((من تفسير))، وفي (ب) و(ج) و(د): ((تفسير)).
(٣) كذا في (ج)، وفي (أ): ((يراد))، وفي (ب) و(د): ((ير))، وفي ((مفتاح الحصن
الحصین)): «یرید».

١٤٧٥
الحرز الثمين الحصن الحصين
(وسوء القضاء) ((يحتمل في الدين والدنيا والبدن والمال والأهل،
ويحتمل أن يكون في الخاتمة))(٣)، انتهى، وقال بعضهم: ((هو ما يسوء
الإنسان، أو يوقعه في المكروه)).
وقال ابن بطال: ((المراد بالقضاء: المَقْضِيّ؛ لأن حكم الله كله حسن لا
سوءَ فيه))، وقال غيره: ((القضاء: الحكم بالكليّات على سبيل الإجمال في
الأزل، والقدر: الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل
التفصيل))، وقيل بعكس ذلك كما بيَّنَّاهُ في (المرقاة شرح المشكاة)).
(وشماتة الأعداء) قال المصنف: ((هي فرح العدوّ ببليّة تنزل بعدوّه،
من شَمِتَ بكسر الميم يشمت بفتحها)) (٤). (خ) أي: رواه البخاري عن
أبي هريرة، ورواه مسلم والنسائي أيضًا(٥).
وقال بعض المحققين: ((اعلم أنه يفهم من طرق هذا الحديث في
((الصحيحين)) أن المرفوع من الحديث ثلاثة جُمل من الجمل الأربع،
والرابعة زادها سفيان بن عيينة - أحد رواة هذا الحديث - من قبل نفسه،
لكن لم يبين فيها أنها ما هي، وقد بين الإسماعيلي في روايته نقلًا عن سفيان
=
(١) من (أ) و(ج) و((مفتاح الحصن الحصين)).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ب).
(٤) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٥) أخرجه البخاري (٢٦٣٤٧، ٦٦١٦)، ومسلم (٢٧٠٧).

١٤٧٦
الحرز الثمين الحصن الحصين
أن الجملة التي زادها سفيان من قِبَله هي جملة: ((شماتة الأعداء)))).
أقول: جلالة سفيان تمنعه أن يزيد من قبل نفسه ما يدرج في لفظ النبوة،
بل إنما هي زيادة روايته على سائر الرواة، وزيادة الثقة مقبولة، وسيأتي إثبات
هذه الجملة في حديث آخر من غير طُرق الصحيحين، والله أعلم.
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت، ومن شر ما لم أعمل) معنى
استعاذته ((من شر ما لم أعمل)) مخرج على وجهين:
أحدهما: أن يبتلى به في مستقبل الزمان.
والثاني: أن يتداخله العُجْب في ذلك، ذكره التوربشتي.
وفصَّلَه الأشرف، فقال: ((استعاذ من أن يعمل في مستقبل الزمان ما لا
يرضاه الله؛ فإنه لا يأمن من مكر الله إلا القوم الخاسرون))، وقيل: ((أن
يصير معجبًا بنفسه في ترك القبائح، وسأل أن يرى ذلك من فضل الله
تعالى»، نقله میرك.
(م، د، س، ق) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، عن
عائشة رضي الله عنها(١).
(اللهم إني أعوذ بك من شر ما [عملت](٢)) أي: من المعاصي، أو:
من الطاعة المترتب عليها الغُرور والعُجب. (ومن شر ما لم [أعمل](٣))
(١) أخرجه مسلم (٢٧١٦) وأبو داود (١٥٥٠)، والنسائي (٥٦/٣)، وابن ماجه
(٣٨٣٩)، وابن حبان (١٠٣١).
(٢) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(م): ((عَلِمْتُ)).
(٣) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د) و(م): ((أعلم)).

١٤٧٧
الحرز الثمين الحصن الحصين
أي: من العبادات المفروضة عليّ.
(س، مص) أي رواه: النسائي، وابن أبي شيبة، عن عائشة أيضًا رضي
اللّه عنها(١).
(اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك) أي: الدينية، أو الدنيوية النافعة
في الأمور الأخروية، (وتحوَّل عافيتك) بتشديد الواو المضمومة، أي:
تبدل ما رزقتني من العافية إلى البلاء.
وفي رواية أبي داود: ((وتحويل))، مصدر باب التفعيل للتعدي والتفعل
لمطاوعه، لكن الثاني أوفق، وبمقابله الزوال أحق.
فإن قلتَ: ما الفرق بين الزوال والتحول؟ قلتُ: الزوال يقال في شيء كان
ثابتًا في شيءٍ ثم فارقه، والتحوّل تغیر الشيء وانفصاله عن غيره، فمعنی زوال
النعمة ذهابها من غير بدل، وتحول العافية إبدال الصحة بالمرض.
وقال المصنف: (((تحوُّل)) بضم الواو مشددة، يعني: تحولها
وانتقالها))(٢)، (وفُجاءة نقمتك) ((بضم الفاء وفتح الجيم ممدودة، من
فاجأه مفاجأة إذا جاءه بغتة من غير تقدم سبب، وروي بفتح الفاء
وإسكان الجیم من غیر مَدّ))(٢)، انتهى.
و «النقمة)): بکسر فسکون، وفي نسخة بفتح فکسر، ککلمة و کلم، وخصّ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٢٩١٢٥) وفي ((الكبرى)) (٧٩٦٧) و(٧٩٦٨).
(٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ب).

١٤٧٨
الحرز الثمين الحصن الحصين
فجاءة النقمة بالذكر؛ لأنها أشد من أن تُصيب تدريجًا، كما ذكره المظهر.
و((النقمة)): العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَيَنْتَقِمِ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] أي:
يعاقبه، على ما ذكره الجوهري.
ثم قوله: (وجميع سخطك) أي: جميع أسباب غضبك، إجمالٌ بعد
تفصیل، وتعمیم بعد تخصیص. (م، د، س) أي رواه: مسلم، وأبو داود،
والنسائي، عن ابن عمر، وكذا الترمذي على ما في ((الجامع)) (١).
(اللهم إني أعوذ بك من شرّ سمعي) بأن أسمع كلام الزور والبهتان
والغيبة، وسائر أسباب العصيان، أو بأن لا أسمع كلمة الحق، وأن لا
أقبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (ومن شر بصري) بأن أنظر
إلى (٢) محرم، أو أرى إلى أحدٍ بعين الاحتقار، أي: لا أتفكر في خلق
السماء والأرض بنظر الفكر والاعتبار.
(ومن شر لساني) بأن أتكلم فيما لا يعنيني، أو أسكت عما لا يغنيني،
(ومن شر قلبي) باشتغاله بغير أمر ربي، (ومن شر مَنِّي) بأن أوقعه في غیر
محله، أو يوقعني في مقدمات الزنا؛ من النظر واللمس والمشي والعزم
وأمثال ذلك.
قال في ((سلاح المؤمن)): «أراد به فَرْجَه، ووقع في رواية أبي داود:
(١) أخرجه مسلم (٢٧٣٩) وأبو داود (١٥٤٥) والنسائي في الكبرى (٧٩٥٥).
(٢) بعدها في (أ) و(ب) و(ج) و(د): ((غير))، وضرب عليها في (د)، والصواب
حذفها ليستقيم المعنى.

١٤٧٩
الحرز الثمين الحصن الحصين
((يعني: فرجه))، وقال بعض العلماء: ((المني: جمع المنية، وهي طول
الأمل))، وقال المصنف: ((المني: ماء الرجل، يريد: وضعه فيما لا
یحل)»(١)، انتهى.
وفيه: أن الأولى من حيث المعنى أن لا يخص المني بماء الرجل، على
ما في ((المهذب))؛ لأن هذا الدعاء شامل أيضًا للنساء، وأيضًا شرّه ليس
منحصرًا فيما ذكره، بل يعمّ مقدّماته أيضًا، على ما قدمناه.
(ت، د، س، مس) أي رواه: الترمذي، وأبو داود، والنسائي،
والحاكم، عن شكل بن حميد(٢).
(اللهم أعوذ) وفي نسخة: ((إني أعوذ)) (بك من الفقر) يحتمل أن يراد
به: فقر النفس، أعني: الشره الذي يقابل غنى النفس، الذي هو: قناعتها،
يعني: من نفس حريص على جمع المال، ممتنع عن تحصيل الكمال، أو
يراد: قلة المال، فالمراد: الاستعاذة من الفتن المتفرّعة عليها، كالجزع
بقلة الصبر، وعدم الرضا بالقضاء.
(والفاقة) أي: شدة الحاجة إلى الخلق، (والذلة) أي: بأن يكون ذليلًا
حتى يحقره الناس، قال بعض العلماء: ((والمراد بهذه الأدعية تعليم
(١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩/ ب).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٥١)، والترمذي (٣٤٩٢) وقال: حسن غريب.
والنسائي (٢٥٥/٨). والحاكم (٥٣٢/١) وقال: صحيح الإسناد. وصححه
الألباني في صحيح الجامع (١٢٩٢).

١٤٨٠
الحرز الثمين الحصن الحصين
الأمة))، انتهى.
وأما ما ورد من أن: ((المؤمن لا يخلو من علةٍ أو قلة أو ذلة))، فالمراد
بالعلة: المرض، وبالقلة: قدر القوت والكفاية من المال؛ حيث لا يقدر
على الطاعات المالية، والإنفاق في سبيل الله، وطريق مرضاة مولاه،
وبالذلة: عدم الجاه والاعتبار عند عامة الناس.
(وأعوذ بك من أن أَظْلِمَ) بصيغة [المعلوم] (١)، أي: أحدًا، (أو أُظْلَم)
بصيغة المجهول، أي: من أحد، و((أو)) للتنويع، وقال الحنفي: ((بمعنى
الواو)). (د، س، ق، مس) أي رواه: أبو داود، والنسائي، وابن ماجه،
والحاكم، عن أبي هريرة (٢).
(اللهم إني أعوذ بك من الهدم) بفتح فسكون، وفي نسخة بفتحتین،
قيل: وروي بالفتح، وهو اسم ما انهدم، وفي (القاموس)): ((الهَدَم
بالتحريك: ما يهدم من جوانب البئر فسقط فيها)).
(وأعوذ بك من التردي) أي: السقوط من موضع عالٍ، أو: الوقوع في
نحو بئرٍ، قال المصنف: ((الهدْمُ - بإسكان الدال -: هدم البيت وغيره،
يعني: الموت بالهدم. والتردّي - بفتح التاء والراء وتشديد الدال
مكسورة -: من تردّى يتردى، إذا سقط أو تهور من جبل))(٣).
(١) كذا في (ب) و(ج)، وفي (أ) و(د): ((الفاعل)).
(٢) أخرجه أبو داود (١٥٤٤)، والنسائي (٢٦١/٨)، وابن ماجه (٣٨٤٢)،
والحاكم (٧٢٥/١،) وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم.
(٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٩ / ب، ٢٠/ أ).