Indexed OCR Text
Pages 961-980
٩٦١ الحرز الثمين الحصن الحصين انتھی. وهو لما کان دلیلًا ظنًّا قلنا بوجوبه دون فرضيته. (فيرقى) بفتح القاف أي: فيصعد (الصفا حتى يرى البيتَ، فيستقبل القبلة، فيوحد اللّه ويكبره) بأن يرفع يديه كما يرفعهما للدعاء، لا كما يفعله العامة من المعلمين وغيرهم، ويقول: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد، الحمد لله على ما هدانا، الحمد لله على ما أولانا، (ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) زاد أبو عوانة: «یحيي ویمیت)» (وهو على كل شيء قدير). قال ميرك: ((قوله: ((ويقول)) يحتمل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به لكن معناه مستفاد من هذا)). قلت: الظاهر هو الاحتمال الأول؛ لما سيجيء في الحديث الثاني من أنه يكبر ثلاثا ويقول: ((لا إله إلا اللّه، ... )) إلى آخره. (لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده) أي: صدق وعده في إظهار الدين، وكون العاقبة للمتقين، وغير ذلك من وعده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]. (ونصر عبده) أي: الفرد الأكمل، وهو الرسول الأفضل، (وهزم الأحزاب) أي: غلبهم وكسرهم (وحده) إيماءً إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]. ثم الأحزاب: جمع حزب، والمراد بهم القبائل الذين اجتمعوا على محاربة النبي #، وتوجهوا إلى المدينة واجتمعوا حولها، وتحزبوا يوم ٩٦٢ الحرز الثمين الحصن الحصين الخندق نحوًا من اثني عشر ألفًا سوى ما انضم إليهم من يهود قريظة والنضير، فأرسل الله [عليهم](١) كما قال: ﴿رِّحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. وبهذا يرتبط قوله ﴿ تكذيبًا لقول المنافقين والذين في قلوبهم مرض: ﴿مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]، وهذا هو المشهور أن المراد أحزاب يوم الخندق. قال بعضهم: ((ويحتمل أن يكون المراد أحزاب الكفر في جميع الأزمنة والأمكنة))، والله أعلم. (ثم يدعو بين ذلك، ويقول مثل هذا ثلاث مرات) قال ميرك: ((ثم)): تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و((بين)): تقتضي التعدد والتوسط بين الذكر؛ بأنْ يدعو بعد قوله: ((والله على كل شيء قدير))، فحمل المظهر بأن قال لما فرغ من قوله: ((وهزم الأحزاب وحده)) دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ثلاث مرات)). أقول: وهذا إنما يستقيم على التقديم والتأخير، بأن يذكر ثم يدعو بين ذلك بعد قوله: ((ويقول مثل هذا ثلاث مرات))، و((ثم)) تكون للتراخي في الإخبار، لا لتأخر زمان الدعاء، ويلزم أن يكون الدعاء مرتين. قال النووي: ((ويستحب أن يذكر الله بهذا الذكر ويدعو بهذا الدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور)) انتهى. ولا يخفى أن كلام النووي قابل للتأويل؛ بأن يقال: ((ثلاث مرات)) قيد للذكر، فالتقدير: ويدعو بهذا الدعاء فيما بين ذلك؛ ليوافق صريح (١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((إليهم)). ٩٦٣ الحرز الثمين للحصن الحصين الحديث الصحيح، بل وفيه إيماءٌ إلى أن ((ثُمَّ)) في الحديث ليس للتراخي ثُمَّ ءَاتَيْنَا كما في قوله تعالى: ﴿ذَالِكُمْ وَصَّنَكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ مُوسَى الْكِتَبَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] على ما ذهب إليه ابن مالك، ولا للترتيب كما ذهب إليه قوم في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾(١). ويؤيده أنه في آية أخرى: ﴿آثَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن نَفْسِ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. وحاصله: أن «ثُمَّ)) بمعنى الواو لمطلق الجمع كما سيأتي في رواية أخرى بلفظ: (ويدعو))، ولا يبعد أن يجعل ((بين)) بمعنى الوصل على ما ((القاموس))، فيفيد أنه يدعو متصلاً بما ذكر، فيؤخذ منه تثليث الدعاء أيضًا. (ثم ينزل المروة) بالنصب على نزع الخافض، أي: ((إلى المروة)) كما في نسخة، والمعنى: ينزل عن الصفا متوجها إلى المروة ويمشي أو يسير. (حتى إذا انصبت) أي: انحدرت في المشي، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب. قال المصنّف: (بتشديد الباء، أي: انحدرت))(٢) (قدماه في بطن الوادي) وهذا باعتبار ما كان في الزمن الأول من انخفاض الوادي، وارتفاع طرفيه من جانب الصفا والمروة، والمعنى: حتى يصل إلیه وینزل فيه. (١) تصحفت الآية في (أ) و(ج) و(د)، فجاءت هكذا: «هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها))، وتصحفت في (ب): ((هو الذي خلقكم من نفس واحدة ثم خلق منها زوجها))، وما أثبتناه هو الموافق لسياق كلام المؤلف. (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢ / أ). ٩٦٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (سعى) أي: أسرع فيما بين الميلين، فإنه كان أولًا أيضًا مسطحًا قابلًا للسعي، ولعل هذا هو الوجه في العدول عن السعي من ابتداء الصفا إلى انتهاء المروة، كما يتوهمه بعض العوام؛ فإن فيه حرجًا عظيمًا، مع مخالفته لفعل هاجر أم إسماعيل عليهما السلام، في القضية المشهورة عند العلماء الأعلام. (حتى إذا صَعِدَ) بكسر العين، أي: طلع عن بطن الوادي، وهو كذا في النسخ المعتمدة والأصول المعتبرة ((صعد)) بصيغة المجرَّد، وفي نسخة: ((أصعد)). قال ميرك: ((الإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد، سواء في ذلك صعود وحدور، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلُونَ عَلَىَّ أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣] والمراد هنا: ارتفاع القدمين من بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لأنه ذكر في مقابله الانصباب، كذا في ((الفائق)). قلت: ويؤيده ما في ((القاموس))(١): ((صعد في السلم كسمع صعودًا، وصعد في الجبل وعليه تصعيدًا: رَقِيَ، ولم يُسْمَعْ: صَعِدَ فيه. وأصْعَدَ: أتى مكَّةَ، وفي الأرضِ: مَضَى، وفي الوادِي: انْحَدَرَ)). والمعنى: إذا أتى آخر الوادي (مشى) أي: على هينته. (حتى إذا أتى المروة) أي: جاءها ووصلها، (فعل على المروة كما فعل على الصفا) أي: من الصعود عليها بحيث يعاين الكعبة إن لم يكن مانعًا، ويستقبلها بأن يميل إلى جهة يساره ويرفع يديه، ويأتي بالأذكار المذكورة والدعوات المسطورة. (١) القاموس (ص ٢٣٩). ٩٦٥ الحرز الثمين الحصن الحصين (م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبو عوانة، عن جابر(١). (أو) وفي نسخة: ((و)) (إذا رَقِيَ) بكسر القاف، أي: طَلَعَ (الصفا كبر ثلاثًا، ويقول: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. يصنع ذلك سبع مرات، فيصير من التكبير إحدى وعشرون) أي: تكبيرة، (ومن التهليل سبع، ويدعو فيما بين ذلك) أي: ما ذكر من المرات السبع، أو فيما بين [صنعه](٢) ذلك، (ويسأل اللّن) عطف تفسير، أو الدعاء بالقلب والسؤال باللسان، أو على القلب، أو بالجمع بين لسان القال وبيان الحال. (ثم يهبط) قال المصنف: ((بكسر الباء، أي: ينزل))(٣)، يعني: عن الصفا، ويمشي، ثم يسعى، ثم يمشي، (فإذا رقي على المروة صنع كما صنع على الصفا حتى يفرغ) أي: ((من سعيه)) كما في نسخة، والمراد به السعي سبعًا. (مو طا مص) أي رواه: مالك في ((الموطأ))، وابن أبي شيبة في (مُصَنَّفَه))؛ كلاهما من قول ابن عمر موقوفًا (٤). (١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود(١٩٠٥، ١٩٠٧،١٩٠٩)، والنسائي (١٢٢/١) (١٥/٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤). (٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((صنيعه)). (٣) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢ / أ). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤٧١٧) ومالك في الموطأ (١٣١٥) رواية أبي مصعب الزهري. ٩٦٦ الحرز الثمين الحصن الحصين (ويدعو على الصفا) أي: أيضًا، أو: يخصه بهذا الدعاء (اللهم إنك قلت: ﴿آدْعُونِي﴾) أي: اسألوني (﴿أَسْتَجِب ◌َلَكُمْ﴾) أي: أجيب دعوتكم، (وإنك لا تخلف الميعاد) أي: مطلقًا. (وإني أسألك كما هديتني للإسلام) أي: أولًا (أن لا تنزعه) أي: لا [تخلعه](١) آخرًا (مني) قال المصنّف: ((بكسر الزاي، أي: تخرجه وتقلعه))(٢)، انتهى. والمقصود منه الثبات والدوام. (حتى تتوفاني) أي: تقبض روحي (وأنا مسلم) أي: والحال أني على دين الإسلام مستمر مستقر. (مو طا) أي: رواه مالك أيضًا عنه موقوفًا(٣). (وبين الصفا والمروة) وهو بعمومه يشمل ما بين الميلين (رب اغفر وارحم؛ أنت الأعز الأكرم. مو مص) أي: رواه ابن أبي شيبة من قول ابن مسعود موقوفًا(٤). (وإذا سار إلى عرفات) هي علم للموقف، وهي منونة لا غير، كذا في ((المغرب)). وقال القاضي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨]: ((هي جمع، سمي به كأذرعات، وإنما نون وكسر، وفيها العَلَمية والتأنيث؛ لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة)) يعني لنون جمع المذكر لا تنوين التمكن. (١) كذا في (ب)، وفي (أ) و(ج) و(د): ((يخلفه)). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ٢/ أ). (٣) أخرجه مالك في الموطأ (٨٣١). (٤) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥٨٠٧). ٩٦٧ الحرز الثمين الحصن الحصين وإنما سمي الموقف عرفة؛ لأنه نُعِتَ لإبراهيم العَيْهِ، فلما أبصره عَرَ- فَهُ. وقيل غير ذلك. و((عرفات)): للمبالغة في ذلك، وعندي أنه إنما جمع لأن كل جزء من أجزائها موقف إلا بطن عُرَنَةٍ، كما ورد في الحديث، فيكون نظير سراويل، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] المراد به: المسجد الحرام، وجمع لأن كل جهة منه مسجدٌ، أو: لأنه قبلة المساجد؛ فكأنه مساجد. (لبن) أي: في طريقه مرة، (وكبر) أي: مرة أخرى، ولا يبعد أن يكون المراد به تكبير التشريق؛ لكون ابتدائه من صبح عرفة، ويستحب أن یسیر بعد فجرها من منى إلى عرفة، والتلبية لا تنقطع إلا عند الرمي. (م، د) أي رواه: مسلم، وأبو داود، عن ابن عمر (١). (وخير الدعاء: دعاء يوم عرفة) الإضافة فيه إما بمعنى اللام، أي: دعاء خُصَّ بذلك اليوم، وإما بمعنى ((في))، أي: دعاء وقع فيه أيَّ دعاءٍ كان. ويؤيده ما وقع في نسخة: ((وخير الدعاء يومَ عرفة)) بالنصب، ويجوز أن يكون بالرفع، والتقدير: خير أوقات الدعاء يومُ عرفة. (وخير ما قلت أنا والنبيون [من](٢) قبلي) يمكن المغايرة بينهما: بأن يكون الدعاء بالقلب والقول باللسان، وأن يكون عطف تفسير للأول، أو مغايرًا له بالكلية على ما فهم من بعض التقريرات السابقة، ولا يبعد أن (١) أخرجه مسلم (١٢٨٤) وأبو داود (١٨١٦). (٢) من (ب) و(د) فقط. ٩٦٨ الحرز الثمين الحصن الحصين يراد بالدعاء معنى العبادة، أي: خيرها ما وقع في عرفة، فيزول الإشكال المشهور الآتي على الوجه المسطور. فالقول لا الدعاء: (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) قال المؤلف: ((الحديث ليس فيه إلا الثناء على الله تعالى، وليس فيه من لفظ الدعاء شيء، وقد سُئل الإمام الكبير سفيان بن عيينة(١) عن ذلك، فأجاب بقول الشاعر: أأذكر حاجتي أم قد كفاني * ثنائي إن شيمتك الحياء إذا أثنى عليك المرء يومًا * كفاه من تعرضه الثناء (٢) وقال ميرك نقلاً عن الطيبي: ((قوله: ((وخير ما قلت)) بمعنى: خير ما دعوت بيانًا لقوله ((خير الدعاء))، فالدعاء قوله: ((لا إله إلا الله)). فإن قلت: هذا ذکر ولیس بدعاء، قلت: أجیب عنه بو جھین: أحدهما: أنه على سبيل التعريض تجنبًا عن التصريح؛ مراعاةً للأدب. وثانيهما: الاشتغال بخدمة المولى، والإعراض عن الطلب اعتمادًا على کرمه؛ فإنه لا يضيع أجر المحسنين)). قلت: ويؤيده قوله #(٣): ((من شغله ذكري عن مسألتي؛ أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)). ثم الفرق بين الوجهين: أن الذاكر في الأول، وإن لم يصرح بالطلب، (١) أخرجه الدينوري في المجالسة (٤٩). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢ / أ، ب). (٣) أي نقلا عن رب العزة سبحانه وتعالى. ٩٦٩ الحرز الثمين الحصن الحصين فهو طالب بما هو أبلغ من التصريح، بخلاف الثاني، أو أن الذاكر باللسان قد يكون سائلاً بالجنان بخلاف الثاني؛ فإنه في مقام التفويض لا في مرتبة التعريض، ولا شك أنه حال أكمل، وفي قيام حق الربوبية أجمل، كما قال قائل: وكلت إلى المحبوب أمريَ كله * فإن شاء أحياني وإن شاء أتلفا ثم قال ميرك: ((ويجوز أن تكون الإضافة في قوله: ((دعاء يوم عرفة)) بمعنى ((في)»، فعلى هذا يعم الدعوات الواقعة فيه، فیکون قوله: «وخير ما قلت)) عطفًا على قوله: ((خير الدعاء)) لا على البيان، بل يجري على المغايرة والعموم في القول، فيتناول الذكر والدعاء)). (ت) أي: رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وهو المراد بقوله في بعض النسخ: ((عن ابن عَمْرو))(١). (وأكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي) بالجر، وفي نسخة بالرفع (بعرفة: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) في ((الفائق)) (٢): ((إنما سمّي التهليل والتحميد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب صنع الله تعالى إنعامه))، ومنه الحديث: ((يقول الله (١) أخرجه الترمذي (٣٥٨٥). وفي إسناده محمد بن أبي حميد لقبه حماد قال الحافظ في التقريب: ضعيف (ت٥٨٣٦)، وقول الذهبي في الكاشف (١٦٦/٢)، وذكره في المغني (٥٤٥٣). وقال عنه البخاري منكر الحديث، وقال النسائي ليس بثقة الميزان (٢/ ١١٢). (٢) الفائق (١ / ٢٤٧). ٩٧٠ الحرز الثمين الحصن الحصين تعالى: إذا شغل عبدي ثناؤه عَلَيَّ عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطي السائلين))(١). وقوله: ((ودعاء الأنبياء)) يجوز فيه الرفع على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه. قلت: ويصح بلا تقدير مضاف أيضًا، لكن لا يفيد قيد الأكثرية، وهو غير لازم. نعم، أكثر ما ورد في عدده أن يقال فيه مائة مرة، ثم الظاهر أن الدعاء في هذا الحديث لا يحتاج إلى تأويل؛ لقوله (اللهم اجعل في قلبي نورًا)، وإنما قدم التهليل والتحميد للتنبيه على أنه لا بد في الدعاء من تقديم الثناء. (وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا) ترتيب الذكر يشعر بالأفضل، فالأفضل. (اللهم اشرح) أي: وسع (لي صدري) فيه إجمال وتبيين، وكذا في قوله: (ويسر لي أمري) أي: سهل لي جميع أموري، وعلامة شرح الصدر على ما ورد [به](٢) الخبر: ((أن يزهد في الدنيا ويستعد للعقبى)). (وأعوذ بك من وساوس الصدر) أي: من الوساوس الكائنة من (١) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦)، والدارمي (٣٣٥٩) وإسناده ضعيف قال ابن أبي حاتم في العلل (٢ / ٨٢) سألت أبي عن حديث رواه محمد بن الحسن - يعني هذا الحديث - فقال حديث منكر ومحمد بن الحسن ليس بالقوي أهـ. (٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((في)). ٩٧١ الحرز الثمين الحصن الحصين النفس والشيطان الحاصلة في الصدر. (وشتات الأمر) بفتح الشين، أي: تفرقة الخواطر في أمر الدين بالاشتغال في أمور الدنيا؛ فإن جمعه بتحصيل المهم الأهم بأن يجعل [أكبر](١) همه هم الدين، فورد: ((من جعل الهموم همّا واحدًا، هم الدين، كفاه الله هموم الدنيا والآخرة)). (وفتنة القبر) أي: ومن الابتلاء فيه بالسؤال، أو من عذابه بالنکال. (اللهم إني أعوذ بك من شر ما يلج) أي: يدخل (في الليل) أي: من المؤذيات (وشر ما يلج في النهار، وشر ما تَهُبَّ) بضم الهاء وتشديد الباء، أي: تجري (به الرياح) والباء للتعدية أو للملابسة. (مص) أي: الُهُ(٢). رواه ابن أبي شيبة عن علي (والتلبية بعرفات سنة) أي: قبل الوقوف وبعده إلى الرمي، والمعنى: أنها سنة مؤكدة؛ وإلا فهي في جميع أحوال الإحرام مستحبة إلا في ابتداء الإحرام، فإنها واجبة عندنا وسنة عند الشافعي. (س، مس) أي رواه: النسائي، والحاكم، عن ابن عباس، وقال الحاكم: ((صحيح على شرطهما))(٣)، واعلم أن النسائي والحاكم أخرجاه (١) كذا في (أ) و(ب) و(ج)، وفي (د): ((أكثر)). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (١٥١٣٥) وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١١٧/٥) وقال: تفرد به موسى بن عبيدة وهو ضعيف ولم يدرك أخوه عليا. (٣) أخرجه النسائي ٢٥٣/٥، وفي ((الكبرى)) ٣٩٧٩) و((ابن خزيمة)) ٢٨٣٠) والحاكم (١ / ٤٦٥). ٩٧٢ الحرز الثمين الحصن الحصين من سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: كُنَّا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَسْمَعُ النَّاسَ يُلَبُّونَ؟ فَقُلْتُ: يَخَافُونَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ فُسْطَاطِهِ، فَقَالَ: ((لَبَّيْكَ اللهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ تَرَكُوا السُّنَّةَ مِنْ بُغْضِ عَلِّ)) واللفظ للنسائي(١)، كذا ذكره ميرك. وَّ (بعرفات وقال: لبيك اللهم لبيك، إنما الخير (ولما وقف) أي: النبي خير الآخرة) وفي رواية: ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة))؛ فكأنه 48 تذكر بعد كمال أمره، وكثرة أتباعه، وسعة جاهه، فناء الدنيا مع قلة غنائها، وكثرة عنائها، وخسة شركائها، وبقاء العقبى وأنواع نعيمها؛ فقال هذا القول. كما أنه قاله أيضًا في حال كمال ضيقه وشدة جوعه، وكثرة محنته يوم الأحزاب، وقت حفر الخندق؛ تنبيهًا أن السالك ينبغي أن يذكر في الحالين الأخرى، فإنه لا يبقى شر الدنيا. ((الأوسط)) عن ابن عباس. (فإذا صلى العصر) أي: في وقت الظهر في مسجد نمرة بقرب عرفة؛ فإنه جمع تقديم للنسك عندنا بشروط معروفة في كتب الفقه، وعند الشافعي للسفر. (ووقف بعرفة) والأفضل: أن لا يكون فوق الجبل، بل [عن](٢) يسار (١) أخرجه ابن خزيمة (٢٨٣٠) وصححَّه، والنسائي (٢٥٣/٥)، والحاكم (٤٦٥/١) وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال شارح سنن النسائي: هذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما يحتمل أن يكونَ لما رأى معاوية ﴾ ترك التلبية بعرفة ظن أنَّه تركه لبغض علي، والظن قد يخطئ، والذي يظهر أنَّ معاوية إنما تركه لعدم علمه بسنية التلبية فيها. والله أعلم. (٢) كذا في (أ) و(ج) و(د)، وفي (ب): ((على)). ٩٧٣ الحرز الثمين الحصن الحصين الجبل في موضع الصخرات السود؛ فإنه موقفه ﴿ .. (يرفع يديه ويقول: الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر ولله الحمد) أي: ثلاث مرات. (لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد) والأظهر: أن يكمله لما ورد سابقًا، ولما فيه من زيادة الخير. (اللهم اهدني بالهدى) بضم الهاء، أي: هديًا ملابسًا بهديك، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٧٣]. (ونقني) أمر من التنقية، قال المصنف: ((أي: طهرني ونظفني من دنس الذنوب))(١)، انتهى. والأظهر أن معناه: اجعلني نقيا طاهرا من العيوب (بالتقوى) أي: بسبب التزامها بترك الذنوب. (واغفر لي) أي: ذنوبي (في الآخرة والأولى) أي: فيما وقع لي تقصير في أمر الدنيا والعقبى، وتأخير ((الأولى)) رعاية للسجع المعبر عنه بالفواصل، أو إشارة إلى أن الاهتمام بأمر الآخرة هو الأولى. (ثم يرد يديه) أي: عن رفعهما (فيسكت قدر ما يقرأ إنسان فاتحة الكتاب) أي: متفكرًا في معانيه، أو مستغرقًا في الحضور الناشئ عن مبانيه، أو للاستراحة؛ فإنه كما ورد: ((ساعة فساعة)). (ثم يعود فيرفع) وفي نسخة: ((ویرفع)) (یدیه، ويقول مثل ذلك) أي: مثل ما تقدم من الثناء والدعاء، وقالوا: ((يستحب تجديد التلبية أيضًا في الأثناء)). (مو مص) أي: رواه: ابن أبي شيبة موقوفًا من قول ابن عمر وفعله(٢). (١) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢/ ب). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤٩٢٤). ٩٧٤ الحرز الثمين الحصن الحصين (وإذا رجع) أي: من عرفة (وأتى المشعر الحرام) أي: عملًا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُمْ﴾، أي: دفعتم ورجعتم. ﴿مِّنْ عَرَفَتٍ فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهو جبل بمزدلفة اسمه قزح، يقف عليه الإمام، كذا في ((المغرب)) وهو أفضل أماكن المزدلفة، وإلا فكلها موقف إلا وادي محسّر؛ على ما في حديث(١). (١) قال الشيخ المعلمي رحمه الله في رسالته (سيرة النبي ﴾ من عرفات إلى مزدلفة): إذا ثبت أن محسرا يكره الكون به فوق ما لابد منه من المرور السريع وجب أن لا يكون من البقعة التي شرعت فيها البيتوتة ليالي التشريق والكون بها بقية نهارا الثامن وليلة التاسع ويوم النحر وأيام التشريق وهي منى فلا یکون محسرا من منی في الحکم وجاء ما يدل على أنه من منی في الاسم. فأما في الاسم فقد جاء ما يدل على أنه من مزدلفة في الاسم مع خروجه منها في الحكم وجاء على ما يدل أنه ليس من منى ولا مزدلفة. فأما الأول: فأخرج ابن جرير في تفسيره: عن زيد بن أسلم عن النبي قال: عرفة كلها موقف إلا عرنة، وجمع كلها موقف إلا محسر. وأخرج عن ابن الزبير: ((كل مزدلفة موقف إلا وادي محسر)). وعن عروة بن الزبير مثله وخبر عبد الله بن الزبير في الموطأ عن هشام بن عروة عنه. والأصل في الاستثناء الاتصال فيكون محسرا داخلا في مزدلفة في الاسم خارجا عنها في الحكم فعلى هذا لا يكون من منى في الاسم أيضا. فان قيل: قضية هذا أن تكون عرنة داخلة في اسم عرفة وإن خرجت عنها في الحكم. فقلت: لا مانع من هذا بل يشهد له ما ذكره صاحب القرى وغيره بعد ذكر ابن الحرز الثمين الحصن الحصين ٩٧٥ عباس لعرفة أنه يدخل فيها عرنه. ويوافقه حديث ابن عمر في المسند وسنن ابن داوود : ... غدا رسول الله ... حتى أتى عرفة فنزل بنمرة وهي منزل الإمام الذي به بعرفة ... ونمرة من عرفة. وأما الثاني: فيدل عليه ما في المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي من حديث الليث بن سعد عن أبي الزبير عن أبي معبد مولى ابن عباس عن ابن عباس عن أخيه الفضل : ... وكان رديف رسول الله أنه قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حین دفعوا: علیکم بالسكينة. وهو کاف ناقته حتى دخل محسرا وهو من منى قال: عليكم بحصى الحذف الذي يرمى به الجمرة. وقال: لم يزل رسول الله يلبي حتى رمى الجمرة. وفي المسند وسنن النسائي: ((حتى إذا دخل «ثم ساقه مسلم من طريق ابن جريح عن أبي الزبير ولم يسق المتن وقد ساقه الإمام أحمد في المسند وفية: إذ دخل منى حين هبط محسرا قال: عليك بحصى الحذف ... ولم يكون مقصود الفضل إلا الإخبار بما كان من النبي في مسيرة من المزدلفة إلى جمرة العقبة بدون نظر إلى البيتوتة فغاية ما يؤخذ من خبره أن محسرا من منی في الاسم. ومسلم أخرج هذا الحديث في صحيحة في أحاديث استدامة التلبية إلى رمي جمرة العقبة ولم يخرجه في الموضع الذي يتعلق بالبيتوتة. وبين الموضعين أربعة عشر بابا في تبويب النووي. ولم أجد هذا الخبر عن أبي معبد إلا من رواية أبي الزبير. وقد رواه جماعة غير أبي معبد عن ابن عباس ورواه جماعة غير ابن عباس عن الفضل. ولم أر في شيء من رواياتهم هذه الكلمة أو معناها أن محسرا من منى، وأبو الزبير وثقه جماعة ولينة آخرون. = ٩٧٦ الحرز الثمين الحصن الحصين قال الشافعي: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة. وقد لا يبعد أن تكون كلمة ((وهو من منى)) وهي في الرواية التي اتفق على إخراج لفظها أحمد ومسلم والنسائي مدرجة من قول أبي الزبير. وأن راوي الرواية الأخرى خفي عليه الإدراج وروى بالمعنى واللّه أعلم. وأما الثالث: وهو أن محسرا ليست داخلا في اسم منى ولا اسم مزدلفة فهو المشهور وفي تاريخ الأزرقي: حدثني جدي حدثنا مسلم بن خالد عن ابن جريح ... قلت لعطاء: وأين مزدلفة؟ قال: المزدلفة إذا وقفت من مأزمي عرفة فذلك إلى عرفة .... وفية ص ١٣٩ : بهذا السند عن ابن جريح: ((قال قلت لعطاء: أين منى؟ قال: من العقبة إلى محسر قال عطاء: فلا أحب أن ينزل أحد إلا فيما بين العقبة إلى محسر)). وهو خبر واحد قطعه. وقد روى ابن جرير في تفسيره .. القطعة الأولى: حدثنا هناد قال ثنا ابن أبي زائدة قال: أنا ابن جريح قال: قلت لعطاء .... وسنده صحيح. فأما سند الأزرقي ففيه مسلم بن خالد فيه لين. لكنه فقيه مكة في عصره وهذا الحكم مما يعنى به فقهاء مكة وشيخه ابن جريج إمام وهو فقيه مكة في عصره أيضا. وهو ممن روى حديث ابن الزبير السابق وكأنه لم يعول على ما فيه مما يدل أن محسرا من منى وعطاء إمام وهو فقيه مكة في عصره وروى عن ابن عباس حديث الفضل وغيره ثم جاء فقيه عصره الإمام الشافعي وهو مكي أخذ عن مسلم بن خالد وغيره. قال في الأم (١٧٩/٢) والمزدلفة حين يفضي من مأزمي عرفة-وليس المأزمان من مزدلفة-إلى أنه يأتي قرن محسر. وقال ص ١٨٢:)) ومنى ما بين العقبة وليست العقبة من منى إلى بطن محسر وليس بطن محسر من منى وهذا القول أعني أن محسرا ليس من المزدلفة = = ٩٧٧ الحرز الثمين الحصن الحصين وقال الأزهري: ((الشعائر: المعالم التي ندب اللّه إليها أو أمر القيام بها، ولا من منى هو المعروف في كتب الفقه والمناسك في المذاهب الأربعة. وقال ابن حزم في المحلى (ج٧ ص٨٨ المسئلة ٨٥٣): وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة ومزدلفة كلها موقف إلا بطن محسر؛ لأن عرفة من الحل وبطن عرنة من الحرم فهو غير عرفة وأما مزدلفة فهي المشعر الحرام وهي من الحرم وبطن محسر من الحل فهو غير مزدلفة. ولا ريب أن منى عنده من الحرم فهي غير محسر الذي هو عنده من الحل. وقد أغرب في زعمه أن بطن عرنة من الحرم وأغرب من ذلك زعمه أن محسرا من الحل. احتج ابن حزم باختلاف المكانين في أن هذا من الحل وهذا من الحرم على تغايرهما واختلاف حكمهما وأنها لحجة لو صح ذاك الاختلاف. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مناسكه: ((ومزدلفة كلها يقال لها المشعر الحرام وهي ما بين مأزمي عرفة إلى بطن عرنة فإن بين كل مشعرين حدا ليس منهما فإن بين عرفة ومزدلفة بطن عرنة وبين مزدلفة ومنى بطن محسر. كأنه نظر إلى عبارة ابن حزم وأعرض عما فيها من الخطأ. وقد أوضح ابن القيم ذلك فقال في الهدي: ((ومحسر برزخ بين منى وبين مزدلفة لا من هذه ولا من هذه. وعرنة برزخ بين عرفة والمشعر الحرام فبين كل مشعرين برزخ ليس منهما. فمنى: من الحرم وهي مشعر. ومحسر: من الحرم وليس بمشعر. ومزدلفة: حرم ومشعر. وعرنة: ليست مشعرا وهي من الحل. وعرفة: حل ومشعر)). ولا ريب أن الشيخين كانا عارفين بحديث ابن الزبير عن أبي معبد ومع ذلك قطعا بأن محسرًا ليس من منى وفي هذا سند قوي لما تقدم من الكلام فیه .. والله أعلم .. ) انتهى. ٩٧٨ الحرز الثمين الحصن الحصين ومنه سمي المشعر الحرام؛ لأنه معلم للعبادة وموضع لها)) انتهى (١). والبيتوتة بها سنة، والجمع بين العشاءين جمع تأخير واجب، وكذا الوقوف بعد الصبح ولو ساعة واجب عندنا، وعند الشافعي: الوقوف سنة. والبيتوتة بها أكثر الليل واجبة، وأما ما نسب صاحب ((الهداية)) إلى الشافعي أنها رکن عنده، فغیر صحیح. (استقبل القبلة، فدعاه) أي: فدعا الله تعالى (وكبره) أي قال: الله أكبر (وهلله) أي قال: لا إله إلا الله (ووحده) أي قال: ((لا إله إلا اللّه وحده ... )) إلي آخره. وقال الحنفي: ((أي قال: إنه واحد)). (فلم يزل واقفًا) أي: بعد صلاة الفجر (حتى أسفر) أي: أضاء واستنار (الصبح) مأخوذ من السفر، وهو بياض النهار، على ما ذكره الجوهري، (جدًّا) أي: مبالغًا، فهو حال أو صفة مصدر محذوف، أي: إسفارًا بليغًا بحیث یقرب طلوع الشمس، ثم يتوجه إلى منّى. وقد أخطأ الحنفي في قوله: ((الضمير في ((أسفر)) إلى الرسول ﴾، أي: صلى الصبح عند ضيائه)) ومنشأ خطئه غفلته عن مسألة الإسفار؛ فإنه أفضل عندنا؛ لقوله : ((أسفروا بالفجر؛ فإنه أعظم للأجر)). وعند الشافعي أداء الصلوات في أوائل الأوقات أفضل؛ لما ورد من: ((أول الوقت رضوان اللّه، وآخر الوقت غفران الذّن))، لكن هذه الصلاة في هذا المكان مستثنَّى بالإجماع؛ على أنه ﴾ صلاها بغلس، ولا خلاف للفقهاء فیه. (م، د، س، ق، عو) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن (١) النهاية (٤٧٩/٢). = ٩٧٩ الحرز الثمين الحصن الحصين ماجه، وأبو عوانة؛ كلهم عن جابر(١). (ولم يزل) أي: من يوم أحرم (يلبي حتى يرمي الجمرة) أي: فيقطعها في أول جمرة يرميها (أي: جمرة العقبة) أي: التي لا ترمى في أول أيام النحر إلا جمرتها، والتفسير من بعض الرواة. (ع) أي: رواه الجماعة عن ابن عباس. (وإذا أراد رمي الجمار) أي: الجمرات الثلاث في ثاني النحر وما بعده، (فإذا أتى) أي: بعد الزوال، (الجمرة الدنيا) أي: القربى، التي تلي مسجد الخيف (رماها بسبع حصيات) أي: أحجار صغار نحو الباقلاء. (يكبر على إثر كل حصاة) أي: عَقِيبها، وهو بكسر الهمزة وسكون المثلثة، وفي نسخة بفتحهما، وهما لغتان؛ ففي التنزيل: ﴿قال هم أولاء على أَثَرِي﴾ بفتحتين عند الجمهور، وقرأ رويسٌ بالكسر والسكون. (خ، س) أي رواه: البخاري، والنسائي، عن ابن عمر(٢). (أو مع كل حصاة) بأن يجمع بين القول والفعل، وهو الأظهر كما في الجمع بين غسل اليدين والبسملة في أول الوضوء. (م، د، س، ق، مص) أي رواه: مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي شيبة، عن جابر(٣). (١) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود(١٩٠٥، ١٩٠٧،١٩٠٩)، والنسائي (١٢٢/١) (١٥/٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤). (٢) أخرجه البخاري (١٧٥٢)، والنسائي (٢٧٦/٥). (٣) أخرجه مسلم (١٢١٨)، وأبو داود(١٩٠٥، ١٩٠٩، ١٩٠٧)، والنسائي (١٢٢/١) (١٥/٢)، وابن ماجه (٣٠٧٤). ٩٨٠ الحرز الثمين الحصن الحصين (ثم يتقدم) أي: عن موضع الجمرة إلى مَكَانٍ قُدَّامَهَا، (فَيُسهِل) بضم أوله، أي: فيدخل في السهل من الأرض، قال المصنف: ((يقال أسهل يسهل، إذا صار إلى السهل من الأرض، وهو ضد الحزن، [و](١) صار إلى بطن الوادي، وهو معنى قوله: ((ويستبطن الوادي))))(٢)، يعني الآتي في جمرة العقبة. لكنه وهم من المؤلف؛ إذ معناه أنه يدخل في بطن الوادي، ويرمي من بطنه لا من فوقه، فإنه هناك علو يمكن أن يرمي به، وأما الجمرتان الأوليان فهما في بطن الوادي بأصلهما، فالمطلوب هنا الدخول في أرض السهل، فالمغايرة بينهما ظاهرة للعارف بهما. (فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا) قيل: ((قدر قراءة سورة البقرة)) (فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك) أي: مثل ما تقدم من اعتبار السبع ومراعاة التكبير. (فيأخذ ذات الشمال) أي: يمشي إلى جهة الشمال عند تقدمه عن و الجمرة، وإرادته الوقوف للدعاء، (فُيُسْهِلَ، فيقوم مستقبل القبلة قيامًا طويلًا، فيدعو ويرفع يديه حتى يرمي الجمرة ذات العقبة) أي: الواقعة عندها (من بطن الوادي) أي: لا يرميها من فوق؛ فإنه مكروه عندنا، غير جائز عند الشافعي. (ولا يقف عندها) أي: عند جمرة العقبة ولا حولها للدعاء، وهو لا (١) في ((مفتاح الحصن الحصين)): ((أراد)). (٢) ((مفتاح الحصن الحصين)) (ل ١٢/ب).